الفصل الثاني

تشكيل فريق العمل

إن الابتكار رياضة جماعية، شئتَ ذلك أم أبيتَ. قليلة هي الابتكارات القيِّمة التي تتحقَّق على يد فرد واحد، أو حتى على يد مجموعات من الأشخاص الذين يتشاركون نفس المعرفة والخبرة. ننظر في هذا الفصل فيما يتطلَّبه تشكيلُ فرق العمل، ونوضِّح السببَ في أن العمل الجماعي ينطوي على تحدٍّ أكبر مما يبدو لأول وهلة، ونستكشف الدور الجوهري الذي يضطلع به الأمانُ النفسي — بالإضافة إلى عواملِ تمكينٍ أخرى — في مساعدة الأفراد على العمل الجماعي معًا بفاعلية. ونظرًا لأن العمل الجماعي عبر التخصصات المختلفة ضروريٌّ للابتكار؛ فسنولي اهتمامًا خاصًّا لأنواع الحدود التي يواجهها الأفرادُ عند العمل الجماعي من أجل الابتكار، وكيف يمكن تجاوُزها بفعالية، وسوف نبدأ بقصة توضِّح كلَّ أنواع الحدود التي يمكن تخيُّلها، والتي يبدو أنه لا يمكن تجاوُزها.

(١) قصة الرهائن الأمريكيين في إيران

يصعب تخيُّل عالَمَيْن أكثر اختلافًا في طريقة التفكير من هوليوود ووكالة الاستخبارات المركزية، لكن ما يجعل قصةَ مصير الرهائن الستِّ الأمريكيين في إيران، مثيرةً للاهتمام بحقٍّ هو العمل الجماعي بين هاتين الجهتين المختلفتين بشدة، وكيف أدَّى هذا العمل الجماعي إلى عودة الرهائن إلى أرض الوطن. بينما تقرأ هذه القصة، فكِّرْ في أنواع الحدود بين هذين اللاعبين، وطبيعة العمل الجماعي الذي تم بينهما، والحل الابتكاري نفسه؛ كيف أثمَرَ تشكيلُ فريقٍ تجاوَزَ هذه الحدود عن الابتكار؟

في وقت مبكر من صباح يوم الرابع من نوفمبر من عام ١٩٧٩، في سفارة الولايات المتحدة في طهران — عاصمة إيران — كان حشدٌ سريعُ التزايُد من الطلاب المتظاهرين المعادين لأمريكا يُطالِبون بإعادة الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي من منفاه في الولايات المتحدة؛ فقد كانوا يريدون أن تتولَّى الحكومةُ الثورية التي يترأَّسُها آية الله الخميني محاكمتَه. دفع الحشدُ بواباتِ السفارة، هاتفين: «الله أكبر!» و«الموت لأمريكا!» وسرعان ما تسلَّق الطلاب جدران السفارة، وفي غضون دقائق، تجمهَرَ المتظاهرون في مجمع المباني الكبير الذي يضمُّ محلَّ إقامة السفير ومكاتب طاقم العمل بالسفارة.1
تمنَّى مارتن لييك؛ الموظف القنصلي بالسفارة — الذي كان في أول منصب قنصلي يتولَّاه — لو أن مبنى إصدار التأشيرات القريب الذي يعمل فيه لم يكن يقع في طريق المتظاهرين، تمنَّى لو أن أحدًا منهم لم يشكَّ في أن هناك مجموعةً صغيرةً من طاقم موظفي السفارة الأمريكية وموظفين إيرانيين ومتقدِّمين لطلب التأشيرة، في الطابق الثاني من المبنى.2 كانت مجموعة مارتن تتضمَّن زوجتَه كورا (مساعدة قنصلية)، وجوزيف ستافورد (كبير مسئولي الشئون الخارجية)، وزوجة ستافورد كاثلين (مساعدة قنصلية)، وروبرت أندرس (موظف قنصلي أول).

من دون مقدمات، أظلم المبنى؛ حيث قُطِع التيار الكهربي، ودوى صوت طلقات نارية في مجمع المباني الخاص بالسفارة. كان الفرارُ من الاحتجاز مسألةً بالغة الأهمية؛ فقد كان الموظفون الإيرانيون يعرفون جيرانًا لهم أُلقِيَ القبض عليهم وأُعدِموا على يد الحرس الثوري. ومع اقتراب الحشد من المبنى، دمَّرَ مارتن وزملاؤه الألواحَ التي تُستخدَم في صنع أختام التأشيرات، وارتجلوا خطةً للإخلاء، وأرشدوا كلًّا من طاقم العمل والمتقدِّمين لطلب تأشيرة إلى باب خلفي؛ كان ذلك هو المخرج الوحيد في السفارة الذي يمكن الخروج منه مباشَرةً إلى الشارع.

خرج الإيرانيون المتقدِّمون لطلب تأشيرة أولًا — في مجموعات صغيرة — قبل طاقم العمل الأمريكي. أُلقِي القبض على إحدى مجموعات المواطنين الإيرانيين بعد دقائق وأُعِيدوا إلى السفارة مرةً أخرى، وتوجَّهَ لييك وزوجته وستافورد وزوجته وأندرس إلى السفارة البريطانية، التي كانت تقع على بُعْد عدة مبانٍ من السفارة الأمريكية، وكانت المجموعة الأمريكية الفارَّة المكوَّنة من ستة أفراد، على وشك الوصول للسفارة البريطانية عندما قابلتها مظاهرةٌ أخرى.

وأخيرًا، وجدت المجموعة ملاذًا آمِنًا في محل إقامة السفير الكندي كين تايلور، وبات الأمريكيون الستة يُعرَفون في وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية ﺑ «الضيوف». ومع العلم بأن حياة السفير الكندي وضيوفه ستكون في خطر إذا انكشف وجود الأمريكيين، راح خبراء في واشنطن العاصمة يدرسون عددًا من خطط الإنقاذ، التي تضمنت — على الأغلب — طرقًا بريةً تتحاشى الطرقَ الرئيسية ونقاطَ التفتيش.

كُلِّف توني منديز — رئيس إدارة الرسوم والوثائق في وكالة الاستخبارات المركزية — بوضع خطة للعودة بالرهائن إلى أرض الوطن. كانت الهويات المزوَّرة هي تخصُّص منديز؛ إذ كان قد قضى ١٤ عامًا في مكتب الخدمة الفنية التابع للوكالة — وهو نسخة واقعية من فرع «كيو» في أفلام جيمس بوند — وساعَدَ أكثر من مائة عميل استخباراتي وآخَرين على الفرار من مواقف خارج البلاد كانت تهدِّد حياتهم.

