الفصل الخامس

التكيُّف والانتخاب الطبيعي

مشكلة التكيُّف

من المهام الأساسية لنظرية التطور تفسيرُ تنوُّعِ الكائنات الحية داخل التنظيم الهرمي لأوجه الشبه الموجودة بينها. في الفصل الثالث أكَّدنا على أوجه الشبه بين المجموعات المختلفة، وكيف أنها تَصير منطقيةً في ضوء نظرية داروين عن الانحدار مع التعديل. والجزءُ المهم الثاني للنظرية التطورية هو تقديمُ تفسيرٍ علمي ﻟ «تكيُّف» الكائنات الحية؛ تفسير مظهرها ذي التصميم الفني المُتقَن، وتنوُّعِها فيما يتصل بطرق معيشتها المختلفة. وسنتناول كلَّ هذا في هذا الفصل، الذي يعدُّ أطولَ فصول الكتاب.

هناك أمثلة بارزة لا تُحصى على التكيُّف، وسنذكر منها عددًا قليلًا فقط بهدف بيان طبيعة المشكلة. إن التنوع الذي تتسم به الأنواع المختلفة من الأعيُن وحدها أمرٌ مذهِل، ومع ذلك فهو منطقي تمامًا من حيث علاقته بالبيئات التي تعيش فيها الحيوانات المختلفة؛ فالأعينُ التي ترى تحت الماء تختلف عن تلك التي ترى في الهواء، وأعينُ المفترسات متكيِّفةٌ بشكل خاص كي تكشِفَ تخفِّي فرائسها، التي تطوَّرَتْ بدورها كي يصير من الصعب رؤيتها. والعديد من المفترسات تحت الماء، التي تأكل حيواناتٍ بحريةً شفَّافة، لها أعين بها منظومات تزيد التبايُنَ الضوئي، بما في ذلك الرؤية بالأشعة فوق البنفسجية والرؤية الضوئية الاستقطابية. من أوجه التكيُّف الأخرى المعروفة جيدًا العظامُ المجوفة في أجنحة الطيور، ذات الدعائم الداخلية التي تُشبِه تلك الموجودة في أجنحة الطائرات (الشكل ٥-١)، أو التركيب الرائع لمفاصل الحيوانات، التي يسمح سطحُها للأجزاء المتحركة بتحرُّكِ بعضها فوق بعض على نحوٍ سلس.
fig14
شكل ٥-١: عظمة مجوفة موجودة بجناحَيْ طائر مفترس، بها دعامات داخلية مقوية.

وهناك أمثلة أخرى عديدة تقدِّمها عمليات التكيف لدى الحيوانات، وهي المرتبطة بطرقها المختلفة في الاغتذاء، وتقدمها كذلك عمليات التكيف التبادلية لدى الكائنات التي تتغذى الأولى عليها؛ فللفراشات ألْسِنة طويلة تمكِّنها من الوصول إلى عمق كبير داخل الأزهار وامتصاص الرحيق، وعلى نحوٍ متبادل، تتسم الزهور بقابليةٍ عاليةٍ للرؤية من جانب الحشرات، وهي تُعلِن عن وجودها عن طريق الروائح، كما تكافئ زوَّارَها بالرحيق. للضفادع والحَرابِيِّ ألْسِنة طويلة لزِجة يمكِنُها الانطلاق واقتناص فرائسها من الحشرات. العديد من الحيوانات له أوجه تكيُّفٍ تُساعده على الهرب من المفترس، ويعتمد مظهر هذه الحيوانات على المكان الذي تعيش فيه؛ فاللون الفضي الذي تتسم به أنواع عديدة من الأسماك يجعل رؤيتَها في الماء أكثرَ صعوبةً، وعلى النقيض من ذلك، نجد أن قلة قليلة من حيوانات اليابسة لها مثل هذا اللون. وبعض الحيوانات لها ألوان مموَّهة، تُحاكي على نحوٍ استثنائي أوراقَ الشجر أو الأغصان، أو غيرَها من الأنواع السامة أو اللادغة.

يمكن التعرُّف بيُسْرٍ على أوجه التكيُّف في العديد من تفاصيل حياة الحيوانات والنباتات والميكروبات، على كل مستوًى، نزولًا إلى الآلة الخلوية وأدوات التحكُّم الموجودة بها (الموصوفة في الفصل الثالث)؛ على سبيل المثال: الانقسام الخلوي وحركات الخلية تحرِّكها محركاتٌ صغيرة مصنوعة من جزيئات بروتينية، وتحدث عمليةُ التصحيح اللغوي للدي إن إيه المُنتَج حديثًا حين تُنسَخ المادةُ الوراثية أثناء تكوين خلية جديدة، وهو ما يقلِّل وتيرةَ حدوث الطفرات الضارة بآلاف المرات. تسمح التجمعات البروتينية في أسطح الخلايا بدخول بعض المواد الكيميائية، لكنها تمنع موادَّ أخرى من الدخول؛ ففي الخلايا العصبية، تُستخدَم هذه التجمُّعات في التحكُّم في تدفُّق الذرات المعدنية المشحونة كهربيًّا عبر سطح الخلية، مولِّدة الإشاراتِ الكهربيةَ المستخدَمة في نقل المعلومات على امتداد الأعصاب. إن الأنماط السلوكية للحيوانات هي الناتج النهائي لأنماط نشاطها العصبي، وهي بالقطع متكيِّفة مع طُرُق عيش هذه الحيوانات؛ ففي الطيور، على سبيل المثال، تزيل الطيورُ المتطفِّلة كالوقواق، بيضَ النوع المضيف أو صغاره من العش، تاركةً بيضَها ومِن ثَمَّ صغارها كي يربِّيها النوعُ المضيف؛ وردًّا على ذلك تكيَّفَتِ الأنواعُ المضيفة بأن صارَتْ أكثر تيقُّظًا. أما النمل الذي يُنشِئ «حدائقَ» من الفطريات، فقد طوَّرَ سلوكياتٍ من بينها إزالةُ أبواغ الفطريات التي تلوث أوراق النبات المتحلِّلة. وحتى المعدل الذي يهرم به الحيوان أو النبات يتكيَّف مع البيئة التي يعيش فيها، كما سنرى في الفصل السابع.

قبل أعمال داروين ووالاس، بدَتْ أوجهُ التكيُّف هذه وكأنها تحتاج إلى وجود صانع؛ إذ لم يَبدُ هناك أيُّ سبيلٍ آخَر لتفسير التفصيل المذهل والإتقان الواضح للعديد من ملامح الكائنات الحية، تمامًا مثلما يستحيل أن يكون تعقيدُ الساعة ناتجًا عن عملية إنتاجٍ طبيعيةٍ خالصة. كان غياب أي تفسير آخَر هو مصدر الدعم الرئيسي ﻟ «حجة التصميم»، التي طوَّرها لاهوتيُّو القرنِ الثامن عشر بهدف «إثبات» وجود خالق، وتَمَّ استحداث مصطلح «التكيُّف» كي يصف الملاحظةَ التي تقضي بأن الكائنات الحية لها بنًى يبدو أنها مفيدة لها، ومن المهم أن نتفهَّم أن وصْفَ هذه البنى بأنها أوجهُ تكيُّفٍ إنما يطرح سؤالًا. وإن رؤيتَنا لأوجه التكيُّف هذه على أنها أمور تحتاج إلى تفسيرٍ، قد مثَّلَتْ مساهمةً قيِّمةً في فهمنا للحياة.

ما من شك في أن الحيوانات والنباتات تختلف عن الأشياء المُنتَجة بفعل الطبيعة، كالصخور والمعادن، وهو ما نقرُّ به في اللعبة التي بعنوان «حيوان أم نبات أم معدن؟» إلا أن حجة التصميم تغفل إمكانيةَ أن تكون هناك عملياتٌ طبيعية — إلى جانب تلك التي تنتج المعادن والصخور والجبال والأنهار — يمكنها تفسير الكائنات الحية بوصفها منتجاتٍ طبيعيةً معقَّدة، دون الحاجة لوجود مصمِّم. إن التفسير البيولوجي لمنشأ أوجه التكيُّف يحلُّ محلَّ فكرة المصمِّم، وهو أمر محوري في علم الأحياء التطوري التالي على زمن داروين. وفي هذا الفصل، سنصف نظريةَ التكيُّفِ الحديثة إلى جانب مسبباتها وأساسها البيولوجي، وهذا مبنيٌّ على نظرية الانتخاب الطبيعي، التي أوضحناها في الفصل الثاني.

الانتخاب الاصطناعي والتنوُّع القابل للتوارث

fig15
شكل ٥-٢: (أ) بعض الأشكال المتنوعة المستنبَتة من الكرنب. (ب) الاختلافات في الحجم والشكل بين سلالتين من الكلاب.
ثمة ملاحظة أولى وثيقةُ الصلةِ بالموضوع، أكَّدَ عليها داروين بقوة، مفادها أن تعديل الكائنات بواسطة البشر هو أمرٌ ممكنُ الحدوثِ على نحو منتظم، ويمكنه أن ينتج مظهرَ التصميم نفسه الذي نراه في الطبيعة. يتحقَّق هذا على نحوٍ روتيني من خلال «الانتخاب الاصطناعي»؛ أي الاستيلاد الانتقائي للحيوانات والنباتات ذات السمات المرغوبة. يمكن إنتاج تغييرات لافتة للغاية عبر إطار زمني قصير مقارَنةً بنطاق السجل الحفري للتطور؛ على سبيل المثال: لقد طوَّرْنا سلالاتٍ عديدةً مختلفة من الكرنب، منها أنواع غريبة مثل القنبيط والبروكلي، التي تُعَدُّ طفراتٍ تتسبَّبُ في تكوين أزهار عملاقة لرءوس ضخمة، وأنواع أخرى مثل كرنب بروكسل الذي تنمو فيه الأوراقُ بشكل غير طبيعي (الشكل ٥-٢أ). وعلى نحو مشابه، استولَدَ البشرُ سلالاتٍ عِدَّة من الكلاب (الشكل ٥-٢ب)، بها اختلافات تشبه كثيرًا تلك المرصودةَ بين الأنواع المختلفة في الطبيعة، على النحو الذي أوضحه داروين؛ ومع ذلك، بالرغم من أن كلَّ أفراد فصيلة الكلبيات (التي منها ذئب القيوط وابن آوى) أقرباءُ متقاربة ويمكنها التزاوج فيما بينها، فإن سلالات الكلاب المستولَدة ليست تدجينًا لأنواع مختلفة من الكلاب البرية، وإنما أُنتِجت عبر ألوف الأعوام القليلة الماضية (عدة مئات من أجيال الكلاب) بواسطة الانتخاب الاصطناعي من نوع واحد هو السلف المشترك لها جميعًا؛ الذئب. إن تتابعات الدي إن إيه الخاصة بجينات الكلاب هي في جوهرها مجموعةٌ فرعية من تتابعات الذئب، أمَّا ذئبُ القيوط (الذي يُعتقَد من واقع الحفريات أن سلفه قد انفصَلَ عن أسلاف الذئاب منذ مليون عام)، فيبلغ مقدارُ اختلافه عن الكلاب أو الذئاب نحوَ ثلاثة أضعاف أقصى مقدار للاختلاف بين الكلاب والذئاب؛ ومن الممكن استخدام الاختلافات بين الكلاب من حيث تتابعات الجين نفسه — تلك الاختلافات التي يُفترَض أنها تطوَّرت بعدَ انفصال الكلاب عن الذئاب — في معرفة مقدار الزمن المنقضي على حدوث هذا الانفصال (انظر الفصل الثالث). والاستنتاج الختامي هو أن الكلاب انفصلَتْ عن الذئاب منذ فترة تزيد كثيرًا عن ١٤ ألف عام مضت، وهو التاريخ الذي تقترحه السجلات الأثرية، ولكنها لا تزيد عن ١٣٥ ألف عام مضت.

