تذييل: تأمُّلات حول نصٍّ، وحياةٍ، وعالَمٍ

تُنبِّه سوزان طه حسين في الصفحات الأولى من كتابها «معك»: «وإنما لكي آتي إليك أكتبُ وأتابعُ كتابة كل ما يطوف بقلبي»، صرخة حب حقيقية نحو مَن تناديه بعد قليل «صديقي»، و«بالمعنى الذي أعطيه لهذه الكلمة؛ صديقي الوحيد.» هذا الكتاب الذي كُتِبَ لكي يتجنَّبَ موتَ الحبيب، هذا الكتاب ذو النبرات المؤلمة أحيانًا؛ هو مع ذلك، وقبل كل شيء، كتابُ حياةٍ.

فهو شهادة مثيرة حول الحياة الفكرية والفنية والسياسية لمصر من العشرينيات إلى الستينيات، في قلب مجتمع عالمي كانت فيه اللغة الفرنسية لغةَ النخبة المفضَّلَة.

وهو شهادة حميمية أيضًا، حول حياة رجل وامرأة كان يمكن أن يفصل بينهما كلُّ شيء؛ الثقافة والدين والجنسية والعائق، التقَيَا يومًا، وتزوَّجَا، وعاشَا، متَّحِدَين بثباتٍ، على الرغم من كل شيء، وربما بفضل كلِّ هذه الاختلافات المُعتمدة التي صارت وثاقَ حبِّهما.

وكذلك شهادة نادرة، لكنها ليست معزولة، حول لقاء فرنسية ومثقَّف مصري جاء يتابع دراسته في فرنسا؛ قبل سوزان طه حسين، ومنذ إرسال أول بعثة طَلَبَة مصريين إلى فرنسا من قِبَل محمد علي عام ١٨٢٦، جاء عدد من الشباب المصريين، أطر مصر الحديثة للمستقبل، للقيام بدراساتهم في الحقوق والطب والآداب، في جامعة مونبلييه أو جامعة باريس، وعادوا إلى بلادهم مع زوجة فرنسية. عرف بعضُ هاتيك النساء الشهرةَ، مثل أوجيني لوبران (١٨٧٨–١٩٠٨)، زوجة حسين رشدي باشا الذي أدَّى بعد ذلك دورًا سياسيًّا هامًّا (فقد كان رئيس وزراء من أبريل ١٩١٤ إلى أبريل ١٩١٩)، قبل أن يُنهِيَ حياته المهنية رئيسًا للجنة الثلاثين — المكلَّفَة من قِبَل الملك في أبريل ١٩٢٢ بكتابة الدستور المصري الجديد. كانت أوجيني لوبران تقيم بالقاهرة صالونًا يرتاده رجال ونساء يريدون النقاش حول موضوعات الساعة، ولا سيما مكانة النساء في المجتمع المصري. وفي هذا الصالون إنما تلقَّتْ هدى شعراوي — التي لعبت مدام رشدي حتى وفاتها عام ١٩٠٨ دورَ الأم البديلة بالنسبة لها — جزءًا هامًّا من تكوينها كمناضلة نسائية. كتبَتِ السيدةُ رشدي تحت اسم ريَّا سليمة كتابَيْن تناولَا المرأةَ المصرية: «حريم ومسلمات مصر (رسائل) Harems et musulmanes d’Égypte (Lettres)»، ويقع في ٣٣٦ صفحة، وطُبِع بباريس حوالي عام ١٩٠٠ لدى منشورات Félix Juven؛ وكتاب «المطلقات Les Répudiées»، الذي طُبِع بباريس عام ١٩٠٨ لدى الناشر المذكور نفسه. بعد السيدة رشدي، هناك فرنسية أخرى؛ جان بويش داليساك، تزوَّجَتِ الدكتورَ سليم بيك فهمي — الذي التقَتْه ثم تزوَّجَتْه عام ١٨٧٩ بمدينة مونبلييه — كتبَتْ تحت الاسم المستعار جيهان ديفري عددًا من المؤلَّفات تنتمي إلى السيرة الذاتية وإلى أدب الرحلات، أشهرها «في قلب الحريم Au cœur du harem»، الذي نُشِر لدى Juven عام ١٩١٠، كما كتبت كذلك روايات تاريخية وروايات اجتماعية. كانت تتعاون مع مجلة المصرية L’Egyptienne، واهتمت بصورة خاصة بالعلاقات بين حركة السان سيمونيين والنساء.١
كما أنه أخيرًا شهادة حول الصحبة الفكرية والعلاقة الغرامية بين امرأة بصيرة ومثَّقَفٍ أعمى لا نعرف لها مثيلًا؛ فقبل وبعد سوزان طه حسين عاشَتْ نساء أخريات بالطبع هذا النمط من الاتحاد؛ فهناك في القرن الثامن عشر إيميه لولان، زوجة عالم الحشرات السويسري الأعمى فرانسوا هوبير؛ وفي القرن التاسع عشر جولي دو كيرانجال، زوجة المؤرخ الفرنسي أوجستان تييري، الذي صار أعمى ومشلولًا بالتدريج؛ وفي بداية القرن العشرين، لويز بوترو، زوجة المثقف والمحسن الكبير الأعمى بيير فيللي، المعروف عالميًّا بسبب مؤلَّفاته عن مونتيني والكتَّاب الفرنسيين في عصر النهضة؛ وأخريات كثيرات. لكن لم تترك أية واحدة منهن على ما نعلم شهادةً عنه؛ ربما بُحْنَ بهذه التجربة في رسائل أو في كتابات حميمية لم تصل إلينا. أشارَتِ المؤرخةُ ميشيل بيرو حول هذه النقطة إلى الصعوبة التي يمثِّلها — بالنسبة إلى مؤرِّخ النساء أو مؤرختهن — «امِّحَاءُ الآثار، العامة منها والخاصة»٢ لهذا التاريخ؛ فكثير من النساء فضَّلْنَ القضاء على دفاترهن الخاصة ورسائلهن بدلًا من تركها عرضةً للامبالاةِ ولعدمِ فهمِ — إنْ لم يكن لسخريةِ — أحفادهن. وافترضَتْ كذلك أن هذا «الحكم الهائل بالموت الذي قضى على القسم الأعظم من كتابات النساء الخاصة» أمكنه أن يكون «استسلامًا لنفي الذات الذي هو في قلب ضروب التربية النسائية، الدينية منها والعلمانية.»٣ وحول هذه النقطة كادت سوزان من ثَمَّ ألَّا تخرج على التقليد كليًّا، هي التي كانت عادتها المزعجة أن تمزِّقَ الرسائلَ والأوراقَ، والتي رفضت عام ١٩٥١ بصورة قاطعة أن تتكلم عن نفسها إلى صحفيَّة من صحيفةِ Le Progrès égyptien جاءت تسألها: «حين نملك سعادة أن نعيش في ظلِّ رجل عظيم، أرى أن علينا أن نتضاءلَ كثيرًا، وأن نساعده بمقدار ما تتيحه لنا إمكاناتنا.»٤
هذا فضلًا عن أن عنوان الكتاب نفسه، «معك»، يقول بوضوحٍ إنها لا تريد كتابة «مذكراتها» — ومن الممكن ملاحظة «صمتها» في هذا النص إزاء نفسها وطفولتها ومسارها الفكري الخاص بها قبل أن تلتقي طه — ومع ذلك، يذكر مؤنس كلود طه حسين في «ذكرياتي» أنها بعد شهادة الدراسة الثانوية «كانت تَعُدُّ نفسَها في مدرسة «سيفر Sèvres» كي تصير معلِّمةً.»٥

أسرة وطفولة بورجونية

إذ انطلاقًا من إشارات شديدة الدقة، خاصة بالأسرة وبأماكن طفولتها، قدَّمَتْها سوزان في كتابها، واستكملتها «ذكريات» ابنها، إنما توصَّلْنا إلى أن نوضِّح جزئيًّا — لقاء بحث صبور جرى بمعونة مسئولين عن الأرشيف، ومكتبيِّين في الكوت دور، والهيرو، والأرشيف القومي، وإدارة ثانوية فنلون بباريس — ما كانَتْه بيئتها العائلية، وطفولتها وحياتها المدرسية.

وُلِدت سوزان طه حسين وسُمِّيَتْ: سوزان، جولي، هيلويز بريسو، يوم ٢٦ أبريل ١٨٩٥، بلوزيني-سور-أوش، في الكوت دور، وتم تعميدها يوم ١٩ مايو التالي على يدَيْ خالها، الأب جوستاف فورنييه — «الخال رئيس الدير» الشهير والمذكور عدة مرات في الكتاب.٦ وكان راعيها وراعيتها على التتالي: نقولا بيير فورنييه جَدَّها لأمها، وإيلوييز بريسو (المولودة لورو)، جَدَّتَها لأبيها — التي كانت بِكر إخوتها الأربعة، منهم: الأصغر، أختاها، ماري فيليبين «العمة ماريا»، وآن بالمير «العمة بالمير»، المذكورتان في كتاب سوزان طه حسين.

عند ولادة سوزان، كان أبوها ألبير فيليكس آندوش بريسو — وقد بلغ الخامسة والعشرين من عمره — يمارس مهنةَ المحاسبة، أما أمها آن مرجريت بريسو، المولودة فورنييه، وعمرها أربعة وعشرون عامًا، فكانت «بلا مهنة». تزوَّجَ ألبير ومرجريت يوم ٢٦ مارس ١٨٩٤ بلوزينيي؛ حيث كان والد ألبير، لازار-فيكتور بريسو، قد سُمِّي فيها لتوِّه معلِّمَ مدرسةٍ ابتدائية، وحيث كان والد مرجريت، نقولا بيير فورنييه، مصرفيًّا في بلينيي سور أوش، وهي قرية تقع على مسافة تقل عن ٢كم من لوزينيي.

بعد ثلاث سنوات، يوم ١٩ أغسطس ١٨٩٨، ستُولَد بقرية بلينيي أختها ماري أندريه التي تتكلَّم عنها في عدة مناسبات في كتابها، وسوف تعمد فيها بكنيسة القرية يوم ٢٢ سبتمبر التالي، مع راعٍ وراعية هما الأب جوستاف فورنييه الذي كان آنئذٍ «خوري سيفر»، وماريا لورو «مديرة مؤسَّسة بسومور آن أوكسوا». في ذلك الوقت كان ألبير بريسو يمارس مهنةَ الحسم المصرفي٧ ببلينيي؛ حيث أقامَتِ الأسرةُ اعتبارًا من ذلك التاريخ.

بفضل تحرِّينا في سجلَّات الأحوال المدنية وإحصاءات السكان ومختلف الوثائق المحفوظة في أرشيف مديريات الكوت دور، يسعنا التأكيد أن والدَيْ سوزان وأندريه ينتميان إلى نخبة صغيرة محلية، بدأَتْ منذ نصف قرن عمليةَ صعودٍ اجتماعي طالَتْ أجيالًا عدة، عن طريق السير بصورة أساسية في طريقين: التعليم والتجارة — وبصورةٍ أخصَّ تجارة المال.

