الفصل الأول

«أعتقد أنني سأتوقف هنا»

ستذكُر الأجيال أرشميدس حين تنسى إسخليوس؛ ذلك أنَّ اللغاتِ تموت والأفكارَ الرياضية لا تموت. ربما يكون «الخلود» مصطلحًا سخيفًا، لكنَّ عالم الرياضيات هو مَن يحظى بأفضلِ فرصة في نَيله على الأرجح، أيًّا كان ما يَعنيه.

جي إتش هاردي

(١) ٢٣ يونيو ١٩٩٣، كامبريدج

كانت تلك هي أهم محاضرة رياضية في القرن. مائتان من علماء الرياضيات قد جلَسوا فيها يَعْتليهم الذُّهول. رُبعهم فقط هم الذين كانوا يفهمون ذلك الخليط المعقَّد من الرموز اليونانية والجبرِ الذي كان يُغطِّي السبُّورة. أما البقية، فقد حضَروا من أجل أن يشهدوا تلك المناسبة فحسب، التي كانوا يأمُلون أن تكون مناسبةً تاريخية بحق.

كانت الشائعات قد بدأَت في اليوم السابق، إذ أشارت رسائلُ البريد الإلكتروني عبر الإنترنت إلى أنَّ المحاضرة ستُتوَّج في نهايتها بحلٍّ لمبرهنة فيرما الأخيرة، وهي أشهرُ المعضلات الرياضية في العالم. لم يكن مثلُ هذه الأخبار بالشيء غيرِ المألوف؛ فغالبًا ما كان موضوعُ مبرهنة فيرما الأخيرة يطرأ حول لقاءات الشاي، ويطرح علماء الرياضيات تخميناتهم بشأنِ مَن قد يفعل ماذا. وفي بعض الأحيان، تُحوِّل الهمهماتُ الرياضية التي تدور في قاعة الاجتماعات بالجامعة، التخمينات إلى شائعاتٍ عن تحقيقِ إنجازٍ كبير، لكنَّ شيئًا منها لم يتحقَّق قط.

أما في هذه المرة، فقد كانت الشائعةُ مختلفة. لقد كان أحدُ طلاب الدراسات العليا مقتنعًا للغاية بصحتها، حتى إنه قد أسرعَ إلى وُكلاء المراهنات؛ للمراهنة بقيمة عشَرة جنيهات إسترلينية على أنَّ مبرهنةَ فيرما الأخيرةَ سوف تُحَلُّ في غضونِ هذا الأسبوع. غير أنَّ وكيلَ المراهنات قد ارتاب في الأمر ورفَض هذا الرِّهان. لقد كان هذا هو الطالبَ الخامس الذي يأتي إليه في ذلك اليوم، وجميعهم قد طلَبوا أن يضعوا الرِّهانَ نفسَه. لقد ظلَّت مبرهنةُ فيرما الأخيرةُ تُحيِّر أعظمَ العقول على الكوكب على مدى ما يَزيد على ثلاثةِ قرون، أمَّا الآن، فحتى وكلاء المراهنات بدَءوا يرتابون في أنَّ التوصُّلَ إلى بُرهانها قد صار وشيكًا.

امتلأَت السبوراتُ الثلاثة بالحسابات وتوقَّف المحاضِر. مُحِيَت الكتابة الموجودة على السبورة الأولى، واستمر الجبر. بدا أنَّ كل سطرٍ من الرياضيات هو خُطوة صغيرة تُقرِّب الحل، لكنَّ ثلاثينَ دقيقةً قد مرَّت ولم يكن المحاضِر قد أفصحَ عن البرهان بعدُ. كان الأساتذة الذين احتشَدوا في الصفوف الأولى ينتظرون النتيجة بتلهُّف. وكان الطلابُ الواقفون في الخلف ينظرون إلى أساتذتهم بحثًا عن أيِّ إشارة تدلُّ على ما قد تكون عليه النتيجة. أكانوا يُشاهدون إثباتًا كاملًا لمبرهنة فيرما الأخيرة، أم أنَّ المحاضِرَ كان يُلخِّص حُجةً غيرَ مكتملةٍ مخيبةً للآمال فحسب؟

كان المحاضِر هو أندرو وايلز، رجلًا إنجليزيًّا متحفظًا هاجرَ إلى أمريكا في ثمانينيات القرن العشرين، وتولى أحدَ مناصب الأستاذية في جامعة برينستون؛ حيث اكتسب سُمعة بصفته أحدَ أبرع علماء الرياضيات في جيله. غير أنه في السنوات الأخيرة، اختفى عن الأنظار تقريبًا من الجولة السنوية للمؤتمرات والحلقات النقاشية. وبدأ الزملاءُ يفترضون أنَّ وايلز قد انتهى. فليس من الغريب أن تخبوَ العقولُ الشابة البارعة، وهو الأمر الذي أشار إليه عالم الرياضيات ألفريد أدلر إذ قال: «قصيرة هي الحياة الرياضية لعالم الرياضيات؛ فنادرًا ما يتحسَّن العمل بعد سنِّ الخامسة والعشرين أو الثلاثين. إذا لم يتحقَّق سوى القليل بحلول ذلك الوقت؛ فالقليلُ هو كل ما سيتحقَّق أبدًا.»

في كتابه «اعتذار عالم رياضيات»، يقول جي إتش هاردي: «على الشباب أن يتوصلوا إلى إثباتِ المبرهنات، وعلى الشيوخ أن يكتبوا الكتب. وينبغي لعلماءِ الرياضيات ألَّا ينسَوْا أبدًا أنَّ الرياضياتِ مجالٌ للشباب، وهي تتَّسِم بذلك أكثرَ من أي علمٍ أو فنٍّ آخَر. فمن الأمثلة البسيطة التي تُوضح ذلك أنَّ متوسط عمر الانتخابِ لجمعية «ذا رويال سوسايتي» هو الأقلُّ في الرياضيَّات.» لقد انتُخِب تلميذه النابغة سرينيفاسا رامانوجان، زميلًا في جمعية «ذا رويال سوسايتي» وهو في سنِّ الواحدة والثلاثين فحسب؛ إذ كان قد توصَّل إلى مجموعةٍ من الاكتشافات المذهلة خلال شبابه. وبالرغم من أنه لم يحظَ إلَّا بقدرٍ ضئيل للغاية من التعليم الرسميِّ في قريته الأم كومباكونام في جنوب الهند، تَمكَّن رامانوجان من ابتكار مبرهنات وحلول أعجزَت علماء الرياضيات في الغرب. ففي الرياضيات، يبدو أنَّ الخبرة التي يكتسبها المرءُ مع التقدُّم في العمر أقلُّ أهميةً من حَدْس الشباب وجُرأته. حين أرسل رامانوجان نتائجه إلى هاردي، انبهر بها بروفيسور كامبريدج، حتى إنه دعا الشابَّ إلى التخلِّي عن عملِه البائس موظَّفًا في جنوب الهند، والالتحاق بكلية ترينيتي كوليدج، حيث سيتمكَّنُ من التفاعل مع بعضٍ من أبرزِ علماء الرياضيات في مجال نظرية الأعداد. ومن سوء الحظ أنَّ الشتاء في شرق إنجلترا كان شديدَ القسوة على رامانوجان، فأُصيبَ بمرض السُّل ومات في سنِّ الثالثة والثلاثين.

بعض علماء الرياضيات الآخَرين قد حظوا هم أيضًا بمسيرةٍ عمَلية على الدرجة نفسِها من البراعة والقِصَر. فعالمُ الرياضيات النرويجيُّ الذي عاش في القرن التاسع عشر، نيلز هنريك آبِل، قد قدَّم أعظمَ إسهاماته في الرياضيَّات وهو في سن التاسعة عشرة، ومات فقيرًا بعد ذلك بثماني سنوات، من مرض السُّل أيضًا. لقد قال عنه تشارلز هرمايت: «لقد ترك لعلماءِ الرياضيات ما يُبقيهم منشغِلين على مدى خَمسِمائة عام.» ولا شكَّ أنَّ اكتشافاتِ آبل لا يزال لها عظيمُ الأثر على علماء الرياضيَّات المنشغِلين بنظرية الأعداد في الوقت الحالي. إيفاريست جالوا، معاصِر آبِل الذي لا يقلُّ عنه نبوغًا، قد قدَّم هو أيضًا إنجازاتِه الكبيرةَ وهو لا يزال في سنِّ المراهقة، ومات في الواحدة والعشرين فحسب.

ليس الهدفُ من هذه الأمثلة الاستدلالَ على أنَّ علماء الرياضيات يموتون مبكرًا وعلى نحوٍ مأساوي، بل توضيح أنَّ أفكارَهم الأكثرَ عُمقًا تتولَّدُ عادةً في مرحلة الشباب؛ فمِثلما قال هاردي من قبل: «أنا لا أعرف مثالًا على تقدمٍ مهم في الرياضيات قد توصَّل إليه رجلٌ تجاوز الخمسين.» وغالبًا ما يتلاشى علماءُ الرياضيات متوسِّطو العمر إلى الخلفية ويقضون السنوات المتبقيةَ من أعمارهم في التدريس أو الإدارة لا البحث. أما في حالة أندرو وايلز، فذلك بعيد كلَّ البعد عن الحقيقة. لقد بلغ الأربعين من العمر، لكنه قضى السنواتِ السبعَ الأخيرة في العمل بسريةٍ تامة، في محاولةٍ لحل المسألة الفريدة الأعظم في الرياضيات. وبينما كان الآخَرون يشكُّون في أنَّه قد نضب، كان وايلز يُحرز تقدمًا مذهلًا، ويبتكر تقنياتٍ وأدوات جديدةً كان قد أصبح آنَذاك مستعدًّا للإفصاح عنها. لقد كان قراره بالعمل في انعزالٍ تام استراتيجيةً تنطوي على قدرٍ كبير من الخطورة، وهي غيرُ معروفة في عالم الرياضيات.

لَمَّا كانت الرياضياتُ تخلو من الاختراعات التي يُمكن التقدمُ بالحصول على براءةٍ لها، فقد صارت أقسامُ الرياضيات في أي جامعة هي أقلَّ الأقسام سريةً على الإطلاق. إنَّ ذلك المجتمع يفتخرُ بانفتاحه وبالتبادل الحرِّ للأفكار فيه، حتى إنَّ استراحات الشاي قد تطورَت إلى طقوس يومية لمشاركة الأفكار واستكشافها مع تناول قِطَع البسكويت وشاي إيرل جراي. ونتيجةً لذلك، يزداد انتشارُ الأوراق البحثية التي يشترك فيها عددٌ من المؤلفين أو فِرَقٌ من علماء الرياضيات؛ ومِن ثَمَّ فهم يتشاركون المجدَ بالتساوي. بالرغم من ذلك، إذا كان البروفيسور وايلز قد اكتشف برهانًا كاملًا ودقيقًا لمبرهنة فيرما الأخيرة؛ فإنَّ أبرزَ جائزةٍ في الرياضيات كانت ستُصبح من نصيبه وحده دون منازع. وكان الثمن الذي اضطُرَّ إلى دفعه مقابلَ هذه السرية، هو أنه لم يُناقش قبل ذلك أفكارَه مع مجتمع الرياضيات أو يختبرها؛ ومِن ثَمَّ فقد كان ثَمة احتمالٌ كبير في أنه قد ارتكب خطأً جوهريًّا.

