متفرِّقات

كان يقول ساخطًا: «كيف؟ أَلَيْسَ عندك آلة حلاقة؟» كلما كانت هذه الأداة التي كانت تبدو له لا غنَى عنها غيرَ موجودةٍ في إحدى غرفنا في الفندق.

وهناك من هذا القبيل ذكريات تَرِدُ كلما شاءَتْ على خاطري، وخاصةً منها ذكريات الحياة اليومية العادية، غير أنَّ معظمها لا معنَى له إلا بالنسبة لي ولولديَّ.

«ماذا تفضِّلين أخيرًا؟ مجموعة من آنية المطبخ أم عقدًا ذا جوهرة لصدرك؟» … هكذا كان يعابثني في أحد أيام ميلادي، وكان يعرف أنني أحب أن أزيِّنَ البيت.

وكانت له — هو الحزين غالبًا — لحظاتٌ من المرح الساخر، كتلك اللحظات التي كان خلالها يتسلَّى بقصِّ حكاية غضبِ الشيخ العجوز الذي كان يعنِّف ابنَه الذي أصابته عدوى الحياة الحديثة: «قيل لي إنك تشرب الويسكي فقلتُ: معليش! وقيل لي إنك تشرب الحشيش فقلتُ: معليش! وها أنت ذا الآن تشرب القازوزة١ الملعونة من جهنم … اخرج من هنا يا ابن الكلب!»
وكان يضحك أيضًا في «فيرون Vérone» يوم كنَّا نزور قبرَ جولييت، ولا أدري إذا ما كان هو أم مؤنس الذي سأل: «وأين روميو؟!» وكانت غرابة الصيغة التي استخدمها الحارسُ تطابِقُ في غرابتها اللهجةَ التي أجاب بها: «Qui, non abbiamo Romeo».٢ قالها وهو في أشد حالات الاستياء، شأنه شأن البائع الذي لم يجد البضاعةَ التي طُلِبت منه في مخزنه!

يروي لي صهري: في إحدى السنوات، حضَرَ جلسةً تعقدها لجنةٌ تضمُّ بين أعضائها شخصياتٍ مهمةً كان عليها اتخاذ قرار بشأن النشيد الوطني؛ فتحدَّثَ كلُّ واحد من الحاضرين بإطناب وبلا فائدة، وفي النهاية — وكان قد أعياه ذلك — أعلَنَ طه الذي كان يشترك في اللجنة: «حسنًا! … قلنا هذا، وقلنا ذاك …» (ولم يكن قد قيل شيء محدَّد في الواقع!) ثمَّ التفَتَ ناحيةَ أمينِ سرِّ الجلسة وقال له: «حسنًا! اكتب.» وأملى عليه تقريرًا على مسمعٍ من الحاضرين الذين كان كلُّ واحدٍ منهم على اقتناعٍ تامٍّ بأنه يجد في نصِّ التقرير كلماتِ خطبته اللامعة، فيأخذ بالموافقة والاستحسان، وتنطلق الكلمات متناثِرةً من الجميع: «ممتاز! … تمام! … هذا ما قلناه بالضبط تمامًا!»

كنتُ في الإسكندرية مع ولديَّ، وكانت الخادمة مريضةً خلال عدَّة أيام. كانت وحدها تعرف غسل الثياب الصوفية والحريرية، وهي ثياب ثمينة لم نتجاسر أن نعهد بها إلى «الكواء»، وكان طه يتخيَّل أن هذه الثياب سوف تأتيه حزينةً وتناشِدُه ألَّا يهملها، فيقرِّر إذن أن يغسلها بنفسه! وبينما هو يصبِّنُ ويدعك ويشطف ويعصر، كان يملي رسالته اليومية التي يتجلَّى فيها الحوار الطويل الضاحك الذي يقوم بينه وبين هذه الأشياء التي تثير العطف.

قال لي ذات يوم: «تريدين مني أن آكل البيشاميل؟! لكن كيف يمكنني أن آكل من شيء له هذا الاسم؟!»

وكنَّا في ترييست؛ فأوصيتُ له على حذاءٍ، غير أن الحذَّاء تأخَّرَ عن إنجازه، في حين كان موعد الباخرة يقترب، فأصررتُ عليه أن ينجزه بسرعةٍ بعد القياس الذي قام به؛ فانتصب هذا الإنسان ذو الضمير في اعتزازٍ وطمأنني بلباقة: «سونو جانتيمو!» — أنا رجل متمدِّنٌ! — وتصوَّرَ طه، وهو يسمع ذلك، أنه في مسرح!

قال لي عندما كنتُ أعبِّر عن أسفي لاضطراري كالنساء الأخريات أن أذهب لتناوُلِ القربان في الكنيسة حاملةً على يدي المحفظة: «إذا كان لديكِ إيمان قوي، فبوسعك أن تتركي حقائبك على المقاعد!» لم يكن يريد أن يصدِّق أن الحقائبَ تُسرَق أيضًا في الكنائس … بَيْدَ أن في الحقائب أوراقًا ومفاتيح!

لا بد من القول إن لحظات الانبساط والراحة كانت نادرة بعد كل شيء، أكثر منها كانت لحظات الغيظ. «أسْكِتْه، أسْكِتْه!» هكذا كان يناشد مؤنس في أثناء جنازة مدير ثانوية هليوبوليس عندما قام أحد الحاضرين باستعراضٍ مثير للسخرية مدَّعِيًا الحزنَ العميقَ!

كانت السيدة «ل» ممرضة إيطالية قضَتْ أكثرَ من شهر بالقرب من طه لتُشرِف عليه بعد العملية الجراحية التي أُجرِيت له، وكانت العلاقة بينه وبينها عاصفة إلى حدٍّ ما؛ إذ إنَّ كلًّا منهما كان يعاند الآخَر بشدَّة، وقد اشتدَّ التوتر بينهما ذات ليلة فقال لها: «نادي الست!» وبما أنها كانت أيضًا مكلَّفَةً بالإشراف على راحتي فقد رفضَتِ الإذعانَ، وكان ذلك يستمرُّ أحيانًا فترةً طويلةً … ثم تنتهي بالاستسلام له وهي ترتعد غضبًا، ومع ذلك فحين غادرتنا عانَقَتْه بحنانٍ وهي تذرف الدموعَ وتردِّد لي: «أيُّ شرف أن أتعرَّفَ إلى هذا الإنسان! لن أنسى أبدًا، لن أنسى أبدًا!» وكان هو نفسه منفعلًا أيضًا؛ ذلك أنه كان متسلِّطًا دون شك، لكنه لم يكن جارحًا قطُّ.

