الفصل الرابع

العالم تحت القمري

بينما كان الكثيرون من الفلاسفة الطبيعيين في الفترة الحديثة المبكرة ينظرون إلى أعلى شطر السماء، كان أكثرهم ينظرون بعين جديدة إلى الأشياء على سطح الأرض. كان العالم تحت القمري هو عالم الأرض بعناصرها الأربعة — التراب والماء والهواء والنار — وعالم التغيير، والاستحداث والفناء؛ عالم ديناميكي من التحولات التي لا تتوقف. تسقط العناصر الثقيلة (التراب والماء) والأجسام الثقيلة تلقائيًّا نحو أدنى نقطة في الكون — أي مركزه — حيث الأرض ساكنة. أما العناصر الخفيفة (الهواء والنار) فتتحرك لأعلى نحو القمر، وهو الحد الأعلى للعناصر الأربعة. ومن ثمَّ يجد كل عنصر «مكانه الطبيعي» في منظومة الأشياء عن طريق «حركة طبيعية» مبنية على وزنه أو خفَّته. وقد فسر هذا النظام الأرسطي السبب في أن الصخور والأمطار تسقط للأسفل، بينما يتصاعد الدخان ويتجه لهب الشمعة دائمًا للأعلى. في العالم فوق القمري، على العكس من هذا؛ تتكون الأجرام السماوية من الجوهر الذي — لكونه غير ثقيل أو خفيف — لا يتحرك لأعلى ولا لأسفل، ولكن يتحرك حركة دائرية مستمرة حول الأرض. وقد أعاد علماء الفترة الحديثة المبكرة دراسة الأرض وعناصرها، وعمليات التغيير والحركة بها، ووضعوا مجموعة من النظم لتقديم تفسير منطقي للأشياء. بعض هذه النظم كان يهدف في وضوح إلى أن يكون بديلًا عن المنظور الأرسطي للعالم، بينما حاول البعض الآخر تنقيحه فقط، والحقيقة أن كل النظم الجديدة لم تكن خالية تمامًا من تأثير أرسطو. ولم تكن نتيجة ملاحظة العالم تحت القمري، واختباره، وإعادة تكوين مفاهيم خاصة به هي الصياغة التدريجية لوجهة نظر عالمية واحدة تؤدي إلى منظور علمي حديث، وإنما ابتكار نظم عالمية متنافسة ظلت تتدافع فيما بينها طوال القرن السابع عشر من أجل الاعتراف بها، وبتفوق بعضها على بعض.

الأرض

اعتبر الفلاسفة الطبيعيون في الفترة الحديثة المبكرة أن كوكب الأرض — مثل باقي أجزاء الكون — عمره بضعة آلاف من السنين فقط؛ فالتسلسل الزمني الوارد في الإنجيل — أقدم النصوص المتاحة — يُرجِع النسل البشري إلى نحو ٦ آلاف عام. وبينما فسَّر بعض القراء سفر التكوين (١) بأنه يصف تسلسلًا زمنيًّا حرفيًّا يشمل ستة أيام (كل منها ٢٤ ساعة) من الخلق (وهذا التأويل الحرفي رفضه القديس أوجستين في القرن الخامس)، فإن أحدًا لم يفكر جديًّا في أن تاريخ الأرض قبل البشر يمتد زمنيًّا إلى ما هو أبعد من ذلك. وتشير أكبر التقديرات إلى أن تاريخ الخلق يساوي نحو ١٠ آلاف عام. ولم يكن ذلك الموقف عقيدة مسلَّمًا بها، بل كل ما في الأمر أنه لم يكن يوجد دليل يجعل المرء يفكر في شيء آخر. وقد ظهرت فكرة التاريخ الجيولوجي في أعمال نيلز ستينسن (١٦٣٨–١٦٨٦) المعروف أكثر باسمه اللاتيني نيكولاس ستينو. وُلد ستينو في الدنمارك، وكرَّس نفسه في البداية لدراسة علم التشريح، واشتهر بمهارته فيه؛ حيث توصل إلى اكتشافات مهمة؛ مثل الممر اللعابي الذي يعرف اليوم باسم «قناة ستينسن». ومثل كثيرين غيره من الفلاسفة الطبيعيين في عصره، تنقَّل بين مراكز التعليم الأوروبية، والتقى بغيره من الفلاسفة الطبيعيين، وتبادل معهم المعارف الجديدة. وفي الستينيات من القرن السابع عشر، استقر ستينو في فلورنسا تحت رعاية «مديتشي»، وتحول اهتمامه نحو طبقات الصخور التي نراها في تلال توسكانا والأصداف المطمورة فيها. وقد استنتج أن هذه الطبقات لا بد وأنها كانت في السابق طينًا طريًّا تراكم تدريجيًّا بفعل الترسيب، ومن ثم لا بد أن تكون الطبقات السفلى أقدم عمرًا من العليا. وذكر أيضًا أنه حيثما لا تكون تلك الطبقات أفقية، فلا بد أن خللًا قد أصابها بعد أن كانت قد تصلَّبت. ولم تدفع هذه الاستنتاجات ستينو إلى إعادة النظر في تقديرات عمر الأرض بالزيادة — فالطين يمكن أن يتصلب متحولًا إلى قرميد في وقت قصير نسبيًّا — لكنها أشارت إلى أن سطح الأرض تعرَّض لتغيرات هائلة، وأن الصخور تحتفظ بسجلٍّ لهذه التغيرات.

في نهاية القرن، استخدم مؤلفون عدة — لا سيما في إنجلترا — العمل الذي قام به ستينو أساسًا في تجميع «تواريخ كوكب الأرض» من أجل تفسير مظهره الراهن. استشهد أغلب هؤلاء بالكوارث العالمية بوصفها عوامل مسبِّبة، ومزجوا الروايات الإنجيلية والتاريخية بالملاحظات والأفكار الفلسفية الطبيعية. قدَّم كتاب «النظرية المقدسة للأرض» (ثمانينيات القرن السابع عشر) لتوماس بيرنت ستة عصور جيولوجية تتخللها أحداث إنجيلية كارثية. وافترض إدموند هالي وويليام هيستون (١٦٦٧–١٧٥٢) — وكلاهما من زملاء نيوتن — أن بعض المذنبات التي اصطدمت بالأرض كانت عوامل أساسية في تشكيل تاريخ الأرض، فتسببت في أحداث من نوعية انحراف الأرض عن محورها وطوفان نوح.

درس العالم اليسوعي الموسوعي أثناسيوس كيرشر تغيرات سطح الأرض من مصدرها الأصلي؛ فبينما كان في صقلية عام ١٦٣٨ شهد زلزالًا عنيفًا وثوران بركان جبل إتنا. لم تكن الأنشطة البركانية موضوع دراسة في السابق، ويرجع هذا بدرجة كبيرة إلى أن بركان جبل فيزوف — البركان الوحيد النشط على الأراضي الأوروبية — ظل خامدًا على مدى أكثر من ثلاثمائة سنة قبل ثورانه المفاجئ والمدمر عام ١٦٣١. سافر كيرشر ليراقب ذلك الثوران البركاني أثناء استمراره، ونزل بالفعل فوهة البركان النشطة ليحصل على مشهد أكثر وضوحًا، ولاحظ كيف أن النشاط البركاني دمَّر جبالًا قديمة وأقام جبالًا جديدة، مما غيَّر من شكل الأرض تغييرًا هائلًا. وقد أَرجعَ الحرارة البركانية إلى اشتعال الكبريت والبيتومين والنترات (خليط قريب الشبه بالبارود) تحت سطح الأرض. وبملاحظته أن كمية النار والصخور المنصهرة المنبعثة أكبر من أن تكون قد خرجت من الجبل نفسه، فقد افترض أن البراكين لا بد وأنها منافذ لنيران هائلة في باطن الأرض. ومن ثم استنتج أن الأرض لا يمكن أن تكون قد تشكَّلت بعد الطوفان من الطين والطمي فحسب على نحو يجعلها لا تختلف عن قطعة من الجبن، بل إن لها بنية داخلية معقدة وديناميكية. تخيل كيرشر باطن الأرض مليئًا بالغرف والممرات (الشكل ٤-١).
fig8
شكل ٤-١: تصور مثالي لباطن الأرض الخفي وبراكينه كما تخيلها أثناسيوس كيرشر في كتابه «العالم تحت الأرضي» (أمستردام، ١٦٦٥).1

بعض هذه الغرف والممرات ينقل النيران إلى المنافذ البركانية من قلب ناري مركزي (لم يحدث قط أن جمع كيرشر حرفيًّا بين ذلك القلب البركاني وبين نار جهنم)، بينما يسمح البعض الآخر بمرور الماء من بحر إلى آخر غالبًا، ويؤدي تدفق كميات هائلة من الماء خلال تلك الممرات إلى حدوث اضطرابات وتيارات محيطية. استطاع كيرشر — عن طريق تجميع بيانات من مصادر عديدة، وبخاصة التقارير المرسلة من بعض المبشرين اليسوعيين — أن يؤلف كتابه الموسوعي «العالم تحت الأرضي» (١٦٦٥)، محتويًا — من بين أشياء أخرى كثيرة — على خرائط عالمية تُظهر التيارات المحيطية، والبراكين، والمواقع المحتملة للممرات الواقعة تحت سطح البحر.