إن نجاح الانتخاب الاصطناعي ممكن بسبب التنوع القابل للتوارث الموجود داخل التجمعات والأنواع (أيْ تلك الفروقات البسيطة بين الأفراد العاديين، التي وصفناها في الفصل الثالث). وحتى دون أي فهم لعملية الوراثة، تمكَّنَ الناسُ من استيلاد الحيوانات والنباتات التي لها سماتٌ يحبونها أو سماتٌ وجدوها مفيدةً، وعبر ما يكفي من الأجيال ولَّدت هذه العمليةُ سلالاتٍ من الحيوانات والنباتات يختلف بعضها عن بعض اختلافًا عظيمًا، وتختلف عن أسلافها التي خضعت للتدجين في البداية؛ يُظهِر هذا بوضوح أن الأفراد داخل أيِّ نوع مدجَّن لا بد أنهم كانوا مختلفين بعضهم عن بعض، وأن العديد من الاختلافات يمكن أن تُمرَّر من الآباء لأبنائهم، بمعنى أنها قابلة للتوارث. وإذا كانت الاختلافات راجعةً فقط إلى الطريقة التي تُعامَل بها الحيواناتُ أو النباتات، لم يكن الاستيلاد الانتقائي والانتخاب الاصطناعي ليؤثِّرَا على الجيل التالي. فإن لم تكن بعض الاختلافات قابلةً للتوارث، يكون السبيل الوحيد لتحسين السلالة هو الإدارة الجيدة فحسب.

كل سمة يمكن تخيُّلها يمكن أن تتنوَّعَ من ناحيةِ قابليةِ التوارث؛ فكما هو معروف، تتباين سلالاتُ الكلاب المختلفة، ليس فقط من حيث المظهر والحجم، وإنما كذلك من حيث السمات العقلية مثل الشخصية والنزعات؛ إذ يميل بعضها لأنْ يكون وَدُودًا، بينما يتَّسِم البعضُ الآخَر بالشراسة ويصلح للاستخدام في الحراسة. وتتباين الكلاب من حيث اهتمامها بالروائح، وميلها للسباحة أو لممارسة لعبة الْتِقاطِ العصا، وكذلك من حيث الذكاء. وهي تتباين من حيث الأمراض التي هي معرَّضة للإصابة بها، كما في حالة الكلاب الدلماسية المعرَّضة للإصابة بمرض النقرس، بل إنها تتباين أيضًا من حيث المعدلات العمرية، فنجد بعض السلالات، كالشيواوا، له أعمار طويلة بدرجة مدهشة (إذ تقارِبُ في مداها العمري القططَ)، بينما تعيش أخرى، كالكلب الدنماركي العظيم، لنصف هذه المدة فقط. وبالرغم من أن كل هذه السمات تتأثَّر، بطبيعة الحال، بالظروف البيئية مثل الرعاية الجيدة والعلاج، فإنها تتأثَّر بقوةٍ بعامل الوراثة.

ثمة اختلافاتٌ مشابهة قابِلةٌ للتوارث معروفةٌ في العديد من الأنواع المدجنة الأخرى؛ فعلى سبيل المثال: سماتُ الأنواع المختلفة من التفاح هي اختلافاتٌ قابلة للتوارُث، وهي تتضمَّن أوجهَ التكيُّف مع الاحتياجات البشرية المختلفة مثل الحصاد المبكر أو المتأخر، وملاءمة الطبخ أو الأكل، وملاءمة المناخات المختلفة للبلدان المختلفة. وتمامًا مثلما في حالة الكلاب، حدثَتْ عملياتٌ تطورية في التفاح في الوقت نفسه الذي جَرَتْ فيه عمليةُ الانتخاب البشرية، ولا يمكن الوصول مطلقًا للحالة المثالية من حيث كل السمات المرغوبة؛ على سبيل المثال: النوع «كوكس» من التفاح له نكهة قوية للغاية، لكنه معرَّض للإصابة بالآفات بدرجة كبيرة.

أنواع التنوُّع القابل للتوارُث

إن نجاح الانتخاب الاصطناعي لَدليل قوي جدًّا على أن أنواعًا عديدة من اختلافات السمات في الحيوان والنبات قابلة للتوارث. هناك أيضًا دراسات وراثية عديدة تُبيِّن وجودَ تنوُّع قابل للتوارث في سمات نطاق عريض من الكائنات في الطبيعة، منها أنواع كثيرة من الحيوانات والنباتات والفطريات والبكتيريا والفيروسات. ينشأ التنوُّعُ بفعل عمليات مفهومة بدرجة جيدة من التطافُر العشوائي في تتابعات الدي إن إيه الخاصة بالجينات، على نحوٍ مشابه لتلك التي تُنتِج خللًا وراثيًّا لدى البشر (الفصل الثالث). أغلب الطفرات تكون ضارَّةً بالصحة على الأغلب، مثل الأمراض الوراثية التي تُصيب البشرَ وحيوانات المزارع، لكنْ في بعض الأحيان تحدث طفراتٌ مفيدة؛ هذه الطفرات أدَّت إلى مقاومة الحيوانات للمرض (مثل تطوُّر مقاومة للأورام المخاطية لدى الأرانب). وهي أيضًا مسئولة عن مشكلة كبيرة اليومَ؛ إذ تطوِّر الآفاتُ مقاوَمةً للمواد الكيميائية المستخدَمة لمكافحتها (منها مقاومة الفئرانِ الوارفارين، ومقاومة الديدان الطفيلية في البشر وحيوانات المزارعِ العقاقيرَ التي تساعد على التخلُّص من الديدان الموجودة في الأمعاء، ومقاومة البعوضِ المبيداتِ، ومقاومة البكتيريا المضاداتِ الحيويةَ). وبسبب أهميتها لصحة الإنسان أو الحيوان، صارت حالاتٌ عديدة مفهومةً بتفصيل كبير.

الاختلافات القابلة للتوارث معروفة أيضًا لدى الإنسان؛ فقد يأخذ التنوُّع شكلَ اختلافات في سمات «منفصلة»، مثل لون العين ولون الشعر، كما ذكرنا من قبلُ. هذه صور متنوِّعة تتحكَّم فيها الاختلافاتُ في جينات فردية، ولا تتأثَّر بالظروف البيئية (أو تتغيَّر بفعلها بشكلٍ طفيف، مثلما تتسبَّب الشمس في جعل لون شعر الشخص الأشقر باهتًا بدرجةٍ أكبر)؛ يُطلَق على التنويعات المشتركة كهذه اسم «تعدُّد الأشكال». تَنتج حالاتٌ مثل عمى الألوان بفعل اختلافات وراثية بسيطة، لكنها تكون أكثرَ ندرةً في التجمعات البشرية. بل حتى السمات السلوكية يمكن أن تكون قابلةً للتوارث؛ فأمرٌ مثل ما إذا كانت مستعمَرةُ النمل الناري لها مَلِكة واحدة أو عِدَّة مَلِكات، إنما يتحكم به اختلافٌ في جينٍ منفردٍ يشفِّر بروتينًا يرتبط بمادة كيميائية تساهم في عملية التعرُّف على الأفراد الآخرين.

التنوع «المتواصل» هو أيضًا واضحٌ وضوح الشمس في العديد من سمات التجمعات، مثل تدريجات الطول والوزن بين البشر؛ هذا النوع من التنوع يتأثَّر بشكل ملحوظ عادةً بالظروف البيئية؛ فالطول المتزايد لأجيال متعاقبة خلال القرن العشرين، ذلك الذي نراه في العديد من الدول المختلفة، ليس راجعًا إلى تغيُّرات وراثية، وإنما إلى ظروف الحياة المتغيِّرة، منها التغذية الأفضل وقلة عدد الأمراض الخطيرة خلال فترة الطفولة. ومع هذا، هناك أيضًا درجة ما من الحتمية الوراثية فيما يخص هذه السمات في التجمعات البشرية، وهذا أمر معروف من دراسات التوائم المتطابقة وغير المتطابقة. إن التوائم غير المتطابقة هم أشقاء عاديون تصادَفَ أنه تمَّ الحمل بهم في الوقت عينه، ويوجد بين فردَيِ التوءم غير المتطابِق من الاختلافات ما يوجد بين أيِّ شقيقين عاديين، أمَّا التوءم المتطابِق فيأتي من بويضة مخصَّبة واحدة انقسمَتْ إلى جنينين متماثِلَيْن من الناحية الوراثية. وقد ثبت وجودُ أوجه تشابه أكبر بين التوائم المتطابِقة مقارَنةً بالتوائم غير المتطابِقة فيما يخصُّ العديدَ من السمات، وهو الأمر الراجع بشكل مؤكَّد إلى التشابُه الوراثي بينهم (بطبيعة الحال يجب الحرص على عدم معاملة التوائم المتطابِقة على أنهم أكثر تشابهًا من التوائم غير المتطابقة؛ على سبيل المثال: يجب فقط دراسةُ التوائم من الجنس نفسه، سواء في التوائم المتطابقة أم غير المتطابقة). بالرغم من التأثيرات البيئية المهمة الموجودة بوضوح، فإن هذا الدليل وغيره من الأدلة يكشف عن درجةٍ ما من الأساس القابل للتوارث للتنوُّع في العديد من السمات، منها جوانب الذكاء. وقد وُثِّقَ التنوع القابل للتوارُث في العديد من الكائنات، وذلك فيما يخصُّ كلَّ أنواع السمات. وحتى موضع الحيوان داخل الترتيب الهرمي للهيمنة، أو ترتيبه الهرمي، يمكن أن يكون قابلًا للتوارث، وقد تمَّ بيان ذلك في كلٍّ من الدجاج والصراصير. إن مقدار التنوُّع الوراثي المتواصل يمكن قياسُه من واقع التشابهات بين الأقارب ذوي الدرجات المختلفة، وهذا أمر مفيد عند استيلاد الحيوانات وتهجين المحاصيل النباتية، ويمكِّن المهجِّنين من التنبُّؤ بالسمات — مثل لبن الأبقار — التي سيمتلكها أبناءُ كل والدَيْن؛ ومِن ثَمَّ يصير بمقدورهم التخطيطُ لعملية الاستيلاد.