من ناحية الأب، وُلِد لازار فيكتور بريسو، جَدُّ سوزان وأندريه، عام ١٨٤٣ في موتييه سان جان، لأسرة حجَّارين نشأت في سانتينيي، في اليون (آل بريسو)، وفي موتييه سان جان (آل بريور)، ربما كانوا يعملون في مقالع الحجارة الكبرى بأنسترود — الواقعة على مسافةٍ متساويةٍ من القريتين — ولكنهم كانوا في بعض فترات السنة يهاجرون إلى باريس للعمل فيها في بناء العمارات، كما تشهد على ذلك مثلًا «الجوازات من أجل الداخل» الخاصة بجان بريور (جَدِّ لازار فيكتور لأمه) التي تنحصر تواريخها بين ١٨٢٥ و١٨٣٤،٨ ومع الأيام صار آل بريسو وآل بريور من «المُلَّاك».٩ ومن ناحية أخرى، فقد أُشِير إلى والد لازار فيكتور، فرانسوا أندوش بريسو، الذي كان «حجَّارًا» عند زواجه مع بولين جابرييل لازارين بريزر — المسجَّل عام ١٩٤٢ في موتييه سان جان١٠ — بوصفه «متعهِدَ أشغال» في سجل وفاة حماه وعمه بالتصاهر، حيث سجل اسمه شاهدًا. وأخيرًا، سُجِّلت صفة «ملَّاك» في عقد زواج ابنه مع ماري آن إيلوييز لورو، يوم ٤ يونيو ١٨٦٦، ثم إننا نجده عام ١٨٧٠ في قائمة الموقِّعين على النداء من أجل دعم النظام الإمبراطوري،١١ في حين أن الحجَّارين قديمًا وسواهم من العمَّال المهاجرين من موتييه سان جان والمعروفين بنزعتهم الجمهورية كانوا قد عارَضوا انقلابَ عام ١٨٥٢.

من الممكن أن نلاحظ أثناء قراءة سجلات الأحوال المدنية لأجدادِ وأجدادِ أجدادِ سوزان لوالدَيْها سهولةَ تواقيع عمَّال البناء هؤلاء، وهي سهولة تشهد على ممارسة عادية للكتابة (في حين أنَّ النساء لم يكنَّ يعرفْنَ التوقيعَ)، وإذا تخلَّى فرانسوا آندوش بريسو متأخرًا عن المُثُل العليا الديمقراطية الاجتماعية لأقربائه، فقد ظلَّ محافظًا على الإيمان الجمهوري بالتعليم عاملًا في الارتقاء الاجتماعي؛ ولهذا فقد اهتمَّ بتعليم ابنه الوحيد كي يسمح له بالخلاص من مِهَن البناء القاسية التي مارَسَها أجدادُه منذ ثلاثة أجيال.

وهكذا بعد حصوله على شهادة الكفاءة في أوكسير عام ١٨٦٢، صار لازار فيكتور معلِّمًا مساعدًا عام ١٨٦٣، ثم معلِّمًا عام ١٨٦٥.١٢ وفي رسالةِ طلَبِ عملٍ موجَّهةٍ إلى مفتش أكاديمية ديجون، غير مؤرَّخة، لكنها ربما تعود إلى بداية عام ١٨٦٣، يشير إلى «التضحيات» التي قام بها أبواه لإتمام دراساته.١٣
سيُولَد من زواجه بإيلوييز لورو ولدان، ألبير فيليكس آندوش، المولود يوم ١٣ أغسطس ١٨٦٩ في كورسيل فريموا، حيث سيُولَد أيضًا أخاه، فيكتور هنري جابرييل يوم ١٩ مايو ١٨٧٥، وهو «العم هنري» الذي تتكلَّمُ عنه سوزان في كتابها.١٤
عند ولادة سوزان عام ١٨٩٥، كان لازار فيكتور معلِّمًا رسميًّا في لوزينيي سور أوش منذ سنتين — بعد أنْ مارَسَ المهنة في عدة قرى أخرى في الكوت دور — وقد أنهى مساره المهني عام ١٩٠٣، بعد أربعين عامًا من الخدمة. استقر آنئذٍ في روجمون، على حدود اليون، حيث وُلِدت زوجته — وهي نفسها من أسرة مُلَّاك زراعيين،١٥ آل لورو-موريل. انتُخِب لازار فيكتور عمدة مدينة روجمون عام ١٩٠٨، وبقي حتى عام ١٩١٢،١٦ بعد أن حصل على تصنيف كنيسة روجمون واحدة من الآثار التاريخية. في عام ١٩١٠ تلقَّى وسامَ الأكاديمية، وكان بين عامَيْ ١٩١١ و١٩١٣ أحدَ أعضاء الجمعية الأثرية والسيرة لمدينة مونتبار؛١٧ لقد حقَّقَ إذن طموحَ أبوَيْه إزاءَه حين صار من الوجهاء المحليين. توفي لازار فيكتور بريسو بروجمون يوم ٣١ يناير ١٩١٩، وتبعته زوجته، التي توفيت يوم ٢٥ سبتمبر من العام نفسه، ولا شك أن هذا ما يمكنه أن يفسِّر لماذا لا تتكلَّم سوزان في كتابها عن جَدَّيْها لأبيها اللذين عرفتهما مع ذلك، لكنهما لم يكونَا على قيد الحياة عندما قامَتْ برحلتها إلى بورجوني عام ١٩٢٢.
على أنها تتكلَّم بالمقابل بعطف واحترام عن أخت جَدَّتِها «العمة ماريا»، التي عرفَتْ نفسَ نوع الارتقاء الاجتماعي الذي عرفه صهرها المعلِّم، ولكن في إطار التعليم الخاص. لقد رأينا في هامش النص (هامش ٩٣، [فصل معك]) أن ماري فيليبين لورو كانت تدير في سومور آن أوكسوا ميتم فييي، وهي منشأة خيرية علمانية تأسَّست عام ١٨٨٠ بفضل إرثِ شخصٍ يُدعَى جان فيكتور آدولف دو فييي، لتستقبل «عشرين فتاة فقيرة من مدينة سيمور، يتراوح عمرهنَّ بين سبعة أعوام وواحد وعشرين عامًا، ويتلقَيْنَ تعليمًا وتربية مناسبَيْن.»١٨ كان على الطالبات الداخليات أن يتدرَّبْنَ خارج الأوقات المخصَّصة للتعليم المدرسي على «كل أشغال الخياطة، والغسيل، والمطبخ، والبستنة، والزراعة، وتربية المواشي، بطريقة تجعل منهن اختصاصيات في تدبير المنزل».١٩ بعد أن دخلَتْ إلى هذه المنشأة بوصفها نائبةَ مدير عام ١٨٨٠، حين كانت في الواحدة والثلاثين من عمرها، كلفت ماريا لور بهذه الصفة «بإدارة الأعمال اليدوية للطالبات الداخليات في المشغل والمغسل والملابس»٢٠ — قبل أن تُسمَّى مديرةً عام ١٨٩٢ — لكنها لم تكن معلِّمةً فيها قطُّ؛ فالنظام الداخلي كان يقضي في الحقيقة بأن تدرس الطالبات في «المدرسة القروية العلمانية لمدينة سومور»،٢١ وأنه في حالة استحالة ذلك يمكن أن تفرز معلمة «تحمل شهادة الكفاءة»٢٢ إلى المنشأة — وهو ما حدث بعد ذلك. لا نعلم شيئًا عن حياة ماريا لورو قبل وصولها إلى معهد فييي، ولا عن تكوينها الفكري، ومن الممكن أن يُقرَأ على استمارة ترشيحها للسعفات الأكاديمية٢٣ التي حصلت عليها في يناير ١٩٠٩ تحت عنوان «الدرجات الجامعية»، إشارةَ «لا شيء»، وهو ما يمكن أن يدل على أنها لم تكن تحمل شهادةَ الكفاءة.٢٤
أيًّا ما كان الأمر، فبعد وفاتها التي وقعت بسيمور يوم ١٨ نوفمبر ١٩٢٥، اشتركَتْ صحيفة Le Réveil de l’Auxois، المحافظة والدينية، وصحيفة L’Indépendant de l’Auxois et du Morvan الجمهورية، في تكريمٍ جماعيٍّ لهذه المرأة المثالية، حين أبرزت الأولى «المشاعر المسيحية العميقة للآنسة لورو»،٢٥ والثانية «إخلاصها للتربية الشعبية» الموضوع في خدمة مسار مهني «كُرِّسَ كله للخير العام».٢٦ هل ثمة حاجة للإشارة إلى أن هذا الاعتراف الاجتماعي — إذ جذبت الجنازة جمهورًا كبيرًا ضمَّ كلَّ شخصيات المدينة٢٧ — ينطوي على مغزًى كبير، لا سيما وأنه موجَّه إلى امرأة وإلى عزباء. من الممكن أن نتصوَّرَ أن ميزاتها الفكرية والعاطفية وتفانيها في العمل الذي حملت أعباء مسئوليته جعل منها مثالًا يُحتذَى أوحى لسوزان بالرغبة في أن تمارس مهنةَ التعليم العام النسائي.
أما من ناحية الأم، فإن أسرة سوزان تنحدر من شاتيونيه ومن منطقة بون؛ وُلِد جَدُّها نقولا بيير فورنييه، وهو السابع من اثني عشر أخًا — توفي ثلاثة منهم في عمر مبكر — في ١٠ سبتمبر ١٨٢٨ بمدينة فولين-لي-تامبلييه، وهو من أسرة حرفيين ريفيين وملاك زراعيين، وكان جَدُّه٢٨ وأبوه٢٩ وأحد أعمامه٣٠ صانعي عجلات في غورجي لو شاتو وفي فولين، وكانوا أحيانًا يمارسون إلى جانب هذه المهنة مهنةَ المُلَّاك الزراعيين، بل حتى مهنة الفندقي فيما يتعلَّق بأبيه خلال سنوات ١٨٣٦–١٨٣٨.٣١ أما أمها، آن جايو، فكانت ابنة مالِكٍ مُزارعٍ من شامبان، الواقعة على مسافة خمسة عشر كيلومترًا من فولين، على تخوم منطقة أوت مارن.

تزوَّجَ نقولا بيير فورنييه يوم ٤ يوليو ١٨٥٨ بمدينة بلينيي سور أوش، جولي مادلين شابوي، المولودة يوم ٢٥ مارس ١٨٣٦ وسط أسرة استقرت منذ عدة أجيال في وادي الأوش. كان والد جولي، أنطوان شابوي، وجدها جان — وهو نفسه ابن معماري — كلاهما نجارَيْن بمدينة بلينيي حيث كانت تتواجد الورشة العائلية. أما أمها، مرجريت جوانيه، فكانت ابنة حارس غابات في فوفي سور أوش. كان لجولي أختٌ تُدعَى مرجريت، ستتزوَّج كاتبَ محكمة، وستصير تاجرة أقمشة في بلينيي.