كان هناك في «بادو Padou» بالقرب من فندقنا مقهًى ذو شرفة كبيرة، كانت فيه كلُّ أغطية الموائد وكلُّ المظلات بنفسجية اللون، وكان ذلك جميلًا جمال صباح ربيعي؛ فكنَّا لا نترك الرصيفَ العريض لكي نأتي إليه من الفندق، واستطاع طه أن يأتي إليه خلال فترة طويلة؛ كان يحبُّ هذه الشرفة كثيرًا، وربما كان اللونُ النديُّ الرقيقُ الذي كان يحيط به والذي لم يكن يراه؛ يحمل إليه شيئًا من العذوبة.

لم يكن ثمة مجال للحديث عن العذوبة ليلةَ وصولنا إلى «بادو» وسط عاصفة مخيفة؛ كان أحدهم قد أوقَفَ سيارتَه بلطفٍ أمام باب الفندق، فتوقَّفَتْ سيارة الأجرة على بُعْد عدَّة أمتار من المدخل، وإني ما زلتُ أتساءلُ كيف استطعْتُ أن أجذبَ طه بسرعةٍ كافيةٍ وسط قرقعة الرعد، وتحت وابل المطر والبرد الذي كان يتساقط علينا. لم تكن المظلة تفيد شيئًا، ولم تكن لدينا الرغبة في أن نغنِّيَ «تحت نفس المظلة» كما كان طه يفعل في السنوات الأولى يومَ كنَّا نذهب للتنزُّه تحت وابلٍ من المطر، كنَّا نحتمي منه فعلًا تحت مظلة واحدة، مشدودين واحدنا إلى الآخَر، مستنشقين بسعادةٍ الهواءَ المغسولَ وأريجَ الأرض المبلولة.

ويذكِّرني المطرُ بتلك المسيرة شبه المأساوية التي قمنا بها ذات سنةٍ حدثَتْ فيها طوفانات خطيرة في وادي «الأديج Adige» كنَّا قد غادرنا «بولتسانو Bolzano»، وكان علينا أن نقضي الليلةَ في «ترانتو Trente» — التي لم تكن بعيدةً — لكن الجو كان مخيفًا، والطريق كان مسدودًا في عدَّة أماكن بسيول من الوحل الأصفر. كانت السيارات كثيرةً وهي تنزل من «برينير Brenner». كان ذلك بعد الظهيرة، وكنَّا لا نرى أمامنا تحت سماء صفراء كالوحل سوى عدَّة أمتار فقط، فنضطرُّ للسير بالسيارة ببطء شديد. أما في سان ميشيل فلم تكن هناك أية وسيلة للتقدُّم؛ إذ كان الطريق مقطوعًا كليًّا؛ فكان لا بد لنا من العودة، غير أنَّ ذلك لم يكن سهلًا أيضًا بسبب الزحام، والليل الذي اقترب، والانزعاج العام من حولنا، ودمدمة السائق العدائية بسبب خوفه على سيارته، والتهديد المستمرِّ من الماء والوحل، ولشعوري بالقلق إذ عرفتُ أننا لا نستطيع الوصول إطلاقًا إلى قريةٍ ما، وأنه إذا طرأ من ثَمَّ طارئ على طه فإنني لا أستطيع أن آملَ بأيِّ إسعافٍ سريع له، وأعتقد أننا قضينا ستَّ ساعاتٍ تقريبًا خلال الذهاب والإياب في مسيرةٍ لم تتجاوز مائةَ كيلومتر، واستمرَّ المطرُ في الهطول دون توقُّفٍ ولو دقيقة واحدة خلال الأيام الثلاثة التي تلَتْ، ولم يكن من المستطاع استخدام الطريق إلا في اليوم الرابع. ولقد وجدنا لحُسْن الحظ — أو بالأحرى بسببِ اللطف — غرفةً في فندقنا الأنيس «جريفون Grifon»، كان طه بمأمن عن كل ذلك، لكني لم أَنْسَ هذا المشهدَ من الخراب، وتلك الساعات من العذاب المفجع. لم يسبق لي في حياتي أن رأيتُ طوفانًا حقيقيًّا، ومنذ ذلك الوقت رأيت — ولكن بعد زوال كلِّ خطر — نهرَ «التاليامنتو Tagliamento» يحمل جثثَ حيوانات وأشجارًا مقصوفة، وإني لَأقدِّرُ بشكلٍ أفضل القلقَ الرهيبَ الذي يعانيه أولئك الذين يعيشون ساعاتٍ مماثلةً أو الذين يموتون بسبب ذلك.

•••

«إنكِ تُبحِرين!» — هكذا كان يقاطعني، حتى أيامه الأخيرة، بحنانٍ كلَّما احتدمت — وهذا ما كان يحدث لي غالبًا خلال مناقشة أو ثورة أو حماسة؛ فعلى أية مياه عقل أو قلب سوف أبحر الآنَ دون أن أسمع الصوت الساهر المتيقظ يعطيني إشارةً ما؟

كان في السنوات الأخيرة يقول بحزن: «كنتُ أقلَّ الجميع اعتبارًا في نظر أسرتي، كنتُ مُهمَلًا، مُحتقَرًا … ومع ذلك فإنْ كان لهم أن يفخروا … أحيانًا …» ولم يكن ليتمَّ جملته.