من الناحية المثالية، كان وايلز يرغب في قضاء وقتٍ أكبر في مراجعة عمله؛ لكي يتمكنَ من التحقُّق من مخطوطته النهائية تمامًا. غير أنَّ الفرصة الفريدةَ قد ظهرَت بعد ذلك ليُعلن عن اكتشافه في معهد إسحاق نيوتن في كامبريدج، وتخلَّى وايلز عن حذرِه. إنَّ الهدف الوحيد من وجود هذا المعهد هو جمعُ العقول الأعظم في العالم معًا لبضعةِ أسابيعَ من أجل عقد الحلقات النِّقاشية بشأن موضوعٍ بحثي حديثٍ من اختيارهم. يقعُ المبنى على أطراف الجامعة بعيدًا عن الطلاب وغير ذلك من مصادر التشتيت، وقد صُمِّم خِصِّيصى لتشجيع الباحثين الأكاديميِّين على التعاون والعصف الذِّهني، إذ لا توجد بالمبنى ممراتٌ مغلقة يُمكن الاختباء فيها، وجميع المكاتب تقع قُبالة ساحةٍ مركزية. من المفترض أن يقضيَ علماءُ الرياضيات وقتهم في هذا المكان المفتوح، وهم يُثْنَون عن غلقِ أبواب مكاتبهم. وحتى المصعد الذي لا ينتقل إلا بين ثلاثة طوابق، يحتوي على سبُّورة سوداء، بل إنَّ كل قاعةٍ في المبنى، بما في ذلك دورات المياه، تحتوي على سبورة واحدة على الأقل. وفي هذه المناسبة، عُقِدت حلقاتُ النقاش في معهد إسحاق نيوتن تحت عنوان «الدوال اللامية وعلم الحساب» وقد اجتمع أفضلُ علماء نظرية الأعداد في العالم، لمناقشة المسائل المتعلِّقة بهذا المجال المتخصِّص للغاية من الرياضيات البحتة. غير أنَّ وايلز وحده هو الذي أدرك أنَّ الدوالَّ اللامية قد تنطوي على مِفتاح حلِّ مبرهنة فيرما الأخيرة.

وبالرغم من أنَّ الفرصة في الإفصاح عن عمله لمثل ذلك الجمهورِ الرفيع كانت من عوامل الجذبِ بالنسبة إليه، فقد كان السببُ الأساسي للقيام بمثل ذلك الإعلان في معهد إسحاق نيوتن، هو أنَّه يقع في بلدته الأصلية: كامبريدج. كان ذلك هو المكانَ الذي وُلِد فيه وايلز، وترعرَع، ونما فيه شغَفُه بالأعداد، وفيه قد عثَر أيضًا على المسألة التي كانت ستُهيمن على بقية حياته.

(١-١) المسألة الأخيرة

في عام ١٩٦٣، حين كان أندرو وايلز في العاشرة من عمره، صار متيَّمًا بالفعل بالرياضيات. «لقد كنت أحبُّ حلَّ المسائل في المدرسة، وكنتُ آخذها إلى البيت وأؤلِّف بنفسي مسائلَ جديدة. غير أنَّ أفضلَ مسألةٍ عثرت عليها على الإطلاق، قد اكتشفتها في المكتبة المحلية بالبلدة.»

في أحد الأيام حين كان وايلز الصغير يسير إلى البيت بعد خروجه من المدرسة، قرَّر زيارة المكتبة الواقعة في ميلتون رود. وقد كانت فقيرةً بعضَ الشيء مقارنةً بمكتبات الكليات، غير أنها كانت تزخر بمجموعة وفيرة من كتب الألغاز، وكان ذلك هو ما يسترعي انتباهَ أندرو في أغلب الأحيان. كانت هذه الكتب تمتلئ بجميع أشكالِ المعضلات العِلمية والأحاجي الرياضية، وكانت إجابات هذه الأسئلة تقبع في مكانٍ ما في الصفحات الأخيرة. أما في هذه المرة، فقد كان ما جذب انتباهَ أندرو هو كتابًا لا يتضمَّن إلا مسألةً واحدة دون حلٍّ لها.

كان عنوان الكتاب هو «المسألة الأخيرة» من تأليف إريك تيمبِل بيل، وكان يسرد تاريخَ مسألةٍ رياضية تعود جذورُها إلى اليونان القديمة، لكنها لم تَصِل إلى مرحلةِ النضج الكامل إلا في القرن السابع عشر، وذلك حين صاغَها الرياضيُّ الفرَنسي العظيم بيير دو فيرما، لتكون تحديًا لبقيةِ العالم دون قصدٍ منه. وواحدًا تِلوَ الآخر، شعرَ العديدُ من علماء الرياضيات العظامِ بالتواضع أمام إرثِ فيرما، وعلى مدى ثَلاثِمائة عام، لم يتمكن أحدٌ من حلِّه. ثَمة أسئلةٌ أخرى ما من إجابةٍ لها في الرياضيات، غير أنَّ ما يُميز مسألةَ فيرما هو بساطتها الخادعة. وبعد ثلاثين عامًا من قراءة كتابِ بيل للمرة الأولى، أخبرني وايلز بما شعر به في اللحظةِ التي تعرَّف فيها على مبرهنة فيرما الأخيرة: «لقد بدَت بسيطةً للغاية، ومع ذلك، لم يتمكَّن جميعُ علماء الرياضيات العِظام في التاريخ من حلِّها. تلك مسألة، تمكَّنتُ أنا الصبيُّ ذو الأعوامِ العشرة من فَهمِها، وقد عرَفتُ منذ تلك اللحظة أنني لن أستطيعَ نسيانها. كان عليَّ أن أحلَّها.»

تبدو المسألة مباشرةً للغاية؛ لأنها تستند إلى المعلومة الرياضية الوحيدة التي يتذكَّرها الجميع، وهي مبرهنة فيثاغورس:

في المثلث القائمِ الزاوية، يكون مربعُ طول الوتَر مساويًا لمجموع مربَّعَي طولَي الضِّلَعَين الآخَرَين.

ونتيجةً لتلك الأنشودة الفيثاغورسية البسيطة، طُبِعت المبرهنة في ملايينِ العقول البشرية، بل المليارات منها. إنها المبرهنة الأساسية التي يكون على كل تلميذ بريءٍ أن يتعلمَها. وبالرغم من أنَّ الطفل ذا الأعوامِ العشَرة يستطيع فَهمَها، فإنَّ ابتكار فيثاغورس كان هو مصدرَ الإلهام لمسألةٍ قد أعجزَت أعظمَ العقول الرياضية في التاريخ.

كان فيثاغورس الساموسي واحدًا من أكثر الشخصيات تأثيرًا في الرياضيات، ومن أكثرِها غموضًا أيضًا. ونظرًا إلى عدمِ وجود روايات مباشرةٍ عن حياته وأعماله، فهو مُسجًّى بالخرافات والأساطير؛ مما يُمثل صعوبةً للمؤرخين في الفصل بين الحقيقة والخيال. أما ما يبدو مؤكَّدًا، فهو أنَّ فيثاغورس قد شكَّل فكرةَ المنطقِ العددي، وإليه يعود الفضلُ في تدشين العصر الذهبي الأول للرياضيات. وبفضل براعته، لم يَعُد استخدام الأعداد مقتصرًا على العدِّ والحساب فحسب، بل صارت تُقدَّر في حدِّ ذاتها. فدرَس خصائصَ أعدادٍ معينة، والعلاقات فيما بينها، وكذلك الأنماط التي تُشكِّلها. وأدركَ أنَّ وجود الأعداد مستقلٌّ عن العالم المحسوس؛ ومِن ثَمَّ فإنَّ أخطاءَ الإدراك الحسِّي لا تشوبُ دراستها. وقد كان معنى هذا أنَّ بإمكانه معرفةَ الحقائقِ المستقلَّة عن الرأي أو التحيُّز، التي تكون أكثرَ قطعيةً من المعارف السابقة.

لقد اكتسب فيثاغورس، الذي عاش في القرن السادسِ قبل الميلاد، مهاراتِه الرياضيةَ عن طريق رحلاته في العالم القديم. بعض الروايات تطلب منا أن نُصدِّق أنه قد سافر إلى أقصى الأماكن مثل الهند وبريطانيا، غير أنَّ الأمر الأكثرَ يقينًا أنه جمع العديد من أساليبه الرياضية وأدواته من المِصريِّين والبابليِّين. وكِلا هذين الشعبين القديمين قد تجاوَزا حدودَ العدِّ البسيط، وتَمكَّنا من إجراء عملياتٍ حسابية معقَّدة؛ مما أتاح لهما ابتكارَ أنظمةٍ معقَّدة للمحاسَبة، وتشييدَ مَبانٍ متقَنة. لا شك أنهم لم يكونوا ينظرون إلى الرياضيات إلا بوصفها أداةً لحلِّ المشكلات العمَلية؛ فقد كان الدافعُ وراء اكتشاف بعض قواعد الجبر الأساسية هو التمكُّنَ من إعادة تشييد حدود الحقول التي ضاعت في الفيضان السنَوي للنيل. فكلمةُ الجبر نفسها تعني «قياس الأرض».

وقد لاحظَ فيثاغورس أنَّ المِصريِّين والبابليين كانوا يُجْرون كلَّ عملية من العمليات الحسابية على هيئةِ وصفةٍ يُمكن اتباعها دون تفكير. وهذه الوصفات التي انتقلَت من جيلٍ إلى جيل، كانت تُعطي النتيجةَ الصحيحة على الدوام؛ ومِن ثَمَّ، فإنَّ أحدًا لم يتجشَّم عناء التفكير فيها أو استكشافَ المنطق الذي تنطوي عليه هذه المعادلاتُ. لقد كان الأمر المهمُّ لهاتين الحضارتَين هو أنَّ المعادلة ناجحة، أما السبب في نجاحها فلم يكن بالشيء الذي تهتمُّ به.

بعد عِشرين عامًا من السفر، كان فيثاغورس قد استوعب كلَّ القواعد الرياضية في العالم المعروف، ثم أبحرَ إلى جزيرته الأم ساموس، التي تقع في بحر إيجه، وهو يعتزمُ تأسيس مدرسة تختصُّ بدراسة الفلسفة، وتُعنَى تحديدًا بالبحث في القواعد الرياضية التي اكتسبَها حديثًا. لقد كان يرغب في فَهم الأعداد، لا استخدامَها فحَسْب. وكان يأمُل في أن يجد الكثيرَ من الطلاب الذين يتمتَّعون بمَلَكة التفكير الحرِّ ويُساعدونه في تشكيل فلسفاتٍ جذرية جديدة، لكن في أثناء غيابه، كان الطاغية بوليقراط قد حوَّل ساموس التي كانت تتمتع بالحرية فيما قبل، إلى مجتمعٍ متعصِّب محافظ. دعا بوليقراط فيثاغورس للانضمام إلى بلاطه، لكنَّ الفيلسوف قد أدرك أنَّ ذلك ليس سِوى مناورةٍ تهدف إلى إسكاتِه؛ فرفض ذلك الشرفَ. وبدلًا من ذلك، تركَ المدينة وفضَّل عليها كهفًا يقع في منطقة نائية من الجزيرة حيث كان يستطيع أن يتأمَّل دون خوفٍ من الاضطهاد.