كانت المشكلة تتمثَّل في أن قادة السلكَيْنِ الدبلوماسيينِ الكندي والأمريكي، لم يكونوا يرون أيَّ سببٍ معقول لوجود أي مواطنِيْنَ من أمريكا الشمالية في طهران، بعد بدء أزمة الرهائن؛ فقد غادَرَها جميعُ المعلمين والباحثين الزراعيين وآخَرون غيرهم. وفي خضم عملية العصف الذهني، خطرت لمنديز فكرةٌ فريدة؛ وهي أن يشكِّل طاقمَ استكشافِ مواقع تصوير للأفلام.

تمثَّلَتِ الخطةُ فيما يلي: كان منديز سيقوم بدور منتج الفيلم المزعوم «كيفين هاركنز» من كندا، وسيتقدَّم بطلب «استكشاف موقع تصوير» إلى إيران من أجل تصوير فيلم هوليوودي. بَدَتِ الفكرةُ معقولةً؛ نظرًا لأن هذه الأنماط من الشخصيات الهوليوودية المبدعة، ربما تكون غافلةً عن الموقف القائم في إيران الثائرة. وبالتركيز على إيجاد الخلفية المناسبة لفيلم جديد، ربما قصة خيال علمي تحتاج إلى منطقة صحراوية غريبة، فإن أي منتج هوليوودي قد يكون مجنونًا بدرجة كافية للبحث عن المنطقة التي يريدها في إيران. علاوة على ذلك، كانت الحكومةُ الإيرانية تريد العملةَ الصعبة، وربما كانت سترحِّب بصفقة تجارية من هذا النوع؛ فإنتاجُ فيلم قد يعني ملايين الدولارات الأمريكية.

وبمتابعة هذه الفكرة، كان منديز في حاجةٍ إلى شركاء؛ بَدَا الستار الذي سيختفون خلفه معقولًا، إلا أنه كانت لا تزال هناك حاجة لإنجاز كثير من العمل لاستكمال تفاصيل عمليةٍ يمكنها الصمود أمام حالةٍ من الترصُّد، في وقتٍ كانت مطاردة الأمريكيين فيه على أشدها. ولإعداد أساس لهذا الستار، سافَرَ منديز إلى لوس أنجلوس في منتصف يناير للقاء جون تشيمبرز (خبير تجميل متمرِّس حصل على جائزة أوسكار عام ١٩٦٩ عن فيلم «كوكب القردة»)، وكان كذلك يتعاوَن مع منديز منذ وقت طويل. دعا تشيمبرز بوب سايدل (خبير التجميل والمؤثرات الخاصة) لينضمَّ إلى الاجتماع.

قدح منديز وتشيمبرز وسايدل زنادَ فكرهم للتوصُّل إلى كل التفاصيل اللازمة لإنشاء شركة إنتاج سينمائي هوليوودية مزيَّفة وتنفيذها. أجَّرُوا مكانًا، وصمَّموا بطاقات عمل، ولفَّقوا هوِيَّات مفصلة لكلٍّ من أفراد فريق استكشاف مواقع التصوير الستة، بما في ذلك ذكر أعمالهم السابقة، وحصلت شركة الإنتاج على جناح في استديوهات صنست جاور.

وجد تشيمبرز نصًّا مناسبًا تمامًا في الأرشيف الكبير للسيناريوهات السينمائية التي سُلِّمت ولم تُصَوَّر، وأطلق منديز على النص عنوانًا جديدًا هو «آرجو»؛ وهو اسم السفينة التي استخدمها البطل الإغريقي الأسطوري جاسون (وبحارته)، خلال رحلته البحرية الشجاعة إلى النصف الآخَر من العالَم لاستعادة الصوف الذهبي. وصمَّمَ كلٌّ من منديز وتشيمبرز إعلانًا بطول صفحةٍ كاملةٍ عن الفيلم ليُنشَر في المجلتين الفنيتين المتخصصتين الرئيسيتين «فارايتي» و«هوليوود ريبورتر». وعلى سبيل جمع مزيدٍ من «محتويات الجيب» التي تدعم الإثباتات الهوليوودية لفيلمه المزعوم، جمع منديز علبَ أعوادِ ثقاب من مطعم براون ديربي الشهير في بيفرلي هيلز؛ حيث اجتمع طاقم الإنتاج في المساء السابق لسفره إلى إيران.

وأخيرًا، حصل منديز على جوازات سفر كندية مزيَّفة لأفراد الفريق الستة وسافَرَ إلى طهران، وبلقاء الرهائن الأمريكيين، شرح لهم قصةَ الفيلم الملفَّقة، وعرَّفهم برسوم جاك كيربي الخاصة بالفيلم الأصلي والسيناريو، والإعلان المنشور في مجلة «فارايتي»، وبطاقات العمل الخاصة بشركة «استديو سيكس». وعلى الرغم من بعض الإحجام، رأى الضيوف أن الحيلة يمكن أن تنجح، وبدءوا في حفظ هوِيَّاتهم الجديدة لتتطابق مع جوازات السفر المزيفة، وسرعان ما توجَّهوا إلى مطار طهران لتنفيذ عملية فرارهم الخطيرة من إيران، وعلى مرأًى من الجميع.

بعد عدة لحظات من التوتر عند البوابة، صعد منديز و«طاقم فيلمه» على متن الطائرة، وأقلعت الطائرة، وتنفَّسَ منديز والفارُّون الستة الصُّعداءَ في نفَسٍ واحد. لقد أتمُّوا معًا وبنجاح أكثرَ عملية «إنقاذ رهائن» ابتكارًا وإثارةً في حياة منديز المهنية.

(٢) العمل الجماعي عبر الحدود

لم يكن سوى القليل من الأمور المشتركة التي تجمع بين منديز والضيوف، والكنديين الذين آووهم، والفنانين المبدعين في هوليوود الذين جعلوا كل هذا ممكنًا؛ لقد جاءوا جميعًا من خلفيات مختلفة، ومؤسسات مختلفة، ومجالات خبرة مختلفة، وثقافات مختلفة، إلا أنهم تعاوَنوا لتنفيذ عملية مميزة وابتكارية بدرجة ملحوظة. ينطوي هذا النوع من التنوع على حدودٍ بين الأفراد الذين ينتمون إلى مجموعاتٍ كلٌّ منها لها هوِيَّة مختلفة.

(٢-١) ما تنطوي عليه الحدود

فكِّرْ في الصفات التي قد تستخدمها لوصْفِ نفسك؛ بعض هذه الصفات تصف المجموعات التي يشترك أفرادُ كلٍّ منها في هوِيَّة واحدة، مثل النوع والمهنة والجنسية. بعض هذه المجموعات والحدود الخاصة بها أكثر وضوحًا من غيرها؛ النوع على سبيل المثال واضح، أما المهنة فهي أقل وضوحًا، إلا إذا كان الزيُّ يدلُّ عليها.