في النهاية، ما الاختلافات الوراثية في حقيقتها إلا اختلافات في «حروف» الدي إن إيه، وهذه الاختلافات تترك في المعتاد تتابعاتِ الأحماض الأمينية الخاصة بالبروتينات دون تغيير. وعند مقارَنةِ تتابعات الدي إن إيه الخاصة بالجين نفسه لدى أفرادٍ مختلفين، تُرَى الاختلافات، وإن كانت الاختلافاتُ وقتَها تكون أقلَّ عددًا ممَّا يكون عليه الحال عند المقارَنة بين جينات نوعين مختلفين تمامًا (ناقشنا مثلَ هذه المقارنات في الفصل الثالث، انظر الشكل ٣-٨). على سبيل المثال: يُمكن مقارَنةُ نُسَخ الجين الخاص بنازعة هيدروجين الجلوكوز ٦ فوسفات، المذكور في الفصل الثالث، وذلك لدى كل فرد من أفراد مجموعةٍ ما. قد لا تكون هناك اختلافاتٌ (ومِن ثَمَّ لا يوجد تنوُّع). وإذا كان بعض أفراد المجموعة يملكون تتابعًا متغيِّرًا من الجين، فسيظهر الاختلاف في بعض المقارنات؛ ويُطلَق على هذا اسمُ تعدُّدِ الأشكال الجزيئي. يقيس علماءُ الوراثة هذا التنوُّعَ من خلال نسبة حروف تتابُعات الدي إن إيه التي تتباين بين الأفراد في التجمع؛ لدى البشر، نجد عادةً أن أقل من ٠٫١ بالمائة من حروف الدي إن إيه تتباين حين نقارن تتابُعَ الجين نفسه لدى أشخاص مختلفين (مقارَنة بنسبةٍ قدرُها نحو ١ بالمائة من الاختلاف في الحروف حين نقارِن تتابُعاتِ الجينات بين البشر والشمبانزي). يكون التنوُّعُ أعلى في بعض الجينات وأقلَّ في بعضها الآخَر، وكما هو متوقَّع فإن التنوع يكون أعلى عادةً في المناطق التي يُفترَض أنها أقل أهميةً داخل الجينوم، والتي لا تشفِّر بروتينات، وذلك مقارَنةً بالمناطق المشفِّرة من الجينات. ويتسم البشر بقلة التنوُّع مقارَنةً بالأنواع الأخرى، فنجد أن الذرة مثلًا يشيع فيها تعدُّدُ أشكال الدي إن إيه بصورة أكبر بكثير من البشر (أكثر من ٢ بالمائة من حروف الدي إن إيه متباينة).

يمكن أن يمنحنا توزيع التنوع داخل النوع معلومات مفيدة؛ فحين يتم استيلاد الكلاب بغرض الحصول على سمات معينة، تتسم السلالة الناتجة بالاتساق من حيث السمات؛ يرجع هذا إلى قواعد الاستيلاد الصارمة، التي تتحكم في التزاوج وتمنع «تدفُّقَ الجينات» بين السلالات؛ ومن ثَمَّ فإن سمة معينة مرغوبة في إحدى السلالات، مثل جلب الأغراض، تتطوَّر تطورًا قويًّا في هذه السلالة فقط، وتميل السلالاتُ المختلفة إلى التباعُد بعضها عن بعض. هذا الانعزال بين السلالات أمر غير طبيعي، وبمقدور الكلاب من سلالات مختلفة أن تتزاوَجَ وتنجب صغارًا أصحاء؛ ومن ثَمَّ يكون معظم التنوُّع بين الكلاب موجودًا بين السلالات المختلفة. إن أنواعًا طبيعية عديدة تعيش في تجمُّعات منفصلة جغرافيًّا، وكما هو متوقَّع فإن مقدار التنوُّع في مثل هذه الأنواع إجمالًا يكون أكبر ممَّا هو عليه داخل أي تجمع منفرد؛ لأنه يوجد اختلافات بين التجمعات؛ على سبيل المثال: بعض فصائل الدم تكون أكثرَ شيوعًا داخلَ أعراقٍ بشريةٍ معينة دون غيرها (انظر الفصل السادس)، والأمر عينه ينطبق على العديد من العوامل الوراثية المتنوعة الأخرى. ومع ذلك، في البشر وفي أنواع أخرى عديدة في الطبيعة، تكون الاختلافات بين التجمعات طفيفةً للغاية مقارَنةً بالتنوُّع داخل التجمُّعات، وذلك على عكس الموقف في حالة سلالات الكلاب، والفارق هنا سببه أن البشر يتنقَّلون بحريةٍ بين التجمُّعات. ومن التبعات المهمة لهذه النتائج الوراثية أن الأعراق البشرية تتمايز عن طريق نسبة بسيطة من الجينات في جينوماتنا، وأغلب التركيب الجيني على مستوى العالم يتَّسِم بنطاق متشابِه ومحدود من حيث التبايُن؛ وتعمل القدرةُ المتزايدة على الانتقال في عالمنا الحديث على التقليل السريع لأي اختلافات بين التجمعات.

الانتخاب الطبيعي والصلاحية

من الأفكار الجوهرية التي تقوم عليها نظريةُ التطوُّر بفعل الانتخاب الطبيعي، فكرةُ أن بعض الاختلافات في السمات القابلة للتوارُث تؤثِّر على البقاء والتكاثُر؛ على سبيل المثال: تمامًا مثلما تمَّ انتخابُ أحصنةِ السباق اصطناعيًّا لتعظيم سمة السرعة (عن طريق الاستيلاد من الأحصنة الفائزة وأقربائها)، تمَّ انتخابُ الظباء طبيعيًّا لتعظيم سمة السرعة؛ لأن الأفراد التي تتناسل وتسهم في مستقبل النوع، هي تلك التي لم تُؤكَل من جانب الحيوانات المفترسة، وقد أدرَكَ داروين ووالاس أن هذا النوع من العمليات يمكنه أن يفسِّر التكيُّفَ مع الظروف الطبيعية. إن قدرتنا على تعديل الحيوانات والنباتات عن طريق الانتخاب الاصطناعي، إنما تعتمد على كون هذه السمة لها أساس قابل للتوارث؛ فما دامَتْ هناك اختلافات قابلة للتوارث، فسيقوم الأفراد الناجحون في البرية بتمرير جيناتهم (ومن ثَمَّ سماتهم الجيدة) إلى أبنائهم، الذين سيمتلكون بالتبعية السماتِ التكيفيةَ، مثل السرعة.

تحرِّيًا للإيجاز، ومن أجْل تمكيننا من التفكير بصورة كلية، عادةً ما تُستخدَم كلمةُ «الصلاحية» في الكتابات الخاصة بعلم الأحياء لتمثيل القدرة العامة على البقاء والتكاثر، دون الحاجة إلى تحديدِ أي سمات بعينها ذات صلة (تمامًا مثلما نستخدم مصطلحَ «الذكاء» لنعني مجموعةً من القدرات المختلفة). يسهم العديد من الجوانب المختلفة للكائن في الصلاحية، فالسرعة — مثلًا — مجرد ملمح واحد يؤثِّر على صلاحية الظبي؛ فاليقظة والقدرة على رصد المفترسات سمتان مهمتان هما الأخريان. ومع ذلك فالبقاء وحده ليس كافيًا، والقدرات التكاثرية، كإطعام الصغار ورعايتهم، مهمة هي الأخرى لصلاحية الحيوانات، وكذلك القدرة على جذب الحشرات الناقلة لحبوب اللقاح لها أهمية حيوية في صلاحية النباتات المزهرة؛ وبذلك يمكن أن تُستخدَم كلمةُ الصلاحية لوصف فعل الانتخاب على نطاق عريض من السمات المختلفة. وكما هو الحال بالنسبة إلى سمة «الذكاء»، فإن عمومية مصطلح «الصلاحية» أدَّت إلى نشوب عدد من حالات سوء الفهم والخلاف.

من أجْل معرفة الصفات التي من المرجَّح أن تكون مهمةً في صلاحية الكائن، علينا أن نفهم الكثير عن طبيعته البيولوجية والبيئة التي يعيش فيها. والصفة نفسها يمكن أن تمنح صلاحيةً مرتفعةً في نوع ما، لكن ليس في نوع آخَر؛ فعلى سبيل المثال: ليست السرعةُ صفةً مهمة في صلاحية السحلية التي تهرب من مفترسيها عن طريق التمويه، وإذا كانت تلك السحلية تعيش في الأشجار وهي جاثمة على الأغصان، فمن الأفضل لها أن تكون قادرةً على الإمساك بالأغصان جيدًا عن أن تجري بسرعة؛ ومِن ثَمَّ تكون الأرجلُ القصيرة، لا الطويلة، هي المرتبطة بالصلاحية المرتفعة. السرعة صفة مهمة للظباء، لكن القدرة على البقاء في سكون شديد، حتى لا يتمُّ رصْدُها من قِبَل المفترسات، تُعَدُّ وسيلة بديلة تستخدمها حيوانات عديدة كي تتجنَّب الافتراسَ. وهناك حيوانات أخرى تتجنَّب المفترسات عن طريق إخافتها، فمثلًا بعض الفراشات تملك بقعًا على شكل أعين على أجنحتها يمكنها أن تُظهِرها فجأةً من أجْل إخافة الطيور. من الجلِيِّ أن النباتات عاجزة عن الحركة، وهي تتجنَّب أن تُؤكَل بطُرُق مختلفة، منها أن يكون طعمها سيِّئًا أو أن تمتلك أشواكًا. كل هذه السمات المختلفة قد تزيد قدرةَ الكائنات على البقاء و(أو) التكاثر، ومِن ثَمَّ صلاحيتها.

في ضوء التنوع الوراثي فيما يخص العديد من السمات، والاختلافات البيئية، سيقوم الانتخاب الطبيعي لا محالة بعمله، وسيتغير التركيبُ الوراثي للتجمعات والأنواع مع مرور الوقت، كما أوضحنا في الفصل الثاني. في المعتاد تكون التغيرات بطيئةً من المنظور الزمني؛ لأن أي تغيُّر وراثي نادر يحتاج إلى عِدَّة أجيال كي يصير النمطَ الغالب في التجمع. عند استيلاد الحيوانات أو النباتات، تحدث عمليةُ انتخابٍ قاسيةٌ (على سبيل المثال: حين يقتل أحدُ الأمراض أغلبَ أفراد قطيعٍ ما أو محصول من النبات)، ومع هذا لا تزال التغيرات تحتاج إلى سنوات كي تَقَع. يُقدَّر أن نبات الذُّرة خضع للزراعة على يد البشر منذ عشرة آلاف عام، ومع هذا فأقماع الذرة الكبيرة الحديثة تُعَدُّ تطورًا حديثًا إلى حدٍّ كبير. وبالرغم من بطء عملية التغير التطوري من المنظور الزمني، فإن الانتخاب الطبيعي يمكنه أن يُنتِج تغيرات سريعة على النطاق الزمني للسجل الحفري؛ فالسمات المفيدة يمكنها أن تنتشر بين أفراد أحد التجمعات انطلاقًا من معدل تواتر ابتدائي منخفض، وذلك في وقت أقل من ذلك الذي يفصل الطبقات الجيولوجية الصخرية المتتابعة (والذي يبلغ في المعتاد على الأقل عدة آلاف من السنوات، انظر الفصل الرابع).