وكان يقول غالبًا: «لو تعلمين … لو تعلمين …» كنتُ أعلمُ فيما أظن، وربما ليس كل شيء، ومع ذلك فهل تعتقد أنني لم أكن أعلم لماذا حزمتَ رسائلي أنتَ الذي لم تكن تستطيع قراءتها؟

ولكن أكنتَ تعرف أنتَ ما كنتُ أعانيه عندما تحمل لي واحدًا من كتبكَ صدَرَ أخيرًا؟ آه! … لم يكن ما أعانيه زهوًا ولا كان — أسألك العفو — مسرةً مشروعة. لا؛ إذ إنَّ ما كان يقلقني — ولا يزال يقلقني أكثر كلَّما تذكرتُ ذلك — هو الحركة التي كنتَ تمدُّ لي بها يدكَ بالكتاب؛ كانت حركة مرتبكة تقريبًا، كما لو أنَّكَ تعتذر، كما لو أنك كنتَ تقدِّم لي شيئًا ضئيلًا جدًّا في حين كنتَ تمنحني أفضلَ ما لديك، وتمنحني ما كان الآخَرون ينتظرونه بفراغ صبر! آه، ما أكثر تواضعك! وما أشد ثبات هذا التواضُع! ما أكثر ما أحببتك! وأحبكَ بسبب هذا! ولم أعرف كيف أعبِّر لك عن هذا الحب.

•••

وُلِد في ١٤ نوفمبر، وقد احتفل بهذا اليوم كثيرًا، بل لقد تمنَّى أحدهم لو أنه يكون يوم عيد وطني! وبمناسبة عيد ميلاده، أقمنا في بيت صهري بالمعادي — حيث لم يكن يستطيع المجيء غالبًا — حفلَ عشاء جميل حضرته ماري، لكنه كان خلاله مُرهَقًا إلى أقصى حدٍّ. كنتُ أنظر إليه وهو على مقعده في مواجهتي، قَلِقة عليه شأني دومًا؛ كان يحاول أن يتحمَّلَ تعبه وأن يبتسم، ولم يأكل سوى القليل. كان العيد عيده، وكان محاطًا بكثيرٍ من الحبِّ، وكنتُ أجهد في ألَّا أحزن.

كان سيكون عمره ٨٥ سنة في ١٤ نوفمبر ١٩٧٤. في ذلك اليوم تحدَّثَتِ الصحف والإذاعة والتليفزيون مطولًا، كما تحدَّثوا عنه أمام الأطفال في كل مدارس مصر، وفي السنة الماضية تذكَّرَ كثيرون هذا اليوم. كان صهري قد وجد بعض الفصول من روايةٍ كان طه قد بدأ بكتابتها في عام ١٩٤٧ ولم ينجزها، وهي رواية «ما وراء النهر»، فنشرها وصدر الكتيِّبُ في ذلك اليوم.

ذهبنا إلى المقبرة — أمينة وأنا — لم أكن قد نمتُ جيدًا، لكني حاولتُ الظهورَ بمظهر الهادئة. لم أكن أسيرةَ ذكريات الماضي كليًّا، لم تَعُدْ ثمة أزهار أو برقيات أو لقاءات حارة وودودة. أعرف أن الأمر ينبغي أن يكون على هذا النحو الآن. لا، إذا بكيتُ فإنما أبكي غيابك الذي لا دواء له، وربَّما كنتُ أبكي حياتي التي بتُّ لا أتعرَّفُ عليها. أرفع عينيَّ وأنظر إلى الخط المنحدر الأصفر للمقطم؛٣ كنَّا نأتي إليه في بعض الأحيان صباحًا، وكنَّا نتوقَّف على حافة الجرف، لكننا لم نكن نترك السيارةَ التي كانت تحمينا من شمسٍ حادَّة حتى في الشتاء. وكنتُ أفكِّر أن هذه السعادة، هذه السعادة الصغيرة التي مُنِحَتْ لنا ونحن ساكنين في سيارة «البويك» القديمة، كانت أيضًا عذبة بلا حدود؛ كانت نعمةً. ويبدو لي الآن أنني أرتكب عملًا جائرًا إذ أتبيَّنُ أن السماء جميلة، وأنَّ الصخرة جميلة، وأنَّ أوراق الشجر جميلة … إذ إنني لا أملك الحقَّ في ذلك ما دمتُ لا أستطيعُ أبدًا أن أقول ذلك لكَ.
لموتايَ الآخَرين في مقابر فرنسا قبورٌ لا تشبه هذا القبر؛ قبور ضيِّقة متراصة بعضها إلى جانب البعض الآخَر في هدوء وخضرة وألفة الأماكن المسيَّجة في الريف، وعلى الرغم من الأشجار والأزهار، فهي قبور محزنة وباردة. أما هنا، فإنَّ ما يخصُّكَ من الأرض كبير بحيث يسعني إقامة حديقة متواضعة، وعلى القبر البسيط المتواضع بلا أي زخرفة سيُحفَر على النصب التذكاري الدعاءُ الذي كنتَ تقوله في فلورنسا وفي المدينة المنوَّرَة. زرعتَ عدَّةَ أشجار، وكانت منها شجرة «فتنة»،٤ أزهرت زهرات صغيرة صفراء لها عطرٌ كنتَ تحبُّه.

يمكن للمرء — إن لم يأتِ ضمن جمهور غفير — أن يجد هنا السلام في الصمت والسكون المحيطين، ومن الممكن أيضًا أن يأمل الصفاء بتأمُّلِه قطعةً كبيرةً طَلِقةً من السماء، طَلِقةً من فوقه، هذا الصفاء الذي تشعر به «جان» بحقٍّ في مقابر المسلمين.

لكني لستُ صافيةً بعدُ، وإني لا أتمكَّن من تخيُّلك هناك. عليَّ أن أستبعِدَ رعبَ الفناء الجسدي، وفكرة أنه لا شيء مما كان يكوِّن شخصكَ المرئي حاضر؛ وأتلاشى في الوعي بعزلتنا التامة وهشاشتنا.

والحق أنكَ لستَ هناك، ولئن كنتُ آتي في الرمل المحرق إلى قدم الصخرة العارية التي تكاد تتأجج لهبًا، فإنما آتي بشعورٍ وراثيٍّ من الاحترام، راغبةً في أن أستدعي بشكل يختلف عمَّا يتمَّ في غرفة مغلقة، ذلك:

الذي أعطانا الحبَّ،
الذي يرى كلَّ ألم،
والذي يعرف كلَّ دعاء.

عندما أكون في إيطاليا أذهب إلى مقابر الريف لأحيِّي موتى لا أعرفهم، وأمام القبور المهجورة التي ليس لها سوى كومة صغيرة من التراب، أتوقَّف فتراتٍ أطولَ من فترات وقوفي أمام القبور الأخرى.