لم يستسغ فيثاغورس عُزلتَه، ولجأ في نهاية المطاف إلى رِشوة أحد الفِتيان ليكون أولَ طالب له. إنَّنا لا نعرف هُويَّة ذلك الشابِّ على وجه اليقين، لكنَّ بعض المؤرخين قد اقترحوا أنَّ اسمه هو أيضًا فيثاغورس، وأنَّ ذلك الطالبَ هو مَن سيَحْظى بالشهرة بعد ذلك؛ لاقتراحه أنه ينبغي على علماء الرياضيات أكلُ اللحوم لتحسين بِنْيتهم الجسمانية. دفع فيثاغورس المعلَّمُ لتلميذه ثلاثًا من عملات الأوبول المعدنية مقابلَ كل درس كان يحضره، ثم لاحظَ مع مرور الأسابيع أنَّ ما كان يراه لدى الفتى من إحجامٍ أوَّليٍّ عن التعلُّم، قد تحول إلى حماسٍ للمعرفة. ولكي يختبرَ تلميذه، تظاهرَ فيثاغورس بأنه لم يَعُد قادرًا على أن يدفعَ النقود لتلميذه، ومِن ثَمَّ فلا بد أن تتوقَّف الدروس، وحينها عرَض الطالب أن يدفعَ مقابل تعليمِه لا أن يُنهِيَه. كان التلميذُ قد أصبح مُريدًا. لكنَّ ذلك الطالب كان هو الشخصَ الوحيد للأسف الذي تمكَّن فيثاغورس من تبديل حاله في جزيرة ساموس. فقد أسَّس مدرسةً بالفعل وقتًا قصيرًا، وكانت تُعرَف باسم «ذا سيمي سيركل أوف فيثاغورس»، غير أنَّ آراءَه بشأن الإصلاح الاجتماعيِّ لم تلقَ قَبولًا، واضطُرَّ الفيلسوف إلى الفِرار من الوطن مع أمه ومريده الوحيد.

غادر فيثاغورس إلى جنوب إيطاليا التي كانت جزءًا من اليونان الكبرى، واستقرَّ في قروطون حيث حالفه الحظُّ إذ وجد راعيًا مثاليًّا في ميلو: أثْرَى رجال قروطون، وأحد أقوى الرجال في التاريخ. وبالرغم من أنَّ سُمعة فيثاغورس بصفته حكيمَ ساموس كانت قد بدأَت تنتشر عبر اليونان بالفعل، كانت شهرة ميلو أكبرَ وأعظم. كان ميلو رجلًا يتمتع بجسدٍ عملاق، وقد حاز على بطولة الألعاب الأوليمبيَّة والبايثونية على مدى اثنتَي عشْرةَ مرةً. وعلاوةً على اهتمامه بالرياضة، كان ميلو متذوقًا للفلسفة والرياضيات ودارسًا لهما. تخلَّى ميلو عن جزءٍ من منزله ووفَّر لفيثاغورس مكانًا كافيًا لتأسيس مدرسة. وبهذا، تكونَت شراكة بين العقل الأكثرِ إبداعًا والجسدِ الأقوى.

ولمَّا صار فيثاغورس آمنًا في بيته الجديد، فقد أسَّس الأخويةَ الفيثاغورسية، وهي رابطةٌ تكونت من سِتِّمائةٍ من الأتباع الذين لم يكونوا قادرين على فَهمِ تعاليمه فحسب، بل كانوا يُضيفون إليها أيضًا بابتكارِ أفكارٍ وبراهينَ جديدة. عند الانضمام إلى الأخوية، كان على كلِّ تابع أن يُهديَ جميع ممتلكاته الدنيوية إلى صندوقٍ مشترَك. وإذا رغب أيُّ فرد في ترك الأخوية، فإنه كان يحصل على ضِعْف ما تبرَّع به، مع إقامة شاهدٍ تخليدًا لذِكْراه. كانت الأخوية مدرسةً تقوم على المساواة، وكان بها العديدُ من الأخَوات. لقد كانت الطالبة المفضَّلة لدى فيثاغورس هي ابنة ميلو: ثيانو الجميلة. وبالرغم من الفارق بين عُمرَيهما، فقد تزوَّجا في نهاية المطاف.

وبعد تأسيس الأخوية بمدَّة قصيرة، صكَّ فيثاغورس مصطلح «فيلسوف»؛ وحدَّد بهذا أهدافَ مدرسته. وبينما كان ليون، أمير فليوس، يحضر الألعاب الأوليمبية ذات مرة، سأل فيثاغورس عن وصفه لنفسه؛ فأجاب فيثاغورس: «أنا فيلسوف.» غير أنَّ ليون لم يكن قد سمع بالكلمة من قبل، وطلب منه أن يشرحها.

إنَّ الحياة، أيها الأمير ليون، شديدةُ الشبَهِ بهذه المسابقات العلَنيَّة؛ ففي هذا الحشد الكبير المجتمِعِ هنا، ينجذبُ البعض إلى جَنْي الربح، وينجذبُ آخَرون إلى آمال الشهرة والمجد وطموحاتها. غير أنَّ قِلةً من بينهم قد جاءت لِتُراقب كلَّ ما يمرُّ هنا وتفهمَه.

والأمر نفسُه ينطبق على الحياة؛ فالبعض يتأثَّرون بحبِّ الثروة، بينما يندفع آخَرون دون تفكيرٍ وراء حُمَّى القوة والسيادة. أما النوع الأرقى من البشر، فيُكرِّس نفسه لاستكشاف معنى الحياة نفسِها وغايتِها. إنه يسعى إلى الكشف عن أسرار الطبيعة. وهذا النوع من البشر هو مَن أدعوهم بالفلاسفة، فبالرغم من أنه ما مِن إنسانٍ حكيم تمامًا في جميع النواحي، فهو يُحب الحِكمةَ بصفتها هي المِفتاحَ لأسرار الطبيعة.

وبالرغم من أنَّ الكثيرين كانوا يعرفون بطموحات فيثاغورس، فإنَّه لم يعرف أحدٌ من خارجِ الأخوية تفاصيلَ نجاحِه أو مَداه. فقد كان على جميع أعضاء المدرسة أن يُقسِموا على ألَّا يَبوحوا للعالم الخارجيِّ بأيٍّ من اكتشافاتهم الرياضية. وحتى بعد وفاة فيثاغورس، أُغرِق أحدُ أعضاء الأخوية إذ حنَث في قسَمِه وأعلنَ اكتشاف مجسَّم منتظمٍ جديد؛ هو متعدِّد الأوجُه الاثنَي عشري، الذي يتشكَّل من اثنَي عشرَ مخمَّسًا منتظمًا. وهذه السرية الشديدة التي اتسمَت بها الأخوية الفيثاغورسية كانت سببًا في تشكُّل الأساطيرِ بشأن ما قد يكونون مارَسوه من طقوسٍ غريبة، وهي السبب أيضًا في قلة الروايات التي يُمكن الوثوقُ بها بشأن إنجازاتهم الرياضية.

ما نعرفه على وجه اليقين هو أنَّ فيثاغورس قد أرسى بعضَ الأخلاقيات التي غيَّرَت من مسار الرياضيات. كانت الأخوية مجتمعًا دينيًّا بالفعل، وكانت «الأعداد» من معبوداتهم. فقد كانوا يؤمنون بأنَّ فَهْم العلاقات الموجودةِ بين الأعداد سيُمكِّنهم من الكشف عن الأسرار الروحانية للكون، ويُقرِّبهم من الآلهة. وقد ركَّزَت الأخوية انتباهَها على دراسة الأعداد الصحيحة على وجه التحديد (١، ٢، ٣، …) والكسور. إنَّ «الأعداد الصحيحة» مع الكسور (النِّسب بين الأعداد الصحيحة) تُشكِّلان معًا ما يُعرَف باسم «الأعداد النِّسبية». ومن بين ذلك العددُ اللانهائي من الأعداد، كانت الأخوية تُولِي أهميةً خاصة لبعض هذه الأعداد الأكثرِ تميُّزًا التي كانت تُعرَف باسم الأعداد «المثالية».

كان فيثاغورس يرى أنَّ المثاليةَ العددية تتوقَّف على قواسمِ العدد، وهي الأعداد التي تقبل القسمةَ على العدد الأصليِّ دون باقٍ. فقواسمُ العدد ١٢ على سبيل المثال، هي ١ و٢ و٣ و٤ و٦. وحين يكون مجموعُ قواسمِ العدد أكبرَ من العدد نفسِه، يُسمَّى العدد «عددًا زائدًا». ومِن ثَمَّ؛ فإنَّ العدد ١٢ هو عددٌ زائد؛ لأنَّ مجموع قواسمه يُساوي ١٦. وعلى العكس من ذلك، حين يكون مجموعُ قواسمِ العدد أصغرَ من العدد نفسِه، فإنه يُسمَّى «عددًا ناقصًا»؛ ومِن ثَمَّ فالعدد ١٠ عددٌ ناقص؛ لأنَّ مجموع قواسمه: ١ و٢ و٥، يساوي ٨ فقط.

أما الأكثرُ أهميةً ونُدرةً بين الأعداد، فهي تلك الأعداد التي يكون مجموعُ قواسمها مساويًا للعدد نفسِه، وتُعرَف باسم «الأعداد المثالية». فقواسم العدد ٦ على سبيل المثال، هي ١ و٢ و٣؛ إذن فهو عدد مثالي؛ لأنَّ ١ + ٢ + ٣ = ٦. والعدد المثالي التالي له هو ٢٨؛ لأنَّ ١ + ٢ + ٤ + ٧ + ١٤ = ٢٨.

وإضافةً إلى أهميتها الرياضية لدى الأخوية، فقد كانت مثاليةُ العددَين ٦ و ٢٨ من الأمور التي أدركَتها بعضُ الثقافات الأخرى التي لاحظَت أنَّ القمر يدور حول الأرض مرةً كلَّ ٢٨ يومًا، وأعلنَت أنَّ الإله قد خلَق العالم في ٦ أيام. ففي كتاب «ذا سيتي أوف جاد» (مدينة الإله)، يُحاجِجُ القديس أوجستين بأن الإله كان قادرًا على خلقِ العالم في لحظةٍ واحدة، لكنه قرَّر أن يخلقه في ستةِ أيام ليُدلِّل على مثاليَّة الكون. وأشار القديس أوجستين إلى أنَّ مثالية العدد ٦ لا تعود إلى اختيارِ الإله له، بل هي طبيعةٌ جوهرية في العدد نفسِه: «العدد ٦ مثالي في حدِّ ذاته وليس لأنَّ الإله قد خلَق كلَّ شيء في ستة أيام، بل عكس ذلك هو الصحيح؛ أي إنَّ الإله قد خلَق كل شيء في ستة أيام؛ لأنَّ هذا العدد مثالي، وكان سيظلُّ مثاليًّا حتى وإن لم تُخلَق الأشياء كلُّها في ستة أيام.»