وعلى النقيض من ملاحظة كيرشر لأكثر أحداث الأرض إثارة، أجرى ويليام جلبرت (١٥٤٤–١٦٠٣) تجارب هادئة في بلده للكشف عن ملمح خفي آخر من ملامح كوكبنا الأرضي. درس جلبرت — الذي كان يعمل طبيبًا لدى الملكة إليزابيث الأولى — ذلك الشيء الذي يكتنفه الغموض، وهو المغناطيس. يستعرض كتابه «عن المغناطيس» (١٦٠٠) خصائص المغناطيسات، ويسرد التجارب التي أُجريت عليها، ويفرِّق بين الجذب المغناطيسي والقدرة المؤقتة للكهرمان المدلوك على جذب القش (وقد اشتق في وصف الظاهرة الأخيرة كلمة Electrical (أي كهربائي) من الكلمة اليونانية électron ومعناها كهرمان). كانت بعض تجاربه مستوحاة من التجارب التي أجراها بيير دي ماريكورت في الستينيات من القرن الثالث عشر، لكن جلبرت وجَّه دراساته تجاه هدف جديد. كان بيير قد استخدم مغناطيسات كروية أو أحجار المغناطيس — وهي قطع من معدن الماجنيتيت الممغنط بطبيعته — واكتشف أن للمغناطيسات قطبين أطلق عليهما الشمالي والجنوبي. لاحظ جلبرت — الذي استخدم مغناطيسات كروية هو الآخر — أن الإبر الحديدية الموضوعة فوقها تحاكي تمامًا سلوك إبر البوصلة على الأرض. ومن ثم استنتج أن كوكب الأرض نفسه مغناطيس عملاق لديه قطبان مغناطيسيان أيضًا يجذبان إبرة البوصلة، تمامًا مثل حجر المغناطيس (كان يُظَن سابقًا أن البوصلات تتجه نحو القطب الشمالي «السماوي» لا نحو قطب أرضي). مختصر القول أن جلبرت استخدم حجر المغناطيس الكروي بوصفه نموذجًا للأرض، وعن طريق المقارنة، استنتج أن ما رآه أثناء إجرائه التجارب على الحجر المغناطيسي يسري على كوكب الأرض بأكمله.

كان هدف جلبرت دعم مذهب كوبرنيكوس الذي أربك مفهوم المكان الطبيعي والحركة الطبيعية بالكامل؛ فافتراضه أن الأرض تتحرك وتدور بسرعة مذهلة حول محورها، وأيضًا تدور بعيدًا عن مركز الكون أثار مشكلات محيرة أمام علماء الفيزياء. فلماذا تسقط الأجسام الثقيلة على الأرض رغم أنها لا تقع في المركز؟ وما السبب في دوران الأرض؟ تعيَّن على مؤيدي المذهب الكوبرنيكي التوصل إلى فيزياء جديدة يمكنها إعادة ترتيب هذه الفوضى. ما إن ذكر جلبرت أن للأرض قطبين مغناطيسيين حتى أكد أن هذين القطبين يحدِّدان محورًا «ماديًّا» حقيقيًّا، وباستخدام القاعدة القائلة إن لكل شيء في الطبيعة غرضًا، قال جلبرت إن الغرض من هذا المحور تيسير دوران الأرض. وفوق هذا، فإن التأثير المغناطيسي للأرض يجعلها تنبض بقوة محركة داخلية، تمامًا كما تدفع أحجار المغناطيس الأجسام الحديدية للتحرك. ولا تتسبب هذه «الروح» المغناطيسية للأرض — كما أطلق عليها جلبرت — في اتجاه البوصلات شمالًا فحسب، بل في دوران الكوكب حول محوره. وعلى هذا الأساس، صاغ جلبرت «فلسفة مغناطيسية» تتغلغل فيها التأثيرات المغناطيسية وتتحكم في الكون. وبناءً على المبدأ القائل إن الطاقات المتشابهة تتجاذب، حاولت الفلسفة المغناطيسية حل مشكلة «المكان الطبيعي» بأن افترضت أن قطع الأرض تنجذب بطبيعتها إلى الأرض، بينما تنجذب قطع القمر بطبيعتها إلى القمر. ومن ثم، تسقط الأجسام الأرضية تجاه الأرض بغض النظر عن موقع كوكب الأرض في الكون. وفي النظرية الكونية لجلبرت، تحفظ القوى المغناطيسية النظام في كلا العالمين تحت القمري وفوق القمري. وقد أثَّرت رؤيته تأثيرًا بالغًا في كبلر ونيوتن وآخرين.

الحركة على الأرض

بينما حاولت الفلسفة المغناطيسية أن تفسِّر «سبب» سقوط الأجسام، سعى جاليليو لأن يصف رياضيًّا «كيفية» سقوطها؛ فصمم أسطحًا مائلة وبندولات وغير ذلك من الأدوات اللازمة لدراسة الحركة الأرضية. وكان كتابه «عِلمان جديدان» (١٦٣٨) — الذي ألفه عندما كان قيد الإقامة الجبرية في منزله — تتويجًا لدراسة الحركة التي بدأها في تسعينيات القرن السادس عشر. اكتشف جاليليو — خلافًا لما ادعاه أرسطو — أن جميع الأجسام تسقط بنفس السرعة بصرف النظر عن أوزانها. وبمنطق بارع قال إنه إذا كانت الكرة التي تُدحرَج للأسفل على سطح مائل تزداد سرعتها، والتي تُدحرَج للأعلى على سطح مائل تقل سرعتها، فإن الكرة التي تُدحرَج على سطحٍ مستوٍ — لا لأعلى ولا لأسفل — ستحتفظ بسرعة ثابتة. وحيث إن هذا السطح «المستوي» على كوكب الأرض سيكون بالفعل السطح المنحني للكرة الأرضية؛ فإن كرة تتدحرج على سطحها الأملس تمامًا ستظل في حركة دائرية إلى الأبد. وباستخدام هذه «التجربة الفكرية»، أعلن جاليليو عن مفهوم القصور الذاتي (بمعنى أن الأجسام المتحركة تستمر في الحركة ما لم يؤثر عليها عامل خارجي)، وكشف حقيقة حركة السماء الدائرية الأبدية؛ ليقضي على فكرة وجود اختلاف بين العالَمين تحت القمري وفوق القمري.

من الناحية المنهجية، تجاهل جاليليو أمرًا على نفس درجة أهمية الأمر الذي اهتم به؛ ففي وصف الحركة لم يشغل جاليليو باله قط بماهية الجسم الذي يتحرك؛ كرة أم سندان أم بقرة. باختصار، تجاهل جاليليو نوعية الأجسام — وهو ما تركز عليها فيزياء أرسطو — واهتم بدلًا من ذلك بكمِّها؛ أي خواصها القابلة للتجريد رياضيًّا. وعن طريق تجريد شيء ما من خصائص الشكل واللون والتركيب، قدم جاليليو أوصافًا رياضية مصبوغة بصبغة مثالية لسلوك هذا الشيء. فاعتبر أن سقوط كرة بنية باردة من البلوط لا يختلف بأي حال من الأحوال عن سقوط مكعب أبيض ساخن من القصدير. اختزل جاليليو كلا الشيئين إلى كيانين مجردين معزولين عن أي سياق يمكن التعامل معهما رياضيًّا. كانت مجموعة تُعرف باسم «حسَّابو أكسفورد» قد بدأت تطبيق علم الرياضيات على الحركة مع مطلع القرن الرابع عشر؛ والواقع أن جاليليو استهل شرحه لعلم الحركيات في كتابه «عِلمان جديدان» بنظرية كانوا قد أعلنوها، إلا أنه زاد على ما فعلوه بأن ربط ربطًا محكمًا بين التجريد الرياضي والملاحظة التجريبية. وبينما كان يجري تجارب كثيرة، كان يستبعد مقاومة الهواء والاحتكاك باعتبارهما خللًا لا يتفق والسلوك الرياضي المثالي الذي يمكن اختباره فكريًّا فقط. ولعل أفلاطون — بفكرته عن عالم يتبع على نحو معيب فقط الأنماط الرياضية الأبدية التي صُمِّم على أساسها — كان سيجد شيئًا يتفق معه في منظور جاليليو (حتى وإن اعترض أرسطو). كتب جاليليو — مستحضرًا الصورة المسيحية ﻟ «كتاب الطبيعة» — جملة مشهورة قال فيها: إن «هذا الكتاب العظيم، وأعني به الكون … إنما كُتب بلغة الرياضيات، ورموزه هي المثلثات والدوائر وغيرها من الأشكال الهندسية التي لولاها سيستحيل على البشر فهم كلمة واحدة منه.» فهذا الأسلوب الذي يقوم على اختزال العالم المادي إلى كيانات تجريدية رياضية، وفي النهاية إلى صيغ ولوغاريتمات — والذي تزعَّمه جاليليو — قد لعب دورًا رئيسًا في إنتاج فيزياء جديدة. وهو ملمح مميز للثورة العلمية.