وبالرغم من أننا نعجز عادة عن رؤية الانتخاب الطبيعي وهو يحدث، بسبب بطئه وفق المقياس الزمني لأعمارنا، فإنه في حقيقة الأمر عملية لا تتوقف. وحتى البشر لا يزالون يتطورون؛ على سبيل المثال: يختلف نظامنا الغذائي عن ذلك الخاص بأسلافنا، وتستطيع أسناننا التعامل بشكل طيب للغاية مع الأطعمة الحديثة الرخوة، حتى إنْ لم تكن قويةً بدرجة كبيرة. يؤدِّي المحتوى العالي من السكر في الأطعمة الحديثة إلى تسوُّس الأسنان، وقد يؤدِّي إلى خراريج قد تكون قاتلة، لكن لم يَعُدْ هناك انتخاب طبيعي ظاهر فيما يخص الأسنان القوية؛ لأن الرعاية الطبية للأسنان يمكنها أن تحلَّ هذه المشكلات، أو توفِّر أسنانًا صناعية. وتمامًا مثلما هو حال الوظائف الأخرى التي لم تَعُد مستخدَمة بشكل مكثَّف، فمن المتوقَّع حدوث تغيرات في الأسنان، وقد تصير يومًا ما أعضاءً لا وظيفية. إن أسناننا بالفعل أصغر من تلك الخاصة بأقرب أقرباء البشر؛ الشمبانزي، ولا يوجد سبب يمنعها من أن تصير أصغر وأصغر. أيضًا أدَّى محتوى السكر الزائد في نظامنا الغذائي إلى زيادة معدلات الإصابة المتأخِّرة بداء السكري في التجمعات البشرية، مع ارتفاع نسبة الوفيات بين المصابين به. في الماضي، كان هذا المرض مقصورًا بالأساس على الأشخاص الذين تجاوزوا سنَّ الإنجاب، لكنَّ وقتَ الإصابة بهذا المرض صار آخِذًا في التبكير؛ ومِن ثَمَّ يوجد ضغط انتخابي جديد، شديد على الأرجح، من أجْل تغيير تمثيلنا الغذائي كي يتوافَقَ مع نظامنا الغذائي المتغيِّر. وفي الفصل السابع سوف نبيِّن كيف تؤدِّي التغيراتُ في حياة البشر إلى إطالة أعمارهم.

عادةً ما يُساء فَهْم مفهوم الصلاحية؛ فحين يحاول البيولوجيون توضيحَ معنى هذا المصطلح، فإنهم يستخدمون عادةً أمثلةً تتوافق مع الاستخدامات اليومية لكلمة «الصلاحية»، مثل سرعة الظباء؛ سيكون هناك مقدار أقل من خطر التشوش والارتباك لو فكَّرنا في سماتٍ مثل العظام الخفيفة الوزن الخاصة بالطيور، التي لها مراكز مجوفة ودعامات داخلية مقوية (الشكل ٥-١). إن نظرية الانتخاب الطبيعي تفسِّر مثل هذه البنَى التي تبدو ظاهريًّا مُصمَّمة جيدًا عن طريق إيضاح أنه في الوقت الذي كان الطيران يتطور فيه، كان لدى الأفراد ذوي العظام الخفيفة الوزن فُرَصٌ أعلى بدرجة طفيفة في البقاء مقارَنةً بسواهم؛ وإذا ورث أبناؤهم عظامَهم الأخف، فسيزيد تمثيل السمة في التجمُّع على مر الأجيال. الأمر أشبه تمامًا بالانتخاب الاصطناعي الذي يضطلع به القائمون على استيلاد أسرع الكلاب، وهو ما تسبَّب في منْح الكلاب السلوقية سيقانًا خلفية طويلة ونحيفة، وهذه السيقان أكثرُ كفاءةً من الناحية الميكانيكية من السيقان القصيرة، وتشبه سيقانُ الكلاب السلوقية سيقانَ الظباء وغيرها من الحيوانات السريعة العدْو، التي تطوَّرت عن طريق الانتخاب الطبيعي. إن بمقدورنا أن نَصِفَ الانتخابَ الطبيعي والاصطناعي على نحوٍ وافٍ تمامًا دون استخدام كلمة الصلاحية؛ فالانتخاب الطبيعي لا يعني في حقيقته أكثرَ من أن عواملَ متغيِّرةً معينةً يمكن تمريرها بصورة تفضيلية إلى الأجيال المستقبلية، والأفراد الذين يحملون الجيناتِ التي تقلِّل من نجاحهم في البقاء أو التكاثر، لن يمرروا في الغالب تلك الجينات بنفس المقدار الذي يقوم به الأفرادُ الآخَرون الذين تمنح جيناتُهم قدرةً أعلى على البقاء والتكاثر. إن مصطلح الصلاحية ما هو إلا اختصار مفيد يساعد في التعبير بإيجاز عن فكرة أن السمات تؤثِّر أحيانًا على فرص الكائن في البقاء و(أو) التكاثر، دون الاضطرار إلى تحديد سمة بعينها، وهو أيضًا مفيد في عمل نماذج رياضية للطريقة التي يؤثِّر بها الانتخابُ الطبيعي على التركيب الجيني للتجمع، وتمثِّل نتائجُ هذه النماذج أساسًا متينًا للعديد من العبارات التي نوردها في هذا الفصل، لكننا لن نصفها ها هنا.

لتوضيح عملية انتخاب طفرة مفيدة، تدبَّرْ سباقَ التسلُّحِ القائم بين البشر والفئران، الذي نحاول فيه تطويرَ سُمومٍ للفئران، وتحاول فيه الفئرانُ تطويرَ مقاوَمتها للسموم. إن سمَّ الفئران المسمَّى وارفارين يقتل الفئرانَ عن طريق منْعِ تخثُّر الدم؛ فهو يرتبط بإنزيم مطلوب في التمثيل الغذائي لفيتامين ك، الذي له دور مهم في تخثُّر الدم والعديد من الوظائف الأخرى. فيما مضى كانت الفئران المقاوِمة للسمِّ نادرةَ الوجود؛ لأن التمثيل الغذائي لفيتامين ك لديها تغيَّرَ، مقلِّلًا من نموها وبقائها؛ بعبارة أخرى: هناك «تكلفة» للمقاومة. لكن في المزارع والبلدات التي يُستخدَم فيها الوارفارين، وحدها الفئران المقاوِمة للسمِّ يمكنها البقاء؛ ومن ثَمَّ يوجد انتخاب طبيعي قوي، بالرغم من تكلفته المرتفعة؛ وبالتبعية انتشرَتِ النسخةُ المقاوِمةُ للسمِّ من الجين بمعدلات عالية في تجمع الفئران، وإن كانت التكلفةُ تمنعها من الانتشار بين كل أفراد النوع. ومع ذلك وقع أمر حديث تمثَّلَ في تطوير نوع جديد من المقاوَمة بَدَا أنها خالية من التكلفة، بل قد تكون مفيدة أيضًا (في غياب السم). هناك إذن تطوُّرٌ متواصِل استجابةً للتغيُّر في بيئة الفئران.

التنوع والانتخاب سمتان قويتان للغاية للعديد من الأنظمة، وليس فقط للكائنات المنفردة. ثمة مكونات معينة للمادة الوراثية يتم الحفاظ عليها، لا لأنها تزيد صلاحيةَ الكائنات التي تحملها، وإنما لأنها تستطيع التضاعُفَ داخل المادة الوراثية نفسها، وكأنها كائن طفيلي موجود في جسد عائله؛ إن نسبة ٥٠ بالمائة من الدي إن إيه البشري يُعتقَد أنها تنتمي إلى هذه الفئة. كما أن هناك موقفًا آخَر يحفِّز فيه الانتخابُ الطبيعي عمليةَ التغيُّر التطوري داخل الكائن، وذلك في حالة الإصابة بالسرطان. السرطان مرض تطوِّر فيه خليةٌ ما ونسلُها سلوكًا أنانيًّا وتتضاعف، بغضِّ النظر عمَّا يُفِيد بقية الجسد، ويحدث هذا المرض عادةً بفعل طفرة تزيد معدلاتِ التطافرِ الخاصةَ بجيناتٍ أخرى (على سبيل المثال: عن طريق فشلٍ في منظومة التصحيح الموصوفة في الفصل الثالث، التي تتحقَّق من تتابعات الدي إن إيه وتمنع حدوثَ طفرات). وإذا حدثت الطفرات بمعدلات مرتفعة، فقد يؤثِّر بعضها على معدلات تضاعُف الخلايا، وقد تَظهَر سلالةٌ سريعةُ التضاعف. ومع مرور الوقت، المزيد والمزيد من الخلايا سينحدر من الخلايا التي تحمل الطفرات في جيناتها، وهو ما يحثُّ على حدوث المزيد والمزيد من النمو، ومِن ثَمَّ يصير السرطان أكثر شراسةً. الخلايا السرطانية يمكن أيضًا أن تصير مقاوِمةً للعقاقير المستخدَمة في كبح نموِّها. ومثل الحالة المعروفة التي تتطوَّر فيها فيروسات إتش آي في المقاوِمة للعقاقير داخل مرضى الإيدز، فإن الخلايا السرطانية التي تكتسب طفراتٍ تمكِّنها من الإفلات من العقاقير الكابحة للنموِّ، تنمو بمعدلٍ يفوق النوعَ الأصلي للخلايا، وتسبِّب إنهاءَ حالةِ خمود السرطان؛ ولهذا السببِ، من غير المجدي عادةً استئنافُ العلاج بالعقاقير بعد توقُّفِ فترة الخمود.

على النقيض من ذلك، قد تكون هناك معدلات متباينة لانقراض الأنواع ذات مجموعات الخصائص المختلفة، بمعنى أنه يمكن أن يحدث انتخابٌ على مستوى النوع؛ على سبيل المثال: الأنواع ذات أحجام الأجساد الكبيرة، التي تميل إلى أن تملك أحجامَ تجمعاتٍ كبيرةً ومعدلاتِ تكاثُرٍ منخفضةً، تكون أكثر عرضةً للانقراض من الأنواع ذات الأجساد الأصغر (انظر الفصل الرابع). وعلى النقيض من ذلك، الانتخاب بين الأفراد داخل النوع نفسه يُحابي عادةً حجمَ الجسد الأكبر، وهو ما يرجع على الأرجح إلى أن الأفراد الأكبر حجمًا يتمتَّعون بنجاح أكبر في المنافسة على الغذاء أو التزاوُج. ونطاق أحجام الجسد الذي نراه في مجموعةٍ من الأنواع المترابطة قد يعكس الناتجَ الصافي لكلا النوعين من الانتخاب، ومع ذلك فمن المرجح أن يكون الانتخابُ على مستوى الأفراد داخل النوع العامل الأكثر أهميةً؛ لأنه يُنتِج النطاقَ المختلف من أحجام الجسد في المقام الأول، وهو يعمل عادةً على نحو أسرع من الانتخاب على مستوى النوع.

للانتخاب أهميته أيضًا في السياقات غير البيولوجية؛ فعند تصميم الماكينات وبرامج الكمبيوتر، وُجِد أن السبيل الأكثر كفاءةً في العثور على التصميم المثالي هو القيام بتغييرات صغيرة عشوائية متتابعة على التصميم، مع الاحتفاظ بالنُّسَخ التي تُبلِي بلاءً حسنًا، وتنحية الأخرى جانبًا. هذه العملية تُستخدَم على نحوٍ متزايدٍ في حلِّ مشكلات التصميم الصعبة في الأنظمة المعقَّدة، وفي هذه العملية، ليس على المهندس أن يكون لديه تصميمٌ معين في عقله، وإنما الوظيفة المنشودة فحسب.