ومع زيادة الأعداد الصحيحة في الضخامة، يُصبح العثور على الأعداد المثالية أمرًا أصعَب؛ فالعدد المثاليُّ الثالث هو ٤٩٦، والرابع هو ٨١٢٨، والخامس ٣٣٥٥٠٣٣٦، والسادس هو ٨٥٨٩٨٦٩٠٥٦. وإضافةً إلى حقيقة أنَّ هذه الأعدادَ تُساوي مجموعَ قواسمِها، لاحظَ فيثاغورس أنَّ جميع الأعداد المثالية تتَّسمُ بالعديد من الخصائص الأنيقة، ومنها على سبيل المثال أنَّ الأعدادَ المثالية دائمًا ما تُساوي مجموعَ سلسلةٍ من الأعداد الصحيحة المتتالية. فنجدُ أنَّ:

6 = 1 + 2 + 3,
28 = 1 + 2 + 3 + 4 + 5 + 6 + 7,
496 = 1 + 2 + 3 + 4 + 5 + 6 + 7 + 8 +9 + + 30 + 31,
8128 = 1 + 2 + 3 + 4 + 5 + 6 + 7 + 8 + 9 + + 126 + 127.
لقد استحوذَت الأعدادُ المثالية على انتباهِ فيثاغورس، لكنه لم يكتفِ بجمعِ هذه الأعداد المميزة فحسب، بل كان يرغب في اكتشافِ دلالتها الأعمق. ومن الرُّؤى التي خطَرَت له أنَّ المثالية ترتبطُ ارتباطًا وثيقًا «بالثنائية». فالأعداد ٤ (٢ × ٢) و٨ (٢ × ٢ × ٢) و١٦ (٢ × ٢ × ٢ × ٢) إلى آخرِ ذلك، تُعرَف بأنها قُوى العدد ٢، ويُمكن كتابتها على الصورة ، حيث n هي أعداد ٢ مضروبةٌ معًا. وجميع قُوى العدد ٢ لا يمكن أن تكون مثاليةً بمفردها؛ لأنَّ مجموع قواسمِها دائمًا ما يكون أقلَّ من العدد نفسِه بواحد؛ مما يجعلها أعدادًا ناقصةً بدرجة طفيفة:
٢٢ = ٢ × ٢ = ٤، القواسم: ١ و٢ المجموع = ٣،
٢٣ = ٢ × ٢ × ٢ = ٨، القواسم: ١ و٢ و٤ المجموع = ٧،
٢٤ = ٢ × ٢ × ٢ × ٢ = ١٦، القواسم: ١ و٢ و٤ و٨ المجموع = ١٥،
٢٥ = ٢ × ٢ × ٢ × ٢ × ٢ = ٣٢، القواسم: ١ و٢ و٤ و٨ و١٦ المجموع = ٣١.

وبعد ذلك بقرنَين من الزمان، حسَّنَ إقليدس من العلاقة التي تَوصَّل إليها فيثاغورس بين الثنائية والمثاليَّة. فاكتشف أنَّ الأعدادَ المثالية دائمًا ما تكون حاصلَ ضربِ عددَين، أحدُهما من قُوى العدد ٢ والآخَرُ هو القوةُ التالية للعدد ٢ ناقص واحد، أي إنَّ:

6 = 21 × (22 − 1),
28 = 22 × (23 − 1),
496 = 24 × (25 − 1),
8128 = 26 × (27 − 1).
إنَّ أجهزة الكمبيوتر في العصر الحاليِّ قد واصلَت البحثَ عن الأعداد المثالية وتوصلَت إلى أمثلةٍ في غاية الضخامة عليها؛ مثل ٢٢١٦,٠٩٠ × (٢٢١٦,٠٩١ − ١)، وهو عدد يضم أكثرَ من ١٣٠٠٠٠ رقم، ويتبع قاعدة إقليدس.

لقد كان فيثاغورس مفتونًا بما تتَّسمُ به الأعدادُ المثالية من أنماطٍ ثريَّة وخصائص، واحترم غُموضها ومَكْرها. إنَّ مفهوم المثالية يبدو للوهلة الأولى من المفاهيم التي يسهل استيعابُها إلى حدٍّ ما، غير أنَّ اليونانيِّين القدماء لم يتمكَّنوا من إدراك بعض النقاط الجوهرية في الموضوع. فعلى سبيل المثال، يوجد الكثير من الأعداد التي يكون مجموعُ قواسمها أقلَّ من العدد نفسِه بمقدار واحد فقط، أي إنها ناقصة بدرجة طفيفة، غير أنه لا يبدو أنَّه توجد أعدادٌ زائدة بدرجة طفيفة. لم يتمكَّن اليونانيون من العثور على أيِّ أعداد يكون مجموعُ قواسمها أكبرَ من العدد نفسِه بمقدار واحد فقط، وهم لم يتمكَّنوا من تفسير ذلك. وعلى نحوٍ مثير للإحباط، بالرغم من أنهم لم يتمكَّنوا من اكتشافِ أعداد زائدة بدرجة طفيفة، لم يتمكَّنوا أيضًا من البرهنة على عدم وجود مثلِ هذه الأعداد. إنَّ فهم السبب في الغياب الواضح للأعداد الزائدة بدرجة طفيفة لم يكن بذي قيمةٍ عمَلية على الإطلاق، وإنما هي مسألة يمكن أن تُوضِّح بعضَ خصائص الأعداد؛ ومِن ثَمَّ فقد كانت جديرةً بالدراسة. وقد أثارت مثلُ هذه الألغاز اهتمامَ الأخوية الفيثاغورسية، وحتى بعد ألفين وخمسمائة عام لم يتمكَّن علماءُ الرياضيات من البَرْهنة على عدمِ وجود الأعداد الزائدة بدرجةٍ طفيفة.

(١-٢) كل شيء عدد

إضافةً إلى دراسة العلاقات بين الأعداد، كان فيثاغورس مهتمًّا أيضًا بالعلاقة بين الأعداد والطبيعة. لقد أدركَ أنَّ الظواهرَ الطبيعية تخضع لقوانين، وأنَّه يُمكن وصفُ هذه القوانين بالمعادلات الرياضية. ومن أوائل الروابط التي اكتشفَها، العلاقة الجوهرية بين تَناغُم الموسيقى وتناغمِ الأعداد.

كانت الآلة الأهمُّ في الموسيقى الهلينيةِ هي القيثارةَ رباعيةَ الأوتار. وقبل فيثاغورس، أدرك الموسيقيُّون أنَّ بعض النغمات الموسيقية المحدَّدة حين تَصْدر معًا، تُولِّد تأثيرًا جميلًا، وكانوا يضبطون أوتارَهم بحيث يُؤدي النقرُ على وتَرَين إلى توليدِ مثلِ ذلك التناغم. غير أنَّ الموسيقيِّين الأوائلَ لم يتمكَّنوا من فَهْم السبب في تناغم بعض النغمات المحددة دونَ غيرِها، ولم يتوصَّلوا إلى نظامٍ موضوعي لضبطِ آلالاتهم، بل كانوا يَضبِطونها سَماعيًّا فقط إلى أن يَصِلوا إلى الحالة التي يتحقَّق فيها التناغم؛ وهي العمَلية التي كان يُسمِّيها أفلاطون تعذيبَ مساميرِ الضبط.

يصف العالِم يامبليخوس الذي عاش في القرن الرابع، والذي كتبَ تسعةَ كتبٍ عن الجماعة الفيثاغورسية، الكيفيةَ التي توصَّل بها فيثاغورس إلى اكتشافِ المبادئ الأساسية للتناغم الموسيقي:

لقد كان منهمكًا ذاتَ مرةٍ في التفكير بشأنِ ما إذا كان بإمكانِه تصميمُ أداةٍ ميكانيكية لحاسةِ السمع تكون دقيقةً وحاذقة. وستكون مثلُ هذه الأداة شبيهةً بالفرجارات والمساطر والآلات البصرية المصمَّمة لحاسة البصر. وينطبق الأمرُ نفسُه على حاسة اللمس التي تُستخدَم فيها الموازينُ ومفاهيم الأوزان والمقاييس. ومن حُسن حظه أنْ تَصادف مرورُه بورشة حدادة واستمع إلى المطارق وهي تدقُّ على الحديد فتُصدر تناغمًا متنوعًا من الاهتزازات المترددة فيما بينها، باستثناء توليفةٍ واحدة من الأصوات.

ووفقًا ليامبليخوس، فإنَّ فيثاغورس قد هُرِع إلى ورشة الحدادة على الفور؛ ليبحثَ في أمر تناغُمِ المطارق. وقد لاحظَ أنَّ معظم المطارق يُمكن أن تُدَقَّ بالتزامُنِ معًا لإصدار صوتٍ متناغم، بينما كانت هناك مطرقةٌ محدَّدة إذا تضمَّنتها أيُّ توليفة فإنها كانت تُصدِر ضوضاء بغيضة. حلَّل المطارقَ وأدركَ أنَّ تلك التي كانت متناغمة بعضها مع بعض، كانت توجد بينها علاقةٌ رياضية بسيطة، وهي أنَّ كُتلاتها كانت نِسَبًا أو كُسورًا بسيطةً بعضها من بعض. أي إنَّ المطارق التي يبلغ وزنُها نِصفَ وزنِ مطرقة محدَّدة أو ثُلثَيه أو ثلاثةَ أرباعٍ منه، تُصدِر كلُّها أصواتًا متناغمة. وعلى العكسِ من ذلك، فإنَّ المطرقة التي كانت تُصدِر نَشازًا عند الدقِّ بها مع المطارق الأخرى، لم يكن لِوزنِها علاقةٌ بسيطة بأوزانِ المطارق الأخرى.

لقد اكتشف فيثاغورس أنَّ النِّسبَ العددية البسيطة مسئولة عن التناغم في الموسيقى. يُشكك العلماء بعضَ الشيء في رواية يامبليخوس لهذه القصة، غير أنَّ الأمر الأكثرَ يقينًا هو كيفيةُ تطبيق فيثاغورس لنظريته الجديدة بشأن النِّسَب الموسيقية على القيثارة من خلال دراسةِ خصائصِ وترٍ واحد. فالنقر على الوتر يُولِّد نَغْمةً أو لحنًا قياسيًّا يَصدُر عن طول الوتَر المهتزِّ بأكمله. ومن خلال تثبيتِ الوتر في مناطقَ محددةٍ بامتداد طوله، يمكن توليدُ اهتزازات ونغماتٍ أخرى، مثلما يتَّضح في الشكل ١-١. والأمر المهم أنَّ النغماتِ المتناغمةَ لا تَصدر إلا عند نقاطٍ محددة للغاية. فعلى سبيل المثال، عند تثبيت الوتر عند نقطةٍ في منتصفه تمامًا، فإنَّ النقر عليه يُولِّد نغمةً تَزيد عن النغمة الأصلية بمقدارِ أوكتاف، وتكون متآلفةً معها. وينطبق الأمر نفسُه عند تثبيت الوتر في نقاطٍ عند الثلث من طوله أو رُبعه أو خُمسه، إذ تُنتج نغماتٍ أخرى متآلفةً. أما عند تثبيت الوتر في نقطة لا تُمثل كسرًا بسيطًا من طول الوتر، فإنَّ النغمة التي تَصدر تكون نشازًا عن النغمات الأخرى.
fig2
شكل ١-١: الوتر غيرُ المثبَّت الذي يهتزُّ بحرية يُصدر نغمةً أساسية، وعند تكوين عُقدة في منتصف الوتر تمامًا، فإنه يُولِّد نغمة تَزيد عن النغمة الأصلية بمقدارِ أوكتاف وتكون متآلفةً معها. ويمكن توليدُ نغمات أخرى متآلفةٍ من خلال تحريك العُقدة إلى مواضعَ أخرى تُمثل كسورًا بسيطة (مثل الثلث أو الربع أو الخمس) من طول الوتر.