٣٠ أبريل ١٩٧٦

ذهبتُ قبل قليل لتسلُّم بطاقة الباخرة من أجل العودة في سبتمبر. ستكون هذه الباخرة «الأسونيا»، وتأثَّرتُ كليًّا حين رأيتُ قسيمةَ البطاقة: (المقصورة ٤٥، الممر)؛ إذ إنني أعرف هذا الممر جيِّدًا كما أعرف مقصوراته المزدوجة في القاع حيث أقمنا غالبًا. لَسوف أنظر مطولًا إلى الدهليز، إلى هذه الأبواب، سبعة أعوام مضَتْ على آخِر مرَّة كنَّا فيها معًا على هذه الباخرة؛ إذ إنَّ عوداتنا الأخيرة تمَّت على الباخرة «إسبيريا». أعرف أنني سأكون مرتعًا للذكريات؛ لكني سوف أستقبلها كأصدقاء. لقد شعرتُ بالبرد على ظهر «الفيكتوريا»؛ ذلك أنه لم يكن فيها شيء يحدِّثني عنك!

كنَّا على هذه البواخر نتلقَّى الزيارات كما لو كنَّا في بيتنا، وإني لَأرى ثانيةً ريمون وقد جاء ذات يوم محمَّلًا بأزهار متألِّقة، وأرى كذلك «دو» و«شوري» اللذَيْن كانَا مارَّيْن في البندقية فجاءَا لتناوُل الغداء على الباخرة معنا، ولم يَفُتْنا حتمًا حين افترقنا أن نقف لحظةَ صمتٍ كنَّا نفكِّر خلالها في لقاءات مأمولة. وكذلك ماريا التي كانت موزَّعة بين جامعات روما والبندقية، تناولَتِ الغداءَ معنا أيضًا في قاعة الطعام التي كانت في تلك الآونة ذات لون بنفسجي وأزرق (وربما ما زالت كذلك)، وقبل مجيئها كانت ترسل باقةً من شقائق النعمان وبرفقتها بطاقة لطيفة تعبِّرُ فيها عن أمنياتها وترحِّبُ بنا في مدينتها.

ماريا، شوري: فقيدان. هناك لحظات لا تؤلم الذكريات خلالها ما دامت مغمورة بالصداقة التي تجعل من تلك الساعات ساعات عذبة.

وهناك اختفاء آخَر، حدث مؤخرًا، يستدعي أيامًا أخرى: ريموند. كانت قد وصلَتْ مصر قبلي بوقت قليل، وفيما عدا رحلتين أو ثلاثًا، لم تكن لتترك مصر، قبل عدَّة أشهر، إلا من أجل زيارة قصيرة لفرنسا. لم أقل لها حتى وداعًا، لكني سأقول لها هذا الوداع في قلبي مع الكآبة الجديدة الغريبة التي أُعانِيها الآن في كل مرَّة تنغلق فيها عينان سبق لهما أن رأتَا وجهَ طه، كما لو أنه بطريقةٍ ما يزداد غوصًا في الظلِّ، وَلَسوف يأتي يومٌ لن توجد فيه أي نظرة بشرية تمل منه.

الظلُّ … غالبًا ما استخدمت هذه الكلمة في أثناء الحديث عنه لمعارضتها بالنور الداخلي الواضح وضوحًا شديدًا، أما الظلُّ الكبير فهو ظلُّ شاعر أعمى شهير عاش منذ عشرة قرون ورافَقَه طيلة حياته؛ فقد كرَّسَ له رسالته المصرية وكتابَيْن آخَرَيْن، لكنه في الواقع كان يتحدث عنه دون توقُّفٍ، ويبدو أنه عاش آلامَ هذه النفس المتقشفة وتحسَّسَ مرارتها بحيث إنه كاد أن يتقمَّصَها في بعض اللحظات.

ليس لديَّ من التبجُّحِ كي أكتبَ عن أبي العلاء المعرِّي، غير أنه كثيرًا ما قيل — وتردَّدَ ذلك — إنَّ طه كان أبا علاء آخَر! إنسانان غارقان في الليل نفسه، إنسانان يرفضان أيضًا قدرًا ظالمًا، إنسانان يملكان وضوحًا خارقًا وموهبةً في التعبير استثنائيةً، وكبرياء شامخة وجرأة فكر؛ كلاهما يعرفان نفسَيْهما ويريدان أن يكونا حرَّيْن، وكلاهما كان يحاكم العالم دون أيِّ وهم. نعم!

غير أنه لم تكن لدى طه تلك النزعة التشاؤميَّة السوداء المطلقة التي لا مخرجَ منها. عندما كان يقول: «وبعدُ؟» أو «ثمَّ ماذا بعدُ؟» فقد كان يطرح سؤالًا لا يخلو من قلقٍ عن المستقبل الذي لا نسيطر عليه، أكثر مما يطرح شكًّا يشلُّ الإنسان.

كما أنه لم يكن لديه هذا الاحتقار للناس الذي تغلَّبَ على أبي العلاء المعرِّي كي يهرب منهم ولينعزل في وحدة قاسية، حتى ولو كان يشعر في أعماق نفسه بأنه وحيدٌ وحدةً لا خلاصَ منها.

إنَّ أبا العلاء برفضه المتكبر إنما كان يرفض سجن العاهة الذي يواجهه، والعقبات التي اعتُبِرت مما لا يمكن التغلُّب عليها؛ كان يرفض الآثامَ والمظالمَ، كما كان يرفض الضغوطَ والإكراهاتِ وكلَّ أنواع العبودية، ولكنَّه لم يَقُلْ هيَّا إلى الحياة، إلى النضال، إلى الحنان … أما طه فقد أراد أن يحيا، وأن يحيا بجرأة مستقيمًا، مستنيرًا في داخله، بحيث لم يكن يعطي الانطباع بأنه أعمى. ولقد حدث دون أن يقصد ذلك أن علَّمَ كيفيةَ الحياة لأناسٍ آخرين. كثيرون هم الذين قالوا له ذلك، بل إنَّ بعضهم قد كتب له حول ذلك بكلمات رائعة أحيانًا، ولا يمكن لي أن أتصوَّرَ أن هذه القوَّةَ التي لا تُقهَر، هذه القوَّةُ الكريمة هي شيء باطل.