لكن الأشياء المستترة هي «الافتراضات المسلَّم بها» — أو العقليات — الخاصة بالأفراد في المجموعات المختلفة. لكي يكون العملُ الجماعي ناجحًا، يجب على الأفراد أن يكونوا مدركين أنهم سيعملون معًا، ولكلٍّ منهم وجهة نظره المختلفة، واعتقاده المُسلَّم به ﺑ «صحة» معتقداته وقِيَمه. ليس كافيًا أن يقولوا ببساطة شيئًا من قبيل: «دعونا نتَّحِد في فريق» وكل شيء سيسير على ما يرام. وبغضِّ النظر عن قدر النوايا الحسنة الذي ينطوي عليه الأمرُ ومدى أهمية الهدف، فإن هذه الحدود تقيِّد التعاوُنَ بطرق مستترة وقوية في نفس الوقت.3

يساهم التعليم (المستوى والنوع) — إلى جانب عمليات التواصل الاجتماعي التي تحدث عندما نتفاعل مع آخرين في مجالنا — في المعتقدات غير الواعية بأن المعرفة التي تتشاركها مجموعةُ المرءِ مهمةٌ على نحوٍ استثنائي. إن الأمر يبدو كما لو أن جدارًا يفصل بين المهندسين وموظفي التسويق، والممرضات والأطباء، والمصممين في بكين والمصممين في بوسطن؛ فالمعرفة والمهارات التي نتعلمها في مجال خبرة بعينه تشكِّلان المنهج المرئي. أما المنهج المستتر، فيعلمنا أن ننسى كيف كان سيبدو الأمر ونحن لا نعرف ما نعرفه.

أهم شيء علينا أن نفهمه فيما يتعلق بالحدود إذن، هو أن معظم الأشخاص يعتبرون المعرفةَ التي تقع على الجانب الخاص بهم من الحدود مُسلَّمًا بها؛ وهذا يمكن أن يُصعِّب من عملية التواصل مع الأفراد على الجانب الآخر من الحدود، إلا أن العمل الجماعي في جوهره يتمحور حول تجاوُزِ مثل هذه الحدود، أو مدِّ جسور عبرها. وللقيام بذلك، يجب علينا أولًا أن نكون واعين تمامًا بهذه الحدود وما تفعله.

إن الافتراضات المسلَّم بها عسيرةٌ على الإدراك بطبيعتها؛ ومن ثَمَّ فإن أول خطوة في سبيل إدراكها هي أن تكون واعيًا بوجودها، ومن ثَمَّ يمكنك أن تكون متنبِّهًا لها. خُذْ كمثالٍ شركتَيْ طيران وحَّدَتَا جهودَهما للعمل على ابتكار طائرة جديدة.4 في أول اجتماعات التخطيط، اتفق الجميع على أهداف طموحة وجدول زمني مضغوط، وبالرغم من هذا الاتفاق، ظلت المحادثة تغوص في أوحال سوء الفهم وسوء التواصل. وأخيرًا، اكتُشِف أن كلتا المجموعتين قصدتَا شيئًا مختلفًا عند استخدامهما العبارة البسيطة: «لقد سُلِّمَت الطائرة.» فقد فهمت إحدى المؤسستين أن الطائرة قد سُلِّمَت فعليًّا إلى محطة تحكُّمٍ، وأمَّا الأخرى ففهمت أن العبارة نفسها تعني أن الطائرة قد سُلِّمَت إلى الموقع الفعلي، وأن المكونات قد اجتازت كلَّ الفحوص الفنية. وقد كان هذا الفارقُ الدلالي بالغَ الأهمية للمشروع؛ لأنه أثَّرَ على الكيفية التي كانت ستُجمَع بها البيانات وتُصنَّف، وليس هذا الفارق الدقيق بين مجموعتين سوى مثال واحد على نوعية سوء التفاهم الذي يمكن أن يتفاقم، مقارَنةً بما لو تجاوَزَ العملُ الجماعي الحدودَ بين المجموعتين.

(٢-٢) أنواع الحدود

ثمة ثلاثة أنواع من الحدود مهمة بوجه خاصٍّ في سياق العمل الجماعي من أجل الابتكار؛ وهي: المسافة المادية (الموقع، والمنطقة الزمنية، وما إلى ذلك)، والمكانة (القيمة الاجتماعية المُدرَكة، والمستوى الوظيفي، والمهنة، وما إلى ذلك)، والمعرفة (الخبرة، والتعليم، وما إلى ذلك).5
المسافة المادية: في كثير من الشركات، تعوَّدت فِرَق العمل التي تعمل في أماكن منتشرة حول العالم — والتي تُدعَى الفِرَق الافتراضية — على دمج خبراتها. وهي افتراضية لأنها تعمل معًا باستخدام تقنيات الاتصالات؛ مثل: البريد الإلكتروني، أو الهاتف، أو سكايب. إن القدرةَ على الابتكار من مثل هذا العمل الجماعي عظيمةٌ، ومع ذلك، فإن التحديات أيضًا عظيمة؛ فمن دون التواصل المباشر، يمكن أن يكون تحديدُ ومواجهةُ الافتراضات المسلَّم بها شديدَيِ الصعوبة.
المكانة: أكثر الاختلافات في المكانة شيوعًا في مكان العمل، تتمثَّل في المهنة ومستوى الهيكل الوظيفي للمؤسسات. تؤثِّر المكانة المهنية بوجه خاص في سلوكيات التعبير الصريح عن الآراء والمعتقدات؛ ففي مجال الرعاية الصحية — على سبيل المثال — يتمتَّع الأطباء بمنزلةٍ أعلى وسلطةٍ أكبر من الممرضات اللاتي يتمتعن بدورهن بمكانة أعلى من الفنيين، إلا أن الأفراد عبر هذه المهن دائمًا ما يكون عليهم تشكيلُ فِرَقٍ لرعاية المرضى؛ ومن ثَمَّ فإن المرضى يكونون عرضةً للخطر إذا لم يتعلَّم هؤلاء الأفراد كيف يتعاونون في العمل بحيث يتجاوزون حدودَ المكانة التي توجد بينهم. هذا ما أدركَتْه سوزان تومبسون في مؤسسة ترينيتي هيلث سيستمز حين افتتحت إحدى أولى مؤسسات الرعاية المسئولة في الولايات المتحدة (وذلك كما أشرنا في الفصل السابق). طلبت تومبسون من أطباء الرعاية الأولية والمتخصصين والممرضات والأطباء الآخَرين أن يشكِّلوا فريقًا يتجاوز حدودَ المكانة فيما بينهم؛ لتنسيق الرعاية من أجل تحسين نتائج علاج المرضى، وتقليص تكلفة الرعاية في الوقت ذاته. هناك شيء واحد فاجَأَها في هذا الشأن؛ إنه مدى السرعة التي حقَّقَ بها الابتكارُ النتائجَ المرجوَّةَ منه؛ «ففي ١١ شهرًا فقط، تقلَّصَ إجمالي عدد النزلاء بالمستشفى بنسبة ٢٥ بالمائة، وقلَّت نسبة إعادة إدخال المرضى المستشفى في غضون ٣٠ يومًا بنسبة ٤٣ بالمائة، وبات مرضى قسم الطوارئ المتكررون يتلقَّوْن رعايةً أكثر تناسُقًا، وتحسَّنَ مستوى رضا المرضى عن الخدمة المقدَّمة.»6
المعرفة: يتمحور العمل الجماعي من أجل الابتكار في أغلب الأحيان حول سدِّ الفجوة بين مجالات الخبرة. في فِرَق تطوير المنتجات والعمليات بوجهٍ خاص، يُعَدُّ جَمْعُ أفرادٍ من وظائف مؤسسية مختلفة معًا لفترة زمنية محدودة من العمل الجماعي المكثَّف؛ أمرًا يزداد شيوعًا. في مجال تطوير المنتجات، تقدِّم الهندسة رؤًى عميقةً في التصميم والتكنولوجيا، ويقدِّم التصنيع رؤًى متعمِّقةً في عمليات الإنتاج القابلة للتنفيذ، وتقديرات التكلفة الدقيقة، والإنتاج التجريبي، والإنتاج على نطاق واسع، ويقدِّم التسويقُ رؤًى متعمِّقةً في تقبُّل المستهلِك للمُنتَج، وقطاعات المستهلكين، وبناء الصورة الذهنية للمنتجات، وخطط المنتجات. إن دمج هذه المجموعات المختلفة من المهارات والرُّؤى أمرٌ ضروري، لكنه صعب في الوقت ذاته؛ ذلك لأن حالات سوء الفهم تنشأ بسبب اختلاف المعاني المُضمَّنة في التخصُّصات المختلفة، وغالبًا ما ينتج عن ذلك انعدامُ الثقة.