أوجه التكيُّف والتاريخ التطوُّري

تفسِّر نظريةُ التطورِ عن طريق الانتخاب الطبيعي ملامحَ الكائنات بوصفها نتيجةً للتراكم المتتابِع للتغيرات، وكلُّ تغيُّر منها يمنح الكائنَ قدرًا أكبر من النجاح من حيث البقاء أو التكاثر. وتعتمد ماهيةُ التغيرات الممكنة على الحالة السابقة للكائن؛ فالطفرات يمكنها فقط أن تعدِّل نموَّ الحيوان أو النبات في حدود معينة، وهي محكومة بالبرامج التطورية الموجودة بالفعل، التي تؤدِّي إلى الكائن البالغ. وتُظهِر نتائجُ الانتخاب الاصطناعي، على النحو الذي يمارسه القائمون على استيلاد الحيوانات والنباتات، أنه من اليسير نسبيًّا تغييرُ أحجامِ أجزاءِ الجسم وأشكالها، أو إنتاجُ تغيُّرات بارزة في السمات السطحية مثل اللون الخارجي، كما هو الحال في سلالات الكلاب المختلفة. يمكن إنتاج التغيرات الجذرية بسهولةٍ عن طريق الطفرات، ولا يواجه علماءُ الوراثة العاملون في المختبرات أيَّ صعوبةٍ في خلْقِ سلالات من الفئران أو ذباب الفاكهة تختلف عن الأشكال العادية اختلافًا أكبر من ذلك الذي تختلفه الأنواعُ البرية بعضها عن بعض؛ فمن الممكن، على سبيل المثال، إنتاجُ ذبابات لها أربعة أجنحة بدلًا من جناحين كما في الحالة العادية، إلا أن هذه التغييرات الكبيرة تُعِيق في الغالب النموَّ الطبيعي، وتقلِّل من بقاء الكائن وخصوبته؛ ومِن ثَمَّ مِن المستبعَد أن يُحابِيَها الانتخاب الطبيعي، بل إن هذه التغييرات يميل القائمون على استيلاد الحيوانات والنباتات إلى تجنُّبِها (على الرغم من أن مثل هذه الطفرات استُخدِمت في تطوير سلالات غير معتادة من الحمام والكلاب، في المواضع التي تكون فيها صحةُ الحيوان ذاتَ أهميةٍ أقل في نظر المزارعين).

ولهذا السبب، نتوقَّع أن يُواصِل التطوُّر عملَه دائمًا من خلال عمل تعديلات صغيرة نسبيًّا على ما هو موجود من قبلُ، وليس عن طريق قفزات مفاجئة نحو حالات جديدة بشكل جذري. يتضح هذا على الأخص في حالة السمات المعقَّدة التي تعتمد على التعديل المتبادَل للعديد من المكونات المختلفة، كما في حالة العين (التي سنناقشها بمزيد من التفصيل في الفصل السابع)، فإذا تغيَّر أحد المكونات بشكل جذري، فقد لا يعمل جيدًا بالتوافق مع الأجزاء الأخرى التي تظلُّ بلا تغييرٍ، وحين تتطوَّر أوجهُ تكيُّفٍ جديدة، ستكون دائمًا نُسَخًا معدَّلة من بنًى موجودةٍ من قبلُ، ولن تكون عادةً الحلولُ التصميميةُ الهندسيةُ العاملةُ بكفاءةٍ مثاليةً؛ فالانتخاب الطبيعي يشبه مهندسًا يحسِّن ماكيناته عن طريق التجريب والتعديل، وليس عن طريق الجلوس وتخطيط تصميمات جديدة بالكامل. إن مفكات البراغي الحديثة يمكن أن تناسِب الأعمالَ الدقيقة، وهي تملك رءوسًا عديدةً متنوِّعةً تلائم مختلفَ الأغراض، لكنَّ الأسلاف التطورية لتلك البراغي كانت عبارة عن قِطَع معدنية تُدار بمفكٍّ عن طريق فتحة في أحد طرفَيْها.

وبالرغم من أننا نندهش عادةً من الدقة والكفاءة التي تتسم بها أوجهُ التكيُّف في الكائنات الحية، فإن هناك أمثلة عديدة على التجريب غير الدقيق، تكشفها ملامحُ لا يكون لها معنًى منطقي إلا في إطار أصولها التاريخية. يرسم الرسَّامون الملائكةَ بأجنحة تخرج من أكتافهم، وهو ما يمكِّنهم من استخدام أذرعهم بشكل متواصل، لكن أجنحة كل أنواع الفقاريات التي تطير أو تنزلق على الهواء هي أطراف أمامية معدَّلة، ومِن ثَمَّ فقدَتِ الزواحفُ المجنَّحة والطيورُ والخفافيشُ القدرةَ على استخدام أطرافها الأمامية في كل الوظائف تقريبًا. وعلى نحو مشابه، يتسم تصميمُ قلوبِ الثدييات ودورتِها الدموية بملامح عجيبة تعكس تاريخًا من التعديل التدريجي من جهازٍ كان يقوم في الأصل بضخِّ الدم من القلب إلى خياشيم الأسماك، ثم إلى باقي الجسم (الشكل ٥-٣). ويكشف النموُّ الجنيني للجهاز الدوري بوضوحٍ عن صوره التطورية السالفة.
fig16
شكل ٥-٣: البنية العالية التعقيد لقلب الثدييات وأوعيته الدموية. لاحِظْ كيف أن الشريان الرئوي (الذي يوصل الدمَ إلى الرئتين) يتقوَّس على نحوٍ غير ملائم خلف الشريان الأورطى (الذي يوصل الدمَ إلى بقية الجسم) والوريد الأجوف العلوي (الذي يُعِيد الدمَ من الجسم إلى القلب).

في بعض الأحيان، تطوَّرَتْ حلولٌ مشابهة لمشكلة وظيفية على نحو مستقلٍّ في مجموعات مختلفة؛ ما أدَّى إلى أوجه تكيُّف شديدة التشابُه، وفي الوقت نفسه يختلف بعضها عن بعض بدرجة كبيرة من حيث التفاصيل، بسبب تاريخها المتباين، كما في حالة أجنحة الطيور والخفافيش؛ ومن ثَمَّ، على الرغم من أن التشابه بين الكائنات المختلفة يكون راجعًا عادةً إلى القرابة بينها (كما هو الحال بيننا وبين القردة)، فإن الكائنات البعيدة بعضها عن بعض ولكنها تعيش في ظروف متشابهة، يمكنها أحيانًا أن تبدو أكثر شبهًا بعضها ببعض مقارَنةً بالأنواع الأقرب. وحين تكون أوجهُ الشبه والاختلاف القائمة على الشكل مضلِّلةً، يمكن اكتشافُ العلاقات التطورية الحقيقية باستخدام الأدلة المستقاة من التشابهات والاختلافات في تتابعات الدي إن إيه، على النحو الذي أوضحناه في الفصل الثالث؛ على سبيل المثال: تطوَّرت أنواعٌ عدة من الدلافين النهرية في أنهار كبرى في أجزاء مختلفة من العالم، وهي تتقاسم ملامحَ تميِّزها عن الدلافين المحيطية، خاصةً أعينها المختزلة؛ لأنها تعيش في مياه عَكِرة، وتعتمد بقدْرٍ أكبر في الملاحة على تحديد المواقع بالصَّدَى وليس الرؤية. وتبيِّن مقارناتُ الدي إن إيه أن أي نوع من أنواع الدلافين النهرية، يكون أكثرَ قربًا وشبهًا بالأنواع البحرية الموجودة في منطقته منه بالدلافين النهرية في الأماكن الأخرى. من المنطقي إذن أن تؤدِّي البيئات المتشابهة إلى أوجه تكيُّف متشابهة.

على الرغم من أوجه الشبه بين الأمرين، فإن الانتخاب الطبيعي يختلف عن عمليات التصميم البشرية بطرق عِدَّة؛ أحد الاختلافات يتمثَّل في أن التطور لا يملك بصيرةً مستقبليةً، فالكائنات تتطوَّر استجابةً للظروف البيئية السائدة في وقتٍ ما بعينه، وهذا قد تنتج عنه سماتٌ تؤدِّي إلى انقراضها حين تتغيَّر الظروف بشكل جذري. وكما سنبيِّن لاحقًا في هذا الفصل، يمكن أن يؤدِّي التنافُسُ الجنسي بين الذكور إلى وجود هياكل تقلِّل بشكل كبير من قدرة هذه الذكور على البقاء، ومن الممكن أن يؤدِّي تغيُّرٌ بيئي غير مُوَاتٍ إلى تقليل القدرة على البقاء بشكل أكبر، وصولًا إلى نقطةٍ يعجز معها النوعُ عن الحفاظ على نفسه، وهذا هو السبب المُقترح لانقراض الأيل الأيرلندي، ذي القرون الضخمة. الكائنات ذات المدى العمري الطويل تتسم في المعتاد بخصوبة منخفضة للغاية، كما في حالة الطيور الجارحة الكبيرة كالنسر الأمريكي؛ إذ تضع أنثاه بيضة واحدة كلَّ عامين (سنناقش هذا بتفصيل أكبر في الفصل السابع). مثل هذه التجمعات يمكن أن تُبلِي بلاءً حسنًا ما دامَتِ البيئة مواتيةً، ونسبة الوفيات السنوية بين الأفراد البالغين المتناسِلين منخفضة. ومع ذلك، لو تدهورَتِ البيئةُ وزادت نسبةُ الوفيات، كما يحدث مثلًا بسبب تدخُّلات الإنسان، فقد يسبِّب هذا تدهورًا سريعًا في عدد أفراد النوع. يحدث هذا في الوقت الحالي للعديد من الأنواع، وتسبَّبَ بالفعل في انقراض أنواع كانت وفيرةَ العدد فيما مضى؛ على سبيل المثال: تم اصطياد الحمام الأمريكي المهاجِر البطيء التناسُل حتى نقطة الانقراض في القرن التاسع عشر، بالرغم من أن عدده كان يصل في الأصل إلى عشرات الملايين. أيضًا الأنواع التي تتطوَّر بحيث تعيش في نوع شديد الخصوصية من الموائل، تكون أكثرَ عرضةً لخطر الانقراض لو اختفى ذلك الموئل بسبب تغيُّرٍ بيئي، فمثلًا دِبَبة الباندا في الصين يَحِيق بها خطرٌ شديدٌ؛ لأنها تتناسَلُ ببطء، وتعتمد على نوع من الخيزران لا يوجد إلا في مناطق جبلية معيَّنة تتعرَّض في الوقت الحالي لقطْعِ ما بها من أشجار.

أيضًا لا ينتج الانتخابُ الطبيعي بالضرورة تكيُّفًا مثاليًّا؛ ففي المقام الأول، قد لا يكون هناك وقتٌ لضبط كل جانب من جوانب الآلة البيولوجية وصولًا إلى أحسن حالاتها، وهذا أمر مرجَّح على الأخص حين تَنتُج الضغوطُ الانتخابية عن تفاعلاتٍ بين زوجٍ من الكائنات، مثل العائل والطفيل؛ على سبيل المثال: أيُّ تحسُّنٍ في قدرة العائل على مقاوَمةِ العدوى يزيد الضغطَ الانتخابي على الطفيل كي يتغلَّب على هذه المقاومة، وهو ما يُجبِر العائلَ على تطوير إجراءاتِ مقاوَمةٍ جديدة، وهكذا دوالَيْك، بحيث يصير هناك «سباقُ تسلُّح تطوُّري». في مثل هذه المواقف، لا يكون بوسع أي الطرفين أن يظل متكيِّفًا على نحوٍ مثالي لوقت طويل؛ فعلى الرغم من قدرة جهازنا المناعي المذهلة على مكافحة العدوى البكتيرية والفيروسية، فإننا نظل معرَّضِين للإصابة بسلالات متطورة حديثًا من فيروسات الإنفلونزا والبرد. ثانيًا: يقيِّد جانبُ الضبط في الانتخاب الطبيعي — تعديل ما هو موجودٌ من قبلُ — ما يستطيع الانتخابُ تحقيقَه، كما ذكرنا للتوِّ؛ فيبدو سخيفًا من منظور تصميمي أن تكون الخلايا التي تحمل المعلومات من الخلايا الحساسة للضوء، واقعةً أمام خلايا الشبكية الحساسة للضوء، وليس خلفها، بَيْدَ أن هذا حدث نتيجةً للكيفية التي تطوَّرَ بها هذا الجزءُ من العين بوصفه ناتجًا عن نموِّ الجهاز العصبي المركزي (تشبه عينُ الأخطبوط أعينَ الثدييات، لكن لها تركيبة أفضل؛ إذ توجد الخلايا الحسَّاسة للضوء أمام الأعصاب). ثالثًا: قد يكون لتحسُّنٍ في جانب واحد من عمل أي جهازٍ تكلفةٌ تأتي على حساب وظيفة أخرى، كما ذكرنا في حالة مقاومة الوارفارين، وهذا يمكن أن يُعِيق تحسينَ عملية التكيُّف. وسنورد المزيدَ من الأمثلة في موضع لاحق من هذا الفصل، وكذلك في الفصل السابع حين نناقش الشيخوخةَ.