•••

وقيل أيضًا — لكن ذلك يقلُّ أهمية عمَّا سبق — إنَّ «أديب» هي سيرة ذاتية، وهذا غير صحيح إطلاقًا؛ فقد أرادَ طه في هذا الكتاب أن يتحدَّثَ عن مصريٍّ لم يسبق له أن التقى به فيما أعتقد قبل أن يُصبِحَ كلٌّ منهما مبعوثًا للجامعة المصرية، ولقد عرفته شخصيًّا في فترةِ خطوبتنا وزواجنا؛ شابًّا ودودًا لامعًا.

والقصَّة غير كاملة عن عمد؛ فالصبي سقط مريضًا، وكان لا بد من ترحيله إلى الوطن. كان الزمن زمن حرب، وقد عرفنا أنه يعيش في قريته، ولم نستطع قطُّ أن نحصِّلَ أخبارًا أخرى عنه.

•••

لديَّ عددٌ وافرٌ من صورك وخاصَّة منها الصور الصحفية التي هي أشد هذه الصور حياةً — أنظر إليها مطولًا. لكني لا أحتاجُ إليها لأستعيدَكَ رقيقًا جدًّا، منتصبًا جدًّا، حتى تاريخ إجراء العملية الجراحية في عام ١٩٦١ — في هيئتك الرخيَّة، وأناقتك العفوية. هذا التميُّز الطبيعي الذي أدهش مَن كان يقترب منك وخاصة الأجانب. إنه أمامي، وجهك الجاد المستطيل ذو اللون الكامد، الهادئ دومًا على نحوِ التقريب، فيما عدا اللحظات التي تقطب فيها الحواجب عند الهموم أو الغضب.

أبتسم إذ أرى الصورَ التي التقطناها في أثناء الإجازات التي قضينا معظمها مع ولدَيْنا … وهناك واحدة منها تسلي دومًا كلَّ مَن يراها: كنتُ ممدَّدة على الرمل، على شاطئ الرملة، وأمينة التي كان لها من العمر أربع أو خمس سنوات آنذاك، كانت قد وضعت قبعتها الشمسية على رأسك.

في حين تبدو مجموعة أخرى منها ونحن نمشي معًا. تلك ليسَتْ صورًا التُقِطت في أثناء الإجازات فحسب، فقد مشينا كثيرًا جنبًا إلى جنب! وما أكثر ما يمرُّ أمام عينيَّ اللتَيْن تنظران في ذهول موضعًا غامضًا، كما لو أنَّ الأمر على شاشة، إطار غامض يبدو فيه ظلَّانا غير المحدَّدَيْن … وأنتَ تستند إلى ذراعي، نتقدَّمُ دون ضجيج، كما لو أنَّ أقدامنا لا تمسُّ الأرض.

وفيما عدا ساعات القراءة أو الساعات التي نستمع فيها إلى الموسيقى، هناك اللحظات التي كان الواحد منَّا خلالها أقرب ما يكون إلى الآخَر؛ إذ إنَّك خلال جزء كبير من النهار تكون مع سكرتيرك، أو في مكتب، أو مع الزوار، أو تقوم بإلقاء محاضرة ما.

هناك صور خاطفة كثيرة حينما تتحدَّث. كنتَ خلال فترة طويلة لا تتحدَّث إلا واقفًا، على أنكَ سواء أكنتَ واقفًا أم جالسًا فإنَّك قليلًا ما تتحرَّك؛ بَيْدَ أنك لم تكن جامدًا صلبًا؛ إذا ما تحدثتَ جالسًا كانت يداك بشكل عام تتشابكان على الطاولة وتبقيان ساكنتيْن، ومع ذلك فالسكون لم يكن يستمر؛ إذ إنَّ صحفيًّا إيطاليًّا كان يراكَ للمرَّة الأولى (وكان ذلك خلال أحد اللقاءات في فلورنسا) قد وصفكَ على هذا النحو:

يبتسمُ طه حسين حين يتحدَّث، وينطلق صوته في الهواء انطلاق الموسيقى وعيناه المطفأتان لا تفصلانه عن العالم؛ فهو يتلقَّى النورَ واللونَ والجمالَ بتحسُّسٍ خفيف من يده الطاهرة للأشياء المحيطة به.

هل أنا بحاجة للصور كيما أرى ثانيةً اللطف — نعم، لا أخشى أن أقول اللطف — المهذب الذي كنتَ تتلقَّى به زائرًا في مكتبك الإداري أو الوزاري أو الشخصي؟ كان لديكَ هذا التحفُّظ الذي لا يردُّ إنسانًا، بَيْدَ أنه يجعل الجميع على مسافة منك. كان يقال إنكَ مخيف؛ وهذا حق، كانت لكَ أحيانًا كلمات قاسية؛ لأنها عادلة، لكنه لم يكن لكَ قطُّ تصرُّفٌ قاسٍ. وما أكثر ما تعرف أن تكون في أغلب الأحوال قريبًا، مستعدًّا للإصغاء، موحيًا بالثقة!

أحب صورَ السنوات الأخيرة عندما تبدو فيها جالسًا. قليلًا ما يبدو على وجهك الضيق! أما تلك التي التُقِطت عند صعودنا أو نزولنا بصعوبةٍ سلالمَ المَجْمَع، أو ما هو أسوأ منها عندما كنتَ تُحمَلُ خارج السيارة … أوه! تلك أكرهها وأودُّ لو أمزِّقُها، كنتَ ستكرهها لو أمكنك أن تراها؛ كان جسدك المرضوض يُجَرُّ بشكل أخرق. وأنا، أنا التي ثارت في العام الماضي في «ميرانو» حينما رأت عجوزًا شبه عمياء تدخل قاعة الطعام تجرُّها امرأة تصحبها وتمشي أمامها بدلًا من أن تمشي إلى جانبها؛ رأيتُ الشيءَ نفسه مرَّة أخرى، ولم يكن ذلك ليسعدني؛ إذ كان يخلف في نفسي دومًا آثارَ إهانةٍ مزدوجة!