التنظيم المؤسسي والمهنة كلاهما مصدران مهمَّان للحدود التي تفرضها المعرفةُ. توجد الحدود المؤسسية في أي وقت يتعيَّن فيه على أفرادٍ من شركات مختلفة — أو حتى من مواقع مختلفة داخل نفس الشركة — العمل معًا. أما الحدود المهنية، فتنتج عن التدريب أو التعليم الذي يحترف الخبراء من خلاله فرعًا معرفيًّا متخصصًا، وهذا يجعل لهم عقلية — طريقةَ معرفةٍ — معينة، وتصبح هذه المعرفة مُسلَّمًا بصحتها. وتُعَدُّ اللغةُ الاصطلاحية المكتسَبة خلال التعليم والممارسة التخصُّصية لغةً غريبة نوعًا ما بالنسبة إلى الآخرين، وهذا يجعل تعاوُنَ الأفراد معًا في العمل — عبر «عوالم الأفكار» للمجتمعات المهنية — عُرضةً لحالات سوء الفهم.

في الوقت نفسه، في معظم المجالات، يستمرُّ التخصُّص في التوسُّع. يتطلب معدل تطوير المعرفة الجديدة أن يستثمر الأشخاصُ وقتًا كبيرًا لمجرد أن يظلوا مُطَّلِعين على أحدث التطورات، وهذا — بالطبع — يزيد من صعوبة إتقان تخصصات أخرى. وفي المجالات التقنية، يجعل تفجُّرُ المعرفة الجديدة من ظهور تخصصات فرعية احتمالًا واردًا بنحو استثنائي؛ فكل مجال يُنتِج مجالات فرعية جديدة، تُنتِج بدورها مجالات فرعية أكثر تخصُّصًا على نحو أكبر؛ على سبيل المثال: أصبحت الهندسة الكهربية — التي كانت يومًا فرعًا من الفيزياء — تخصُّصًا قائمًا بذاته منذ عام ١٩٠٠، واليومَ هي تنقسم إلى مجالات فرعية مختلفة؛ مثل: أنظمة القوى، ومعالجة الإشارات، ومعمارية الكمبيوتر. وحين يكون مجال التخصص محدودًا، لا يُحتمَل أن تحدُث ابتكارات عملية تفيد الأشخاص العاديين دون دمج تخصصات مختلفة معًا. يتطلب الابتكارُ العملَ الجماعي عبر حدود المعرفة؛ فسواء تعلَّقَ الأمر بتطوير هاتف خلوي جديد أو اكتشاف علاج لمرض السكر، من اللازم إيجاد الابتكار والتآزُر من خلال المزج المذهل بين الأفكار والأساليب، الذي يمكن أن يحدث فيما بين مجالات الخبرة.

(٣) ما الذي يتطلَّبه العمل الجماعي؟

إن ضغط الوقت الذي نشعر به جميعًا اليومَ يعني أن المنهجيةَ البالغة التنظيم — التي يخطِّط فيها المديرون كلَّ جانب من مشروع ابتكاري ضخم، بحيث يقسمونه إلى مهامَّ متخصصة تُنفَّذ بنحوٍ منفصل على مراحل — غيرُ واقعية، بل يصبح هذا التخطيط أقلَّ واقعيةً حين «تُلقَى» المهامُّ المُنجَزة عبر الحدود إلى وظائف أو تخصصات أخرى؛ ذلك أن هؤلاء الذين يوجدون على الجانب الآخر من الحدود — على الأرجح — لا يفهمون تمامًا ما الذي يتلقَّوْنه. بدلًا من ذلك، يتعيَّن هدْمُ تلك الجدران الموجودة بين التخصصات، ويجب تنسيق العمل المتزامن على المهام المرتبطة والتشاور بشأنها خلال رحلة العمل الجماعي الديناميكية.

يضرب مركز الألعاب المائية المبتكَر إلى حدٍّ مدهش (على المستويين المرئي والوظيفي)، الذي بُنِي من أجل أولمبياد بكين عام ٢٠٠٨ وسُمِّي ﺑ «مكعب المياه»؛ مثالًا جيدًا — بدرجة استثنائية — على الابتكار الذي يمكن أن ينتج عن العمل الجماعي الذي يتجاوز حدودَ التخصصات؛ حين يكون ناجحًا.