عند ولادة سوزان، كان جدها وجدتها، أنطوان شابوي ومرجريت جوانيه «الملاكين في بلينيي سور أوش»، لا يزالان على قيد الحياة. سيتوفى أنطوان شابوي يوم ١ نوفمبر من السنة نفسها، في سن السادسة والثمانين، لكنَّ زوجته ستعيش سنتين أخريين حتى بلوغها سن السابعة والثمانين. بوسعنا أن نتخيَّلَ إذن سوزان الصغيرة على ركبتَي والدة جدتها التي كانت تعيش وحدها في مسكنها الواقع في ٧ شارع الكنيسة.

كان نقولا بيير فورنييه شخصية.

ففي عام ١٨٥٣، وعلى عقد زواج أخيه نقولا ليون، صانع عجلات في فولين، أُشِير إلى نقولا بيير — الذي كان شاهِدَه — بوصفه «عاملًا بلا اختصاص».٣٢ بعد خمس سنوات، من الممكن أن نقرأ على وثيقة عقد زواجه أنه «طالب صيدلي مقيم بباريس شارع دروو رقم ١٥»،٣٣ على أن عقد زواجه يشير مع ذلك إلى أنه يقيم «منذ أيام قلائل في بلينيي سور أوش».٣٤
في عام ١٨٥٩؛ أي السنة التالية لزواجه، افتتح تجارة «بقال-عطَّار» في بلينيي،٣٥ وبعد عدة سنوات، في يونيو ١٨٦٦، التمس وحصل على رخصة مكتبي «مكان السيد مينيون، المستقيل»؛٣٦ وهكذا جمع إذن إلى مهنة بائع الكتب مهنةَ الصيدلاني. وفي عام ١٨٨٦، سُجِّلَ على القائمة الاسمية لسكان قرية بلينيي، ثم على صكِّ وفاة زوجته يوم ١٩ يونيو ١٨٩٢ مهنة الحسم المصرفي، ثم مهنة «المصرفي» إضافةً إلى مهنة «التاجر» — الوحيدة المسجَّلَة خلال إحصاء ١٨٧٦. وأخيرًا، واعتبارًا من ١٨٩٤ (صك ولادة حفيدة ماري مادلين فورنييه، يوم ١٣ مارس، وعقد زواج ابنتها آن مرجريت وألبير بريسو يوم ٢٦ مارس) ستكون مهنة «مصرفي» الوحيدة المشار إليها في الصكوك الرسمية — وخصوصًا صك ولادة سوزان، يوم ٢٦ أبريل ١٨٩٥.
لا نعلم كيف تمكَّنَ نقولا بيير من العمل بتجارة المال، نستطيع مع ذلك أن نتخيَّلَ أن نشاطاته كبقال وكبائع كتب قادته إلى أن يُدين زبائنه، وأن هذا النشاط بوصفه دائنًا حضَّه شيئًا فشيئًا على فتح مكتب للقطع، مشاركًا شخصًا يحمل اسم أدولف فيليبير مونيو، وهو مراقب أعمال في قصر آرجيلي؛ هكذا صار مصرفيًّا بالتدريج دون أن يتخلَّى بصورة حاسمة عن نشاطاته التجارية، كما يشهد على ذلك تطوُّر «صفاته» المهنية مع الأيام — حتى إحصاء عام ١٨٩٦؛ حيث ظهرَتْ مهنةُ «المصرفي» لآخِر مرة في وثائقنا. الواقع أن «شركة المصرف التي أُنشِئت بينه وبين آدولف فيليبير مونيو تحت الاسم التجاري فورنييه-مونيو»،٣٧ قد صُفِّيَت في عام ١٨٩٧؛ وبتاريخ ١٤ فبراير ١٨٩٩، أشار سجل واردات الصكوك المدنية العامة في بلينيي سور أوش مرةً أخرى «نقل٣٨ ديون» قام به «فورنييه نقولا بيير، ملاك في بلينيي سور أوش، إلى بريسو ألبير، العامل في مهنة الحسم المصرفي في بلينيي سور أوش».٣٩ وهذا آخِر صكٍّ رسمي عثرنا فيه على أثر لنقولا بيير فورنييه، رغم الأبحاث المضنية في أرشيف دوائر الكوت دور؛ وليس لدينا خصوصًا أية فكرة عن تاريخ ولا مكان وفاته.٤٠

أيًّا ما كان الأمر، فقد صار «العامل اليدوي» ذو الخمسة والعشرين عامًا، وابن أسرة كبيرة من الحرفيين الريفيين والمزارعين، خلال أربعين سنة، وبفضل عقليته المغامرة وموهبته الأكيدة في العمل التجاري؛ «بورجوازيًّا صالحًا» على الصعيد المحلي. وُلِد له من زواجه بجولي مادلين شابوي ثلاثة أطفال: جوستاف أنطوان إدوار، المولود يوم ١٧ يونيو ١٨٦٠ في بلينيي، الذي سيُرسم كاهنًا عام ١٨٣٣؛ وإدوار ليون شارل، المولود يوم ١٠ مارس ١٨٦٥، والذي سيصير «صيدلانيًّا» و«فوتوجرافيًّا» (لنفهم من ذلك أنه كان يبيع معدات من أجل التصوير الفوتوجرافي) في بلينيي، حيث سيتزوج عام ١٨٩٢، بعد عدة أشهر من وفاة أمه؛ وأخيرًا آن مرجريت، المولودة يوم ١٧ يونيو ١٨٧٠، التي ستتزوج ألبير بريسو يوم ٢٦ مارس ١٨٩٤، في لوزينيي سور أوش.

في ذلك الوقت، صار بوسع نقولا بيير — الذي كان عقد زواجه عام ١٨٥٨ ينصُّ على أن «الزوج» (أي هو نفسه) «يحدِّد مهرًا قدره خمسمائة فرنك، مما وفَّرَه.»٤١ — أن يهب ابنته ما قدره ١٥٠٠٠ فرنك «من إرثه القادم (…) تُدفَع عند الاحتفال بالزواج»،٤٢ ينضاف هذا المبلغ إلى «إسهامات المستقبل»؛ جهاز عروس بقيمة ٤٠٠٠ فرنك، وحقوقه في ميراث أمه المقدر ﺑ ٧٨٠٠ فرنك، وملك الرقبة لبيت في بلينيي في الساحة بقيمة ١٠٠٠٠ فرنك، «يُطرَح منه دين بقيمة ٨٣٣٣٫٣٤ فرنكًا، ويبقى منه ١٦٦٦٫٦٦ فرنكًا.»٤٣
كانت الهبة التي أُعطِيت إلى ألبير من قِبَل أبوَيْه أقلَّ، لكنها مهمة، بما أنه تلقَّى ١٠٠٠٠ فرنك نقدًا من إرثه القادم، «تُدفَع خلال سنة الزواج بمقدار تحقيق الأموال»، وهو مبلغ ينضاف إلى «إسهامات المستقبل»؛ أي «جهاز العروس والمجوهرات» بقيمة ٢٤٠٠ فرنك.٤٤
على الصعيد المادي، بدأت حياة ألبير بريسو ومرجريت فورنييه الزوجية إذن في ظلِّ طالعٍ سعيدٍ؛ كان ألبير يمارس آنئذٍ مهنةَ المحاسب؛ لا نعلم أين تعلَّمها، ولا ضمن أي شروط يمارسها، كل ما نعلمه، بفضل ملف استخدامه العسكري، أنه في عام ١٨٨٩، تمامًا قبيل تجنيده، كان «موظَّفَ جباية» — وهو ما يسمح لنا أن نتصوَّرَ أنه كان مكرسًا لمهنة موظف صغير، كي يكون مثل أبيه. في سبتمبر ١٨٩١؛ أي بعد أقل من عام على تجنيده في فوج المشاة ١١٧، سمح له تكوينه كمحاسب أن ينتقل إلى «القسم ٢٣ الخاص بالمستخدمين والعمَّال العسكريين في الإدارة»، حيث بقي حتى نهاية خدمته العسكرية، يوم ١٧ سبتمبر ١٨٩٣، وقد صار له خلالها أصدقاء، بما أن أحدَ شهود زواجه كان مَن يُدعَى «كورمان لويس كليمان جييوم، ضابط إدارة، ومساعد أول في مكاتب الخدمات العسكرية، المقيم بفانسين.»٤٥

عند ولادة سوزان، كان ألبير لا يزال محاسبًا، والزوجان الشابان يسكنان لوزينيي سور أوش، حيث يقيم أبوَا ألبير. في السنة التالية، وعلى القائمة الاسمية لإحصاء السكان عام ١٨٩٦، سجلت أسماء ألبير ومرجريت وسوزان في بلينيي سور أوش، حيث كانوا يسكنون بيتًا يقع في ١٠ الميدان العام، «الميدان الكبير» بيبلينيي، مع خادمة شابة، بيرت أليس شوفاسو، لها من العمر خمسة عشر عامًا. لا بد أنه البيت الذي اعتُبِر في عداد «الإسهامات القادمة» على عقد زواج ألبير ومرجريت. كان ألبير بريسو في السادسة والعشرين من عمره يمارس آنئذٍ مهنةَ «الحسم المصرفي» في بلينيي.

لا نعلم للأسف لماذا ولا كيف انتقَلَ ألبير بريسو من مهنة المحاسب إلى مهنة «الحسم المصرفي»؛ ففي عام ١٨٩٦ لم يكن نقولا بيير فورنييه قد صفى تجارته في الحسم المصرفي. لا يمكننا في الوضع الحالي لمصادرنا أن نفكِّرَ أنه قد تنازَلَ عنها لصهره،٤٦ إلا أنه على ما يبدو قد لعب على كل حالٍ دورًا في تحوُّله المهني. مهما كان الأمر، كان أبوَا ماري أندريه حين وُلِدت يوم ١٩ أغسطس ١٨٩٨، في طريقهما ليصيرَا مثل جدها «بورجوازيان صالحان»؛ يبقى أن شاهدَيْ صك الولادة — وهما على التتالي خالها إدوار ليون شارل فورنييه، صيدلي، وعمره ثلاثة وثلاثون عامًا، وجان ماري مولينييه، كاتب عدل في بلينيي سور أوش، وعمره اثنان وثلاثون عامًا — وجيهان شابَّان في هذه القرية الريفية التي لا يتجاوز عدد سكانها ألف نسمة، والتي كانت فيها أسرة فورنييه-شابوي محترمة ومعروفة. من الممكن أن نتخيَّلَ أن سوزان كانت ضمن هذه الشروط وعمرها ثلاث سنوات تعيش طفولة سعيدة خلية البال، محاطةً بحب والدَيْها وجَدَّيْها.