لقد اكتشف فيثاغورس للمرة الأولى القاعدةَ الرياضية التي تحكم إحدى الظواهرِ الفيزيائية، وأثبتَ وجودَ علاقة أساسية بين الرياضيات والعلوم. ومنذ ذلك الاكتشافِ، ما فَتِئ العلماءُ يبحثون عن القواعد الرياضية التي يبدو أنها تحكم كلَّ عمَلية من العمليات الفيزيائية، ووجَدوا أنَّ الأعداد تظهر على غيرِ توقُّع في جميع أشكال الظواهر الطبيعية. فعلى سبيل المثال، ثَمة عددٌ معيَّن يبدو أنه يدلُّ على طولِ الأنهار المتعرِّجة. وقد قام البروفيسور هانز-هنريك، وهو أحدُ علماء الأرض في جامعة كامبريدج، بحساب النِّسبة بين الطول الفعليِّ للأنهار من المنبع إلى المصبِّ، وطولها المباشر في خطٍّ مستقيم. وبالرغم من أنَّ النسبةَ تختلف من نهرٍ إلى نهر، فإنَّ القيمة المتوسطة تَزيد عن ٣ زيادة طفيفة، أي إنَّ الطول الفعليَّ يكون أكبرَ من المسافة المباشرة بثلاث مرات تقريبًا. والحقُّ أنَّ النسبة تبلغ ٣,١٤ تقريبًا، وهي نسبة قريبة من قيمة العدد ط، وهو النسبة بين محيط الدائرة وقُطرها.

لقد استُنتِج العدد π في الأساس من هندسةِ الدوائر، غير أنه يظهر مِرارًا وتَكرارًا في مختلف الظروف العِلمية. وفي حالة نسبة النهر، ينتج ظهوره عن معركةٍ بين النظام والفوضى. لقد كان أينشتاين هو أولَ مَن اقترح أنَّ الأنهار غالبًا ما تتَّخذ مسارًا متعرجًا؛ لأنَّ أهونَ انحرافٍ سيُؤدِّي إلى تياراتٍ أسرعَ على الجانب الخارجي مما سيُؤدِّي إلى درجة أكبرَ من التآكل، ودرجة أشدَّ من الانعطاف. وكلما زادت شدةُ الانعطاف، زادت سرعة التيارات على الحافة الخارجية وزاد التآكُل؛ فيَزيد انعطافُ النهر، وهكذا دواليك. بالرغم من ذلك، فثَمَّة عمليةٌ طبيعية تجتزئ الفوضى؛ فزيادة الانعطاف سيُؤدي إلى التفاف الأنهار إلى الاتجاه المعاكس ومِن ثَمَّ تقصير الدائرة. سيصبح النهر أكثر استقامة وسيصير الانعطاف على أحد الجانبين مشكِّلًا بحيرة قوسية. والتوازن بين هذين العاملَين المتعارضَين يؤدِّي إلى ظهور نسبة ط بين الطول الفعلي والمسافة المباشرة بين المنبَع والمصبِّ. وعادةً ما توجد نسبةُ ط في الأنهار التي تتدفَّق برفقٍ عبر السهول المنحدِرة، مثل تلك الأنهار الموجودة في البرازيل والتندرا السيبيرية.

لقد أدرك فيثاغورس أنَّ الأعداد كامنةٌ في كل شيء، بدايةً من تناغم الموسيقى وحتى مدارات الكواكب، وقد قاده ذلك إلى الزعم بأنَّ «كل شيء عدد.» وباستكشاف معنى الرياضيَّات، كان فيثاغورس يُطوِّر اللغة التي ستُمكِّنه هو والآخَرين من وصفِ طبيعة الكون. ومنذ ذلك الحينِ فصاعدًا، وكلُّ اكتشافٍ في الرياضيات يمنح العلماءَ المفرداتِ التي كانوا يحتاجون إليها من أجل فَهم الظواهرِ الموجودة من حولهم على نحوٍ أفضل. والحق أنَّ ما شهدته الرياضيات من تطوراتٍ قد ألهم بثوراتٍ في العلوم.

إضافةً إلى اكتشاف قانون الجاذبية، كان إسحاق نيوتن رياضيًّا بارعًا. وكان أكبرُ إسهاماته في الرياضيات هو تطويرَ حساب التفاضل والتكامل، الذي استخدم الفيزيائيون في السنوات اللاحقة لغتَه لتقديم وصفٍ أفضلَ لقوانين الجاذبية وحلِّ المشكلات المتعلقة بالجاذبية. لقد نجحَت نظريةُ نيوتن الكلاسيكية للجاذبية في البقاء دونَ تعديل على مدى قرون، إلى أن تفوَّقَت عليها نظريةُ النِّسبية العامة التي توصَّل إليها ألبرت أينشتاين، والتي قدمَت للجاذبية تفسيرًا مختلفًا وأكثرَ تفصيلًا. ولم تكن أفكارُ أينشتاين لتتحقَّق إلا بفضل المفاهيم الرياضية الجديدة التي أمَدَّته بلغةٍ أكثرَ تعقيدًا تُناسب أفكاره العِلمية الأكثرَ تعقيدًا. وفي الوقت الحاليِّ، نجد أنَّ تفسير الجاذبية يتأثر من جديدٍ بالاكتشافات الرياضية؛ إذ ترتبط أحدثُ النظريات الكمومية للجاذبية بتطويرِ الأوتار الرياضية، وهي نظريةٌ ترى أنَّ الخصائص الهندسية والطبولوجية للأنابيب هي ما يبدو أنها تُوفِّر التفسيرَ الأفضل لِقُوى الطبيعة.

ومن بين جميع الروابط بين الأعداد والطبيعة التي درسَتها الأخوية، كان الأهمُّ هو العلاقةَ التي تحمل اسمَ مؤسِّسها. إن مبرهنة فيثاغورس تُقدِّم معادلة تنطبق على جميع المثلثات قائمةِ الزاوية؛ ومِن ثَمَّ فهي تُعرِّف المثلثَ القائم الزاوية نفسَه أيضًا. وبدوره، فإنَّ المثلث القائم الزاوية يُعرِّف التعامد؛ أي العلاقة بين الرأسي والأفقي، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى تعريف العلاقة بين الأبعاد الثلاثة في كوننا الذي نعرفه. فالرياضياتُ تُعرِّفُ من خلال المثلث القائم الزاوية، بِنْيةَ الفضاء الذي نعيش فيه نفسِه.

إنَّ مبرهنة فيثاغورس فكرةٌ عميقة، غير أنَّ مقدارَ المعرفة الرياضية اللازم لاستيعابها، بسيطٌ إلى حدٍّ ما. فمن أجل فَهمِها، كلُّ ما عليك فِعلُه هو أن تبدأ بقياس طول الضِّلعَين القصيرين في مثلثٍ قائم الزاوية (x, y)، ثم قُم بتربيعهما (). بعد ذلك، اجمع العددَين اللذَين قمتَ بتربيعهما ( + ) لتحصلَ على الإجابة النهائية. إذا حاولتَ إيجاد هذا العددِ في المثلث الموضَّح في الشكل ١-٢، فستجد أنَّ الإجابة هي ٢٥.
fig3
شكل ١-٢: جميع المثلثات قائمة الزاوية تتبعُ مبرهنة فيثاغورس.
والآن يمكنك قياسُ الضِّلَعِ الأطول، z، الذي يُعرف باسم الوتَر، وتربيعُ طولِه. والنتيجة اللافتة للنظر هي أنَّ هذا العددَ يُطابق العددَ الذي حسبتَه للتو؛ إذ إنَّ ٥٢ = ٢٥. ومعنى هذا أنه:

إذا كان المثلث قائمَ الزاوية، فإنَّ مربعَ طولِ الوتر يُساوي مجموعَ مربَّعَي الضِّلعَين الآخَرين.

وبعبارة أخرى، (أو برموز أخرى على نحوٍ أدق):

ومن الجلي أنَّ ذلك ينطبق على المثلث الموضَّح في الشكل ١-٢، لكنَّ اللافتَ للنظر أنَّ مبرهنة فيثاغورس تنطبق على جميع المثلثات القائمةِ الزاوية التي يُمكن تخيُّلُها. إنها مِن القوانين الكونية للرياضيات، ويمكن الاعتمادُ على صحتها في حالة أي مثلث قائمِ الزاوية. وعلى العكس من ذلك، إذا كان المثلث يتبع مبرهنة فيثاغوس، فإنه قائمُ الزاوية دون أدنى شك.

والآن تجدر الإشارة إلى أنه بالرغم من أنَّ هذه المبرهنةَ ستظلُّ مرتبطةً باسم فيثاغوس إلى الأبد، كان الصينيُّون والبابليون قد استخدموها بالفعل قبل ذلك بألفِ عام. غير أنَّ هاتين الحضارتَين لم تُدرِكا أنَّ تلك المبرهنة تنطبق على أيِّ مثلث قائم الزاوية. لقد كانت تنطبق على جميع المثلثات التي اختبَروها بالتأكيد، لكنهم لم يتمكَّنوا من إثبات أنها تنطبق على جميع المثلَّثات القائمةِ الزاوية التي لم يختبروها. والسبب في نِسبة المبرهنة إلى فيثاغورس هو أنه كان أولَ مَن أثبتَ صحتها في جميع الأحوال.

فكيف عرَف فيثاغورس أنَّ مبرهنته تنطبق على جميع المثلثات القائمةِ الزاوية؟ لم يكن لِيَأمُلَ أن يختبر ذلك التنوُّع اللانهائيَّ من المثلثات القائمة الزاوية، غير أنه كان متيقنًا تمامًا من صحة المبرهنة على نحوٍ مطلق. ويكمن سببُ ثقته في مفهوم البرهان الرياضي؛ فالبحث عن البرهان الرياضي هو بحثٌ عن معرفةٍ أكثرَ يقينيةً من أيِّ معرفة يتوصل إليها أيُّ فرع آخرَ من فروعِ العلوم. وهذه الرغبة في التوصُّل إلى حقيقةٍ مطلقة من خلال البرهان هي ما كان يدفع علماءَ الرياضيات على مدى آخرِ ألفَين وخمسمائة عام.