في البداية، كان الهدف واضحًا ومحفِّزًا على حد سواء، ممثِّلًا مبدأ «تطلَّع إلى هدف طموح»، أَلَا وهو: تشييد مبنًى بارز ومميز للسباحة والغطس، من شأنه أن يعكس الثقافة الصينية، ويتكامل مع الموقع الموجود فيه، ويقلِّل استهلاك الطاقة إلى الحد الأدنى. كان يتعيَّن أن يكون المبنى مذهلًا من الناحية الجمالية، «صديقًا للبيئة»، وغير مسبوق، وأن يُنجَز في الوقت المحدد، كما كان يجب أن يضمَّ تقاليدَ صينية وغربية؛ لكي يروق للجنة الاختيار ولملايين المتفرجين. ولتحويل مكعب المياه من كونه فكرةً إلى مبنًى مكتمل في وقت قياسي، تمَّ الاعتماد على العمل الجماعي المتجاوز للتخصصات والقارات والمؤسسات. تضمَّنَ العمل الجماعي بقيادة تريسترم كارفري — كبير المهندسين الإنشائيين في شركة أروب في سيدني بأستراليا — أكثر من ٨٠ فردًا من أربع مؤسسات (هي: أروب، وبي تي دبليو آركيتيكتس، والشركة الصينية الحكومية للإنشاء والهندسة، والشركة الصينية الدولية لتصميم الإنشاءات)، وكانت تخصُّصات الفريق تبلغ ٢٠ تخصُّصًا من أربع دول.7

أثناء تنفيذ العملية، اجتمع خبراء مختلفون معًا في مراحل متعددة لمناقشة الأفكار التصميمية، ولِقَدْح زِناد أفكارهم بشأن الاحتمالات بدلًا من الاندفاع إلى العمل على تصميم واحد. وخلال هذه الحوارات، تعمَّقوا بوضوح في مسألة الكيفية التي قد تختلف بها المعاني الثقافية لعناصر التصميم عبر الأمم. وقد كان التفاعُلُ عبر ثقافات مختلفة يمثِّل تحديًا ضخمًا، وتمثَّل أحدُ الأساليب التي آتَتْ ثمارها، في تبادُل المتخصصين المطَّلِعين على الثقافتين بين الشركات لبعض الوقت، وهؤلاء المتخصصون الذين تجاوزوا الحدود فعليًّا ساعدوا طاقمَ المشروع على اهتمام بعضهم بلغة بعض، ومعاييرهم وممارساتهم وتوقُّعاتهم، فكانت النتيجة — كما رأينا جميعًا — مبنًى مذهلًا بمساحة ٣٤٠ ألف قدم مربعة، مؤطَّرًا بالصلب، ومُغطًّى بفقاعات زرقاء نصف شفافة صديقة للبيئة، ويسع ١٧ ألف متفرج؛ هذا إلى جانب حصاده عددًا من الجوائز المهمة في مجال الهندسة والتصميم.

في عصرنا هذا، لا يسع الأفراد — بغضِّ النظر عن مدى خبرتهم — أن يطوروا ابتكارات مهمة وحدهم، فتقل على نحوٍ متزايد احتمالاتُ أن تُجمَع أجزاء مفردة — مطوَّرة على نحو منفصل — في كلِّ واحدٍ له معنًى ويؤدِّي وظيفة محددة؛ مثل: مُنتَج جديد، أو فيلم روائي طويل، أو عملية إنقاذ، دون التواصل الكثيف عبر الحدود. لذا كيف يمكن التغلب على الحدود الموجودة بين المجموعات المختلفة؟ يمثِّل كلٌّ من الفضول والأمان النفسي ووضع توجيهات عامة للعملية، ثلاثةَ عناصر أساسية في هذا الشأن.

(٣-١) الفضول المتبادل

إن الفضول الأصيل فيما يتعلق بما يفكر فيه الآخرون، ويقلقون بشأنه، ويطمحون إلى تحقيقه؛ شيء لا يُقدَّر بقيمة في مسألة تجاوز الحدود الموجودة بين مجموعات العمل المختلفة. ومن خلال تنمية الفضول فيما يتعلق بما يحفِّز الآخرين ويجعلهم يعملون على نحو جيد، يستطيع كلٌّ منَّا الإسهامَ في خلق بيئة يكون من المقبول فيها التعبير عن الاهتمام بأفكار الآخرين ومشاعرهم. ويستخدم إد شاين؛ الأستاذ بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا — وهو باحث بارز في مجال الثقافة المؤسسية — مصطلحَ «الجزيرة الثقافية المؤقتة» في وصفه لعملية مشاركة المعلومات المهنية والشخصية اللازمة في مجموعة عمل متعدِّدة الثقافات. (لاحِظْ أن كلمة «ثقافة» تنطبق على الأمم والشركات والمهن وغيرها من الجماعات.) تتضمَّن العمليةُ الحديثَ عن المشاعر والتجارب الفعلية، وتحفِّزها أسئلة مدروسة يطرحها القائد الذي يقوم بدور المنسِّق. يوضِّح شاين أن الافتراضات الثقافية المرتبطة بالسلطة والحميمية مسائلُ رئيسيةٌ في الفِرَق المختلفة ثقافيًّا؛ فحين ينتهك شخصٌ من ثقافةٍ بعينها قاعدةً سلطوية تُؤخَذ على نحوٍ مُسلَّم به في ثقافة أخرى — على سبيل المثال: من خلال التحدُّث بأسلوب ودود للغاية مع شخص ذي منزلة عالية — قد يشعر شخصٌ ما بأن هذا السلوك غير مقبول؛ فحين نشارك قصصًا يُكشَف فيها عن هذه الموضوعات، تبدأ الحدود في الاختفاء.8