زمن العذاب

انقلب كل شيء على عقبَيْه في مارس ١٩٠٠، حين لم تكن قد تجاوزت الخامسة من عمرها؛ ففي ٧ مارس، في الواقع، «بموجب حكمٍ صدَرَ بناءً على طلب من الدائن، أعلنَتْ محكمةُ التجارة في بون المدعو بريسو، العامل في مهنة الحسم المصرفي في بلينيي سور أوش، في حالة تصفية قضائية.»٤٧ واعتبارًا من اليوم التالي ٨ مارس، عند الساعة ٩ صباحًا، انتقل المصفي المؤقت إلى مسكن أسرة بريسو للقيام بالجرد. استقبل من قبل «السيدة مرجريت ديكنسي، أرملة مورو، امرأة مستخدمة في خدمة المعنيِّ بالتصفية»، التي سُمِّيت حارسةً للأمكنة — «باعتبار أن السيد بريسو وأسرته غادروا بلينيي منذ يوم ٥ مارس، وذهبوا للسكن في لوزينيي»، «لدى السيد بريسو، الأب، المعلم في المكان المشار إليه.»٤٨ وكما يجب العمل في مثل هذه الظروف، تمَّ إحصاء كل شيء، من القبو إلى السقيفة: الأثاث، والثياب، وأواني المطبخ، و«القروض المعتبرة صالحة»، و«الأسهم الأصلية»، و«دفاتر الحسابات». تأثَّرَ الجميع حين رؤيتهم «مغطس أطفال»٤٩ مهجور في السقيفة. احتَجَّ ألبير بريسو في الرسالة التي طلب فيها من المحكمة إعلانه في حالة تصفية قضائية، «بحالته الصحية السيئة» التي لم تكن تسمح له بالاهتمام بأعماله، «وكذلك بالخسائر التي تكبَّدَها.»٥٠
يكشف تقرير المُصفِّي عن «محاسبة سيئة وناقصة»،٥١ لم تكن تسمح للسيد بريسو أن ينتبه إلى وضعه؛ «فقد كان يعيش ليومه»٥٢ كما يلخِّص كاتب التقرير، دون أن يهمل الإشارة إلى النمائم التي لا بد منها في القرية، والتي تقول «إن مصاريف الأسرة المختلفة كانت كبيرة.»٥٣ كان الوضع من السوء بحيث لم يكن من الممكن الوصول إلى تسوية تجارية، وهكذا أعلن ألبير بريسو في حالة إفلاس بحُكْمٍ صدَرَ في ٣ يوليو ١٩٠٠.
كان هناك من بين الدائنين «السيد فيكتور بريسو، المعلم المقيم في لوزينيي»،٥٤ و«السيدة مرجريت فورنييه، زوجة بريسو»،٥٥ التي قبلت أن تخفض مبلغ قرضها إلى ١٠٠ فرنك بدلًا من ١٩٠٠٠ فرنك التي كان بوسعها أن تضعه دينًا على التصفية «لتغطية حصصها والالتزامات التي أبرمتها لحساب السيد بريسو.»٥٦ يُستخلَص أن مبلغ مهرها بين أشياء أخرى قد ابتُلِعَ في هذا الغرق.

كيف صارت سوزان وماري أندريه إثر هذا الخراب الذي دمَّرَ أسرتهما، وألقَى بالعار على أبيهما، وأدى إلى انفصال أبوَيْهما؟ حقًّا، لقد أفلتَتَا من أسوأ صدمة؛ زيارة الدار من قِبَل المُصَفِّي، بما أن أسرتهما لجأَتْ قبل ثلاثة أيام إلى لوزينيي. هل كان هذا الرحيل مُعَدًّا قبل بعض الوقت أم أنه تمَّ على عجلٍ؟ لا نعلم شيئًا عن ذلك، الواقع أن الفتاتين وإنْ لم تتمكَّنَا من فهم ما كان يحدث على وجه الدقة، فإن ذلك لم يمنعهما من أن تعيشَا الاضطرابَ العائلي، وأن تشعرَا بعنف الكلمات وثقل ما لا يُقال — ولا سيما بالنسبة إلى الأكبر سنًّا بين الاثنتين. وليس من المستحيل أن تكون هذه المأساة التي ستقلب كلَّ حياة عائلة بريسو الشابة وراء القلقِ الدائم وعادةِ «أخْذ كل شيء مأخذ الجد»، اللذين تتحدَّث عنهما سوزان في كتابها مثلما يفعل مؤنس كلود طه حسين في ذكرياته.

لا نعلم شيئًا تقريبًا — والحق يقال — عن صيرورة وضع الأسرة بين ١٩٠٠ و١٩٠٦، ومعلوماتنا الوحيدة شديدة الدقة، تتعلَّق بألبير بريسو، ومصدرها ملف التجنيد العسكري؛ ففي أغسطس ١٩٠١، انتقل في الحقيقة إلى سان آمان مونترون، حيث سكن في شارع بور تموتان وصار مرتبطًا بمنطقة بورج٥٧ العسكرية. لا نعلم إنْ كانت مرجريت قد تبعته إلى منفاه. سينتقل على كل حالٍ في الأول من نوفمبر ١٩٠٣ من سان آرمان إلى روجمون،٥٨ قرية أسرة أمه؛ حيث جاء ولا شك أبوَاه إليها ليستقرَّا فيها — بعد أن حصل لازار فيكتور على إجازة لأسباب صحية، من ١ أكتوبر ١٩٠٣ إلى ٣٠ سبتمبر ١٩٠٤، قبيل أن يُحال على التقاعد بالضبط. تشير القوائم الاسمية لسكان هذه القرية الخاصة بالإحصاءات الجارية بين ١٩٠٦ و١٩١١ إلى اسم ألبير بريسو المقيم في ١٧ شارع جراند، في بيت جده لأمه، سيمون لورو — حيث يسكن أيضًا عمه، لويس موريل و… خالته بالمير — وفي عام ١٩١١، بقي وحيدًا مع خالته؛ فالجد وصهره كانَا قد توفيَا على وجه الاحتمال. لن يترك ألبير أبدًا روجمون حتى استنفاره وتجنيده في شهر أغسطس ١٩١٤، في احتياطي الجيش المحلي. تمَّ التصريح عنه بوصفه «لا مهنة له»،٥٩ ما دام لا يملك الحقَّ بعد إعلان إفلاسه في ممارسة مهنة المحاسبة.
في عام ١٩٠٦، وبفضل لائحة تعداد سكان روجمون، نعثر على سوزان وأندريه، اللتين تسكنان ٣ شارع بوتيت دي جويف، عند لازار فيكتور بريسو ربِّ الأسرة، وزوجته إيلوييز لورو.٦٠ هناك غائبة؛ مرجريت فورنييه بريسو التي لم تُحصَ لا مع زوجها، ولا مع حموَيْها وابنتَيْها. من الممكن أن نستنتج أنها لا تسكن روجمون؛ نظرًا لوجوب إحصاء الأشخاص المقيمين والغائبين مؤقَّتًا. لا شك أنها — وقد أُرغِمت على أن تكسب معيشتها ومعيشة ابنتَيْها — ذهبت لتعمل في مدينة كبيرة، هذا إلا إذا كانت قد بدأت ممارسة مهنة «مندوبة تجارية»، المشار إليها في عقد زواج سوزان وطه، بباريس عام ١٩١٧.٦١

بالمقابل، بما أنه لا يجب تسجيل الضيوف العابرين على اللائحة، فإن بوسعنا أن نكون على يقين من أن سوزان وأندريه في تلك الحقبة كانتَا تسكنان لدى جدَّيْهما بصورة دائمة. هل عُهِدَ بهما إليهما غداة إفلاس ألبير، حين لجأَتْ أسرةُ بريسو إلى بيت لازار فيكتور في لوزينيي، وهل تبعتاهما بعد ذلك حين استقرَّا في روجمون؟ هل أقامت سوزان، الأكبر سنًّا من أختها، بصورة عابرة لكن لفترة طويلة نسبيًّا في منشأة الخالة ماريا بسومور قبل أن تعود إلى بيت جدَّيْها لأبيها؟ لا نعلم شيئًا عن ذلك.

يبدو على كل حال أنها أعدت شهادة الدراسة الابتدائية بروجمون، والواقع أننا نعثر في ملف المسار المهني لمارسلين مويون، معلم القرية في تلك الحقبة، على رسالة إلى مفتش سومور الابتدائي، يدعو فيها مويون، الذي كان موضع شكوى من قِبَل بعض أهالي التلامذة، إلى ملاحظة أنه «في عام ١٩٠٦ كان قد قدَّمَ لشهادة الدراسات الابتدائية تلميذَيْن (…) يحملان اسم بريسو ولورو.»٦٢ دون أن يعطي للأسف الاسمين الأوليين … وبما أن الطفلين الوحيدين اللذين يحملان اسم بريسو والمقيمين في القرية عام ١٩٠٦ هما سوزان وأندريه، من الممكن أن نستنتج دون خطر الوقوع في خطأ أن أحد هذين التلميذين المشار إليهما من قِبَل المعلم هي سوزان، التي كان عمرها آنئذٍ أحد عشر عامًا.٦٣
لكننا نفقد أثرها من جديد؛ إذ لم تَعُدْ لا هي ولا أندريه تسكنان عام ١٩١١ لدى جدَّيْهما، وليس في ذلك ما يثير العجب؛ لأن الوقت كان قد حان منذ عدة سنوات على الأقل بالنسبة إلى سوزان كي تتابع دراساتها الثانوية.٦٤
بعد البحث في أرشيف ثانوية الفتيات بديجون التي لم تكن فيها تلميذةً، ثم لدى ثانويات أوكسير وليون٦٥ التي دُمِّرَ أرشيفها جزئيًّا أو كليًّا؛ انتهينا إلى العثور على سوزان بريسو تلميذةً في ثانوية مونبلييه، وهي أول ثانوية للفتيات افتُتِحت في فرنسا عام ١٨٨١؛ أي بعد مضيِّ أقل من عام على التصويت على قانون كامي سي الصادر في ٢١ ديسمبر ١٨٨٠.٦٦ ويشير دفتر توزيع الجوائز عن سنة ١٩١٣٦٧ في الحقيقة إلى أنها فازت هذه السنة ذاتها بشهادة نهاية الدراسة الثانوية،٦٨ التي حصلت عليها مع درجة جيد، وعلى القسم الأول من البكالوريا، اللغة اللاتينية/اللغات الحية (إنجليزية-إيطالية).٦٩ إنه يشير أيضًا إلى أنها حصلت من ثَمَّ عند توزيع جوائز الثانوية على جائزة جيمس هايد لحصولها على أعلى علامة في اللغة الإنجليزية في امتحانات شهادة نهاية الدراسات الثانوية. ومن المؤسف أنه من المستحيل معرفة تاريخ بداية تسجيلها في هذه الثانوية؛ إذ إن دفاتر توزيع الجوائز عن سنوات ١٩١١ و١٩١٢ ناقصة، كما أن الأجزاء الخاصة بسنوات ١٩١٠ وما قبلها لا تشير إلى سوزان.
بالمقابل، يسمح لنا سجل علامات البكالوريا٧٠ بالعثور على أثر مرجريت بريسو، بما أنها هي التي أُشِيرَ إليها في عمود «اسم المستحقين». هل كانت لها روابط في مدينة مونبلييه؟ وهل عثرت فيها على عمل؟ لا شيء يسمح بتأكيد ذلك؛ إذ لم تكن أم سوزان تقيم بالضرورة في المدينة التي كانت ابنتها تتابع دراستها فيها، ما دام التلامذة يقيمون من حيث المبدأ في المدرسة. لكن مسألة اختيار مونبلييه في النهاية — التي سيكون لها موقع هام في مستقبل سوزان وطه، والتي ستُولَد فيها عام ١٩١٨ ابنتهما مرجريت (أمينة) — بقيت مطروحة. ويطرح أيضًا سؤال يتناول معرفة السبب الذي لم يكن فيه والد سوزان هو مَن يملك الحق بصددها؛ نعلم في الواقع أنه كان في هذا التاريخ لا يزال حيًّا، بما أنه استنفر في ٢ أغسطس ١٩١٤؛ ربما لأنه لم يكن — وقد كان بلا أي عمل — قادرًا بكل بساطة على دفع النفقات الدراسية لابنته.٧١ أيًّا ما كان الأمر، تسمح لنا هذه القرينة وسواها بالظن أن أبوَيْ سوزان كانَا يعيشان منفصلَيْن وإنْ لم يكونَا مطلَّقَيْن.
بعد مونبلييه وشهادة نهاية الدراسات الثانوية والبكالوريا، نلتقي سوزان في ثانوية فنلون بباريس التي سجَّلَتْ فيها بين ١ أكتوبر ١٩١٣ و٣١ ديسمبر ١٩١٤، في القسم السادس آداب (إنجليزي)، ثم في القسم السادس آ٧٢ من أجل إعداد مسابقة الدخول إلى مدرسة المعلمين العليا بسيفر، وستكون معها خصوصًا رفيقتها إيرين فالييه، من منطقة السافوا، المولودة بتاريخ ١ يوليو ١٨٩٥ بشامبيري٧٣ — التي ستكون أحد شهود الزواج بتاريخ ٩ أغسطس ١٩١٧.٧٤ ولكن في الوقت الذي كانت فيه إيرين لا تزال تلميذةً في مدرسة المعلمين بسيفر في أغسطس ١٩١٧، وستتقدم لنيل شهادة الأستاذية (الأجريجاسيون) في التاريخ والجغرافيا عام ١٩٢١،٧٥ أوقفَتْ سوزان دراساتِها — بمبادرةٍ من أمها ولا شك — لتعود إلى مونبلييه عام ١٩١٥، كي تكون في مأمنٍ من القصف الألماني. ربما كانت تنوي أن تستعيدَ بعد زمن من ذلك الدراسة لإعداد المسابقة التي تسمح لها بالوصول إلى درجة الأستاذية في التعليم الثانوي العام للفتيات؛ هكذا كان يمكن لها أن تنجز صعود أسرة بريسو عن طريق التعليم الذي بدأه عام ١٨٦٣ جَدُّها المعلم، وتابعه اعتبارًا من ١٨٩٦ عمُّها هنري الذي عُيِّنَ عام ١٩٢٣ أستاذًا مساعدًا في ثانوية كارنو بديجون — التي كان لا يزال يشغل فيها منصبه في شهر سبتمبر ١٩٢٥ حين زواج أندريه بريسو الذي كان أحد شهوده.٧٦
على أن الله شاء خلاف ذلك؛ إذ جعل من هذه الإقامة في مونبلييه نقطةَ انطلاقِ قصةِ حبٍّ كبرى، ستحمل سوزان بعد التردُّدِ في البداية على أن تسير بصورة حاسمة في درب مختلف كل الاختلاف، وعلى مغادرة أسرتها وبلادها:

ربما كان الأمر جنونًا، لكني كنتُ قد اخترتُ حياةً رائعةً. اخترت! مَن يدري؟ لقد قالت لي صديقة عزيزة ذات يوم: «لقد كان عليك أن تضطلعي بهذه الرسالة.» وصديقة أخرى تقول لي منذ زمن ليس ببعيد: أتذكرين يا ماري؟ «لقد مُلِئت حياتُكِ إلى أقصى حدٍّ.» نعم، لقد مُلِئت حياتي إلى أقصى حدٍّ.

ثم بعد ذلك، ثناء مؤثِّر على الرجل الذي أحبَّتْه وتقاسَمَتْ معه حياته مرفوعةَ الرأس:

فيما يتعلَّق بي، كان هناك هذا الشيء الرائع: الفخر واليقين من أنه ليس ثمة ما يدعو للخجل، ومن أنه ليس هناك على الإطلاق أية فكرة مُرِيبة أو بَشِعة أو منحطَّة يمكن أن تأتي لتحقِّر أو لتَثلِم الكائنَ الذي أقاسمه حياته.

هل هي إشارة تعرفها هي وحدها إلى ضعف وتهوُّر أبيها، اللذين حملَا أمها وكل أسرتها على الخجل فعلًا؟ هذا الأب، الذي استعاد شرفه باشتراكه في الحرب على ألمانيا بين أغسطس عام ١٩١٤ ومايو ١٩١٦،٧٧ سيُسرَّح من الخدمة في ٦ مايو ١٩١٦ من قِبَل مجلس الفوج الخاص بسبب السرطان، وسيتوفى بعد عدة أشهر في منزله بروجمون يوم ١٢ يوليو ١٩١٦، بعيدًا عن زوجته وابنتَيْه اللواتي كنَّ يسكنَّ باريس، وكان لازار فيكتور ومعلم القرية هما مَن صرَّح بالوفاة. أي حزن هذا البعاد وأي أسف ولا شك في قلب سوزان، حتى إن أمكن الأمل أن تكونَا — أختها وهي — قد تمكَّنَتَا من حضور إن لم يكن اللحظات الأخيرة فعلى الأقل مأتم أبيهما الذي بات اسمه من الآن فصاعدًا منقوشًا على النصب التذكاري للموتى بروجمون.

«وقد انفعلتُ أمام عمي هنري نظرًا لشبهه بأبي.» أي حنين تنطوي عليه هذه الجملة القصيرة، وهي الإلماح الوحيد والخجول من سوزان إلى أبيها في الكتاب كله؟ ربما أسهم هذا الموت الذي كان يوقع بصورة نهائية القطيعة مع الطفولة وأرض مولدها، في القرار الذي اتخذته سوزان — التي كانت لها علاقات صعبة مع أمها — بالسير على دربٍ سوف يقودها بعيدًا عن أقربائها وعن بلدها.

اللقاء

يوم ١٢ مايو ١٩١٥، حين تمَّ اللقاء بين سوزان بريسو وطه حسين المسجَّل منذ ٧ يناير بوصفه طالبًا حرًّا لنيل الليسانس في التاريخ والجغرافيا في كلية الآداب بمونبلييه،٧٨ كانت قد بلغت من العمر عشرين عامًا؛ كان أبوها مع فوجه في منطقة «الفوج Vosges»، وكان ابن خالها جوستاف فورنييه — خالها الصيدلي في بلينيي — قد أُرسِل لتوِّه إلى الجبهة بناءً على طلبه، وقد سقط يوم ٦ يونيو «قتيلًا في ميدان الشرف» بالقرب من نوتر دام دو لوريت.٧٩ كان سيبلغ من العمر عشرين عامًا يوم ٢٤ أغسطس.
بعيدًا عن طوفان «الحديد والنار والفولاذ والدم»،٨٠ وفي واحدة من تلك اللحظات الخاطفة الهاربة من مجرى التاريخ المأساوي، «بين الساعة ٦ والساعة ٧ مساءً وبين عاصفتين»،٨١ حدثت المعجزة؛ وككل المعجزات، تنبثق برصانة من بين شئون الحياة اليومية: «لم يكن ثمة شيء في ذلك اليوم ينبئني بأن مصيري كان يتقرَّر، ولم يكن بوسع أمي التي كانت بصحبتي أن تتصوَّرَ أمرًا مماثلًا.» فتاة فرنسية، متعلمة وقليلة الثروة، بحاجة إلى أن تكسب القليل من المال، اقترحَتْ أن تكون قارئةً لطالب شاب أجنبي أعمى، كان قد وضع لهذا الغرض إعلانًا صغيرًا في صحيفة محلية. حين قصَّ هذه المحادثة الأولى، عَزَا طه خجلَ الفتاة إلى أنه كان أجنبيًّا، وأشار إلى التحفُّظ الذي طبع أحاديثهما كليهما: «كنت أول أجنبي تلتقيه هذه الفتاة، وكانت أول فتاةٍ تزورني. كان من الطبيعي إذن ألَّا تجري محادثتنا مجرًى سهلًا.»٨٢
أما سوزان فقد شدَّدَت من ناحيتها على عمى طه، كي تشرح ارتباكها: «وكنتُ على شيء من الحيرة؛ إذ لم يسبق لي في حياتي أن كلمتُ أعمى.» دفعة واحدة وضعت إذن العمى في قلب علاقتهما، والواقع أنه لو لم يكن أعمى، بل أجنبيًّا فقط، لما كان بحاجةٍ إلى قارئة … ومع ذلك، ولأنه أجنبي ولأنه لم يستكمل المناهجَ الدراسية التي يستكملها عادةً طالبٌ فرنسي وصل إلى كلية الآداب، ستقوم عمَّا قريب بدور يتجاوز مجرد دور القارئة؛ فمن قبلُ في مونبلييه، كانت القراءات اليومية متبوعةً بمناقشات تُطلِعه خلالها سوزان على الأدب الفرنسي الذي جعلته «يتذوَّقُ جماله».٨٣ أخذ دور الوصيَّة هذا في الاتساع حين سيلتقيان بباريس، ويتكلم طه عنها بوصفها «أستاذته»: «كانت صديقتي أستاذتي، فأنا مدينٌ لها أن تعلَّمْتُ الفرنسية، وأنْ عمقت معرفتي بالأدب الفرنسي، وأنا مدين لها أن تعلَّمْتُ اللاتينية ونجحت في نيل إجازة الآداب، وأنا مدين لها أخيرًا أن تعلَّمْتُ اليونانية واستطعتُ أن أقرأ أفلاطون في نصوصه الأصلية.»٨٤
حقَّقَتْ سوزان إذن وبمقدرةٍ مع ما اتَّسَمَتْ به من طبعٍ جادٍّ إزاءَ تلميذ وحيد — وأيُّ تلميذ — الرغبةَ التي كانت رغبتها الأساس في أن تكون أستاذةَ آداب:٨٥ «مضَتْ شهور على هذا النحو، كانت خلالها علاقاتنا علاقات تلميذ نحو أستاذته، وصديق نحو صديقته.»٨٦
حين استحوذ صوت «أستاذته» العذب نهائيًّا على الشاب طه، وبعد تفكيرٍ عميق قرَّرَتْ سوزان أن تستجيب لحبِّه — وحول هذه النقطة لا يسعنا إلا أن نتساءل عن المعنى المُعطَى لكلمة ميشليه المذكورة في كتابه: «الحب الإرادي، أرقى تعبير عن الحنان البشري» — وسيمتد دورها كمعلمة إلى كل نواحي الحياة العاطفية والاجتماعية لخطيبها الذي أخرجَتْه من عزلته، فألغَتْ «في رفق وفي جهد متصل أيضًا ما كان مضروبًا بينه وبين الحياة والأحياء والأشياء من الحجب والأستار!»٨٧