(١-٣) البرهان المطلَق

تتمحورُ قصة مبرهنة فيرما الأخيرة حول البحث عن البرهان المفقود. فالبرهان الرياضيُّ أكثرُ عظَمةً ودقة بدرجة كبيرة من مفهوم البرهان الذي نستخدمه عادةً في لغة حياتنا اليومية، أو حتى مفهوم البرهان مثلما يفهمه الفيزيائيُّون والكيميائيون. والفرق بين البرهان العِلمي والبرهان الرياضيِّ دقيق وعميق في الآن نفسه، وهو أساسي لفهم جميع أعمال علماء الرياضيات منذ فيثاغورس.

إنَّ مفهوم البرهان الرياضيِّ الكلاسيكي هو البَدْءُ بمجموعة من المسلَّمات، وهي عباراتٌ يمكن افتراضُ صحتها أو عباراتٌ بديهيَّة. وبعد ذلك، فمن خلالِ الجدال المنطقي خطوةً بخطوة، يمكن التوصلُ إلى استنتاج. وإذا كانت المسلَّماتُ صحيحةً والمنطق سليمًا خاليًا من العيوب، فإنَّ هذا الاستنتاجَ يكون مؤكَّدًا لا مِراء فيه. وهذا الاستنتاج هو المبرهنة.

تستند المبرهنات الرياضية إلى هذه العمَلية المنطقية، وهي تظلُّ صحيحة إلى الأبد فورَ إثباتها. فالبراهين الرياضية مطلقة، ومن أجل إدراكِ قيمتها، ينبغي مقارنتها مع أقاربها الضعيفة، وهي البراهين العِلمية. في العلوم، تُطرَح الفرضية من أجل تفسير ظاهرةٍ فيزيائية، وإذا كانت الملاحظاتُ المستمَدَّة من الظاهرة تتوافقُ مع الفرضية على نحوٍ جيد، فإنها تُصبح من الأدلة التي تؤيد الفرضية. علاوةً على ذلك، ينبغي ألا تصف الفرضيةُ ظاهرةً معروفة فحسب، بل يجب أن تتوقَّع نتائجَ ظواهرَ أخرى. ويمكن إجراءُ التَّجارِب لاختبار القوة التنبُّؤية للفرضية، وإذا ظلَّت ناجحة، فإنَّ ذلك يُعَد دليلًا إضافيًّا يدعم الفرضية. وفي نهاية المطاف، قد تُصبح الأدلة دامغةً وتُقبَل الفرضيةُ بصفتها نظريةً عِلمية.

بالرغم من ذلك، لا يمكن إثباتُ صحة النظرية العِلمية بالقدر نفسِه من اليقين الذي يُمكن أن تصل إليه المبرهناتُ الرياضية، بل تُعَد مرجَّحةً للغاية فحسبُ بِناءً على الأدلة المتوفِّرة. إنَّ ما يُدعى باسم البرهان العِلمي يستند إلى الملاحظة والإدراك الحسِّي، وكلاهما عُرضةٌ للخطأ ولا يُقدِّم إلا نُسَخًا تقريبيةً للحقيقة. ومثلما أشار برتراند راسل: «بالرغم من أنَّ هذا قد يبدو من المفارَقات، فجميعُ العلوم الدقيقةِ تغلب عليها فكرةُ التقريب.» حتى «البراهين» العِلمية التي تَحْظى بالقَبول على نطاقٍ كبير للغاية، دائمًا ما تنطوي على عنصرٍ صغير من الشك فيها. يتضاءل هذا الشكُّ في بعض الأحيان، لكنه لا يختفي تمامًا أبدًا، بينما يتضحُ في النهاية في أحيانٍ أخرى أنَّ ذلك البرهانَ خاطئ. وهذا الضعفُ الذي يتَّسمُ به البرهان العلمي، يؤدِّي إلى الثورات العِلمية التي تُستبدَل فيها بإحدى النظريات التي كان يُعتقَد في صحتها من قبل نظرية أخرى. وقد تكون هذه النظرية الأخرى محضَ تعديلٍ على النظرية الأصلية، أو قد تكون تناقضًا تامًّا لها.

فعلى سبيل المثال، اشتركَت جميعُ أجيال الفيزيائيِّين في البحث عن الجسيمات الأساسية للمادة؛ إما بقلبِ النظرية التي توصَّل إليها أسلافُهم أو تحسينها على أقلِّ تقدير. لقد بدأ البحثُ الحديث عن وحدات بناءِ الكون في بداية القرن التاسع عشر حين قادت مجموعةٌ من التجارِب جون دالتون إلى اقتراحِ أنَّ كل شيء يتكوَّن من ذرَّات منفصِلة، وأنَّ تلك الذراتِ هي الوحدة الجوهرية. وفي نهاية القرن، كان جيه جيه تومسون قد اكتشفَ الإلكترون، وهو أولى الجسيمات دون الذرِّية المكتشَفة؛ ومِن ثَمَّ لم تَعُد الذرةُ هي الوحدةَ الجوهرية.

في السنوات الأولى من القرن العشرين، شكَّل الفيزيائيُّون صورةً «مكتملة» عن الذرَّة، وهي أنها نواة تتكوَّن من بروتونات ونيوترونات وتدور حولَها الإلكترونات. وقد نظَروا إلى البروتونات والنيوترونات والإلكترونات بفخرٍ بصفتها المكوناتِ الكاملةَ للكون، ثم كشفَت تجارِبُ الأشعة الكونيةِ عن وجود جسيماتٍ أكثرَ جوهرية: البيونات والميونات. وقد حدثَت بعد ذلك ثورةٌ أكبرُ عام ١٩٣٢ مع اكتشاف المادة المضادَّة، أي اكتشاف وجود البروتونات المضادَّة والنيوترونات المضادة والإلكترونات المضادة، وغير ذلك. بحلول ذلك الوقت، لم يكن علماءُ الجسيمات قادرينَ على التيقُّن من عدد الجسيمات المختلِفة الموجودةِ في الكون، لكنهم كانوا متيقِّنين على الأقل من أنَّ هذه الوحداتِ جوهريةٌ بلا شك. كان ذلك حتى ستينيَّات القرن العشرين، حين وُلِد مفهوم الكوارك. ذلك أنَّ البروتون نفسَه يتكون على ما يبدو من كواركات ذات شحنة كسرية، وينطبق الأمر نفسُه على النيوترون والبيون. والمغزى من هذه القصة أنَّ الفيزيائيِّين يُغيِّرون من تصورهم للكون على الدوام، هذا إن لم يَهدِموه تمامًا ويبدَءُوا من جديد. وفي العَقد التالي قد يتغير مفهوم الجسيمات بوصفها أجسامًا شبيهةً بالنقاط، ليحلَّ محلَّه مفهومُ الجسيمات بوصفها أوتارًا، وهي الأوتار نفسُها التي قد تُقدِّم التفسيرَ الأفضل للجاذبية. وتقول هذه النظرية بأنَّ أوتارًا يبلغ طولها جزءًا من المليار من جزء من المليار من جزء من المليار من جزء من المليار من المتر (أي إنها صغيرة للغاية حتى إنها تبدو على شكل نقطة) يمكن أن تهتزَّ بطرق مختلفة، وكل طريقة منها تُولِّد جسيمًا مختلفًا. إنَّ ذلك يُشبه اكتشاف فيثاغورس لحقيقةِ أنَّ وترًا واحدًا في القيثارة يُمكن أن يُصدر نغماتٍ مختلفةً وفقًا لطريقة اهتزازه.

لقد ذكر كاتب الخيال العلميِّ والاستشرافي، آرثر سي كلارك، أنه إنْ ذكَر أحدُ الأساتذة الكبار أنَّ شيئًا ما صحيحٌ دون شك، فسوف يثبت خطؤه في اليوم التالي على الأرجح. إنَّ البرهان العِلميَّ متغيرٌ وضعيف، أما البرهانُ الرياضي فهو مُطلق ويقيني. لقد مات فيثاغورس وهو يثقُ في معرفته بأنَّ مبرهنته التي كانت صحيحة عام ٥٠٠ قبل الميلاد، ستظلُّ صحيحة للأبد.

إنَّ العلوم تعمل بطريقة النظام القضائي، إذ تفترض أنَّ النظرية صحيحة عند توفُّرِ ما يكفي من الأدلة لإثباتها «دون الشكِّ المنطقي». أما الرياضيَّات، فهي لا تستند إلى الأدلة المستمَدَّة من التجارِب غير المعصومة من الخطأ، بل تستند إلى المنطق المعصوم. ويتضحُ هذا في أُحجية «رُقعة الشِّطْرَنج المشوَّهة» التي تظهر في الشكل ١-٣.
fig4
شكل ١-٣: أُحجية رُقعة الشِّطْرنج المشوَّهة.

في هذه الأُحجية، لدينا رُقعة شِطْرنج ينقصها مربَّعان متناظران على القُطر؛ فلا يتبقَّى بها سوى اثنين وستِّين مربعًا. نأخذ بعد ذلك واحدًا وثلاثين من قِطَع الدومينو ونضعُها على الرُّقعة بحيث تُغطي كلُّ قطعة منها مربَّعين. والسؤال هو: أيُمكن ترتيبُ القِطَع الإحدى والثلاثين بحيث تُغطي المربعات الاثنين والستِّين على الرُّقعة؟

ثَمَّة نهجان لحلِّ هذه الأحجية:

  • أولًا: النَّهجُ العِلمي:

    سيُحاول العالم حلَّ هذه الأحجية عن طريق التجريب، وبعد تجريبِ بِضْعِ عشَرات من الترتيبات، سيكتشف أنَّ أيًّا منها لا يفي بالغرض. وفي نهاية المطاف، سيرى العالم أنه يوجد قدرٌ كافٍ من الأدلة يُؤيِّد عدمَ إمكانية تَغْطية رُقعة الشِّطْرنج. بالرغم من ذلك، لا يُمكن للعالم أن يتيقَّن أبدًا بأنَّ تلك هي حقيقة الأمر؛ إذ ربما توجد طريقةُ ترتيبٍ لم يُجرِّبها بعد وتكون هي التي تَفي بالغرض. توجد الملايينُ من طُرق الترتيبِ المختلفة، ولا يمكن استكشافُ سوى جزءٍ ضئيل للغايةِ منها. والاستنتاج أنَّ استحالة إنجاز المهمة هي نظريةٌ تستند إلى التجريب، لكن على العالم أن يتقبَّل احتماليةَ أنَّ النظرية قد تسقط يومًا ما.

  • ثانيًا: النهج الرياضي:

    يُحاول الرياضيُّ الإجابةَ عن السؤال عن طريقِ بِناء حُجةٍ منطقية ستؤدِّي إلى نتيجةٍ صحيحة دون شك، وستظلُّ صحيحةً إلى الأبد بلا مُنازع. ومن أمثلةِ هذه الحُجة المنطقية ما يلي:

    • المربَّعان الناقصان من رُقعة الشِّطرنج أبيَضان؛ إذن فما يتبقَّى الآن هو ٣٢ مربعًا أسودَ و٣٠ مربعًا أبيضَ فقط.
    • كلُّ قطعة من قِطَع الدومينو تُغطِّي مربَّعَين متجاورَين، والمربعان المتجاوران دائمًا ما يكونان مختلِفَي اللون: أحدُهما أسودُ والآخَرُ أبيض.
    • ومِن ثَمَّ، فإنَّ أول ٣٠ قطعةَ دومينو تُوضَع على الرقعة ستُغطي ٣٠ مربعًا أبيضَ ٣٠ مربعًا أسود، بصرفِ النظر عن طريقة ترتيبها.
    • وبهذا، سوف يتبقَّى دومًا قطعةُ دومينو واحدةٌ ومربَّعان أسوَدان.
    • بالرغم من ذلك، فعلينا أن نتذكَّر أنَّ كل قِطَع الدومينو تُغطي مربَّعَين متجاورَين، والمربعان المتجاوران مختلفانِ في اللون، لكنَّ المربعَين المتبقيَين متطابقا اللونِ؛ ومِن ثَمَّ فمن المُحال تغطيةُ الرقعة!