رصد الانتخاب الطبيعي

ذهب كلٌّ من داروين ووالاس إلى أن الانتخاب الطبيعي هو سبب التطور التكيفي، وذلك دون معرفة أمثلة على عمل الانتخاب في الطبيعة. على مدار الخمسين عامًا الماضية، رُصِدت حالاتٌ عديدة لعمل الانتخاب الطبيعي ودُرِست على نحوٍ تفصيلي، وهي تعزِّز على نحوٍ بالغٍ الأدلةَ المؤيِّدة لدور الانتخاب المحوري في عملية التطور، لكن لن تتَّسِعَ المساحةُ هنا إلا لعرض أمثلة معدودة. ثمة نوع مهم للغاية من الانتخاب الطبيعي يعمل في وقتنا الحالي ويسبِّب مقاومةً متزايدةً لدى البكتيريا للمضادات الحيوية، وهذا مثال على تغيُّرٍ تطوُّري خاضع لدراسة مكثفة؛ لأنه يهدِّد حياتنا، ويحدث بوتيرة سريعة وعلى نحو متكرر (للأسف). في اليوم الذي كتبنا فيه هذه الكلماتِ كانت عناوينُ الصحف تتحدَّث عن تفشِّي البكتيريا العنقودية المقاوِمة للميثيسيلين في مستشفى إدنبرة الملكي. وكلما استُخدِم مضاد حيوي على نطاق واسع، نجد سريعًا بكتيريا مقاوِمةً له. استُخدِمت المضاداتُ الحيوية على نطاق واسع للمرة الأولى في أربعينيات القرن العشرين، وسريعًا ما أُثِيرت المخاوفُ المتعلِّقة بمقاوِمة المضادات الحيوية من جانب علماء الأحياء الدقيقة، وفي عام ١٩٥٥ ورد في مقال منشور في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية، التي تخاطِب الأطباءَ، أن الاستخدام غير المميز للمضادات الحيوية «محفوفٌ بخطرِ انتخابِ سلالات مقاوِمة»، وفي عام ١٩٦٦ (حين لم يغيِّر الناسُ سلوكَهم)، كتب عالِمٌ آخَر في مجال الأحياء الدقيقة يقول: «أَمَا من سبيل لتوليد قلق جماعي كافٍ بحيث يمكننا مجابَهة موضوعِ مقاوَمةِ المضادات الحيوية؟»

ليس التطوُّر السريع لمقاومة المضادات الحيوية بالأمر المفاجئ؛ لأن البكتيريا تتضاعف بسرعة وتوجد بأعداد هائلة؛ بحيث إنَّ أيَّ طفرة يمكنها أن تجعل من المؤكد أن تحدث خليةٌ مقاوِمة في عدد قليل من البكتيريا في أي تجمُّع، وإذا تمكَّنَتِ البكتيريا من تحمُّلِ التغيُّر الذي سبَّبتْه الطفرةُ في وظائفها الخلوية وتضاعَفَتْ، فمن الممكن أن يتكوَّن تجمُّع مقاوِم على نحو سريع. قد نأمل أن تكون المقاوَمةُ مكلِّفةً بالنسبة إلى البكتيريا، مثلما كان الحال في بدايته بالنسبة إلى مقاوَمةِ الوارفارين لدى الفئران، لكن كما هو الحال بالنسبة إلى الفئران لا يَسَعنا الاعتماد على بقاء هذا الأمر لفترة طويلة؛ فعاجلًا أم آجلًا، ستتطوَّر البكتيريا بحيث تستطيع البقاءَ في وجود المضادات الحيوية، دون أن تتحمَّل هي نفسها تكلفةً بالغةً؛ ومن ثَمَّ تكون فرصتنا الوحيدة هي استخدام المضادات الحيوية باعتدال، بحيث نقصر استخدامَها على المواقف التي تكون فيها مطلوبةً بالفعل، وأن نحرص على أن تُقتَل كلُّ البكتيريا المسبِّبة للعدوى بسرعةٍ، قبل أن يُتَاح لها وقتٌ كي تطوِّرَ مقاوَمةً. فإذا أوقَفَ أحدُ المرضى العلاجَ بينما لا تزال بعض البكتيريا موجودة، فسيتضمَّن ذلك التجمعُ لا محالةَ بعضَ البكتيريا المقاوِمة، التي يمكن أن تنتشر لتصيب أشخاصًا آخَرين. يمكن أيضًا أن تنتشر مقاوَمةُ المضادات الحيوية بين البكتيريا، حتى بين تلك التي تنتمي إلى أنواع مختلفة؛ فالمضادات الحيوية التي تُعطَى لحيوانات المزرعة، من أجل خفض معدلات العدوى وتعزيز النمو، يمكن أن تتسبَّبَ في انتشار المقاوَمة إلى العوامل المُمرضة البشرية. وحتى هذه التبعات لا تمثِّل المشكلةَ كلها، فالبكتيريا ذات طفراتِ المقاومة ليست مماثِلةً لبقية أفراد التجمع، لكن تكون لها في بعض الأحيان معدلاتُ تطافُرٍ أعلى من المتوسط، وهو ما يمكِّنها من الاستجابة على نحوٍ أسرع للانتخاب.

تتطوَّر مقاوَمةُ العقاقير ومبيدات الآفات كلما استُخدِمت العقاقيرُ في قتل الطفيليات أو الآفات، وقد خضعت مئاتُ الحالات حرفيًّا للدراسة في كلٍّ من الميكروبات والنباتات والحيوانات، وحتى فيروس الإتش آي في يتطافَرُ داخلَ مرضى الإيدز الذين يُعالَجون بالعقاقير، ويطوِّر مقاوَمةً تتسبَّب في النهاية في إفشال عملية العلاج. وفي محاولة لمنع هذا الأمر، يتم عادةً استخدامُ عقارَيْن بدلًا من عقار واحد في العلاج. ولأن الطفرات أحداث نادرة، فمن غير المرجح أن يحصل تجمُّعُ الفيروسات داخل المريض على كلتا الطفرتين بسرعة كبيرة، وإنْ كان هذا يحدث عادةً في نهاية المطاف.

هذه الأمثلة توضِّح الانتخابَ الطبيعي، ومع ذلك فهي تتضمَّن — شأن ما يحدث في الانتخاب الاصطناعي — مواقفَ تتغيَّر فيها البيئةُ نتيجةً للتدخل البشري. تتسبَّب أنشطةٌ بشرية عديدةٌ أخرى في تغيُّرات تطورية في الكائنات؛ فمثلًا يبدو أن قتل الأفيال من أجل الحصول على عاجها قد أدَّى إلى ارتفاع أعداد الأفيال العديمة الأنياب العاجية. في الماضي، كانت تلك مجرد حيوانات نادرةٍ تمثِّل استثناءاتٍ شاذةً، لكن في الوقت الحالي، في ظل الصيد المكثف، تستطيع هذه الحيوانات البقاءَ حيةً والتكاثر بصورة أفضل من الحيوانات الطبيعية؛ ونتيجةً لذلك تزداد أعدادُها داخل تجمعات الأفيال. أيضًا الفراشات الخطافية الذيل ذات الأجنحة الصغيرة، التي لا تجيد الطيران، يجري انتخابُها في الموائل الطبيعية المجزَّأة، والسبب المفترض لذلك هو أن الفراشات العاجزة عن الطيران لمسافات بعيدة من المرجح أن تبقى داخل رقع الموائل الملائمة. أيضًا نتسبَّبُ نحن البشر في ضغطٍ انتخابي على الحشائش كي تصير أعمارها عامًا واحدًا، مع إنتاج البذور بشكل سريع، وذلك حين نزيل الحشائشَ الضارة من حدائقنا وحقول المحاصيل. في أنواع مثل عشب القبأ الحولي، توجد أفراد تنمو بشكل أبطأ، ويمكنها العيش لعامين أو أكثر، بَيْدَ أنها في موقف ضعف واضح في منظومة تقوم على قطع الحشائش بشكل مركز. هذه الأمثلة لا تبيِّن فقط إلى أيِّ مدًى يمكن أن تكون التغيراتُ التطورية شائعةً وسريعةً، لكنها أيضًا تبيِّن أن أي شيء نفعله يمكن أن يؤثِّر على تطوُّر الأنواع المرتبطة بالبشر؛ ومع انتشار البشر في كل أنحاء العالم، فإن أنواعًا قليلة فقط هي التي ستنجو من هذه التأثيرات.