(٣-٢) الأمان النفسي

لن تنجح عملية تجاوز الحدود ولا يمكن للابتكار أن يزدهر في بيئة تفتقر إلى الأمان النفسي. يصف الأمان النفسي مناخًا اجتماعيًّا يشعر فيه الأفراد بالقدرة على التعبير عن أفكارهم، وطَرْح الأسئلة، والإقرار بالأخطاء بسرعة، وإثارة المخاوف حول المشروع مبكرًا وكثيرًا؛ هذا بالإضافة إلى أنهم يشعرون بالمسئولية تجاه القيام بذلك. ولا تتمثل المسألة في أنه من السهل عليهم أن يتحمَّلوا هذه المخاطر الشخصية؛ لكنهم يدركون أن هذا متوقَّع منهم؛ إنه جزء من عملية التعاون، كذلك هم يدركون أن العمل الجماعي ضمن فريق بقدر ما هو مُجْزٍ، فإنه ينطوي على تحديات. ومن دون هذه السلوكيات — التي يمكن أن تبدو محفوفة بالمخاطر على نحوٍ استثنائي في التسلسلات الوظيفية الهرمية — يبقى الابتكار الناجح احتمالًا غير وارد. يصوِّر الجدول رقم ٢-١ الأفعالَ القيادية التي تساعد على بناء مناخ مُفعم بالأمان النفسي، الذي يُمكِن في إطاره للابتكار أن يزدهر.
جدول ٢-١: السلوكيات القيادية التي تبني الأمان النفسي.
السلوك الوصف
كُنْ موجودًا يشجِّع القادةُ أفرادَ الفريق على التعلُّم معًا من خلال سهولة الوصول إليهم، ومشاركتهم الشخصية في العمل
اعترِفْ بحدود معرفتك حين يقرُّ القادةُ بأنهم لا يعرفون شيئًا بعينه، فإن إظهارهم الأصيل للتواضُع يشجِّع باقي أفراد الفريق على أن يحذوا حذْوَهم
أظهِرْ أنك عرضةٌ للوقوع في الخطأ لخلق جوِّ الأمان النفسي، يجب على القادة إظهار تسامُحِهم مع الوقوع في الخطأ؛ من خلال إقرارهم بإمكانية وقوعهم هم أنفسهم في الخطأ
شجِّعْ على المشاركة حين يؤمن الأفرادُ بأن قادتهم يقدِّرون إسهامَهم؛ فإنهم يزدادون التزامًا وتجاوُبًا
اعتبِرِ الإخفاقات فُرَصًا للتعلُّم بدلًا من معاقبة الأفراد على المخاطرات الحسنة النية التي تأتي بنتائج عكسية، يشجِّع القادةُ أفرادَ الفريق على تقبُّل الخطأ، والتعامُل مع الإخفاق بأسلوب مُثمِر
استخدِمْ لغةً مباشِرةً إن استخدام لغةٍ مباشِرة وعملية يحفِّز على ذلك النوع الواضح والصريح من المناقشات الذي يسمح بالتعلُّم
ضَعْ حدودًا حين يكون القادةُ واضحين بأقصى قدرٍ ممكن بشأن ما يمكن قبوله، يشعر الأشخاصُ بقدر أكبر من الأمان النفسي ممَّا لو كانت الحدودُ غامضةً أو غيرَ متوقَّعة

في العمل الجماعي السريع الإيقاع والممتد عبر التخصصات وعبر الحدود — كما هو الحال في مشروع مكعب المياه — ليس من السهل على الأفراد أن يشاركوا أفكارهم وخبراتهم بسرعة؛ فبعض الأشخاص يشعرون بالقلق إزاء نظرة الآخرين لهم، ويخشى بعضهم أن يُنتَقَص من قيمتهم إذا ما أفصحوا عمَّا يعرفونه، ويأبى آخَرون الاستعراضَ؛ وحتى تقبُّلُ أفكار الآخَرين يمكِن أن يكون صعبًا إذا ما بَدَا كاعتراف بالضعف. ونظرًا لأن المحادثات الشخصية المهمة لا تحدث دائمًا على نحو تلقائي، فإنه يجب على القادة تيسيرها. تتمثَّل إحدى الطرق الأساسية للمساعدة في بناء الأمان النفسي، بصفتك قائدًا، في صياغة السلوكيات التي يعتمد عليها العمل الجماعي، مثل طرح أسئلة عميقة، أو الإقرار بجهلك بشأن موضوعٍ أو مجالِ خبرةٍ ما. والقادة الذي يتصرَّفون على هذا النحو، يجعلون المناخ أكثر أمانًا للآخرين ليفعلوا الأمرَ نفسه؛ وبإدراك هذا الأمر، خلَقَ قائدُ الفريق الهندسي كارفري ما أشار إليه أفرادُ فريقِ بناءِ مكعب المياه ﺑ «بيئة تصميم آمِنة».

(٣-٣) وضع توجيهات عامة للعملية

في إطار جهد العمل الجماعي المعقَّد، من المهم أن تضع توجيهات عامة للعملية يوافق كلُّ الأفراد على اتِّبَاعها. إن وجودَ استراتيجية لإدارة الحدود بين التخصصات أمرٌ جوهري، والتوجيهاتُ العامة ضروريةٌ لتحديد النقاط التي يجب أن تلتقي عندها أنشطةُ العمل الجماعي لتنسيق الموارد والقرارات؛ لذلك تبنَّى كارفري وفريقُه استراتيجيةً ﻟ «إدارة نقاط التفاعل»، التي تقسِّم المشروع إلى «أجزاء» بناءً على الحدود المادية والزمنية، وكان فريقٌ فرعي مسئولًا عن كل جزء، وكانت نقطةُ التفاعل تحدث حين يمسُّ أيُّ شيءٍ حدًّا أو يتجاوزه. وكانت اجتماعاتُ تنسيقِ نقاط التفاعل تُعقَد بانتظام لإدارة الحدود المادية والوظيفية والتعاقدية والعملية، ومن خلال التوثيق الشامل، قلَّصَ الفريقُ الأخطاءَ — التي كان من المحتمل أن تحدث لولاه — عند هذه الحدود؛ مما ساعَدَ على توفيرِ المواد والأموال، وتجنُّبِ الخلاف.

(٤) عندما يحتدم الخلاف

حتى مع وجود الأمان النفسي والفضول والتوجيهات العامة للعملية، فإن طبيعة العمل الجماعي تقتضي وقوع خلافات. في الواقع، الخلاف مرغوب فيه؛ فمن دون الخلاف — تلك الأفكار المتنافسة التي تنبثق عنها احتمالاتٌ جديدة — تقلُّ احتماليةُ الابتكار. لكن مهما كانت فكرة الخلاف الإبداعي جذَّابةً نظريًّا، فمن الناحية التطبيقية إدارةُ الخلاف بفعالية أمرٌ عسيرٌ.

والمشكلة هي أننا حين نواجِه اختلافات في الآراء — خاصةً تلك التي تقوم على القِيَم والمعتقدات التي نؤمن بها بشدة — فإن ذلك يمكن أن يثير انفعالاتٍ قويةً. ومن الممكن أن تتغلَّب الانفعالاتُ على المنطق — وذلك مؤقَّتًا بالطبع — مما يُصعِّب من التدقيق في الاختلافات، وإيجاد الأسئلة والأفكار المهمة والاحتمالات الجديدة التي ربما تقبع فيها. إن تهدئة انفعالات المرء وانفعالات الآخَرين حتى يُستغَلَّ الخلافُ استغلالًا جيدًا، يتطلَّب مهارةً.9

فما هي مجموعة المهارات اللازمة لتحويل التوترات الساخنة إلى إبداع وابتكار؟ إن الأمر يبدأ بفهم الفارق بين الإدراك الساخن والإدراك البارد.