إنَّ هذا البرهان يوضِّح أنَّ جميع الطرق الممكنة لترتيب قِطَع الدومينو لن تُجدِيَ في تغطية رُقعة الشِّطْرنج المشوهة. وبهذه الطريقة نفسِها، شكَّل فيثاغورس برهانًا يوضِّح أنَّ جميع المثلثات القائمة الزاوية الممكنة ستتبع مبرهنتَه. لقد كان مفهوم البرهان الرياضيِّ مقدسًا لدى فيثاغورس، وهذا المفهوم هو ما مَكَّن الأخويةَ من اكتشاف الكثير للغاية. معظم البراهين الحديثة في غاية التعقيد، وسيكونُ من المحال على غيرِ المتخصِّص متابعةُ منطقها، لكن من حُسن الحظ أنَّ الجدَل المنطقيَّ في مبرهنة فيثاغورس مباشر نسبيًّا، والمعرفة الرياضية التي يستند إليها لا يتجاوزُ مستوى المرحلة الثانوية. يرد البرهان في الملحق ١.

إنَّ برهان فيثاغورس لا يقبل الجدَل، وهو يوضح أنَّ مبرهنته تنطبقُ على جميع المثلَّثات القائمة الزاوية في الكونِ بأكمله. لقد كان هذا الاكتشافُ عظيمًا للغاية، حتى إنَّ مائة ثورٍ قد قُدِّمت للآلهة تعبيرًا عن الامتنان. كان هذا الاكتشافُ علامةً بارزةً في الرياضيَّات، وأحدَ أهمِّ الإنجازات في تاريخ الحضارة. وتتجلى أهميته في جانبين: أولهما هو تشكيلُ فكرة البرهان. فالنتيجة الرياضية المثبَتة تنطوي على حقيقةٍ أعمقَ من أيِّ حقيقة غيرها؛ لأنها نتيجةٌ مستمَدَّة من خطوات منطقية. وبالرغم من أنَّ الفيلسوف طاليس كان قد ابتكَر بالفعل بعضَ البراهين الهندسية البُدائية، فقد طوَّر فيثاغورس من الفكرة كثيرًا وتمكَّن من إثبات عبارات رياضية أكثرَ براعةً. وأما الجانب الثاني من أهميَّةِ مبرهنة فيثاغورس فهو أنه يربط النهجَ الرياضيَّ المجرد بشيء ملموس. أوضح فيثاغورس أنَّ الحقيقة الرياضية يُمكن أن تنطبق في عالم العلوم وتُمِده بالأساس المنطقي. فالرياضيات تُمِد العلوم ببدايةٍ دقيقة، ثم يُضيف العلماءُ على هذا الأساس السليم تمامًا، قياساتٍ غيرَ دقيقة وملاحظاتٍ مَعيبة.

(١-٤) عدد لا نهائي من الثُّلاثيات

أنعَشَت الأخوية الفيثاغورسية الرياضياتِ ببحثها المتَّقِد عن الحقيقة من خلال البرهان. انتشرت أخبارُ نجاحاتهم، لكنَّ تفاصيلَ اكتشافاتهم قد ظلَّت في طيِّ الكتمان. كان الكثيرون يطلبون الانضمامَ إلى حرَمِ معرفتهم المقدَّس، ولم يُقبَل منهم سوى أصحابِ العقول الأكثرِ براعةً. أحد هؤلاء المرفوضين كان مرشحًا يُدعى سيلون. واعترض سيلون على رفضه، وانتقمَ لنفسه بعد عشرين عامًا.

في أثناء الدورة السابعة والستين من الألعاب الأوليمبية (٥١٠ قبل الميلاد) اندلعَت ثورةٌ في مدينة سيباريس المجاورة. وبدأ تيليس، قائدُ الثورة المنتصرُ، حملةَ اضطهادٍ وحشية ضدَّ مؤيدي الحكومة السابقة؛ مما دفع الكثيرين منهم إلى اللجوء إلى قروطون. فطالب تيليس بإعادة هؤلاء الخوَنة إلى سيباريس لينالوا ما يستحقُّونه من عقاب، لكنَّ ميلو وفيثاغورس أقنَعا مُواطِني قروطون بالتصدِّي للطاغية وحمايةِ اللاجئين. غضب تيليس وجمَع على الفور جيشًا من ثلاثمائة ألفِ رجل وتوجَّه بهم إلى قروطون حيث دافع ميلو عن المدينة بمائة ألفٍ من المواطنين المسلَّحين. وبعد سبعين يومًا من الحرب، انتصر ميلو بفضل قدراته البارعة في القيادة، وحوَّل مسارَ نهرِ كراتي إلى سيباريس ليُغرق المدينة ويُدمرها طلبًا للقِصاص.

وبالرغم من انتهاء الحرب، كانت مدينة قروطون ما تزال مضطربةً بسبب ما ثار من جدال بشأنِ ما يجب فِعلُه بغنائمِ الحرب. بدأ أفراد الشعب العاديُّون في التذمُّر؛ خشيةَ أن تَئول الأراضي إلى النخبة الفيثاغورسية، وقد كان الاستياءُ يزداد لدى العامةِ بالفعل؛ لأنَّ الأخوية الفيثاغورسية قد استمرت في إخفاء اكتشافاتها. غير أنَّ شيئًا لم يتمخَّض عن هذا كلِّه إلى أن صار سيلون هو صوتَ الشعب. استغل سيلون خوفَ العامة وارتيابهم وحسَدَهم، وقادهم في مهمةٍ لتدمير أبرعِ مدارس الرياضيَّات التي كان العالم قد عرَفَها على الإطلاق. حُوصِر منزل ميلو والمدرسة المجاورة له، وأُوصِدَت جميعُ الأبواب لتفادي الهروب، ثم بدأ الحرق. ناضل ميلو إلى أن خرج من الجحيم وهرَب، غير أنَّ فيثاغورس والعديدَ من تلاميذه قد قُتِلوا.

خسرت الرياضياتُ بطَلَها العظيم الأول، لكنَّ روح فيثاغورس ما تزال باقية؛ فالأعداد والحقائق المستمَدَّة منها خالدةٌ لا تموت. لقد أثبت فيثاغورس أنَّ الرياضيات ليست عِلمًا موضوعيًّا، وهي تتَّسم بذلك أكثرَ من أي علمٍ آخَر. لم يكن تلاميذه بحاجةٍ إلى مُعلِّمهم ليُحدِّدوا مدى صلاحيةِ نظريةٍ معينة؛ إذ إنَّ صحةَ النظرية مستقلٌّ عن الرأي. وبدلًا من ذلك، أصبح بناءُ المنطق الرياضي هو الفيصلَ في الحكم على الصحة. وقد كان هذا هو أعظمَ الإسهامات الفيثاغورسية للحضارة: طريقة للتوصُّل إلى الحقيقة تتجاوز الحكمَ البشري المعرَّض للخطأ.

وعقب وفاةِ المؤسس وهجمة سيلون، غادر أفرادُ الأخوية قروطون ورحَلوا إلى مدنٍ أخرى في اليونان الكبرى، لكنَّ حملات الاضطهاد قد استمرَّت؛ فاضطُرَّ العديد منهم في نهايةِ المطاف إلى الاستقرار في بلاد غريبة. وهذه الهجرة القسرية قد شجَّعَت الفيثاغورسيِّين على نشر تعاليمهم الرياضية في أنحاء العالم القديم. أسَّس أتباعُ فيثاغورس المدارسَ وعلَّموا تلاميذهم منهجَ البرهان المنطقي. وإضافةً إلى إثبات مبرهنة فيثاغورس، شرَحوا أيضًا للعالم سرَّ اكتشاف ما يُعرَف باسم ثلاثيات فيثاغورس.

ثلاثيات فيثاغورس هي توليفات من ثلاثة أعداد صحيحة تتناسب تمامًا مع معادلة فيثاغورس: فعلى سبيل المثال، تنطبق معادلةُ فيثاغورس إذا كان و و:
32 + 42 = 52, 9 + 16 = 25.
ومن الطرق الأخرى التي يمكن أن نفهمَ ثلاثيات فيثاغورس من خلالها هي إعادةُ ترتيب المربعات. إذا كان لدينا مربع ٣ × ٣ يتكون من ٩ بلاطات، ومربع ٤ × ٤ يتكون من ١٦ بلاطة، فيمكن إعادةُ ترتيب هذه المربعات لتكوينِ مربع ٥ × ٥ يتكون من ٢٥ بلاطة، مثلما يتضح في الشكل ١-٤.
fig5
شكل ١-٤: يُمكن إيجاد حلولٍ لمعادلة فيثاغورس بأعداد صحيحة من خلال إيجاد مربَّعين يمكن جمعُهما لتشكيل مربعٍ ثالث. فعلى سبيل المثال، يمكن إضافةُ مربع يتكون من ٩ بلاطات إلى مربع يتكون من ١٦ بلاطة، وإعادة ترتيبهما لتشكيل مربعٍ يتكون من ٢٥ بلاطة.
وقد أراد الفيثاغورسيُّون أن يعثروا على ثُلاثيات أخرى، أي: مربعاتٍ أخرى يُمكن جمعُها معًا لتكوين مربعٍ ثالث أكبر. ومن الثلاثيات الفيثاغورسية الأخرى و و:
52 + 122 = 132, 25 + 144 = 169.
ومن الثلاثيات الفيثاغورسية الأكبر و و.

تُصبح الثُّلاثيات الفيثاغورسية أكثرَ نُدرةً مع زيادة الأعداد، ويُصبح العثور عليها أصعبَ وأصعب. ومن أجل اكتشاف أكبرِ عددٍ ممكن من الثلاثيات، ابتكر الفيثاغورسيون طريقة منهجية لإيجادها، وقد أثبَتوا بهذا وجودَ عدد لا نهائي من الثلاثيات.