جدير بالذكر أن جاليليو كان قانعًا بوصف الحركة رياضيًّا دون أن يشغل نفسه بالتفكير في سببها. وهذا الملمح الذي اتسم به عمل جاليليو يبتعد بشكل أساسي عن العلم الأرسطي الذي يعتبر أن المعرفة الحقيقية هي معرفة الأسباب. ويمكن تشبيه أسلوب جاليليو بأسلوب مهندس؛ أيْ شخص يهتم بوصف ماهية الشيء والاستفادة منه أكثر مما يهتم بسببه. وهنا نجد أن جاليليو يستلهم من بيئته الإيطالية الشمالية حيث حقَّقت الهندسة والمهندس المطلِّع شهرة كبيرة (انظر الفصل السادس). يوضح كتاب «عِلمان جديدان» أهمية الهندسة العملية؛ فالمتحدثون في الكتاب يلتقون وسط الأعمال الإنشائية في أحواض السفن في فينيسيا، ويناقشون مقاومة الشد والعتبة، ونسب الزيادة ونسب التخفيض في المقاييس، وهي موضوعات ذات أهمية بالغة للمهندسين والمعماريين. ولما كان جاليليو أستاذًا صغير السن بجامعة بادوا، فإنه كان يزيد راتبه الجامعي المتواضع بإعطاء دروس خصوصية في الميكانيكا وأعمال التحصينات. وكانت دراسته اللاحقة لحركة المقذوفات — التي توضح أن المقذوفات تتبع مسارًا شبيهًا بالقطع المكافئ، والتي نميل إلى تذكُّرها بالأساس بوصفها إسهامًا في فيزياء الحركة — استمرارًا لدراسات سابقة أجراها نيكولو تارتاليا (١٤٩٩–١٥٥٧)، وهو مهندس مطلِّع ألَّف كتابًا بعنوان «عِلمٌ جديد» عام ١٥٣٧ عن تطبيق علم الرياضيات على الحركة، لا سيما حركة قذائف المدافع. وهو موضوع كان يحظى بأهمية عملية عاجلة لإيطاليا التي كانت تخوض حروبًا دائمة. من السهل أن تجعل تقدم العلم تجريديًّا وعقليًّا للغاية، وأن تنسى أنه كثيرًا ما يكون مدفوعًا بقضايا عملية وملحة.

الماء والهواء

أسفرت دراسة الماء من أجل أغراض هندسية عن سلسلة من الاكتشافات المهمة على أيدي أتباع جاليليو؛ فقد كرَّس تلميذه وخليفته على كرسي علم الرياضيات بجامعة بيزا — القس البنيديكتي بينيديتو كاستللي (١٥٧٧–١٦٤٣) — نفسه لدراسة الهيدروليكا وديناميكا السوائل؛ وهي مسائل عملية مهمة في عصر امتلأت فيه إيطاليا بمشروعات كبرى لمحطات مياه تشمل القنوات والنافورات، وأشغال الري، والمجاري المائية. وقد أدت الحاجة لنقل المياه مسافات أطول رأسيًّا (على سبيل المثال عند إخراجها من المناجم أو الآبار العميقة) إلى اكتشاف أن السيفونات لا يمكنها سحب الماء إلى أعلى لارتفاع يزيد عن نحو ٣٤ قدمًا. وفي أوائل الأربعينيات من القرن السابع عشر، أجرى جسبارو بيرتي (نحو عام ١٦٠٠–١٦٤٣) — زميل كاستللي في جامعة روما — تجربة لدراسة هذه المشكلة. فبمساعدة زملاء من بينهم أثناسيوس كيرشر، استخدم بيرتي ماسورة طولها ٣٦ قدمًا يمكن غلقها من الطرفين، وثبَّتها في وضع رأسي مع وضع نهايتها السفلى في حوض ماء (الشكل ٤-٢، يمينًا)، ثم أغلق الصمام السفلي وملأ الماسورة حتى آخرها بالماء. بعدها أغلق الماسورة من أعلى وفتحها من أسفل. بدأ الماء يتدفق إلى الخارج، لكنه توقف فجأة حينما وصل ارتفاع عمود الماء في الماسورة إلى ٣٤ قدمًا. فما الذي أبقى الماء عالقًا عند مستوى ٣٤ قدمًا، لا أعلى ولا أقل؟
fig9
شكل ٤-٢: (يمينًا): البارومتر المائي الذي صممه جاسبارو بيرتي كما نشرها جاسبر شوت في كتابه «الفضول التقني» (نورمبرج، ١٦٦٤). (يسارًا): رسم تخطيطي للبارومتر الزئبقي المبسط الذي اخترعه إيفانجليستا توريتشيللي.1
ابتكر أحد تلاميذ كاستللي، ويدعى إيفانجليستا توريتشيللي (١٦٠٨–١٦٤٧) — الذي عُيِّن فيما بعد في نفس موقع جاليليو كعالم في الرياضيات وفيلسوف في بلاط الحاكم فرديناندو الثاني دي مديتشي — أداة بسيطة شبيهة بماسورة بيرتي، لكنها أسهل استخدامًا. استخدم أنبوبًا زجاجيًّا طوله نحو ياردة واحدة، وأحكم غلقه عند إحدى نهايتيه، ثم ملأه بالزئبق. عندما قُلِبَ الأنبوب في حوض من الزئبق (الشكل ٤-٢، يسارًا)، بدأ الزئبق الموجود داخل الأنبوب يخرج منه، لكنه توقف حينما وصل عمود الزئبق المتبقي في الأنبوب إلى ارتفاع ٣٠ بوصة؛ أي نحو واحد على أربعة عشر من الارتفاع الذي توقف عنده عمود الماء في ماسورة بيرتي. جدير بالذكر أن كثافة الزئبق تساوي كثافة الماء ١٤ مرة؛ بمعنى أن ارتفاع أي سائل يبقى عالقًا في أنبوبٍ ما أمرٌ ذو صلة مباشرة بكثافة هذا السائل. وبناءً على الأفكار الخاصة بتوازن السوائل التي ظهرت في دراسات سابقة على الماء، فسَّر توريتشيللي هذه النتائج بقوله إن وزن السائل المتبقي في الأنبوب توازن بفعل الهواء الخارجي الضاغط لأسفل على السائل في الحوض. وفكرة أن للهواء وزنًا تتعارض مع منظومة أرسطو القائلة إنه بلا وزن. ولم يكتفِ توريتشيللي باقتراح أننا «نعيش مغمورين في قاع محيط شاسع من الهواء العنصري»، بل افترض أيضًا أن جهازه يمكن أن يقيس ويراقب التغيرات في وزن الهواء؛ مما أدى إلى ظهور اسم جديد لجهازه هو «البارومتر»، ومعناه الحرفي «قائس الوزن».