الذكريات

تستدعي ذكريات سوزان طه حسين إذن حياتها مع مَن كان خلاصة «الشيخ والدكتور»،٨٨ وقد اتخذت شكلَ رحلةِ بحثٍ عن أقل آثار الحبيب الذي رحل الآن كي تتجنَّبَ غيابه. هذه الرحلة في الفضاء تقودها من آخِر أماكن سياحتهما في إيطاليا حتى عودتهما إلى رامتان، البيت الذي رسمت مخططاته، وصممت عمارته الداخلية، وزخرفت على تعاقب الفصول حديقته الواسعة. رامتان الذي يعني كما تشير إلى ذلك مأويَيْن، أو خيمتَيْن، أو ملجأَيْن، كان مأواهما خلال السنوات الخمس والعشرين الأخيرة، الذي يقع في شارع صغير متعامد مع شارع الهرم بالقاهرة. وهي بالقدر نفسه رحلة في الزمان منذ لقائهما الأول يوم ١٢ مايو ١٩١٥ بمونبلييه، حتى هذا اليوم الحاسم ٢٨ أكتوبر ١٩٧٣، ومنذ محنة الحداد؛ أي الحضور الغائب. مُهِّدَ لهذه الرحلة في الزمان منذ بداية النص بجملةٍ تتعاقب فيها أربع علامات زمنية: «اليوم، التاسع من يوليو ١٩٧٥؛ أي بعدَ مضيِّ ثمانية وخمسين عامًا على اليوم الذي وحَّدْنا فيه حياتَيْنا، وبعد مضيِّ ما يقرب من العامين على رحيلك عني، سأحاول أن أتحدَّثَ عنكَ ما دامَ قد طُلِبَ إليَّ ذلك. أولئك الذين يعرفون حياتكَ العامَّة، ويعرفون عن حياتكَ عالِمًا وكاتِبًا أكثرَ مما أعرفُ عنها أنا نفسي، كتبوا وسيكتبون مؤلفاتٍ جميلة وعميقة عنك. أما أنا، فإنني أريدُ بكل بساطة أن أخلدَ للذكرى.» أما جوهر هذه الذكريات فيتعلَّق بالحياة «مع» طه حسين كما يشير العنوان، ومع ذلك فوراء «معكَ» هناك باستمرار «ليس بدونك».

لا تتكلم سوزان تقريبًا عن أسرتها ولا عن فرنسا، وتتكلم القليل جدًّا أيضًا عن نفسها، ومع ذلك ثمة بعض الإشارات بمناسبة ملاحظة أو نادرة. نحزر طَبْعًا يشبه طبْعَ طه حسين، عنيدًا ومستقيمًا: ««إنكِ تُبحِرين!» هكذا كان يقاطعني، حتى أيامه الأخيرة، بحنانٍ كلما احتدمتُ — «وهذا ما كان يحدث لي غالبًا» — خلال مناقشة أو ثورة أو حماسة.» وتشير، ونادرًا ما تفعل (وبإيجاز)، إلى دلالها وهي تروي حفلةَ تيبالدي الموسيقية ذات أمسية صيفية بفلورنسا، حين ذهب الزوجان لحضور اللقاءات التي نظمها لابيرا: «وكنتُ ألبس ثوبًا يلائمني تمامًا.» ونظن بوجود علاقة صعبة مع أمها التي تذكرها عشر مرات في النص من باب النوادر، لكنها في المرة الأخيرة عند وفاتها تُدلِي بالاعتراف التالي، وهي تذكِّرُ بالحب المتبادل الذي كان يجمعهما: «لم تكن تفهمني دومًا، وقد تألَّمْتُ من ذلك أحيانًا. وكان يحدث لي أن يراني طه حين يعود إلى البيت مقلوبةً رأسًا على عقب، فيقول لي: هل تلقَّيْتِ رسالةً من أمك؟» ونلاحظ علاقةً كانت تنطوي على بعض التباعُدِ (وكانت مصدر عار عند أزمة السويس عام ١٩٥٦) مع فرنسا التي تذكِّرها بها بعضُ المناسبات النادرة بطريقةٍ حادةٍ: «كنتُ أعود إلى فرنسا فتغمرني مشاعر كئيبة»، «وما زلتُ أحلم بسيمور التي لن أراها أبدًا»، «زرنا بيت الدين (…) عندما وجدتني فجأةً أمام هذه الأشجار، مأخوذة برائحة أوراقها، كررتُ ما فعلتُ أمام أشجار الليلك في حلب؛ بكيتُ وتمثلتُ حديقة اللوكسمبورج أمام عينيَّ وفي قلبي، فقد كانت باريس تحت نير الاحتلال.» ونرى التأثُّرَ نفسه يوم احتلال باريس عام ١٩٤٠، ويوم اللقاء مع البابا بيوس الثاني عشر. يغيب الحنين إذن عن هذه السطور، حتى ولو اعترفَتْ سوزان: «لم أكن دومًا سعيدة في مصر، بل ما أكثر ما تألمت فيها!»

لا بد من قبل أن نسجل جودة كتابة هذه الذكريات: أسلوب مرهف، وحبٌّ للغة، واهتمام بالدقة في اختيار المفردات، مع حسٍّ شاعري حقيقي بين الوقت والآخر؛ كل الميزات المدينة إلى حياةٍ قضَتْها في بيئة ثقافية بقدر ما هي مدينة إلى حياتها كقارئة كبيرة، التي يشهد عليها كل الذين تحدَّثوا عن شخصيتها. لنستمع إلى هذه السطور الأخيرة: «يعزُّ عليَّ دومًا هجران طريق ما. كنتُ أود لو أن الطرق لا تنتهي، وما أشد ما يحزنني ترك قطار أو مغادرة سيارة!»

النهضة

يتجذر قاع هذه الذكريات في نهضة مصر الحديثة التي تعود إلى محمد علي، ثم إلى ابنه إسماعيل في النصف الأول من القرن التاسع عشر؛ كانَا أولَ مَن أرسلا المبعوثين المصريين للدراسة في فرنسا. وكانت لإقامة الطهطاوي (١٨٠١–١٨٧٣) — مثلما كانت بعد سنوات من ذلك لإقامة العفراني ومحمد عبده ولطفي السيد ثم طه حسين من أجل الدراسة في أوروبا — أثر المرآة الذي سيؤدِّي إلى الوعي المؤلم، خصوصًا في حالة طه حسين بالوضع الاجتماعي والسياسي والثقافي في وطنهم. ومن جملة آخَرين، كان هذا الأخير يعمل من خلال رؤية ليبرالية على التوفيق بين الحضارة الحديثة على الطريقة الأوروبية والماضي العربي — الإسلامي والتراث الفني القديم لمصر القديمة. كانت أدواته إعادة قراءة التراث، وأعمال هامة في الترجمة من الإغريق إلى المحدثين، واعتماد العقل النقدي منهجًا في التفكير، وفي ذلك إنما ذهب جيل طه حسين أبعد ممَّا ذهَبَ إليه الجيلُ السابق في التوفيق بين المحافظة والتجديد، بين القديم والحديث، وإعادة اكتشاف الأدب القديم والاتصال مع الآداب الغربية. وقامت مهاترات عنيفة بين عدة معلِّمين كبار من الجيلين، وكانت الصحف والمجلات ضمن هذا الظرف أدواتِ النقل المفضَّلةَ لنمو هذا الفكر وهذه السجالات، العنيفة غالبًا، التي تصاحبه؛ فقد ارتفع عدد النُّسَخ المطبوعة من الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية من عدة مئات أو آلاف قبل الحرب العالمية الأولى، إلى أكثر من ١٠٠٠٠ نسخة بعد الحرب.٨٩ وشهدت تلك الحقبة ولادةَ المثقف العلماني بوصفه شخصيةً عامةً في مقابل شخصية المثقف الديني (الشيخ)، وكان إنشاء جامعة فؤاد في مايو ١٩٢٥ اعترافًا رسميًّا بهذه الأنتليجنسيا. «كانت السجالات الكثيفة والمناقشات الحماسية في هذه المرحلة استمرارًا لتلك التي كانت في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حول إصلاح الدولة، والتغريب، وأصول الأمة، وتكييف الإسلام مع الحداثة في ظرف سياسي مضطرب.»٩٠ ومن الطبيعي أن قضية الاستقلال كانت موجودةً في الخلفية كما سيقول فيما بعدُ طه حسين: «كانت الأمة تستعيد وَعْيَها بنفسها.»٩١
تذكر سوزان في «معك» الوفدَ المصري إلى فرساي عام ١٩١٩، وكذلك أيضًا مغامرة الأحرار الدستوريين الذين قادوا التجربة الليبرالية اعتبارًا من ١٩٢٣، والذين أرادوا دستورًا وإصلاحاتٍ قبل الاستقلال، على العكس من الوفد. تتحدَّث أيضًا عن حكومة صدقي المحافظة التي سرَّحَتْ في عام ١٩٣٢ طه حسين من وظيفته كأستاذ في الجامعة. في مقال يقدِّم تقريرًا عن هذه المرحلة، يلحُّ هذا الأخير على دور الصحافة التي كانت تستخدم «لغة قاطعة، ولاذعة، وقادرة على تحطيم الخصم»:٩٢ «كانت للأحزاب السياسية إلى جانب صحيفتها اليومية في المعركة مجلتُها الأدبية الأسبوعية، وفيها كانت فئة من المثقفين النشيطة والمختصين تتناول مختلف الموضوعات الأدبية وكبرى مشكلات الثقافة؛ وبذلك أسهمَتْ على نحوٍ واسع في تكوين نخبة من القرَّاء قادرين على متابعة حركة الأفكار.»٩٣ وأخيرًا، هناك المرور المتأخر بوزارة المعارف التي بقي فيها سنتَيْن كاملتَيْن (١٢ يناير ١٩٥٠–٢٧ يناير ١٩٥٢)، وكان مروره فرصةً من أجل تطبيق البرنامج الذي أعدَّه في «مستقبل الثقافة في مصر»، ولا سيما تقرير مجانية التعليم الثانوي.

أزمة كتاب «في الشعر الجاهلي»

في هذا الظرف فيما بين الحربين اللتين اختلط فيهما القلق والتجديد، إنما طرأ حدث كبير في حياة طه حسين؛ أزمة كتاب «في الشعر الجاهلي». تتحدث عنه سوزان على هذا النحو: «فالضجة التي اقترنت بهذا الكتاب، وثورة الجهل والتعصُّب التي أعقبَتْ صدورَه نعرفها جميعًا، أما ما لا نعرفه فهو ما كانَتْه هذه المحنة في نظر زوجي الذي كانت رزانته الثابتة تمنعه من الشكوى. لقد بدأ كتابة هذا الكتاب في يناير ١٩٢٦، وأنجزه في مارس من العام نفسه.»