كانت سهير تتعجَّبُ كلما جاءت زائرةً إلى البيت إذ تجدُ طه دومًا لابسًا حليقًا، عاقدًا ربطة عنقه، منتعلًا حذاءه (فيما عدا الأيام الأخيرة)، وكانت تقول له: «وبعدُ … أنتَ في بيتك، فلماذا لا تلبس الروبَ دو شامبر؟»

كان هذا الاهتمام بمراعاة قواعد اللياقة يروق لي، وكنتُ أتمسَّكُ به بقدر ما كان يتمسَّكُ هو به، ولقد كان لي هذا الاهتمام بالنسبة إليَّ أيضًا، أنا التي لم تُرِدْ أنْ يقال عنها ذات يوم: «زوجها أعمى، فما أهمية أن تكون بلا هندام ما دام لا يراها!»

لم يكن الخليفة عثمان٥ نظرًا لتقشُّفِه يرغب في لبس الثياب الحريرية، وكان طه — الذي كان لأسباب كثيرة يُعجَب به كثيرًا — قد انصاع إلى هذا الوسواس، فرفض دومًا أن يلبس أيَّ قميص حريري، ولم يكن يقبل من الحرير سوى ربطات العنق.

وعندما اضطرَّ للتخلِّي عن الثياب المعتادة، اخترْتُ له «روب دو شامبر» يناسبه، كحلي أو أحمر، ثمَّ لم يتمكَّن أن يلبس سوى «المنامة» والشال الهندي — الذي كان لفترة طويلة يضعه على ركبتَيْه — أخذ يلفُّ به كتفَيْه عندما يستقرُّ في سريره.

لم يكن بوسعه قطُّ أن يقول مازحًا، شأنه في الأيام الماضية، عندما يكون في فورة غضب: «سأمزق سترتي!» وهو ما كان يذكِّرني بأسلوب التوراة، إلا أنه كان يقال آنذاك: «ثيابي!»

•••

طه! كانت ضحكتك — على الرغم من التجارب والعقل الذكيِّ — تعبِّر عن قلبك النقي، ضحكتك المجلجلة الصريحة الواضحة.

وعلى الوجه الذي أحببته، الوجه الذي نظرتُ إليه طويلًا، كان ثمَّة دموع تغمره في أحيان نادرة، وهو أمرٌ لا يُطاق؛ فقد كان قاسيًا مؤلمًا إلى حدٍّ يتحطَّم معه قلبي كلما تذكرتها … وتأبى الكلماتُ أن تَرِدَ خاطري.

قيل الكثير عن ضحكتك … أما أنا فإنَّ ما أودُّ لو استطعتُ وصفه هو ابتسامتك. آه! هناك الكثير من الصور التي تبتسم فيها، وليس خطؤها أنها لم تستطع أن تعكس تمامًا ابتسامتك الرقيقة الرصينة الناعمة السخرية، أو ابتسامتك البالغة الطيبة إنْ كنتَ تريد المساعدة أو المواساة، ابتسامة «تسمع» — كما كانت «دو» تقول — الابتساماتِ الأخرى، وتعرف أنْ تردَّ عليها. كانوا يعرفون ابتساماتك وكانوا يحبُّونها.

بَيْدَ أنَّ أحدًا — فيما عداي — لم يسمع أشدَّ الابتسامات تأثيرًا، وأعني بها تلك الابتسامة التي كانت تكاد تزهر شفتيك المغلقتَيْن في بعض الأيام التي كنتَ تجد فيها نفسك مختلطًا بعددٍ كبير من الناس، وبصورة عامة في أثناء حفل استقبال ما. كان يحدث أن يفيض أحدهم أمامكَ مُبالِغًا في الحديث عن أشياء لا تعرفها ولا تستطيع رؤيتها، دون أن ينتبه إلى صمتك الشارد. وكان يحدث أن بعض محدِّثيك، مِمَّنْ يودُّون التقرُّبَ من آخَرين يمكن أن يكونوا مفيدين لهم، ويزعجهم ألَّا تنتبه لوجودهم إحدى الشخصيات ذات المكانة، أو ببساطة إحدى شخصيات الحكومة، فيتركونك وحدكَ فجأةً وسط الجمع. وما كنتُ لأبتعدَ عنكَ قطُّ؛ إذ كنتُ سرعان ما أهرع إليك لأجدكَ ساكنًا غريبًا. كنتَ تبتسم بهدوء كما لو كنتَ تبتسم لنفسك؛ إذ إنني أعرف تسامحكَ المزدري — الذي لم يكن يكاد يلمح — لهذه الهموم الباطلة، لكني كنتُ أعرف أيضًا أنه كان ثمة وراء ذلك جرحٌ ما غيرُ مرئيٍّ. ما أكثر ما كنتُ أحبك تلك اللحظاتِ!

•••

ذراعي لن تمسك بذراعك أبدًا؛ ويداي تبدوان لي بلا فائدة بشكل محزن، فأغرق في اليأس. أريد عبر عينيَّ المُخضَلَّتَيْن بالدموع حيث يقاس مدى الحبِّ، وأمام الهاوية المظلمة حيث يتأرجح كل شيء؛ أريدُ، أريدُ أن أرى، تحت جفنيكَ اللذَيْن بقِيَا مغلقَيْن، ابتسامتك المتحفظة، ابتسامتك المبهمة الباسلة، أريد أن أرى من جديد ابتسامتك الرائعة.

رامتان، مايو ١٩٧٦

كان لا بد من حضور مؤنس كي أعجِّلَ في إعادة النظر في إقامة جديدة أرغب فيها أكثرَ فأكثر، فثمَّة مشروع لجعل «رامتان» متحفًا، وقد قبلتُ بالمبدأ وسطَ بلبلة الأسابيع الأولى وبعد الصدمة العنيفة إثرَ حادثِ سطوٍ مذهلٍ على الدار. لقد وجدتُ في هذا المشروع تقديرًا لطه، وكان هذا تقديرًا حقًّا؛ فكثير من الناس يتمسَّكون بالمجيء إلى هذا البيت، وعندما أُقِيمت احتفالات فبراير أرادَ كافةُ المشتركين الأجانب الحضورَ إليه لزيارته، وكنتُ في منتهى التأثُّر حينما قمتُ باصطحابهم عبر الغرف والحديقة، وكانوا هم أيضًا متأثِّرين مثلي.