صُمِّم بعض أكثر التجارب شهرة في القرن السابع عشر من أجل استكشاف أفكار أثارها أنبوب توريتشيللي. وهناك تجربة رائعة لإثبات أن ثقل الهواء الجوي هو الذي يُبقي السوائل معلقة في الأنبوب، اقترحها عالم الرياضيات واللاهوت بليز باسكال (١٦٢٣–١٦٦٢)، وأجراها صِهره فلورين بيرييه عام ١٦٤٧. فباتباع تعليمات باسكال، أعد بيرييه عددًا من أنابيب توريتشيللي في حديقة أحد الأديرة عند سفح جبل «بوي دي دوم» الذي يقع قرب مسقط رأسهما في وسط فرنسا. بعدها أخذ أحد الأنابيب إلى ارتفاع يزيد على ٣٠٠٠ قدم أعلى الجبل، حيث وجد أن مستوى الزئبق في الأنبوب انخفض بمقدار ثلاث بوصات. وحينما نزل من فوق الجبل، استعاد الزئبق مستواه الأصلي. فمع الارتفاعات العالية — حيث يقل مقدار «محيط الهواء» الذي يضغط من أعلى — يقل وزن الهواء المستقر فوق سطح الزئبق، ومن ثم يقل الزئبق في الأنبوب.

وثمة تجربة أخرى رائعة أُجريت أمام الكثير من المشاهدين، وهي «كرة ماجدبورج» الشهيرة التي ابتكرها أوتو فون جيريكه (١٦٠٢–١٦٨٦)، وهو فيلسوف طبيعي، وعمدة مدينة ماجدبورج الألمانية، ومخرج مسرحي، ومخترع أدوات عجيبة. صمَّم فون جيريكه نصفي كرة من النحاس لهما حافتان تنطبق إحداهما على الأخرى بسلاسة. ضم فون نصفي الكرة أحدهما إلى الآخر ليشكلا كرة، وفتح صمامًا مثبَّتًا في أحد النصفين، ثم — باستخدام جهاز من اختراعه على غرار مضخة المياه — سحب الهواء إلى خارج الكرة. أغلق الصمام، وأظهر أن فريقين من الخيول لا يستطيعان فصل نصفي الكرة أحدهما عن الآخر، بسبب وزن الهواء الذي يضمهما معًا (الشكل ٤-٣). عند فتح الصمام، اندفع الهواء إلى داخل الكرة، وتمكَّن فون جيريكه حينئذ من فصل نصفي الكرة أحدهما عن الآخر بسهولة وبضربة خفيفة من معصمه.
fig10
شكل ٤-٣: تجربة أوتو فون جيريكه الاستعراضية التي أثبت فيها أن فريقين من الخيول لا يستطيعان فصل نصفي كرة مجوفة تم تفريغها من الهواء، في إشارة إلى تأثير الضغط الجوي. الصورة من كتاب جاسبر شوت «الفضول التقني» (نورمبرج ١٦٦٤).1
fig11
شكل ٤-٤: مضخة الهواء التي صممها روبرت بويل وروبرت هوك. الصورة من كتاب روبرت بويل «تجارب فيزيائية ميكانيكية جديدة تمس انطلاق الهواء» (أكسفورد، ١٦٦٠).1

لكن ما الذي كان يشغل الحيِّز فوق الزئبق أو داخل كرة فون جيريكه؟ اعتقد الكثيرون ممن أجروا التجارب أنه الفراغ بالمعنى الحرفي، وهو ما كان موضوع خلاف شديد في القرن السابع عشر. قال مؤيدو المذهب الأرسطي وآخرون غيرهم إن وجود الفراغ أمر مستحيل، ولخصوا ذلك في شعارهم: «الطبيعة تمقت الفراغ». فهم يرون أن العالم ممتلئ بالمادة تمامًا، ويبدو أن بعض الظواهر الطبيعية تؤيدهم في ذلك. وزعموا أن الحيز المذكور يحتوي على الهواء أو مادة هوائية أخفَّ انفصلت عن الزئبق. سعت التجارب لحل هذه المشكلة، لكنها لم تضع حدًّا نهائيًّا للخلاف بين مؤيدي نظرية الفراغ ومؤيدي نظرية امتلاء الكون. تبيَّن بالتجربة أن الصوت لا ينتقل عبر الفراغ، وهذا يشير إلى أن الهواء الضروري لنقل الصوت لم يكن موجودًا، لكن الضوء ينتقل عبر الفراغ؛ ألا يحتاج الضوء — مثل الصوت — إلى وسط ينتقل خلاله؟ إن التجارب التي تُرى دائمًا على أنها «علامات فارقة» في تاريخ العلم نادرًا ما تكون مقنعة لمن عاصروها مثلما تبدو الآن للمحدثين. فإجراء التجارب — ولا سيما تفسير النتائج — طالما كان وطالما سيظل أمرًا شائكًا وخلافيًّا.

سرعان ما انضم روبرت بويل (١٦٢٧–١٦٩١) إلى صفوف العلماء الذين يدرسون الهواء. ولما كان بويل الابن الأصغر لأغنى رجل في بريطانيا؛ فقد كان لديه الوقت والمال اللذان يمكنانه من قضاء حياته في إجراء الاختبارات، وأغلبها كان في منزل أخته في شارع بول مول بلندن؛ حيث قضى جانبًا كبيرًا من حياته في الكبَر. لاحظ بويل هو والعديد من معاصريه قابلية الهواء للانضغاط، خصوصًا وأنه كلما زاد الضغط على عينة من الهواء قلَّ حجمها، وهي علاقة سُمِّيت فيما بعدُ «قانون بويل»، ولا تزال تدرَّس كما هي لطلبة الكيمياء. عام ١٦٥٨، حينما سمع بويل عن مضخة فون جيريكه الهوائية، صمم — بالاشتراك مع العبقري روبرت هوك — مضخة معدَّلة يمكنها تفريغ كرة زجاجية كبيرة؛ مما يسمح بإحكام إغلاق العديد من الأشياء المختلفة وملاحظة ما يحدث عند تفريغها من الهواء (الشكل ٤-٤).

ثبَّت بويل جهاز بارومتر (من المرجح أنه صاغ هذا الاسم لوصف أنبوب توريتشيللي) بمضخته الهوائية، وراقب انخفاض مستوى الزئبق أثناء سحب الهواء للخارج، ثم أجرى مجموعة غريبة من التجارب في تلك المضخة، بدءًا من محاولة إشعال البارود، أو إطلاق النار من مسدس، أو سماع دقات الساعة، وصولًا إلى قياس الوقت الذي يمكن أن تعيشه مخلوقات حية متنوعة — مثل: القطط، والفئران، والطيور، والضفادع، والنحل، واليرقات، وكل شيء تقريبًا — إذا حُرمَت من الهواء. وأجرى تجارب أيضًا بحرق شموع في المضخة الهوائية، ولاحظ اعتماد النار على كمية الهواء المتاحة.