درس علماء الأحياء أيضًا حالاتٍ عديدةً من الانتخاب، كلها طبيعية بالكامل، ولا تتضمن أي تغيير في الموائل أو تدمير لها على يد البشر؛ أحد أفضل الأمثلة تلك الدراسةُ التي امتدَتْ على مدار ٣٠ عامًا، وأجراها كلٌّ من بيتر وروزماري جرانت على نوعين من شرشوريات داروين؛ شرشور الأرض وشرشور الصبار، وذلك على جزيرة دافني في أرخبيل جالاباجوس (انظر الفصل الرابع). يختلف هذان النوعان من حيث متوسط حجم المنقار وشكله، لكن هناك تنوعًا كبيرًا داخل كل نوع بالنسبة إلى كلتا السمتين، وخلال الدراسة، ركَّب فريق الزوجين جرانت حلقاتٍ على كل طير يفقس على الجزيرة وقاسوا حجمه، وتمَّ تحديد نسل كل أنثى لهذا الطائر. تمَّتْ متابعةُ كل طائر خلال حياته ورُبِط بين بقائه وبين القياسات الخاصة بحجم وشكل أجزاء الجسم. بيَّنَتْ دراساتُ النَّسَب أن التنوُّعَ في سمات المناقير له مركب وراثي قوي، بحيث يشبه الأبناءُ آباءَهم. وتبيِّن الدراسات التي أُجرِيت على سلوك الاغتذاء للطيور في البرية أن حجم المنقار وشكله يؤثِّران على الكفاءة التي تتعامل بها الطيورُ مع أنواع البذور المختلفة؛ فالمناقير الكبيرة العميقة تمكِّن الطيورَ من تناوُل البذور الكبيرة أفضلَ من الصغيرة، والعكس صحيح في حالة المناقير القصيرة. إن جزر جالاباجوس معرَّضة لدوراتٍ من الجفاف الشديد، مرتبِطةٍ بظاهرة إل نينو، وهذه الدورات تؤثِّر على وفرة أنواع الغذاء المختلفة. في سنوات الجفاف، أغلبُ نباتات الغذاء تفشل في إنتاج البذور، باستثناء نوع بعينه يُنتِج بذورًا كبيرة للغاية؛ وهذا يعني أن الطيور ذات المناقير الكبيرة العميقة لها فرصة أفضل بكثير في البقاء مقارَنةً بغيرها، وهو ما رُصِد بالفعل من خلال إحصاء التجمع؛ فبعد دورة جفاف، تمتَّعَت الطيور البالغة في كلا النوعين بمناقير أكبر وأعمق من أفراد التجمُّع قبل الجفاف، وعلاوةً على ذلك، ورث أبناؤها هذه السمات، بحيث تسبَّبَ التغيُّرُ في اتجاه الانتخاب، الذي سببه الجفاف، في إحداث تغيُّر وراثي في تركيبة التجمع؛ أي تغيُّر تطوري حقيقي. اتفق نطاق هذا التغيُّر مع ذلك المتوقَّع من العلاقة المرصودة بين نِسَب الوفيات وسمات المناقير، مع الوضع في الحسبان درجة التشابه بين الآباء والأبناء. وبمجرد أن عادَتِ الظروفُ الطبيعية، تغيَّرَتِ العلاقةُ بين سمات المناقير والبقاء بحيث لم تَعُدِ المناقيرُ الكبيرة العميقة مُفضَّلةً، وتطوَّرَتِ التجمعات مرةً ثانية عائدةً إلى حالتها السابقة. ومع ذلك، حتى في السنوات التي لم تشهد جفافًا، كان هناك أيضًا المزيد من التغيُّرات البسيطة في البيئة، التي أدَّتْ إلى تغيرات في العلاقة بين الصلاحية وسمات المناقير، وبهذا كان هناك تذبذُبٌ ثابت في خصائص المناقير على مدار الثلاثين عامًا كلها، وانتهى المطافُ بتجمُّعاتِ كلا النوعين إلى حالةٍ تختلف بدرجةٍ كبيرة عن الحالة الأولية.

مثال آخَر دامغ يأتينا من الطريقة التي تتكيف بها الأزهار مع الحشرات والحيوانات التي تساعدها في عملية التلقيح؛ فلكي يتكاثر النبات مع نبات آخَر من نوعه، يجب اجتذاب ناقلات حبوب اللقاح نحو أزهار النبات، وأن تتم مكافأتها على عمل ذلك (من خلال الرحيق أو مقدار إضافي من حبوب اللقاح يمكنها أن تأكلها)، وهو ما يضمن أنها ستزور النباتات الأخرى من النوع نفسه. تتطور النباتات والحيوانات المشارِكة في هذا التفاعل بحيث تحصل لنفسها على أفضل ما يمكنها؛ في حالة زهرة الأوركيد مثلًا، من المهم أن تصل العثة الناقلة لحبوب اللقاح إلى أعماق الأزهار، كي تعلق كتلةُ غبار الطلع (يُطلَق عليها اسم «الغُرَيْضَة») في ثباتٍ برأس العثة حين تزور النبات؛ فهذا يضمن اتصالَ كتلة غبار الطلع اتصالًا جيدًا بالجزء المناسب من الزهرة التي ستزورها العثةُ بعد ذلك، بحيث يحدث التواصُلُ بشكل صحيح وتخصب حبوبُ اللقاح الزهرةَ. إن الحاجة إلى إبقاء الرحيق بعيدًا عن متناول ألسنة العثث تولِّد انتخابًا طبيعيًّا على طول الأنابيب؛ ومِن ثَمَّ من المفترض أن تتسم الأزهار ذات الأطوال غير الطبيعية لأنابيب الرحيق بخصوبة أقل؛ فالأزهار ذات الأنابيب الأقصر ستمكِّن العثةَ من امتصاص الرحيق دون أن تلتصق بها كتلُ غبارِ الطلع أو تنفصل عنها لو كانت آتيةً بها من زهرة أخرى، والأزهار ذات الأنابيب الأطول ممَّا ينبغي ستُهدِر الرحيقَ، وكأنها عُلَب عصير طويلة تعجز الماصات القصيرة عن استخراج ما بها من عصير. في صناعة علب العصير، يفيد الهدْرُ بائعي العصير؛ إذ يمكِّنهم من بيع كميات أكبر، لكن النباتات تفقد الطاقةَ والماء والمغذيات إذا صنعَتْ رحيقًا عديمَ الفائدة، وهذه الموارد يمكن توجيهُها لاستخداماتٍ أفضل.

في نبات سيف الغراب الموجود في جنوب أفريقيا، الذي يُنتِج زهرةً واحدة فقط، كانت النباتاتُ ذات الأنابيب الطويلة تنتج ثمارًا بوتيرة أعلى من النباتات ذات الأنابيب المتوسطة الطول، وأيضًا كان بكل ثمرة عددٌ أكبر من البذور من المتوسط. يبلغ طول أنابيب هذا النوع في المعتاد ٩٫٣ سنتيمترات، وزوَّارها من العثث الحرشفية الأجنحة يتراوح طولُ ألسنتها بين ٣٫٥ و١٣ سنتيمترًا. كانت العثث التي لا تملك حبوبَ لقاح على ألسنتها تملك أطولَ الألسنة. أما أنواع العثث الأخرى الموجودة في المنطقة لكنها لا تلقح هذا النوع، فيقلُّ متوسطُ طول ألسنتها عن ٤٫٥ سنتيمترات؛ يبيِّن هذا قوةَ الانتخاب التي تدفع الأزهارَ والعثث إلى تكيُّف بعضها مع بعض، بحيث تصل إلى نطاقات متطرفة في بعض الحالات. بعض أزهار الأوركيد في مدغشقر يصل طولُ غددها الرحيقية إلى ٣٠ سنتيمترًا، ويصل طولُ ألسنة الحشرات الملقِّحة إلى ٢٥ سنتيمترًا؛ في هذه الأنواع، تم استيضاح الانتخاب الواقع على سمة الطول من خلال تجارب تمَّ فيها ربْطُ أنابيب الرحيق من أجل تقصيرها، وهو ما أدَّى إلى انخفاض نسبة نجاح استخراج العثث للرحيق.

يؤثِّر نوع مشابه من الانتخاب والانتخاب المضاد على نوعنا البشري من حيث علاقته بالطفيليات. خضعَتْ تكيفاتٌ بشرية عديدة مع الملاريا للدراسة جيدًا، ومن الواضح أننا طوَّرنا عددًا من الدفاعات المختلفة، منها تغيرات في خلايا الدم الحمراء لدينا، التي يقضي فيها طفيلُ الملاريا جزءًا من دورة حياته المعقَّدة. وكما هو الحال في مقاومة الوارفارين لدى الفئران، قد تكون للدفاعات تكلفةٌ مرتفعة أحيانًا؛ فمرضُ أنيميا خلايا الدم المنجلية، الذي يكون قاتلًا في المعتاد إذا لم يُعالَج المريض، يتضمَّن تغيُّرًا في الهيموجلوبين (وهو البروتين الأساسي لخلايا الدم الحمراء، المسئولة عن حمل الأكسجين إلى أجزاء الجسم)، وهذه الهيئة المتغيِّرة (هيموجلوبين إس) هي صورة مختلفة للجين الذي يشفِّر الهيموجلوبين الشائع لدى البالغين (هيموجلوبين إيه)، والاختلاف بين النسختين سببه اختلاف في حرف واحد من حروف الدي إن إيه؛ والأفراد الذين تكون نسختا الجين لديهم من النوع إس يُعانون أنيميا خلايا الدم المنجلية، فتتشوَّه خلايا الدم الحمراء لديهم وتسدُّ الأوعية الدموية الدقيقة. أما الأشخاص الذين يحملون نسخةً طبيعية من الهيموجلوبين إيه، ونسخةً من الهيموجلوبين إس، فلا يتأثَّرون سلبًا، بل يملكون مقاوَمةً أعلى للملاريا مقارَنةً بالأشخاص الذين تكون نسختا الهيموجلوبين لديهم من النوع إيه. إذن فالمرض الذي يعاني منه الأشخاصُ الذين يحملون النسختين إس هو تكلفة مقاوَمةِ الملاريا، ويمنع الشكل إس من الانتشار بين أفراد التجمع، حتى في المناطق ذات معدلات الإصابة المرتفعة بالملاريا. إن نُسَخ إنزيم نازعة هيدروجين الجلوكوز ٦ فوسفات المتغيرة التي تساعد أيضًا في الحماية من الملاريا (انظر الفصل الثالث) لها تكلفة هي الأخرى، على الأقل حين يتناول الأشخاصُ الذين يحملون هذه النُّسَخَ المتغيِّرة أطعمةً أو عقاقير معينة، وهو ما يسبِّب ضررًا لخلايا الدم الحمراء لديهم، بينما النسخة غير المقاوِمة من الإنزيم تَحُول دون حدوث ذلك؛ ومع ذلك تبدو مقاوَمةُ الملاريا دون تكلفة، أو بتكلفة بسيطة، أمرًا ممكنًا. إن الزمرة الدموية «دوفي−»، وهي سمة أخرى لخلايا الدم الحمراء، تنتشر في مناطق كثيرة من أفريقيا، والأشخاص الذين يحملون هذه الزمرة أقلُّ عرضةً للإصابة بأنواع معينة من الملاريا من غيرهم من الأشخاص الذين يحملون النوع البديل «دوفي+».

توضِّح مقاوَمةُ الملاريا نتيجةً شائعة؛ أن استجابات مختلفة يمكن أن تحدث نتيجةً لضغط انتخابي واحد، في حالتنا هذه مرض خطير. بعض حلول المشكلة التي طرحها وجود الملاريا أفضلُ من البعض الآخَر؛ لأن هناك تكاليف أقل للأفراد المعنيِّين. في الواقع، هناك العديد من التنويعات الجينية الأخرى موجودة في تجمعات بشرية مختلفة تقدِّم مناعةً ضد الملاريا، ويبدو أن مسألة اختيار أنواع الطفرات التي يرسخها الانتخابُ في أي منطقة بعينها خاضعةٌ للمصادفة بدرجة كبيرة.