(٤-١) الإدراك الساخن والإدراك البارد

أظهرَتِ الأبحاثُ التي أجراها كلٌّ من اختصاصيَّيْ علم النفس المعرفي جانيت ميتكاف وفالتر ميشيل، أنَّ لدى كلٍّ منَّا نظامَيْن إدراكيَّيْن مختلفين نعالج من خلالهما الأحداثَ؛ يُوصَف أحدهما بأنه ساخن، والآخَر بأنه بارد.10 حين يتدخَّل النظامُ الساخن يحفِّز الأشخاصَ على الاستجابة على نحوٍ عاطفي وسريع، وفي هذه الحالة غالبًا ما يقال إن الأشخاص يتحدَّثون أو يتصرَّفون في غمار اللحظة. أما النظام البارد — على الجانب الآخر — فهو متأنٍّ وحريص، وحين نستخدم نظامَنا البارد، يمكننا أن نهدِّئ سرعتَنا ونجمع شتات أفكارنا؛ وهذا النظام هو أساس تنظيم الذات وضبط النفس، وهو ضروري للغاية من أجل العمل الجماعي الفعال في مواجهة الخلاف.

تأمَّلْ آخِرَ مرة وجدتَ فيها نفسَك تجادِلُ بشأن مسألة مهمة في العمل، بخاصة مسألة تهتمُّ بها بحقٍّ. يتأرجح كثيرٌ من مثل هذه الحوارات مع تكرار الأشخاص لنفس النقاط مرارًا وتكرارًا. تحتدم الخلافات حين يكون لدى الأفراد قِيَمٌ ومعتقداتٌ مختلفة، أو حين تكون لديهم اهتماماتٌ ودوافعُ مختلفة؛ وهذا قد يُصعِّب بشدة التعامُلَ مع الخلاف على نحوٍ مثمر، وإيجادَ بذورٍ لشيء جديد ومبتكر.

ثمَّة شركةٌ — سأشير لها هنا باسم إيليت مانيفاكتشورينج (للحفاظ على خصوصيتها) — درستُ ثمانيةً من مديريها التنفيذيين على مدار عدة أشهر، بينما كانوا يلتقون لتصميم استراتيجية جديدة للشركة، ولاحظتُ أن اثنين منهم دخلَا في خلافٍ سرعان ما تحوَّلَ إلى خلافٍ شخصي؛ وذلك لمجرد أن كلًّا منهما سلَّمَ بصحة وجهة نظره الشخصية، وبالنسبة إلى كلٍّ منهما، بَدَا اعتراضُ الآخَرِ مُعوِّقًا مُتَعمَّدًا.

كان أحد المديرين التنفيذيين يؤمن بأن مستقبل المجال الذي تعمل فيه الشركة يكمن في المنتجات الأقل جودةً، الزهيدة السعر، وقد قال ذلك صراحةً، بينما جادَلَ الآخَرُ بأن السبيل إلى تحقيق تفوُّقٍ ملحوظ، هو تقديم منتجات مميزة ذات تصميم عالي المستوى تصمد أمام أمواج البدائل الزهيدة الثمن؛ وقد كان الخلافُ يزيد احتدامًا بالفعل.

مثلما يحدث غالبًا عند مواجهة عدم اليقين، استُخدِمَت التأويلات المتضاربة لنفس الحقائق لدعم الحقائق المتضاربة في نقاش الاستراتيجية. مثل هذه الخلافات سرعان ما تصل إلى طريق مسدود، ويصبح النقاشُ شخصيًّا. من الصعب على الأشخاص ألَّا يروا أن وجهات نظر الآخرين خاطئة على نحوٍ متعنِّتٍ، بل مقصودٍ أيضًا. كلٌّ منهم يرى الآخَر عنيدًا، أو مناوِرًا، وهو الأسوأ؛ إنهم يسقطون ضحايا لما يُطلَق عليه «خطأ العزو الأساسي». وسواء أكان إلقاءُ بعضِهم اللومَ على دوافع بعضٍ أو شخصياتهم أو قدراتهم، عادةً ما يلقي الأشخاصُ اللومَ في خضم أيِّ خلاف شديد على نحوٍ ضمني على شخص آخَر، في عدم إحراز تقدُّم في مسألة بعينها. وبالرغم من أن هذا التفكير التلقائي بشريٌّ للغاية، فإنه يعوِّق الابتكارَ بشدة.

(٤-٢) ثلاث ممارسات تهدِّئ الخلاف المحتدم

السؤال الرئيسي هو: كيف يستطيع الأفراد استغلال وجهات النظر المختلفة بفعالية لتحقيق الابتكار بدلًا من إثارة الخلاف غير المثمر؟ تكمن الإجابة في فهم كيفية تهدئة الموضوعات الساخنة في الحوارات السريعة الإيقاع في العمل.