النار: أداة الكيميائيين

قبل حلول الفترة الحديثة المبكرة بزمن طويل، كان وضع النار كعنصر مادي موضع جدال. وسط هذا الجدال، دأبت إحدى الجماعات على استخدام النار أداةً أساسية لدراسة المادة وتحولاتها والسيطرة عليها، وهم الخيميائيون. كانت الثورة العلمية هي العصر الذهبي للخيمياء. واليوم غالبًا ما يُنظر إلى «الخيمياء» باعتبارها بحثًا دءوبًا (وغير ذي جدوى) لصنع الذهب؛ شيء شبيه بالسِّحر، ومن ثم فهو يختلف عن الكيمياء، لكن في الفترة الحديثة المبكرة كانت لفظتا «الخيمياء» alchemy و«الكيمياء» chemistry تشيران إلى مجموعة واحدة من الممارسات. وبعض المؤرخين اليوم يستخدمون الكلمة المهجورة chymisrty للإشارة إلى جميع تلك الممارسات غير المتمايزة. كانت صناعة الذهب جزءًا أساسيًّا من الكيمياء، لكن لم يكن في هذا الأمر شيء من السحر (بالمعنى المتعارف عليه حديثًا)، بل كان مجرد ممارسة مبنية على نظريات تختلف عما لدينا. ولا تزال توجد في عصرنا مذكرات قديمة تسجل العمليات اليومية التي مارسها «الخيميائيون»، وغالبًا ما تكشف عن المنهجيات الدقيقة للممارسة التجريبية، والتأويل النصي، والملاحظة، ووضع النظريات. وبجانب سعي الكيمياء لصنع الذهب، فإنها شملت أيضًا دراسة أوسع نطاقًا للمادة، وإنتاج سلع تجارية؛ مثل: المستحضرات الطبية، والأصباغ، والألوان، والزجاج، والأملاح، والعطور، والزيوت. ويشكل اقتران إنتاج المواد بالتفكر الفلسفي الطبيعي خاصية محورية للكيمياء منذ نشأتها في القرن الرابع في مصر الهيلينية، ووصولًا إلى ما هي عليه اليوم.
لم يكن البحث عن طريقة لتحويل معدن الرصاص إلى ذهب محض تفكير توَّاق، بل كان يقوم على النظرية القائلة إن المعادن أجسام مركبة أُنتجت تحت الأرض بفعل اتحاد مكونين؛ هما «الزئبق» و«الكبريت». وحينما يتحد العنصران بالنسب الصحيحة والنقاء السليم؛ فإنهما يكوِّنان الذهب، فإذا لم يكن الكبريت كافيًا تنتج الفضة، بينما زيادة الكبريت (وهو عنصر جافٌّ قابل للاشتعال) تُنتج الحديد أو النحاس، وتظهر زيادة الكبريت فيهما من خلال قابليتهما للاشتعال، وصلابتهما، وصعوبة صهرهما. أما زيادة الزئبق (وهو عنصر سائل)، فتؤدي إلى تكوُّن القصدير أو الرصاص، وهما معدنان ليِّنان يسهل صهرهما. ومن ثم كان تحويل المعادن الرخيصة إلى معادن نفيسة — من الناحية النظرية — عملية بسيطة تتضمن ضبط هذين المكونين (الزئبق والكبريت) وصولًا إلى النسب الموجودة في الذهب. وقد أوحت ملاحظة احتواء خامات الفضة على بعض من الذهب، واحتواء خامات الرصاص على بعض الفضة، بأن عملية التحويل كانت تحدث طبيعيًّا تحت الأرض، حيث تُنقَّى المعادن ذات التركيب الرديء أو «تنضج» لتصبح أكثر ثباتًا، وأفضل تركيبًا. وكان التحدي يتمثل في إحداث هذا التحويل اصطناعيًّا وبوتيرة أسرع. ومن ثم، سعى المهتمون بتحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب إلى إعداد ما أسموه «حَجَر الفلاسفة»، وهو عامل مادي يتسبب في حدوث عملية التحويل. ما إن يُحضَّر ذلك الحجر في المعمل؛ فإن خلط كمية قليلة منه بالمعدن الرخيص المنصهر يُفترض أنها تحوله ذهبًا في دقائق معدودة. وتزعم الكثير من النصوص نجاح هذه العملية، ويجدُّ من يسعون وراء عملية التحويل هذه إلى تكرارها. تكمن الصعوبة في السرية المتعمَّدة لتلك النصوص؛ إذ حُجبت المكونات والطريقة، بل والنظرية تحت ستار من الشفرات، والأسماء المستعارة، والصور المجازية، والرموز التصويرية التي غالبًا ما تكون ذات طابع غريب (الشكل ٤-٥).
fig12
شكل ٤-٥: رسم مجازي عن الخيمياء يصور تنقية الذهب والفضة، وهي الخطوة الأولى في إعداد «حجر الفلاسفة». يرمز الملك إلى الذهب، بينما يرمز الذئب الذي يقفز فوق البوتقة (وعاء لتكرير المعادن) إلى معدن الاستبنايت (مادة تتفاعل مع الفضة والنحاس المختلطين عادة بالذهب، وتتخلص منهما). أما الملكة فترمز إلى الفضة، والرجل المسن (زحل) إلى الرصاص، في إشارة إلى عملية تصفية المعادن بطريقة البوتقة التي تستخدم الرصاص لتنقية الفضة. من كتاب «المتحف الهرمسي» (فرانكفورت، ١٦٧٨).1

نشأت سرية الخيمياء جزئيًّا من الممارسات الحرفية؛ حيث كان من الضروري حفظ حقوق المِلْكية كأسرار تجارية. كانت قوانين العصور الوسطى — التي تحظر عملية تحويل المعادن إلى ذهب خوفًا من انخفاض قيمته — تشجع على السرية، إلا أن المؤلفين برروا تلك السرية أيضًا بزعم أن ما لديهم من معرفة لا يشكل خطرًا إذا وصل إلى أيدٍ غير أمينة فحسب، بل هي معرفة مميزة لا يجوز كشفها لمن لا يستحقون.

ظهر الاستخدام البريطاني المستمر إلى الآن لكلمة «كيميائي» بمعنى «صيدلي» في الفترة الحديثة المبكرة حينما كرَّس معظم الكيميائيين بعض جهودهم — على الأقل — لتصنيع الأدوية. وبدأ تطبيق الكيمياء على الأدوية في أوروبا على يد الراهب الفرنسيسكاني جان دي روبيشيسا (١٣١٠–حوالي ١٣٦٢)، من مقاطعة بروفانس الفرنسية، الذي أيد استعمال الكحول المُقطَّر من النبيذ في تحضير مستخلصات دوائية. وقد امتد استخدام الكيمياء في تحضير المواد الدوائية على مدى القرن التالي، قبل ظهور واحد من أهم الأصوات المؤيدة له ممثلًا في النابغة ثيوفراستوس فون هوهانهايم المعروف باسم باراسيلسوس (١٤٩٣–١٥٤١). انتقد باراسيلسوس الطب التقليدي الذي يعتمد على أعمال المؤلفين الإغريق والرومان والعرب، ووضع منظومته الخاصة به، والمبنية على مجموعة متنوعة من المصادر بدءًا من الملاحظة المباشرة إلى المعتقدات الشعبية الألمانية. وقد دعم الكيمياء بوصفها وسيلة للتحضير الفعلي لدواء فعال من أي مادة، ولم يُظهِر اهتمامًا كبيرًا بعملية تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب. كانت فكرته الإرشادية تقوم على أن الخصائص المفسِدة تنجم عن شوائب موجودة في مواد تعتبر سليمة لولا وجود تلك الشوائب، مثل الخطيئة والموت اللذين يشوبان عالَمًا كان في الأساس — كما خلقه الله — فاضلًا. وباستخدام التقطير والتخمير وعمليات معملية أخرى، وفرت الكيمياء سبلًا لفصل الخبيث عن الطيب، والدواء عن السم. ذكر باراسيلسوس أيضًا أن جميع المواد تتكون من ثلاثة مكونات أولية؛ هي: الزئبق والكبريت والملح، وهي ثالوث أرضي يشبه «الثالوث الإلهي» والطبيعة الثالوثية للإنسان ممثلة في الجسد، والنفس، والروح. وابتكر طريقة لإنتاج أدوية عشبية باستخدام خطوات كيميائية، وفيها سعى إلى تقسيم إحدى المواد إلى العناصر الثلاثة المكونة لها، وتنقية كل منها، ثم إعادة دمجها في صورة «سامية» من المادة الأصلية تتصف بفاعلية دوائية كبيرة وتخلو من السموم.

ذهب باراسيلسوس لما هو أبعد من ذلك؛ فالكيمياء لم تكن مجرد أداة لتحضير الأدوية، بل كانت المفتاح لفهم الكون. وحينما قام أتباع باراسيلسوس في أواخر القرن السادس عشر بتنظيم كتاباته التي كانت تتسم غالبًا بطابع فوضوي (والتي شاع أنه كان يُمليها وهو ثَمِل)، فإنهم خرجوا برؤية كونية كيميائية نظرت إلى كل شيء على أنه كيميائي في الأساس. فدورة المطر عبر البحر والهواء والأرض هي عملية تقطير هائلة، وتكوُّن المعادن تحت الأرض، ونمو النباتات وتكاثر الكائنات الحية، فضلًا عن الوظائف الجسمانية من هضم، وتغذية، وتنفس، وإخراج، كانت تُعتبر كلها عمليات كيميائية أصيلة. أيضًا اعتبروا الخالق نفسه — المهندس الأعظم لدى الأفلاطونيين — هو الكيميائي الأعظم؛ فخلقُهُ لعالم منظم من وسط الفوضى التي كانت قائمة في البداية شبيه باستخلاص الكيميائي لمواد عادية وتنقيتها وتحويلها إلى منتجات كيميائية، فضلًا عن أن حسابه النهائي للعالم بالنار يضاهي استخدام الكيميائي النار لتنقية المعادن النفيسة من الشوائب. بل إن تلك الرؤية الكونية اعتبرت مصير الإنسان النهائي مسألة كيميائية؛ فعندما يموت الإنسان تنفصل النفس والروح عن الجسد، ثم يتحلل الجسد في القبر إلى أن يتجدد ويتحول مرة أخرى يوم البعث؛ حيث يعيد الخالق الكيميائي نفخ النفس والروح بعد تطهيرهما من أجل خلْقِ إنسانٍ ممجَّدٍ خالد، مثلما تنفصل العناصر الثلاثة المكونة لإحدى المواد، وتنقَّى، ويُعاد دمجها لاستحداث منتج «سامٍ» مُعاد التركيب.