(٢) من مبرهنة فيثاغورس إلى مبرهنة فيرما الأخيرة

وردَت مناقشةٌ لمبرهنة فيثاغورس وذلك العدد اللانهائيِّ من الثلاثيات في كتاب «المسألة الأخيرة»، للكاتب إي تي بيل، وهو الكتاب الذي استرعى اهتمامَ أندرو وايلز الصغير. لقد توصلت الأخوية إلى فَهمٍ مكتمل تقريبًا لثلاثيات فيثاغورس، بالرغم من ذلك، فسرعان ما اكتشف وايلز أنَّ هذه المعادلة التي تبدو بريئة ، لها جانب أكثر غموضًا. لقد كان كتاب بيل يصف وجود وحش رياضي.
ففي معادلة فيثاغورس، نجد أنَّ الأعدادَ الثلاثة، x وy وz، كلها مربعة (أي إنَّ ):
غير أنَّ الكتاب كان يصف معادلة شقيقة يكون فيها كل من x وy وz أعدادًا مكعبة (أي إنَّ ). أي إنَّ ما يُدعى بقوة x في هذه المعادلة لم يعد ٢، بل ٣:

لقد كان إيجادُ حلول للمعادلة الأصلية بأعدادٍ صحيحة، أي ثلاثيات فيثاغورسية، أمرًا سهلًا إلى حدٍّ ما، لكنَّ تغييرَ القوة من «٢» إلى «٣» (المربع إلى مكعب) وإيجادَ حلولٍ للمعادلة الشقيقة بأعداد صحيحة يبدو مُحالًا. لقد عجزَت أجيالٌ من علماء الرياضيات الذين يخطُّون على أوراقهم من إيجاد أعداد تُلائم المعادلةَ تمامًا.

في المعادلة «المربعة» الأصلية، كان التحدِّي هو إعادةَ ترتيب البلاطات في مربَّعين لتشكيل مربعٍ ثالث أكبر. أما في النسخة «المكعَّبة»، فالتحدِّي هو إعادة ترتيب مكعَّبَين مكوَّنَين من وحدات بناءٍ لتكوين مكعبٍ ثالث أصغَر. ويبدو أنه أيًّا ما كان المكعبُ المختارُ للبدء به، تكون النتيجة عند جمعهما إما مكعَّبًا مكتملًا مع بعض وحدات البناء المتبقِّية، أو مكعبًا غيرَ مكتمل. وأقربُ حلٍّ قد وُجِد على الإطلاق للترتيب المثالي، هو حلٌّ تفيض فيه وَحدةُ بناءٍ واحدةٌ أو تنقص. إذا بدأنا على سبيل المثال بالمكعبَين ٦٣ () و٨٣ () وأعَدْنا ترتيبَ وحدات البناء، فلن تنقُصَنا سوى وحدةِ بناءٍ واحدة لتكوينِ مكعب ٩ × ٩ × ٩، مثلَما يتضحُ في الشكل ١-٥.
fig6
شكل ١-٥: هل من الممكن إضافةُ وحداتِ البناء من مكعب إلى مكعب آخرَ لتكوينِ مكعب ثالثٍ أكبر؟ في هذه الحالة، نجد أنَّ إضافة مكعب ٦ × ٦ × ٦ إلى مكعب ٨ × ٨ × ٨ لا توفر لنا وحدات البناء الكافية لتكوين مربع ٩ × ٩ × ٩. فالمكعب الأول يحتوي على ٢١٦ (٦٣) من وحدات البناء، ويحتوي المكعبُ الثاني على ٥١٢ (٨٣) من وحدات البناء، والمجموع هو ٧٢٨، أي أقل من ٩٣ بمقدار ١.

إنَّ إيجادَ ثلاثة أعدادٍ تُلائم المعادلةَ المكعَّبة تمامًا يبدو أمرًا مستحيلًا، أي يبدو أنه لا يوجد حلٌّ بأعدادٍ صحيحة للمعادَلة:

وإضافةً إلى ذلك، إذا تغيرَت القوة من ٣ (التكعيب) إلى أيِّ عددٍ أكبر؛ حيث n تُساوي (على سبيل المثال، ٤ أو ٥ أو ٦، إلى آخرِ ذلك)، فإنَّ إيجاد الحلِّ بأعدادٍ صحيحة لا يزال يبدو مستحيلًا أيضًا. ويبدو أنه لا توجد إجابةٌ بأعداد صحيحة عن المعادلة الأعم:
، حيث n أكبر من ٢.

إنَّ مجرد تغيير العدد ٢ في معادلة فيثاغورس إلى أيِّ عددٍ أكبر، يُحوِّل إيجادَ حلولٍ بأعداد بسيطة من أمر سهلٍ نسبيًّا إلى أمرٍ في غاية الصعوبة. وحقيقة الأمر أنَّ الفرَنسيَّ العظيم الذي عاش في القرن السابع عشر بيير دو فيرما، قد أعلن تصريحَه المذهل بأنَّ السببَ في عدم العثور على الحل هو أنه لا يوجد حل.

لقد كان فيرما أحدَ أبرعِ علماء الرياضيات وأكثرِهم إثارةً للاهتمام في التاريخ. لم يكن بإمكانه أن يتحقَّق من ذلك العددِ اللانهائي من الأعداد، لكنه كان متيقنًا من عدم وجودِ توليفة من الأعداد تتلاءمُ مع المعادلة تمامًا؛ لأنَّه قد أسَّس زعمه على البرهان. ومثل فيثاغورس الذي لم يكن يحتاج إلى التأكُّد من جميع المثلثات لإثباتِ صحة مبرهنته، لم يكن فيرما يحتاج إلى التأكد من جميع الأعدادِ لإثبات صحة مبرهنته. إنَّ مبرهنة فيرما الأخيرةَ تنصُّ على أنَّ المعادلة:

ليس لها أيُّ حل بأعدادٍ صحيحة إذا كانت n أكبر من ٢.

وبينما راح وايلز يقرأ كلَّ فصلٍ من كتاب بيل، عرَف كيف أنَّ فيرما صارَ مفتونًا بأعمال فيثاغورس، ووصل به الأمرُ في النهاية إلى دراسةِ الصيغة المحرَّفة من معادلة فيثاغورس. وقرأ بعد ذلك أنَّ فيرما قد زعم أنه حتى إذا ظل جميعُ علماء الرياضيات في العالم يُحاولون إلى الأبد حلَّ هذه المعادلة، فلن يجدوا لها حلًّا. لا بد أنه قد قلب الصفحاتِ بلهفة، وهو يستطيبُ فكرةَ الاطِّلاع على برهانِ فيرما، غير أنَّ البرهان لم يَرِد في الكتاب. والحقُّ أنه لم يرد في أيِّ مكان آخَر. لقد أنهى بيل الكتابَ بقوله إنَّ البرهان قد ضاع منذ زمنٍ طويل. لم تكن ثمةَ إشارةٌ إلى ما كان يمكن أن يكون عليه البرهان، ولم تَرِد أيُّ إشارة لبنائه أو استنتاجاته. وجد وايلز نفسَه متحيرًا، ومغتاظًا وممتلئًا بالفُضول. لقد كان في صُحبةٍ جيدة.

على مدى ما يَزيد عن ٣٠٠ عام، حاولَ أعظمُ علماء الرياضيات إعادةَ اكتشاف برهان فيرما المفقود، لكنهم فَشِلوا في ذلك. ومع فشل كلِّ جيلٍ من علماء الرِّياضيات، يزداد الجيلُ التالي إحباطًا وإصرارًا. في العام ١٧٤٢، أي بعد وفاة فيرما بقرنٍ تقريبًا، طلب الرياضيُّ السويسري ليونهارت أويلر من صديقه كليرو تفتيشَ منزلِ فيرما؛ إذ ربما تبقَّت قُصاصةٌ ورَقية مهمَّة. ولم يُعثَرْ أبدًا على أيِّ تلميح يُشير إلى ما كان عليه برهانُ فيرما. في الفصل الثاني، سوف نعرف المزيدَ عن بيير دو فيرما الغامضِ، وعن كيفية ضَياع مبرهنته. أما الآن، فيكفي أن نَعرف أنَّ مبرهنةَ فيرما الأخيرة، وهي مُعضلة أسَرَت علماء الرياضيات على مدى قرون، قد أسَرَت خيالَ أندرو وايلز الصغير.

في مكتبة ميلتون رود، جلس فتًى يبلغ من العمر عشرَ سنوات يُحدِّق في المسألة الأسوأ سُمعةً في الرياضيَّات. عادةً ما تَكمُن نِصف صعوبةِ المسألة الرياضية في فَهم السؤال، غير أنَّ السؤال في هذه الحالة بسيط: أثبِت أنَّ ليس لها أيُّ حلٍّ بأعدادٍ صحيحة إذا كانت n أكبرَ من ٢. لم يُحبَط وايلز إذ عرَف أنَّ معظم العقول الأكثرِ ذكاءً في الكوكب قد عجزَت عن اكتشاف البرهان من جديد، بل بدأ في العمل على الفور مستخدمًا جميع التِّقنيات التي عرَفها من الكتب الدراسية وراح يُحاول بِناء البرهان من جديد. فربما يجد شيئًا قد غفل عنه الجميعُ باستثناء فيرما. كان يحلم بأن يصدمَ العالم.
fig7
شكل ١-٦: في الثالث والعشرين من يونيو عام ١٩٩٣، ألقى وايلز محاضرةً في معهد إسحاق نيوتن في كامبريدج. كانت تلك هي اللحظةَ التي تسبق مباشرةً إعلانَه البرهان الذي توصَّل إليه لمبرهنة فيرما الأخيرة. لم يكن هو ولا أيُّ شخصٍ آخرَ من الحاضرين في القاعة على علمٍ بالكابوس القادمِ إطلاقًا.

وبعد ثلاثين عامًا، صار أندرو وايلز مستعدًّا. وقفَ في قاعة معهد إسحاق نيوتن، وراح يكتب على السبورة، ثم راح يُحدِّق إلى جمهوره وهو يُحاول أن يَكْبِت جَذلَه. كانت المحاضرةُ تصل إلى ذروتها، وكان الجمهورُ يعرف ذلك. كان واحدٌ أو اثنان من الجمهور قد هرَّبا الكاميرات إلى قاعة المحاضرة، وبدأ الوميض يتناثر وهو يوضِّح تعليقاته النهائية.

استدار نحوَ السبورة للمرة الأخيرة وهو يُمسك بالطبشور في يده. واكتمل البرهانُ بالسطور الأخيرة من الحُجَّة المنطقية. للمرة الأولى على مدى ما يزيد على ثلاثةِ قرون، وجَد برهانُ فيرما مَن يتصدَّى له. أومضَت الكاميراتُ مجددًا لتُسجِّل اللحظةَ التاريخية. كتب وايلز نصَّ مبرهنة فيرما الأخيرةِ، واستدار نحوَ الجمهور وقال بتواضع: «أعتقد أنني سأتوقَّف هنا.»

fig8
شكل ١-٧: بيير دو فيرما.

مائتان من علماء الرياضيات قد صفَّقوا وهلَّلوا احتفالًا. وحتى مَن كان يتوقَّع النتيجةَ منهم، ابتسَموا في غيرِ تصديق. فبعدَ ثلاثةِ عقود، اعتقدَ وايلز أنه قد حقَّق حلمه، وبعد سبعِ سنوات من العُزلة، تمكَّن من الإفصاح عن حساباته السرية. بالرغم من ذلك، فبينما ملأَت النشوةُ معهدَ إسحاق نيوتن، كانت المأساة توشك على الظهور. كان وايلز يستمتع باللحظة، وكان هو وجميعُ مَن في القاعة غافلين عن الأهوال القادمة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