لتهدئة الخلاف وإيجاد طرق فعَّالة للبناء على أفكار الآخرين ووجهات نظرهم، أنصح أنا وزميلتي ديانا سميث بثلاث ممارسات.11 نشير إلى هذه الممارسات الثلاث بإدارة الذات، وإدارة الحوارات، وإدارة العلاقات؛ ومع أن هذه الممارسات ليست سهلة، فمن الممكن بالممارسة أن تصبح ماهرًا في استخدامها.
إدارة الذات: تتضمن هذه الممارسة إدراكَ المرء لحقيقة انفعالاته؛ إنها مجرد ردود أفعال شخصية تلقائية على موقف. إن الانفعالات تتيح لنا معرفة أننا نكترث بالمناقشة التي بين أيدينا، وأننا بحاجة إلى التمهل لكي نولي ما يجري بالغَ اهتمامنا. إن إدارة الذات تعني تعلُّمَ كيفيةِ التأمُّل السريع؛ أي أنْ نحوِّل فضولنا إلى داخلنا لفترة وجيزة من الوقت، وأن نسأل أنفسنا عن سبب شعورنا بالقلق أو الإحباط أو الغضب. ومن الضروري أن نذكِّر أنفسنا في هذه المواقف بحقيقتَيْن أساسيتين: الحقيقة الأولى هي الاحتمالية الحقيقية للغاية؛ أنك لا ترى جزءًا من الصورة (ذلك الجزء الذي يراه الآخرون)، والحقيقة الثانية هي أنك أيضًا تساهم في المشكلة بنفس النحو الذي تعتقد أن الشخص الآخَر يساهِم به في المشكلة.
إدارة الحوارات: تبدأ هذه الممارسة بإدراك أن الحوارات لا تدير نفسَها؛ فالحوار الذي يتجاوز حدودَ المعرفة ويصطدم بوجهات نظر متضارِبة، يحتاج بعضَ التوجيه لكي يسيرَ على نحوٍ جيد، ويُثمِرَ نتائجَ جيدةً. ولتيسير التواصل الجيد في مواجهة خلافٍ محتدم، من الضروري إبطاء إيقاع الحوار حتى يمكن الدمج بين العبارات المتروية والأسئلة العميقة؛ وهذا يتيح للأفراد إدراكَ الأساس الحقيقي للخلاف، وتحديدَ السبب المنطقي وراء آرائهم المختلفة. والقيام بذلك على نحوٍ جيدٍ، من شأنه أن يعني أيضًا تحفيزَ الأصوات الهادئة على المشاركة في النقاش؛ من أجل استكشاف وجهات نظر وحقائق جديدة.
إدارة العلاقات: بالرغم من أن أول ممارستَيْن مهارتان ضروريتان في ظلِّ احتدامِ أيِّ خلاف، فإن الممارسة الثالثة هي تلك الممارسة المستمرة، المتمثِّلة في بناء علاقات قوية يمكن أن تتحمَّل الهجومَ المؤقَّت الذي يحمله الخلافُ في طيَّاته. لدى المديرين الذين يأخذون الوقتَ الكافي في تعرُّف كلٍّ منهم على الآخَر كأشخاص، وفهم أهداف الآخرين ومخاوفهم؛ تقلُّ احتمالاتُ عزو دوافع أنانية للآخرين، فيما تزداد احتمالاتُ اهتمامهم بمعرفة مخاوف الآخرين. وتتعلق إدارة العلاقات ببناء ثقة راسخة من خلال التجربة. واستثمارُ الوقت في التعرُّف على الزملاء — الجُدُد منهم والقدامى — يساعِد على وضع أسس الخلاف المثمر، بالرغم من الانفعالات التي ستطفو على السطح بالتأكيد خلال النقاش.

استُخدِمت هذه الممارسات الثلاث في شركة إيليت لنزع فتيل الخلاف، واكتشاف كيفية تجديد استراتيجية الشركة التي يبلغ عمرها ٥٠ عامًا. ومن خلال مشاركةِ أفرادِ فريقِ وضْعِ الاستراتيجيةِ تجاربَهم الشخصية والأسبابَ المنطقية الأعمق وراء مواقفهم، بدءوا في بناء الاحترام والثقة، وبدأ كلُّ مدير تنفيذي في الشعور بالرغبة في الاطِّلاع على الدوافع التي تقف وراء آراء الآخرين. ومع حدوث ذلك، أشار أحد هؤلاء المديرين التنفيذيين — الذي لم يكن قد تحدَّث من قبلُ — إلى أن إيليت كانت تمرُّ بموقف عصيب يختلف من نواحٍ جوهرية عن التحديات التي كانت تُواجهها في الماضي، واقترح آخَر تحديد المسائل الضرورية: كيف سننافس؟ كيف سنقلِّل التكاليفَ؟ هل نحتاج إلى إعادة تعريف رسالة الشركة الأساسية؟

وبالتمهُّل لاكتشاف الأسباب الحقيقية وراء الآراء المختلفة، تعلَّمَ هؤلاء المديرون كيف يرون ردودَ أفعالهم الانفعالية التلقائية ويتحدَّوْنها، وقد باتوا مستعدين لإعادة صياغة المواقف، أو النظر إليها من وجهة نظر مختلفة. إن التأمل وإعادة الصياغة مهارتان أساسيتان لتهدئة أي خلاف محتدم؛ فبإمكانهما تعطيل الانفعالات الشخصية قبل أن تنفجر وتوقِف تقدُّمَ الفريق.

ليس من الممكن أن تدير الخلاف بمجرد تجنُّب الانفعالات؛ فالانفعالاتُ تلقائيةٌ وطبيعية، وليس من الحكمة أن نقترح تجنُّبها في المناقشات الصعبة. بدلًا من ذلك، علينا أن نتعلَّم كيف نكون متمعِّنين في النظر إليها، ومنفتحين في التعامل معها. يجب أن نكون مستعِدِّين للتعمق أكثر قليلًا فيما تدلنا عليه، وهذا أمر أساسي؛ لأن الابتكار دائمًا ما يتضمن الاستغلال الفعال للاختلافات. وتعلُّمُنا كيفيةَ التحدُّث عمَّا يحفِّزنا وما يكمن وراء آرائنا، يساعد على بناء علاقات أصيلة مَرِنة تُعَدُّ جوهريةً بالنسبة إلى العمل الجماعي الفعال. وما إن أدرك المديرون التنفيذيون بشركة إيليت أن ما من أحد منهم على حقٍّ تمامًا، حتى أصبحوا مستعِدِّين لتنحية الاختلافات الأيديولوجية والشخصية جانبًا مؤقتًا، للتفكير في مجموعة جديدة من القضايا مع زملائهم.

(٥) تقبُّل مخاطر العمل الجماعي

إن الابتكار يتضمن أفرادًا، والأفراد — مثلما نعرف جميعًا — كائنات معقدة.

ونظرًا لأن الابتكار يتطلب القدرةَ على حل المشكلات على مستويات عديدة، بدايةً من المهارات العملية إلى الخبرة والإبداع، فإن العمل الجماعي من أجل الابتكار غالبًا ما يتضمن قدرًا كبيرًا من التنوُّع. وفي الواقع، كلما زاد التنوع بين أفراد الفريق — في الخلفيات والمهارات والخبرة — زادت احتمالية النجاح، وزادت كذلك احتمالية حالات سوء الفهم والخلاف الإشكالي. ويمكن لممارسات العمل الجماعي الموصوفة أعلاه أن تساعد فِرَق الابتكار في التغلُّب على هذه التحديات الحقيقية التي تقف في سبيل النجاح.

لقد غطَّينا لتوِّنا بعضًا من التحديات المهمة التي تقف في سبيل العمل الجماعي من أجل الابتكار، لكن واحدًا من أكبر هذه التحديات (وهو أمر بالغ التعقيد) يلوح في الأفق؛ وهو «الإخفاق». إن الإخفاق كثيرًا وعلى نحوٍ ذكيٍّ جزءٌ أساسي من عملية الابتكار، ويتمثَّل الإخفاق على نحو ذكي — كما سنوضِّح في الفصل التالي — في إدراك ما نعرفه وما لا نعرفه، واكتشاف ما علينا القيام به بعد ذلك.

دعونا نُلْقِ نظرةً.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