جذبت الحركة الباراسيلسوسية أتباعًا كُثُرًا. عندما شاهد عالم الفلك تيكو نجمه المستعِر لأول مرة عام ١٥٧٢، كان قد خرج توًّا من أحد المعامل حيث كان يعد علاجات على الطريقة الباراسيلسوسية. وبعد ذلك بنى معملًا في مرصده لكي يدرس ما أسماه «علم الفلك الأرضي»، ويعني به الكيمياء (مبدأ «مثلما في السماء مثلما على الأرض»). ونظرًا لطبيعة منهج باراسيلسوس المضادة للفكر المؤسسي — وهو ما كان يتضح كثيرًا في النقد الصاخب للتعليم التقليدي، والجامعات، والأطباء الحاصلين على إجازات — فقد أثارت أفكاره جدلًا محتدمًا، وغالبًا ما كان أكثر أتباعها من خارج الدوائر المؤسسية. والواقع أن الكيمياء ككل قضت أغلب وقتها خارج قاعات التعليم التقليدية، وأنها عانت حالة من عدم الاستقرار. وبينما شكَّلت الفيزياء والفلك جزأين ضروريين في الدراسة الجامعية بدءًا من العصور الوسطى وما بعدها، لم تحصل الكيمياء على موضع قدم أكاديمي حتى القرن الثامن عشر. وأحد أسباب ذلك افتقارها إلى أي جذور كلاسيكية؛ فلم يكتب عنها أرسطو ولا غيره من العلماء القدامى، على عكس علوم الفلك والفيزياء والطب وعلوم الحياة. علاوةً على ذلك، فإن ارتباطها الوثيق بالتجارة والإنتاج الحرفي، وطابعها العملي — وطبيعتها الفوضوية الشاقة كريهة الرائحة غالبًا — أبعدها عن أن تكون واحدة من الموضوعات التي تحظى بالاحترام، إلا أن تركيز الكيمياء على التجربة العملية أسفر أيضًا عن تجميعها مخزونًا هائلًا من المواد، والمعرفة بخصائصها، وسهولة العمل بها. وقد زادت الأهمية التجارية لهذه المعرفة زيادة ملحوظة على مدار القرن السابع عشر، وسلك كثير من الكيميائيين مسلكًا تجاريًّا؛ فانشغلوا في بعض الأحيان في معاملات مع أمراء ورعاة آخرين، وفي عمليات التعدين؛ ليحسِّنوا دخولهم، أو سعوا لتحويل المعادن الرخيصة إلى معادن نفيسة. وفي أحيان أخرى، عملوا من تلقاء نفسهم لتقديم سلع جديدة إلى الأسواق. ومما يؤسف له أن قدرة الكيمياء على تقليد الجواهر والمعادن — وزعْم البعض القدرة على إنتاج الذهب — أتاح فرصًا للغش والخداع، وهو ما أدى إلى ربط واسع النطاق للكيمياء بالممارسات اللاأخلاقية. وقد وضع دانتي في أواخر العصور الوسطى الكيميائيين — الذين أسماهم «قردة الطبيعة» — في الدائرة الثامنة في جهنَّم مع المزيِّفين والمزوِّرين. ولاحقًا استخدم الكُتَّاب المسرحيون في القرن السابع عشر — مثل بن جونسون في مسرحيته «الخيميائي» (١٦١٠) — شخصية الكيميائي المخادع وزبائنه الجشعين لإحداث تأثير هزلي.

وقد حدث معظم التدريب في مجال الكيمياء في القرن السابع عشر داخل سياقات طبية؛ ففي ألمانيا، أصبح يوهانس هارتمان (١٥٦٨–١٦٣١) أول أستاذ للطب الكيميائي عام ١٦٠٩. وقد عيَّنه موريتز — من مدينة هيسين في ولاية كاسل الألمانية — في جامعة ماربورج؛ وهي مؤسسة كالفينية حديثة التأسيس وقتئذٍ (ومن ثم كانت أكثر قدرة على الإبداع والابتكار). وقد كان موريتز أميرًا يدعم بلاطُهُ الملكي ممارساتِ من يحاولون تصنيع الذهب، وأتباع باراسيلسوس وغيرهم من الكيميائيين. وفي فرنسا، بدأ تعليم الكيمياء بصفة منتظمة في «حديقة الملك» في باريس، وهي حديقة نباتية أُسست بهدف زيادة النباتات الطبية ودراستها، وقدَّم عدد من المحاضرين في الحديقة حلقات دراسية مبنية على ملاحظات معملية كانت مفتوحة أمام عامة الشعب. أيضًا قدَّم محاضرون خصوصيون — من الصيادلة غالبًا — حلقات دراسية في الكيمياء، مثل نيكولاس ليميري الذي كان يدرِّس من منزله في باريس، والذي أصبح كتابه التعليمي «مسار الكيمياء» (١٦٧٥) واحدًا من أفضل الكتب مبيعًا. والوقع أن عشرات الكتب الدراسية الكيميائية التي نُشرت في فرنسا وألمانيا أسست لنهج تعليمي عوَّض غياب الكيمياء من المناهج الدراسية الجامعية.

ولا يعني الطابع العملي للكيمياء أنها لم تسهم إسهامًا ملحوظًا في النظريات الفلسفية الطبيعية، بل العكس صحيح تمامًا؛ فواحد من أهم التطورات في القرن السابع عشر — وهو عودة ظهور المذهب الذري — كان مبنيًّا في جزء منه على أفكار وملاحظات كيميائية. وقد حدث في أواخر القرن الثالث عشر أن استخدم خيميائي لاتيني يدعى جيبر نظرية للمادة شبه الدقائقية لتفسير الخصائص الكيميائية؛ فقد فسَّر، على سبيل المثال، كثافة الذهب ومقاومته للتآكل بأن افترض أن أجزاءه الأكثر دقة متلاصقة بإحكام لا يترك بينها فراغًا. أما الحديد فهو أكثر تفككًا بما يترك من فراغات تجعل هذا المعدن أخف وزنًا، وبما يترك من فراغات تدخل منها النار والمواد المسببة للتآكل إلى داخل المعدن فتفتته وتُحوِّله صدأً. وبعد ذلك استمر الكيميائيون في تطوير فكرة الدقائق الثابتة متناهية الصغر، واستخدامها في تفسير ملاحظاتهم. وغالبًا ما قابل أتباع المذهب الأرسطي، الذي كان سائدًا وقتها، تلك الأفكار بالرفض؛ إذ افترضوا أن المواد تفقد هويتها حينما تتحد بأخرى، لكن الكيميائيين الممارسين عرفوا أن بإمكانهم في كثير من الأحيان استعادة المواد الأولى في نهاية سلسلة من التحولات، فمثلًا: أدرك الكيميائيون أن الفضة المعالجة بالحمض «تختفي» في صورة سائل متجانس شفاف يمر بسهولة من خلال ورق الترشيح. وعند معالجة هذا السائل بالملح؛ فإنه يرسِّب مسحوقًا أبيض ثقيلًا، وأن ذلك المسحوق إذا خُلط بالفحم النباتي وعرِّض للحرارة حد التوهج يعطي الفضة بوزنها الأصلي مرة أخرى. وقد أشارت هذه التجربة المعروفة إلى أن الفضة احتفظت بهويتها طوال التجربة، رغم اختلاف مظهرها، ورغم تفككها إلى دقائق صغيرة غير مرئية قادرة على المرور من مسام الورق. وهكذا قدَّمت العمليات الكيميائية أفضل دليل على وجود تلك «الذرات».