الأمثلة التي ناقشناها للتوِّ توضِّح الاستجاباتِ الانتخابيةَ للتغيرات في بيئة الحيوانات والبشر والنباتات؛ فلربما يظهر مرضٌ ما، ويقع ضغط انتخابي على تجمعٍ ما بحيث يتطوَّر أفرادٌ أكثر قدرةً على المقاومة؛ أو ربما تطوِّر عثةٌ ما لسانًا أطول، وتستطيع امتصاصَ الرحيق من الزهور دون أن تعلق بها حبوبُ اللقاح، وبالتبعية تطوِّر الزهرةُ أنابيبَ رحيقٍ أطولَ. في هذه الأمثلة، يُغيِّر الانتخابُ الطبيعي الكائنَ، على النحو الذي ذكره داروين في مقولته عام ١٨٥٨، التي أوردناها في الفصل الثاني؛ ومع ذلك، يعمل الانتخاب الطبيعي في أحيان كثيرة على منع التغييرات من الحدوث. في الفصل الثالث، حين وصفنا آلة البروتينات والإنزيمات الخلوية، ذكرنا أن الطفرات تحدث ويمكنها التقليل من أهمية هذه الوظائف؛ وحتى في بيئة ثابتة، يعمل الانتخابُ في كل جيل على مواجهة الجينات الطافرة (التي تشفِّر بروتينات طافرة أو بروتينات يتمُّ التعبيرُ عنها في الموضع أو الوقت الخطأ، أو بالمقدار الخطأ). يظهر أفراد جُدُد يحملون طفراتٍ في كل جيل، لكنَّ الأفراد غير الطافرين يتركون عادةً نسلًا أكبر عددًا، ومِن ثَمَّ تظَلُّ جيناتُهم هي الأكثر شيوعًا، ويظل معدل النُّسَخ الطافرة قليلًا داخل التجمع. هذا هو الانتخاب «التثبيتي» أو «المُنقِّي»، الذي يعمل على أن تسير الأمور على أفضل نحو ممكن؛ مثالٌ على هذا الجينُ الذي يشفِّر أحدَ البروتينات المشتركة في عملية تخثُّر الدم، بعضُ التغيرات في تتابُع ذلك البروتين تؤدِّي إلى عجز الدم عن التخثُّر عقب حدوث أي جرح (الهيموفيليا أو الناعور)، وحتى وقت قريب — حين تفهَّمْنا مسبِّباتِ الهيموفيليا، وصار من الممكن مساعدة المصابين بهذا المرض عن طريق حقْنِهم ببروتينات معامل التخثُّر — كانت هذه الحالةُ قاتلةً أو تهدِّد البقاءَ على نحو خطير؛ وقد وصف علماءُ الوراثة الطبية آلافًا من هذه التنويعات الجينية ذات معدلات الحدوث المنخفضة والتأثيرات الضارة، التي تؤثِّر على كل سمة يمكن تصوُّرها.

يحدث الانتخاب التثبيتي لو ظلَّتِ البيئةُ ثابتةً إلى حدٍّ كبير، بحيث إن الانتخاب في الماضي أُتِيح له الوقت لتعديل صفةٍ ما إلى الحالة التي تمنح صلاحيةً مرتفعةً. يمكن رصْدُ هذا الانتخاب وهو يعمل اليومَ على سمات متنوعة بشكل متواصل للكائنات، وثمة مثال لهذا الأمر خضع لدراسة جيدة وهو وزن البشر عند مولدهم. حتى في وقتنا الحالي، الذي يموت فيه عدد قليل للغاية من الأطفال، يكون الأطفال ذوو الأوزان المتوسطة هم أصحاب أعلى معدلات البقاء أحياءً، أما العددُ القليل من وفيات الأطفال فيشمل بالأساس الأطفالَ الضئيلي الحجم، وبعضَ الأطفال ذوي الحجم الضخم للغاية. رُصِد أيضًا الانتخابُ التثبيتي في أنواع من الحيوانات، مثل الطيور والحشرات، بعد وقوع العواصف الشديدة، حين يكون الأفرادُ الباقون أحياءً في الغالب هم أصحاب الأحجام المتوسطة، بينما يموت أصحابُ أصغر الأحجام وأكبرها. وحتى الانحرافاتُ الطفيفة عن الوضع المثالي يمكن أن تخفِّض القدرةَ على البقاء أو الخصوبة؛ ومن ثَمَّ يكون من المنطقي أن يكون تكيُّفُ الكائنات مع بيئتها أمرًا مثيرًا للإعجاب عادةً. وكما أوضحنا في الفصل الثالث، يبدو الأمر أحيانًا كما لو أن أبسط التفاصيل يمكن أن تكون مهمةً. يتمُّ عادةً الوصولُ إلى حالةٍ تُقارِبُ الحالةَ المثالية، مثل الدقة الاستثنائية التي تحاكي بها الفراشاتُ أوراقَ الشجر أو تحاكي بها اليرقاتُ الأغصانَ. أيضًا يصير الانتخابُ التثبيتي منطقيًّا من واقع الملاحظة التي تقضي بأن الأنواع عادةً لا تُظهِر إلا تغيرًا تطوريًّا بسيطًا، فما دامت بيئتها لا تفرض عليها تحدياتٍ جديدةً، يميل الانتخاب إلى إبقاء الأمور كما هي؛ وبناءً على هذا يصير ثباتُ شكل بعض الكائنات على امتداد فترات تطوُّرية طويلة — مثل تلك الكائنات المسمَّاة «الحفريات الحية» التي يشبه أفرادُها الحاليون الحفرياتِ البعيدةَ للغاية للنوع نفسه — أمرًا مفهومًا.

الانتخاب الجنسي

الانتخاب الطبيعي هو التفسير الوحيد للتكيف الذي صمد أمام الاختبار التجريبي، ومع ذلك فالانتخاب لا يزيد بالضرورة القدرةَ الإجمالية على البقاء أو عددَ الذرية المُنتَجة من قِبَل التجمُّع إجمالًا؛ فحين يكون هناك تنافُسٌ، قد تقلِّل السماتُ التي تمنح الفردَ النجاحَ في المنافسة على أحد الموارد المحدودة من قدرة الجميع على البقاء. وإذا صار أكثر أنواع الأفراد نجاحًا هو الشائع داخل التجمع، فقد تنخفض احتمالية قدرة التجمع على البقاء. وليست الأمثلة الخاصة بالتبعات غير التكيفية للمنافسة مقصورةً على المواقف البيولوجية؛ فكلنا نعرف ما تتسم به الإعلانات التنافسية من تطفُّل وذوق سيئ.

أحد أفضل الأمثلة البيولوجية المفهومة للتنافس هو الانتخاب المؤثِّر على قدرة الذكور على الحصول على إناث؛ ففي العديد من أنواع الحيوانات، لا يخلف كلُّ الأفراد المتَّسِمين بالخصوبة ذريةً، وإنما يخلِّفها فقط أولئك الذين ينجحون في المغازلة و(أو) التنافس مع الذكور الآخرين. وفي بعض الأحيان، لا تقبل الإناثُ إلا الذكورَ «المهيمِنين». وحتى ذكورُ ذباب الفاكهة يتعيَّن عليهم مغازلة الإناث — بالرقصات والأغنيات (التي تنتجها بواسطة الخفق بأجنحتها) والروائح — قبل أن يُسمَح لها بالتزاوج، ومع ذلك ليس النجاح مضمونًا (وهو ليس بالأمر المفاجئ؛ نظرًا لأن الإناث يجب أن تكون شديدةَ الانتقاء، وتتجنَّب أن تقبل ذكورًا من نوع مختلف). وفي ثدييات عديدة، كالأسود، هناك طبقات اجتماعية من حيث القدرة على التزاوج، وتتسم الإناث بالانتقاء الشديد؛ ومِن ثَمَّ يتباين الذكور من حيث نجاحهم التكاثري؛ وعليه، سيُحابي الانتخابُ الطبيعي السماتِ المرتبطةَ بالهيمنة الذكورية داخل الترتيب الهرمي، أو تلك المرتبطةَ بجاذبية الذكور في نظر الإناث. يملك ذكور الغزلان قرونًا أكبر، تُستخدَم في القتال فيما بينها، وبعض الأنواع يملك وسائل ترهيب أخرى، مثل الزئير المرتفع. وما دامت هذه الصفات قابلةً للتوارث (وهو الأمر الواقع كما رأينا أعلاه)، فإن الذكور ذوي الصفات التي تجعلهم ناجحين في التزاوج سيُمرِّرون جيناتهم إلى العديد من أفراد ذريتهم، بينما ستكون للذكور الآخَرين ذريةٌ أقلُّ عددًا.

قد يطوِّر الجنسان كلاهما سماتٍ بواسطة هذا «الانتخاب الجنسي»، وهذا يفسِّر على الأرجح الريشَ الزاهي للعديد من الطيور؛ ومع ذلك، في العديد من الأنواع تكون هذه السمات مقصورةً على الذكور (الشكل ٥-٤)، وهو ما يقترح أن هذه السمات ليست في حد ذاتها أوجهَ تكيُّف ملائمة لبيئة النوع. بالتأكيد لا يبدو أن الكثير من هذه السمات الذكورية يساعد على البقاء، وهي غالبًا ما تفرض تكاليف بسبب قدرة البقاء المنخفضة لحامليها من الذكور؛ فذكور الطواويس، ذات الذيول الضخمة الجميلة، لا تُجِيد الطيران، وكانت ستقدر على الهرب من المفترسين بشكل أفضل لو أن ذيولها كانت أصغر حجمًا. والطواويس نوع غير ملائم للدراسات التجريبية الخاصة بالديناميكا الهوائية، لكن ثبت أن ذيول السنونو تكون أطول من الطول المثالي للطيران، وتفضِّل الإناثُ الذكورَ ذات الذيول الطويلة، بل إن سمات المغازلة الذكورية الأقل إبهارًا تجلب معها عادةً أخطارًا متزايدة؛ على سبيل المثال: بعض أنواع الضفادع الاستوائية تتغذَّى عليها الخفافيش، وهذه الخفافيش ترصد ذكورَ الضفادع التي تغني أغنيات المغازلة؛ وحتى دون هذه الأخطار، عادةً ما تبذل الذكور المغازِلة مقدارًا هائلًا من الجهد، يمكن توظيفه خلاف ذلك في البحث عن الطعام مثلًا، وتكون عادةً في حالة جسمانية سيئة للغاية في نهاية موسم التزاوج.
fig17
شكل ٥-٤: نتاج الانتخاب الجنسي، كما هو موضَّح في كتاب داروين «أصل الإنسان والانتخاب الجنسي». يبيِّن الشكلُ ذكرًا وأنثى من النوع نفسه من طيور الجنة، وهو يوضِّح الزينةَ التي يتَّسِم بها الذكرُ في مقابل افتقار الأنثى لأي مظاهر خارجية جذَّابة.

أدرَكَ داروين هذا الأمر واعتبر أن الانتخاب في سياق المغازَلة مختلف عن أغلب المواقف الأخرى، واستحدَثَ مصطلحَ الانتخاب الجنسي كي يوضِّح هذا الاختلاف. وكما قلنا للتوِّ، من غير المرجح أن تكون ذيولُ الطواويس من أوجه التكيُّف، وذلك على أُسُس بديهية (فمثل هذه الذيول لا تبدو تصميمًا جيدًا لحيوان يطير)، وأيضًا لأنها لو كانت مفيدة، لَامتلكَتْها الإناثُ هي الأخرى؛ ومن ثَمَّ يبدو أن الانتخاب قد قايَضَ القدرةَ المنخفضة على الطيران بالنجاح الذكوري المرتفع في التزاوُج لدى الطاوس، وهو نوع يحمل فيه التزاوجُ التنافسي أهميةً كبيرة. وعليه يوضِّح الانتخاب الجنسي أن كلمة الصلاحية، كما هي مستخدَمة في علم الأحياء، تعني عادةً شيئًا مختلفًا عمَّا تعنيه وفْقَ الاستخدام الدارج للكلمة؛ فذَكَرُ الطاوس الذي يمثِّل له الذيلُ إعاقةً، ليس «صالحًا» من منظور القدرة على الطيران أو العَدْو (على الرغم من أنه قد يكون عاجزًا عن إنتاج ذيل جميل لو لم يتمتَّع بالتغذية والصحة الطيبة)، لكن في لغة علم الأحياء التطوري يتَّسِم الطاوس بصلاحية مرتفعة، فدون ذيله الكبير كانت الإناث ستتزاوج مع الذكور الآخَرين، وكانت خصوبته ستنخفض.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