غير أن الإجراءات التي لا تنتهي أتعبتني؛ فقد باتَتِ الحالةُ المحزنة التي آلَ إليها البيت لا تُطاق، وقد أصبح مغمورًا بالمياه مُهمَلًا، خاصَّةً وأنني أعلم أنه إذ سيتحوَّل إلى متحفٍ فإنه لن يشبه الحالة التي كان عليها، ولسوف تختفي الحياة الحقيقية التي دار فيه بذهابٍ وإيابٍ الموظفين الذين لم يعرفوا عنها شيئًا. وفي الوقت نفسه سوف تسيطر على كل شيء إدارةٌ باردةُ الجمود. لا أريد ذلك؛ فذاتَ يومٍ سوف تسحب منه كل حياة، ونصف الموت هذا سيكون طبيعيًّا، ولكنني ما دمتُ أستطيع أن أجعله يواصل حياته فسوف أفعل ذلك.

•••

وصلت الطائرة في الساعة السادسة مساءً. ذهبت ليلى وأمينة على الفور إلى دار السيدة العلايلي،٦ في حين تناولتُ العشاء مع مؤنس ومحمد في المعادي. إنه مؤنس الذي فتح — في ليلة شديدة الظلمة — البابَ الذي لا أفتحه إلا في النهار خلال الأسابيع التي قمتُ خلالها بالإصلاحات. لم أكن لأملك الشجاعة، فيما أعتقد، للمجيء وحدي كي أُوقِظَ الصمتَ المعذب الذي يغلِّف البيتَ والحديقة بعد ذهاب العمَّال.

بقي معي مؤنس أسبوعَيْن، أعانني خلالهما على ترتيب إقامتي الجديدة في جزء منها، بما أنني أسكن الآن خاصة الطابق الأول، تاركةً أبوابَ ونوافذَ الغرف الكبرى في الطابق الأسفل مفتوحةً للشمس والحديقة؛ فالأرض الخشبية قد صقلت وأُعِيدَ طلاء بعض النوافذ وخصاصاتها؛ هذا كلُّ ما أستطيع أن أفعله الآن، أما الحديقة التالفة فقد بدأت تنبعث من جديد. كان مؤنس يقوم فيها بجولة بعد الظهيرة، فاكتشَفَ عدَّة مرات وردةً قد نبتت بمعجزة، وكانت ساحرة الجمال، فحمَلَها إليَّ.

ثم رحَلَا من جديد، فحلَّ الصمتُ ثانيةً واستعادتني الوحدة، لكني سأتابع ممارسة العادات التي اعتدنا ممارستها معًا؛ فحنانه السابق لا يزال يحيط بي، كما أنَّ أسوأ لحظةٍ قد مرَّتْ. وعندما سأعود في الخريف فربما أعثر على متكأ أنا بحاجة إليه، مدركةً أنه لا يمكن مع ذلك أن يكون سوى متكأ عابرٍ وهشٍّ. هذه العودة إنما هي أوَّلًا عودة إليكَ؛ فغيابكَ رهيب، لكني أريد أن أتألم من هذا الغياب هنا، في الوقت الذي أكون فيه في مصر.

•••

أقول: أريد أن أُعِيد الحياة إلى «رامتان»! إنه وَهْمٌ؛ فقد كنتَ سبب جهودي، ومن أجلكَ إنما جعلتُ الشمسَ تدخل والورود تزدهر. كلُّ خطوة، كلُّ باب مفتوح، كلُّ نظرة على قطعة أثاث تستدعي ماضيًا لا أريد أن أصدِّقَ أنه ماضٍ!

إننا نتَّكِئُ على الذكريات؛ إذ لما كنَّا نستشعر حاجةً عميقةً لئلا يموت أولئك الذين أحببناهم، فإننا نبعثهم عبرها ثانيةً، ولكيلا يتخلَّوْا عنَّا، فإننا نجعلهم يشاركوننا حياتنا المستمرَّة. وإنه لَوهْمٌ آخَر أيضًا! فالحياة تتغيَّر كلَّ لحظة، كما أنَّهم يبقون غرباء عنها، فإنْ رَأَوْنا فإنهم لا يروننا بين الأشياء وفيما بين جدران غُرَفِنا، ولا في الأحداث الجارية بعيدًا عنهم. والآن، ما أكثر الأشياء التي تحيط بي، ومع ذلك فلم تَعُدْ هي الأشياء التي عرفها هو، وإنه لَمِنَ العبث، بل لَمِنَ الغرارة إن لم أذكر العمرَ الذي بلغته، لكني لا أحب الثياب التي لم تكن الثياب التي كنتُ ألبسها إذ كان حيًّا.

أفكِّر — وما أكثر ما أفكر! — في النساء اللواتي غدَوْنَ وحيداتٍ وهُنَّ ما زِلْنَ في ريعان الصبا؛ أفكِّر في كل ما لم يعرفه الرفيقُ الراحل الذي سيتسع دون توقُّفٍ … آه! أعرف جيِّدًا أنَّ أولئك الذين تحابوا يتواصلون على نحوٍ آخَر، لكنَّ الأمرَ مؤلِمٌ بعد كل حساب.

أدخلُ وألتقي بذكرى سنواتنا الأولى، كنتَ — مذ نجتاز بابَ المدخل إثر عودة من رحلة ما — تعانقني في البهو … تلك كانت قبلة العودة؛ كانت حارةً، ممتنَّةً، مرتعشة قليلًا لفكرة عودتنا سالمين.

ثمَّ أنظر إلى الأريكة البيضاء في البهو؛ فالتعب قد حلَّ، وكان عليَّ إثر إحدى عوداتنا أن أمدِّدَكَ عليها، وأن أعتاد القيام بذلك — فيما بعدُ — فور نزولنا من السيارة.

•••

رامتان: حزينة ومَرِحة؛ مَرِحة بسبب حماستنا كلما أتينا إليها، والكتب تبدو أجمل على رفوف مكتبٍ أكثر اتساعًا. صحن الدار كان أليفًا، وكنَّا ننتظر بفراغِ صبرٍ أن يخضرَّ العشب الأوَّل، وكنَّا نرقب النموَّ الشديدَ البطء للأشجار الجديدة، وكل ما حواه هذا البيت من خير: الأطفال، والأصدقاء الذين كانوا يبقون فيه، اللهب في المدفأة، والبيانو الذي كان أحدهم يفتحه بين الحين والآخَر.