ما المشكلة؟ كان طه حسين خلال الحقبة التي انفجرَتْ فيها الوقائع أستاذًا في جامعة الدولة فؤاد الأول التي أُنشِئت عام ١٩٢٥. أثَّرَتْ عليه أزمتان حديثَتَا العهد: إحداهما مباشِرة والأخرى بفعل واحد من المقرَّبين إليه. تتعلق الحلقة الأولى العاصفة بمشاركته في صحيفة السياسة المرتبطة بحزب الأحرار الدستوريين، التي كان يديرها محمد حسين هيكل. كان النقد العنيف الذي كانت توجِّهه هذه المجلة، وخصوصًا نقد طه حسين ضد حكومة الوفد، قد أدَّى إلى منع الأعداد الصادرة يومَيْ ١٠ و١٢ يناير ١٩٢٤. بقي طه حسين خلال استجوابه صامتًا، ثم طُوِيت القضية وحُفِظت، بعد سنة من ذلك، نشر صديقه علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم»؛ نادى المؤلف بفصل السياسة عن الدين، وطرح مسألة الخلافة. كان الشجار عنيفًا؛ عُزِلَ عبد الرازق من وظيفة القاضي في المحكمة الشرعية، وطُرِد وزير العدل بأمر من الملك، وتكفي بعض السطور في مقالٍ كتبه طه حسين لفهم عنف الجدال وأسلوب الكاتب اللاذع: «اجتمع ناس من الأزهر على هذا الرجل وأبعدوه من صفوفهم، لكن الأزهر شيء والدين شيء آخَر … تعالوا إذن، لنناقش وَلْنضحك من هذه الحكاية الساخرة.»٩٤ كانت المعركة الأولى قد خيضت إذن حول كتاب في الشريعة الإسلامية بين «العلمانيين» أو «المحدثين» و«المشايخ» أو دعاة إسلام يبقي أساس المجتمع على قاع من قضايا الانتماء والوطنية، والمواجهة مع الفكر الأوروبي والفرنسي منه خصوصًا.
في ذلك الوقت نشر طه حسين في شهر مايو ١٩٢٦ كتابَ «في الشعر الجاهلي» الذي استخدَمَ فيه النقد التاريخي كي يشكِّكَ في أصالة هذا الشعر. «وُلِد الجدل من حقيقة أن قصائد القرن الخامس الميلادي كانت قد لعبت حسب الموروثات دورًا هامًّا في ازدهار اللغة العربية، وعبر هذه القصائد إنما تكوَّنَتْ لتصير لغةَ الوحي. كانت هذه القصائد تنطوي تقليديًّا إذن على طابع مقدَّس جاء النقد يشكِّك فيه مع خطر امتداده إلى القرآن والحديث.»٩٥ ما أثار الاستنكار إذن كان المنهج بقدر إنْ لم يكن أكثر من المحتوى، وما حمل على الخشية من تطوُّرات أشد تدميرًا تنال القرآن نفسه. لقد أعلن طه حسين بوضوح مقاصده وهو يشرح أن المنهج التاريخي النقدي هو «هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه ديكارت للبحث عن حقائق الأشياء.»٩٦ ويتابع على هذا النحو: «فَلْنصطنع هذا المنهج حين نريد أن نتناول أدبنا العربي القديم وتاريخه بالبحث والاستقصاء، وَلْنستقبل هذا الأدب وتاريخه وقد برَّأنا أنفسنا من كلِّ ما قيل فيهما من قبلُ وخلصنا من كل هذه الأغلال الكثيرة الثقيلة التي تأخذ أيدينا وأرجلنا ورءوسنا، فتحول بيننا وبين الحركة الجسيمة الحرة، وتحول بيننا وبين الحركة العقلية الحرة أيضًا.»٩٧ وهو يشير أيضًا إلى أنَّ «للتوراة أنْ تحدِّثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدِّثنا عنهما أيضًا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي.»٩٨ أمام احتجاجات الأزهر العنيفة قرَّرَ أحمد لطفي السيد، عميد جامعة فؤاد الأول، حجزَ كافة نُسَخِ الكتاب، لكن ذلك لم يخفِّف من غلواء العلماء (وقسم من الوفد) الذين طالبوا برفع القضية أمام العدالة، وانتشرت تهديدات بالقتل، وبناءً على نصائح الجامعة، ذهب طه حسين إلى فرنسا، وبقي فيها حتى يناير ١٩٢٧. وأخيرًا طُوِيت القضية وحُفِظت بعد مداولات كثيرة، ولا سيما في البرلمان، لكنها لم تُطوَ نهائيًّا بما أنها ستلاحقه بعد سنوات عدة حين عُزِل من وظيفته كعميدٍ بأمر من رئيس الوزراء صدقي. كانت نهاية هذه القصة على غير انتظار بعض الشيء؛ فطوال نَفْيِه في فرنسا الذي دام تسعة أشهر، أملى طه حسين دفعةً واحدة مُبدَعه الأهم الذي سيطبع نهائيًّا الآداب العربية — الجزء الأول من ثلاثة أجزاء كتاب الأيام الذي تشير سوزان طه حسين إلى أنه أُملِيَ خلال تسعة أيام.٩٩

مصر الفرنكوفونية

تذكر هذه الصفحات أيضًا إلى أيِّ حدٍّ كان قسمٌ كاملٌ من الأنتليجنسيا المصرية فرنكوفونيًّا ومحبًّا لفرنسا، وهي قصة تعود على الأقل إلى نتائج الحملة المصرية وإرسال المبعوثين إلى فرنسا. كانت باريس كذلك ملجأً لمحمد عبده (١٨٤٩–١٩٠٥) الذي خيَّمَ ظلُّه بقوةٍ على التكوين الأزهري لطه حسين. كان تلميذًا للأفغاني، وكان قد نُفِي عام ١٨٨٢ إثرَ فشلِ ثورة عرابي والاحتلال الإنجليزي؛ بعد أن أقام في لبنان، انتقل إلى باريس حيث نشر مع الأفغاني صحيفةً كانَا يدعوان فيها إلى تجديد الإسلام، وإلى التوفيق بين الإسلام والعالم الحديث. يتحدَّث محمد حسين هيكل، الذي جرى الحديث عنه عدة مرات في هذه الصفحات، والذي كان بوجه خاص وزيرَ المعارف، بهذه المفردات عن السنوات التي قضاها بباريس من ١٩٠٩ إلى ١٩١٢: «رغم أن اللغة الأولى التي تعلَّمْتُها كانت الإنجليزية، وأنني دَنَوْتُ من اللغة الفرنسية متأخرًا، فقد وجدتُ سهولةً أكبر في التعبير بهذه اللغة الأخيرة، بفضل صلات القربى التي تربط شعوب حوض المتوسط كافة.»١٠٠ ويتحدَّث طه حسين نفسه في سلسلة من المقالات المنشورة في مجلة «السفور»، خلال عودته الإجبارية إلى مصر عام ١٩١٥ بين إقامته بمونبلييه (التي تعرَّفَ فيها على سوزان) ودراساته بباريس، عن حنينه إلى فرنسا والحياة الفكرية التي كان يعيشها آنئذٍ … وعن «الصوت العذب» الذي التقَاه؛ هذه الرابطة المفضلة مع فرنسا ومع الثقافة المتوسطية في جانبها الغربي ستُؤخَذ عليه من قِبَل خصومه الذين اعتبروه — سواء في القصر وفي أمكنة أخرى — شديدَ الحرية وشديدَ الاستقلال. ومن المثير أن نلاحظ لدى الجانب الفرنسي وجودَ الحذر الشديد نحوه أيضًا.١٠١
أما الحركة المعاكسة؛ أي جاذبية مصر في نظر الفرنسيين، فلا تقل قوةً. من سليمان باشا، الكولونيل السابق في الجيش الإمبراطوري الذي اعتنَقَ الإسلام (الكولونيل سيف سابقًا)، والذي جاء مع حملة بونابرت، إلى الطبيب أنطوان كلوت (كلوت بيك) الذي أقام في مصر من ١٨٢٥ إلى ١٨٤٩، وأنشأ بوجه خاصٍّ مستشفًى ومدرسة للطب، ثم مدرسة للقابلات عام ١٨٣٦، وإلى المهندسين لينان دو بلفون أو بريس دافين، دون نسيان الرحَّالة مثل الأكاديمي جان جاك آمبير وكزافييه مارمييه والسان سيمونيين الذين جاء بهم شارل لامبير، هناك العديد من الفرنسيين الذين رافقوا مشروعَ التحديث الخاص بمحمد علي الذي سمح خصوصًا بإرسال أول بعثة مدرسية مصرية إلى باريس عام ١٨٢٦. بعد فترة انقطاع قصيرة في منتصف القرن، شغل فرنسيون من جديدٍ وظائفَ هامة في الإدارة وفي المدارس كمدرسة الطب ومدرسة الحقوق ودار المعلمين، وكانوا في أصل مشروع بناء قناة السويس، وشاركوا في مشروعات البناء الكبرى سواء في القاهرة أو في الإسكندرية. بالإضافة إلى ذلك، أنشأ أوجست مارييت دائرة الآثار المصرية ومتحف بولاق الذي صار مديره عام ١٨٥٨ (وخلفه جاستون ماسبيرو عام ١٨٨١). في عام ١٩٠٨، كانت المدارس التي يُشرِف عليها رجال الدين الكاثوليكيون ويتم التعليم فيها باللغة الفرنسية «تضم ٢٥٠٠٠ تلميذ؛ أي سدس عدد التلامذة المسجَّلِين في مدارس مصر، دون الأخذ بعين الاعتبار ٢٥٠٠ تلميذ مسجَّل في مدارس غير فرنسية، مثل الأليانس اليهودي الذي كان التعليم فيه بالفرنسية. واعتبارًا من عام ١٩٠٩، انضافَتْ إلى كل ذلك ثانويات ممتازة تابعة للبعثة العلمانية الفرنسية بالقاهرة وبالإسكندرية وببورسعيد.»١٠٢

كان هناك العديد من النساء اللواتي انخرطْنَ في هذه المغامرة؛ تذكر سوزان منهن أربعًا على الأقل: جان فرنسيس إحدى أعز صديقاتها، ولويز ماجوريل (زوجة واصف غالي باشا)، وإميليين هكتور (زوجة محمود خليل)، ولوريت جبرا. كُنَّ مثلها قد اخترْنَ مصر «وطنًا ثانيًا». لم يكن خيار سوزان هذا إذن فريدًا، ولكن ما أكثر ما كان جسورًا! فالملاحظات من حولها كانت واضحةً حول هذه النقطة: «كيف؟ أجنبية، وأعمى، وأكثر من هذا وذاك مسلم! أنتِ مجنونة تمامًا!» لنتخيل فتاة بورجونية تتواجد في قلب بلد مجهول، ولغة لم تمتلك ناصيتها إلا لحاجات الحياة اليومية. لكنه كان طه حسين! لكنها كانت سوزان بريسو!