المذهب الذري والمذهب الميكانيكي

ثمة نوع من التأثير المتبادل بين العُرف الكيميائي الخاص بالمفاهيم الدقائقية للمادة وبين تجدد المذهب الذري القديم. بدأ المذهب الذري لدى قدماء الإغريق بكل من ليوكيبوس وديمقريطوس في القرن الخامس قبل الميلاد، عندما تخيلا عالمًا ماديًّا مكوَّنًا من ذرات غير قابلة للانقسام تتحرك في حيز من الفراغ، وأن تقاربها وتباعدها في مجموعات متغيرة دومًا أديا إلى جميع التغيرات التي نراها، غير أن مفاهيمهما قد اندثرت بدرجة كبيرة في العصور القديمة. فنَّد أرسطو أفكارهما تفصيلًا. ورغم أن إبيقور (٣٤١–٣٧٠ قبل الميلاد) جعل المذهب الذري أساسًا لفلسفته الأخلاقية، فحينما فقَدَ المذهب الإبيقوري شعبيته بسبب نزوعه للإلحاد ومذهب اللذة (اللذين لم يفكر إبيقور في أيهما)، خرج المذهب الذري أيضًا من دائرة الاهتمام، ولم يتجدد الاهتمام به إلا بعد إعادة اكتشاف قصيدة لوكريتيوس «عن طبيعة الأشياء» — وهي محاولة رومانية لتبسيط أفكار إبيقور — عام ١٤١٧، غير أن تركيز لوكريتيوس على الربط بين المذهب الذري والإلحاد في البداية جعل كتابه غير مستساغ. والمفارقة أن رد الاعتبار للمذهب الذري الإبيكيوري حدث على يد أحد الكهنة ويدعى بيير جاسندي (١٥٩٢–١٦٥٥). أنكر جاسندي فكرة خلود الذرات (فالخلود للرب وحده)، وأنها تتحرك من تلقاء نفسها (فالرب يحركها)، وقال بعدم مادية النفس البشرية وبخلودها، ثم وضع منظومة عالمية شاملة باستخدام الدقائق غير المرئية وتحركاتها على أنها مبدأ تفسيري أساسي. وقد أُطلق على منظومته ومنظومات أخرى مشابهة اسم «الفلسفة الميكانيكية».

تقول الفلسفة الميكانيكية إن جميع الخصائص والظواهر المحسوسة تنتج عن حجم أجزاء صغيرة غير مرئية من المادة، وعن شكلها وحركتها، وتسمى هذه الأجزاء ذرات، أو كريات، أو مجرد دقائق. أكد مؤيدو الفلسفة الميكانيكية المتشددون أنه يوجد نوع واحد فقط من «المادة» ينبثق منها كل شيء، وأن الأشكال والأحجام والحركات المختلفة للدقائق متناهية الصغر لهذه المادة هي وحدها التي تعطي ذلك التنوع الذي نراه في المواد والخصائص. واتساقًا مع تجاهل جاليليو للخواص لصالح الكميات، فإنه قال إن معظم الخواص — مثل: الحرارة والبرودة، والألوان والروائح والنكهات — لا وجود لها بالفعل، وأنها لا تعدو أن تكون نتيجة لكيفية تأثير الدقائق متناهية الصغر على أعضاء الحس لدينا. رأى جاليليو ومن جاء بعده من مؤيدي الفلسفة الميكانيكية، أن الخواص الحقيقية الوحيدة — أو الخواص الأولية — هي حجم الدقائق وشكلها وحركتها. أما جميع الخواص الأخرى فهي ثانوية توجد لدى المُحِس لا في المادة المحسوسة. يعتبر هؤلاء الفلاسفة أن الخل يبدو حامضًا فقط لأن دقائقه الحادة مستدقة الطرف تَخِز اللسان. وبعيدًا عن اللسان، فخاصية «الحموضة» لا تعني شيئًا. أيضًا تبدو الوردة حمراء فقط بسبب الطريقة التي تعمل بها دقائقها على تعديل الضوء المنعكس، والطريقة التي يؤثر بها ذلك الضوء المعدل على أعيننا، بينما تنجم رائحتها الزكية عن تصاعد دقائق تطلقها الوردة، فتتحرك عبر الهواء إلى داخل أنوفنا؛ حيث تصطدم بعضو الشم فتحدث تحركات تتحول — عند نقلها إلى المخ — إلى إحساس بالرائحة. وتتعارض هذه النظرة تمامًا مع النظرة الأرسطية للعالم؛ حيث الوجود الحقيقي للخصائص المحسوسة في الأشياء، وحيث تلعب هذه الخصائص دورًا حاسمًا في تفسير طبيعة الشيء وآثاره.

كانت تلك المنظومة ميكانيكية بمعنيين؛ أولهما أن الآثار تحدث فقط بواسطة اتصال ميكانيكي؛ مثل اصطدام المطرقة بالحجر، أو كرات البلياردو بعضها ببعض. فلا مجال للفعل من على بُعدٍ أو لقوى التعاطف، وثانيهما أن العالم والأشياء التي به — حتى النباتات والحيوانات في الفلسفة الميكانيكية واسعة التأثير لديكارت — كان يُنظر إليها على أنها «آلات». شبَّه الفلاسفة الميكانيكيون العالم بآلية ساعة معقدة؛ مثل الساعات الميكانيكية الضخمة التي كانت موجودة في تلك الفترة، حيث تتسبب التروس والأثقال والبكرات والروافع المختفية في حركة العقارب المرئية، وفي رنين الأجراس، ورقص التماثيل الصغيرة وانحنائها، وصياح الدِّيَكة الآلية. كل ذلك في ترتيب ونظام مثاليين. ويرجع أصل مصطلح «آلة العالم» إلى لوكريتيوس، وكان يُستخدم في العصور الوسطى للتعبير عن النظامية المعقدة للكون، غير أن «الآلة» كانت تعني لدى هؤلاء الكتَّاب شيئًا أقرب إلى الهيكل أو البنية، وكانت تعبِّر عن العلاقة المتبادلة بين مختلف أجزاء الكون. ومع ذلك، أعطى الفلاسفة الميكانيكيون للصورة طابع الآلية، أيْ شيء اصطناعي، لكنه يحاكي أفعال أحد الأشياء الحية آليًّا. وقد عكست وجهات النظر الميكانيكية البراعة التكنولوجية المتزايدة في ذلك الوقت، وأبعدت وضع المفاهيم الخاصة بالعالم عن النماذج البيولوجية الحية، وقرَّبته من الآلية التي لا حياة فيها؛ بل وأدت هذه الرؤية إلى إعادة وضع مفهوم للرب نفسه، فبدلًا من وصفه بأنه مهندس أو كيميائي أو معماري، أصبح يُنظر إليه على أنه ميكانيكي أو صانع ساعات؛ أيْ فنيٌّ صمَّم آلة العالم وجمعها. وتشكل هذه الصورة — التي اتخذت مكانة راسخة للغاية في إنجلترا في أواخر القرن السابع عشر — الخلفية الأساسية لمناقشات الوقت الحاضر عن «التصميم الذكي». وفي الفترة الحديثة المبكرة، عندما تداخل اللاهوت والفلسفة الطبيعية أحدهما مع الآخر، ظهرت المفاهيم الدينية والعلمية وتطورت يدًا بيد، يؤثر كل منها في الآخر ويتأثر به.

ومع سعي الفلاسفة الميكانيكيين الدءوب لتطبيق مبادئهم على جميع الظواهر الطبيعية، واجهتهم مشكلة تفسير «الخصائص الخفية»، والتأثيرات التبادلية، والأفعال التي تحدث عن بُعدٍ، والتي أحبطت مساعي أتباع المذهب الأرسطي وكانت أساسًا لما سمي «السحر الطبيعي». وكان حل الميكانيكيين المفضَّل افتراض تبخُّر مادة غير مرئية — «أبخرة» لدقائق تحمل تأثيرات من جسم إلى آخر. فعلى سبيل المثال، ترفع النار درجة حرارة جسم ما على مسافة بسبب انطلاق دقائق نارية سريعة الحركة من اللهب لتصطدم بذلك الجسم. وثمة تفسيرات أخرى تطلَّبت حلولًا أكثر إبداعًا؛ فقد فسر ديكارت الجذب المغناطيسي بأن افترض أن المغناطيسات تطلق دفقًا متصلًا من دقائق لولبية الشكل، وافترض أيضًا أن الحديد يحتوي على مسام لولبية الشكل، ومن ثم تدخل الدقائق التي أطلقها المغناطيس في مسام الحديد وتدور داخلها، فتقرِّب الحديد من المغناطيس بفعل «اللولبة». حتى الفعل الانعكاسي الذي يتضمن الابتعاد عن مشهد دموي فُسِّر على أساس انطلاق فيض من الدقائق الحادة التي تجرح العين.