ثمَّ … سرعان ما حلَّ القلقُ على حياتكَ، وربما على صفاء ذهنك.

ثمَّ … الراحة؛ فقد استُعِيدت الصحةُ تقريبًا، ولا تزال أمامنا سنواتٌ عدَّة نحياها معًا بصورة طبيعية.

ثمَّ أخذ يتوالى تخلِّيكَ عن أشياء كثيرة، وكآبتك المتزايدة، وانحراف مزاجكَ المتصاعد. وما أكثر ما كنَّا نبتهج للنصر الذي نحقِّقه إذا ما استطعتَ المشيَ من غرفتك حتى الاستوديو! وما أشد قنوطنا حين نلمح أنه لا بدَّ لكَ، بعد خطوات عدَّة تقوم بها، أن تتمدَّدَ بسرعة على أقرب أريكة! وما أشد حزني في الأيام الأخيرة حين انتبهتُ إلى أنكَ لم تَعُدْ تسمع قطُّ ما كنتُ أقرؤه لكَ … الموسيقى وحدها …

لستُ أملك الشجاعةَ بعدُ لأفتحَ «الحاكي»، فأنا لا أسمع أسطواناتي إلا على «الحاكي» الخاص بي. هذا الراديو، أنظر إليه، وها أنا ذا أتذكَّرُ شيئًا لا أهميةَ له، لكنَّه استثار حنانَك. لم تكن مريضًا جدًّا ذات مساءٍ حين كانت تُذَاع تمثيلية مستوحاة من كتاب «الأيام»، وعندما انتهت التمثيلية رنَّ الهاتف، وأجبتُ؛ كان ثمَّة صوتٌ طفوليٌّ خجول على الطرف الآخَر من الخط يقول: «أنا الذي قمتُ بدور طه الصغير.» كم كان هذا الطفل فخورًا ومتأثِّرًا!

إلى هذه الغرفة، غرفتكَ، أحمل صينية غدائي. أَوَلَمْ نكن نتناول على هذا النحو وجباتنا طيلة ثلاثة أعوام؟ … تبدو لي هذه الغرفة وكأنها تملك شيئًا ما … شيئًا سأقول إنه رسمي (إن لم أكن أرفض المغالاة) … ففيها تمَّ أكبر سرٍّ، سر الموت. أَمِنَ الممكن التفكير أنه لم يَبْقَ من هذا السر شيء؟

كل شيء يزعزعني، كل شيء يختلط، يتشابه … ينتزعني من الحاضر؛ أأنا ضعيفة إذن؟ أأنا عاجزة عن مواجهة الفراغ والأيام الخوالي؟ … كنتَ صلابتي، كنتَ تحميني، وها أنا ذي بلا دفاع! …

•••

شجرة الفلفل التي تصل حتى الشرفة، والتي أردتُ أن تمنحنا أغصانُها شيئًا من الظل، نشرَتْ أمس رائحتَها القويَّة المرَّة قليلًا، أما النجوم التي انحجبت كلَّ أيام الخماسين٧ فقد عادت إلى الظهور، لتختفي بين حينٍ وآخَر وراء غيوم خفيفة. كنتُ أنظر إلى الليل من الشرفة كما كنتُ أفعل في الماضي، لكنَّ نظرتي آنذاك كانت تقف أيضًا عند باب الشرفة الزجاجي، عليكَ أنتَ، وأنتَ شبه نائم. أما الآن، فالخصاص مغلق، ولا أنظر إلا إلى اللمعان الذي يتسرَّب من خلال شقوقه، ثمَّ لا أطفئ هذا المصباحَ إلا في اللحظة التي أطفئ فيها مصباحَ غرفتي. تضيعُ نظراتي في هذه السماء، سماء مصر الفسيحة المنيرة؛ إنها سماء بعيدة، وليس ثمة سوى كتل من الظلال العالية لأشجار الكزورينا، وأغصان مفرغة ينساب خلالها الليل الأزرق وبعض الأضواء السحيقة البُعْد؛ بحيث لا يمكن أن تكون إلا مجرد أضواء وليست أضواء غرف مسكونة. لا شيء بَشَرِيًّا يُرَى، لا شيء يتحرَّك.

صمتٌ رائع؛ أنتَ وأنا في هذه العزلة التي أباركها. خيرٌ خارقٌ يفوق الوصف. إنني لاهثة إلى حدٍّ ما؛ أتنفسُ بعمق، وبكل قوايَ أريد أن أتخلَّصَ من الضيق الذي يشلُّني؛ أودُّ الذهاب نحو شيء فسيح، وبرغم توتري أتطلَّعُ نحو مدًى أدرِكُ استحالةَ الوصول إليه … أنا الضعيفة التافهة … وأنظر إلى هذه السماء بشغف.

تعالي، تعالي، أنتِ أيضًا! … Viene, viene, anche lei!

يعزُّ عليَّ دومًا هجران طريقٍ ما. كنتُ أودُّ لو أنَّ الطرقَ لا تنتهي، وما أشد ما يحزنني ترك قطار أو مغادرة سيارة، وأذكر أن العزيز لطفي باشا كان يتعجَّب من ذلك، ولعله كان يفكِّر: «أنْ يتابع المرء طريقًا ما بلا نهاية … ولكن، للذهاب إلى أين؟»

ها أنا ذي على نهاية طريق، ذلك الطريق الطويل الذي اجتزناه معًا وحدنا، وها نحن قد اجتزناه معًا مرَّة أخرى، لكنَّ الدربَ لا يمتدُّ أكثرَ من ذلك، ولا بدَّ من الوقوف؛ فهو دربٌ لا يمكننا أن نجتازَه ثانيةً. لا بدَّ من وداعه، وإني لأوجِّهُ له نظرةَ عرفان أخيرة. حبيبي …

ابقي، لا تذهبي، سواء خرجتُ أو لم أخرج، أحملكِ فيَّ، أحبكِ. ابقي، ابقي، أحبكِ. لن أقول لكِ وداعًا، فأنا أملككِ، وسأملككِ دومًا. ابقي، ابقي يا حبِّي.

منذ أربعة وخمسين عامًا كتبتَ لي ذلك!

رامتان، أكتوبر ١٩٧٦

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