لم يقتصر دور روبرت بويل على تسمية الفلسفة الميكانيكية فحسب، بل ربطها بالكيمياء بصفة خاصة، معترفًا بالقدرة الخاصة للكيمياء على كشف الستار عن الآليات التي يسير وفقها العالَم. وقد تتبع بويل الأوجه الرئيسة الأربعة لكيمياء القرن السابع عشر؛ وهي: تصنيع الذهب، والطب، والتجارة، والفلسفة الطبيعية. وسعى سعيًا حثيثًا من أجل اكتشاف سر تصنيع «حجر الفلاسفة»، وحاول أن يتواصل مع «جهابذة سريين» بوسعهم تقديم المساعدة. وقد زعم أنه شهد استخدام ذلك الحجر، واختبر الذهب الذي رآه يُنتَج من الرصاص بواسطة الحجر، وكان مسئولًا عن إلغاء قانون إنجليزي يحظر إجراء عملية تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب عام ١٦٨٩. جمع بويل أدوية كيميائية جديدة ذات تكلفة أقل من أجل التخفيف عن الفقراء (إذ كانت الرعاية الطبية والأدوية مكلفة للغاية حينئذ كما هي اليوم). نادى بويل باستخدام الكيمياء في تحقيق غايات مفيدة، من أجل تطوير التجارة والصناعة. ولعل الأكثر شهرةً أنه روَّج للكيمياء بوصفها أفضل وسيلة لدراسة العالم، وسعى جاهدًا لرفع مكانتها. ذكر بويل أنه كرَّس نفسه للكيمياء — التي اعتبرها أصدقاؤه «دراسة مضللة عديمة الجدوى» — لأنها قدَّمت أفضل دليل على النظم الدقائقية التي افترضها الفلاسفة الميكانيكيون. وكمثال لهذا، أثبت بويل بالتجربة كيف يمكن للملح الصخري أن ينتج ملحًا قلويًّا ثابتًا، وسائلًا حمضيًّا متطايرًا، وكيف أن مزج الملح القلوي والسائل الحمضي يعيد إنتاج الملح الصخري. والاستنتاج الذي خرج به أن المواد المركبة يمكن تحليلها إلى أجزاء، وأنه يمكن إعادة تجميع هذه الأجزاء لاستعادة المادة الأصلية، تمامًا مثل أجزاء الآلة. ورغم أن بويل رفض أمورًا كثيرة في مذهب باراسيلسوس، فإن عمليات «إعادة الدمج» هذه (مثلما أطلق عليها) تتشابه تشابهًا لافتًا للنظر مع عملية إنتاج الأدوية العشبية باستخدام الخطوات الكيميائية التي ابتكرها باراسيلسوس. والواقع أن بويل بنى أفكاره على إرث سابق طويل من الأفكار الخاصة بإنتاج الذهب من المعادن الرخيصة ومن الطب الكيميائي.

أفل نجم الفلسفة الميكانيكية في نهاية القرن السابع عشر، حتى إن بويل نفسه فقد حماسه تجاهها حينما أدرك أن الإفراط في التوسع فيها يمكن أن يؤدي إلى طغيان مذاهب الحتمية والمادية والإلحاد؛ فلو كان العالم مجرد مجموعة من الدقائق المتصادمة، فلن يبقى مجال للإرادة الحرة أو العناية الإلهية، ولو كان الرب صانع ساعات كما قالوا، فهل بدأ تشغيل العالم ثم تركه، أم كان عليه أن يعيد ضبطه بانتظام وكأنه يفتقر إلى البراعة؟ ظل الكيميائيون غير متأثرين بالفلسفة الميكانيكية؛ إذ لم تبدُ المجموعة الهائلة من الخصائص — التي كانوا يرونها كل يوم — قابلة للتفسير باستخدام الأفكار الهزيلة المتعلقة بوجود نوع واحد من المادة يحتوي دقائق تتشكل في صور مختلفة. وبالمثل كانت عمليات الحياة معقدة للغاية بحيث يتعذَّر على الميكانيكيين البسطاء تفسيرها بعد نقطة معينة. وأخيرًا، فإن قوى الجذب النيوتونية — إحدى صور التأثير عن بُعد — لم تكن قابلة للتفسير الميكانيكي. والواقع أن انتصار المذهب النيوتوني كان يعني انهزام المذهب الميكانيكي المتشدد.

تطوير المذهب الأرسطي

تطرقنا لأرسطو والمذهب الأرسطي عدة مرات على مدار هذا الفصل، والواقع أن أحد تفسيرات الثورة العلمية أنها كانت تتمحور حول رفض المذهب الأرسطي السكولائي الذي كان على وشك الاندثار، لكن هذا الرأي يخفق في الاعتراف بمرونة السكولائية وتطورها المستمر. وبينما دأب مؤيدو الفلسفات «الجديدة» المختلفة في القرن السابع عشر على الاستهزاء بالفلسفة الأرسطية وانتقادها بلغة قاسية، بقي غيرهم من الفلاسفة الطبيعيين داخل الإطار «الأرسطي» واستمروا في تحديث المنظومة والعمل بما يحقق نتائج مثمرة. ولم يحدث في أواخر العصور الوسطى ولا في الفترة الحديثة المبكرة أن كانت كلمة «أرسطي» أو «سكولائي» تعنيان التشبث بكل افتراض أطلقه أرسطو نفسه، حتى ثيوفراستوس، أعظم تلاميذ أرسطو، تابع التقليد الأرسطي بأن اختلف مع أستاذه في نقاط عدة. وفي العصور الوسطى، كان الفلاسفة الطبيعيون في كل مكان يستشهدون بأرسطو، لكن كنقطة انطلاق فحسب لاستكشافاتهم التي كثيرًا ما كانت تخلص إلى نتائج مناقضة لما توصل إليه أرسطو من قبل. وبحلول عصر النهضة، كان هناك الكثير من الفلسفات الأرسطية المختلفة، بل والمتناقضة.

لم تكن المناهج التجريبية والرياضية للفلسفة الطبيعية أجزاءً أساسية في عمل أرسطو، لكنها صارت كذلك على نحو متزايد لدى الأرسطيين في القرن السابع عشر. يقدم اليسوعيون أوضح مثال على الالتزام الصريح بالحفاظ على فلسفة طبيعية أرسطية، إلا أن الكثيرين — من أمثال ريتشيولي وجريمالدي — أجروا تجارب مستفيضة تتعلق بعلم الحركة الذي وضعه جاليليو، وأدخلوا فيها أفكارًا ونتائج تناقض أفكار أرسطو تناقضًا واضحًا. وبالمثل، رفض نيكولو كابيو (١٥٨٦–١٦٥٠) التفسير المؤيد للمذهب الكوبرنيكي الذي وضعه جلبرت لتفسير تجاربه المغناطيسية، وإن كانت تجارب كابيو نفسه على المغناطيس على نفس الدرجة من الاستفاضة. وفي نهاية القرن، كان اليسوعيون قد تبنوا الكثير من الأفكار الدقائقية والميكانيكية التي قدمها كلٌّ من جاسندي وديكارت، ولكن داخل إطار أرسطي. ظلت السكولائية في نظر مؤيديها «منهجًا» مفيدًا ومرنًا للبدء في دراسة الطبيعة، لا مجموعة من الاستنتاجات. ورغم بقائهم على موقف محافظ تجاه التجديدات الكثيرة التي ظهرت في القرن السابع عشر، فإنهم كانوا مساهمين ومشاركين فعالين في الثورة العلمية.

لا شك أن ما حدث في الثورة العلمية هو أن الفلسفة الأرسطية اكتسبت منافسين جادين ومختلفين اختلافًا جذريًّا، وهو ما لم تلقه تلك الفلسفة في أواخر العصور الوسطى؛ فطوال الفترة الحديثة المبكرة ظهرت رؤًى كونية جديدة — من منظور المغناطيسية، والكيمياء، والرياضيات، والميكانيكا، والسحر الطبيعي، وغيرها — كتحديات أو بدائل مقبولة، بينما سعت السكولائية إلى دمج مادة وأفكار جديدة داخل إطار أرسطي. ولم تسفر المجادلات المستمرة بين المدافعين عن النظم العالمية المختلفة عن وفرة في العروض الجدالية فحسب، وإنما أسفرت أيضًا عن مجموعة كبيرة من الاستجابات الانتقائية للتحدي المُلح المتمثل في وضع فلسفة جديدة للطبيعة يفضل أن تكون شاملة. ومن منظورنا الحديث، من الصعب أن نتخيل التنوع الكبير في وجهات النظر والأساليب المتعلقة بالمناهج والقضايا الأساسية التي ازدهرت في الفترة الحديثة المبكرة، أو الخصوبة والحماسة التي استكشف بها عدد متزايد من الفلاسفة الطبيعيين عالمهم، وابتكروا أنظمة — بعضها صغير وبعضها كبير — في محاولة لفهم هذا العالم. وهذا واحد من الجوانب المهمة التي أضفت طابعًا «ثوريًّا» على فترة القرنين السادس عشر والسابع عشر.

هوامش

(1) Courtesy of the Roy G. Neville Historical Chemical Library, Chemical Heritage Foundation, Philadelphia.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