العمى

يحتل «ألمُ العمى الكبير» — لكي نستعيد تعبير بيير فييي — مكانةً مركزية في حياة وكتابات طه حسين الخاصة بسيرة حياته. ألمٌ «لا يحايث قلب الأعمى»، كما يعبِّر عن ذلك فييي بصورة جيدة؛ لأن «الحرمان من إحساسٍ ما ليس هو ما يؤلمه» — لا سيما حين يكون الأمر متعلِّقًا بأعمى منذ الطفولة — «بل الدونية التي يضعه فيها إزاء الآخرين.»١٠٣ والواقع أنه إذا كانَتْ عاهة طه حسين بالنسبة إليه هي هذا العذاب،١٠٤ وحتى لقائه بسوزان، مصدر هذا القلق، فلأن ذلك يعود بصورة أساسية إلى الشعور بالدونية والإزعاج اللذين كان يحسُّهما في المجتمع — إلى الدرجة التي تبنَّى فيها كلمةَ أبي العلاء المعري الرهيبة: «العمى عورة.»١٠٥
ولأنه احتلَّ مكانةً مركزية في حياة طه، وفي حياتهما كزوجَيْن، كان العمى أيضًا سيمة جوهرية في كتاب سوزان، كما يوحي بذلك من ثَمَّ الاستشهادان المقتطَفان من أشعيا ومن نزار قباني الموضوعَيْن في مقدمة الكتاب. وإذا كانت سوزان مثلما كتب طه حسين بصورة رائعة في الرسالة المؤثِّرة التي وجَّهَها لابنته، والتي ختَمَ بها الجزء الأول من «كتاب الأيام»؛ هي الملاك الذي «حنا (…) على أبيكِ فبدَّلَه من البؤس نعيمًا، ومن اليأس أملًا، ومن الفقر غنًى، ومن الشقاء سعادةً وصفوًا»،١٠٦ فإننا نشعر تمامًا أن هذه المرأة القَلِقة على الدوام عاشَتْ بصورةٍ مأساويةٍ عائقَ زوجها؛ كانت تتخيَّلُه عفويًّا «الضائعَ في ليله»، ويصيبها الهلع حين يتوجَّبُ عليها تركه لوحده، وحين يضطران — بصورة استثنائية ونادرة — إلى الانفصال مدة طويلة وتخشى فكرةَ ترك طه «لعناية أصدقاء لا شك في إخلاصهم، لكنهم لا يعرفون قطُّ كيف يجب القيام بها.» صحيح أن طه لم يكن يطمئنها صراحةً حين يكتب لها حين ابتعدت عنه فترة قصيرة: «بدونكِ أشعر أني أعمى حقًّا، أما وأنا معكِ فإنني أتوصَّل إلى الشعور بكل شيء، وإلى أن أمتزج بكل الأشياء التي تحيط بي.»
ولكن في الوقت الذي يأسف فيه طه على غياب حبيبته؛ لأنه عاشق قبل كل شيء — في الخامسة والستين من عمره مثلما كان في الثالثة والثلاثين — ولأن حضور سوزان وحده يمكن أن يعيد «إلى الأيام والأسابيع ألوانَها الضائعة»،١٠٧ فإن سوزان التي كانت لديها صورة شديدة السواد عن العمى، وفكرة سلبية على نحو مدهش عمَّا يمكن أن يفعل أو ألَّا يفعل أعمى في الحياة اليومية؛١٠٨ تتخيَّلُه بلا هوادة متعثِّرًا وعاجزًا عن تدبير أموره دونها — وهو ما كان يُقلِقها ويُشعِرها بالذنب. وحين تريد بالمقابل أن تبرز التفوُّقَ الفكري لطه، فإنها تلحُّ أيضًا على عاهته كي تؤكِّدَ الطابعَ الاستثنائي لنجاحاته: «كلما فكَّرت بها عاودتني الدهشة من أنَّ امرأً يشكو كفَّ البصر وقلة الاستعداد في الثقافة الغربية استطاع في أقل من أربع سنوات أن يحصِّل إجازةً ودبلومًا في الدراسات العليا، وأن ينجز رسالة دكتوراه.» تستحق هذه الكلمات كما يبدو لنا ملاحظتَيْن: من جهة، في الوقت الذي تعبِّر فيه سوزان بلا مواربة عن أنها لا غنى عنها لطه في الحياة اليومية، فإنها تمَّحِي هنا كليًّا ساكتةً عن الجزء الهام الذي يعود لها في نجاحات طه الجامعية خلال إقامته في فرنسا؛١٠٩ ذلك لأنهم لا يستطيعون الوصول مباشَرةً إلى الوثائق، يمكن اعتبار الأشخاص العميان المنخرطين في الحياة الدراسية مُعاقِين فعليًّا، ومن هنا — إذ لم تكن تتواجد في تلك الحقبة الوسائل التقنية التعويضية: آلات التسجيل، آلات القراءة، المعدات المعلوماتية الملائمة — الأهمية الكبرى للمساعدات الإنسانية: قرَّاء أو إعادة كتابة بالحروف النافرة (برايل)، من المتطوعين أو غير المتطوعين. ومن جهة أخرى، من الممكن أن نتفاجأ من طريقتها في الإلحاح على عاهة طه حسين في هذه الحالة على وجه الدقة، مثلما يفعل شخص غير معتاد، على استعدادٍ دومًا للدهشة من نجاح أعمى في مجالٍ لم يكن متوقعًا فيه نجاحه. الواقع أن ما يُدهِش في الطريقة التي تتحدَّث بها سوزان عن العمى، أنها احتفظَتْ كما يبدو بعد ستين عامًا من حياتها المشتركة مع أعمى بالصور وبالدهشة التي كانت لها حين التقَتْ طه للمرة الأولى: «كنتُ على شيء من الحيرة؛ إذ لم يسبق لي في حياتي أنْ كلمتُ أعمى.»
حول هذه النقطة لا يمكننا أن نَحُولَ دوننا ودون طرح السؤال كي نعرف لماذا لم تعمل هذه المرأة الشديدة الذكاء والثقافة على أن تعلم أكثر عن العمى بقراءتها مثلًا لمؤلَّفات بيير فييي،١١٠ الأعمى والجامعي مثل طه، التي كانت مقروءةً فيما وراء عالم مكفوفي البصر وجمعيات المكفوفين — بفعل شهرة فييي في العالم الجامعي في فرنسا وفي سواها من البلدان الأخرى، ونظرًا لعلاقاته في أوساط السلطة.١١١ ربما كانت تقدِّر أن تجربتها اليومية مع أعمى استثنائي ستعلِّمها أكثر بكثير مما يمكنها أن تجده في الكتب، وربما لم تكن علاقتها الزوجية الوثيقة التي كانت لها مع طه تترك لها مجالًا لاستقبال تجربة الآخَرين في ميدان مرهف كعلاقتها مع عمى زوجها، أو ربما لأنها لم تسمع على الإطلاق عن هذا الأدب. لم تكن تنتظر «وصفات» من قراءاتها على وجه اليقين؛ لأنها عرفَتْ بصورة رائعة وهي تمتح من ينابيع قلبها وذكائها أن تقيم «هذا الجو من الأمان الدافئ» الذي كان طه يحتاج إليه كي يضمد جِراح عاهته، وأن تجعل من بيتهما مركز حياة اجتماعية شديدة الثراء والغزارة. ومع ذلك، فقد كان بوسعها أن تساعده على الإجابة عن أسئلته الخاصة به حول العمى، وأن تجعله أكثر إشراقًا مما سمحَتْ به رؤية طه المتشائمة حول عاهته الخاصة به.
ومع ذلك، إذا كانت نظرة البعض تتركَّز على الدعم المستمر الذي كانت تقدِّمه سوزان لزوجها الأعمى في الحياة اليومية: «لم تكن تتركه هنيهةً واحدة؛ كانت عصاه البيضاء، كانت قديسة حقيقية.»١١٢ في حين كان البعض الآخَر أكثر رهافةً قد فهم دورها الحقيقي: «كان توفيق وفريد عصاه البيضاء، أما سوزان فقد كانت نوره.»١١٣ لكن سوزان من ناحيتها تعود مرات عديدة إلى الحياة التي كانت بصحبة طه ثرية وخصبة: «نعم، لقد مُلِئت حياتي إلى أقصى حدٍّ»، «كنتُ أشعر بقوةٍ لا تُوصَف بكمال النعمة التي أُغدِقت عليَّ، أنا التي وجدتكَ على طريقي.» وثناء أسمى على القوة الروحية الداخلية لذلك الذي تقدِّمه لنا في مكان آخَر على هذا القدر من التبعية: «كنتَ صلابتي، كنتَ تحميني، وها أنا ذي بلا دفاع!» هكذا، هذا الرجل المجروح بعاهته، فريسة «النوبات السوداء المخيفة» — دون الحديث عن الأمراض التي أصابته في شيخوخته — «عندما غَدَا هذا الرجل بلا عينين رجلًا شبه مقعد». وكان «الصخرة» التي كانت تستند إليها هذه المرأة التي يصفها أقرباؤها١١٤ بالمرأة القوية والمرأة الحديدية؛ عادَتْ فجأةً إلى هشاشتها.

ربما وجب أن يمتلك المرء تجربةَ مرافَقةِ شخصٍ معاقٍ كي يعرفَ القوةَ التي يستمدها هؤلاء الأشخاص من معركتهم من أجل حياة كريمة مفعمة بالإنسانية، وكي يفهم إلى أي حدٍّ كانت كلمة سوزان — «كنتَ صلابتي» — دقيقةً. حول هذه النقطة، تتجلَّى شهادتها ثمينةً بقدر ما هي فريدة، ونأسف أن لويز فييي مثلًا لم تكتب شيئًا عن حياتها مع زوجها الأعمى، ولعلها لم تكن تملك موهبةَ سوزان كي تفعل ذلك …

العطور والألوان والأصوات تتجاوب فيما بينها

منذ أن وصف العميانُ الآلياتِ القادرةَ على توليد شعور الحب في قلوبهم، فهمْنَا أهميةَ «موسيقى الصوت»١١٥ من أجل استثارة هذه «الانفعالات اللذيذة من صدمة اللقاء»١١٦ في أنفسهم؛ هكذا امتلك صوتُ قارئته قلبَ طه حتى «انجلَى عنه حزنه، وانجاب عنه يأسه، وانصرف عنه الهم.» هذا فضلًا عن أنه في «الأيام» لا يشير مطلقًا إلى سوزان باسمها: إنها الفتاة «ذات الصوت العذب» قبل أن تصير صديقته، وخيار قلبه، وخطيبته، وزوجته.
يروي مؤنس كلود طه حسين في ذكرياته أن سوزان التي فتَنَ صوتُ كلامها أباه، كان لها صوتٌ جميل غنائي، «صوتٌ نديٌّ (سوبرانو) صافٍ، احتفظت به حتى في سنوات عمرها المتقدم.»١١٧ وكانت ألحان فوريه، ودوبارك وعدة إيقاعات من أوبرا «زواج فيجارو» مما تفضِّله: «وعلى ما كانت عليه من جهل»،١١٨ كانت في الواقع تحبُّ وبشدة الموسيقى الكلاسيكيةَ، ودرَّبَتْ زوجَها على سماعها، «وكما كانت قد علَّمته في مجال مادي بحت كيف يلبس، ويحلق، ويربط عقدة ربطة عنقه، والجلوس إلى المائدة، وعشرات الأشياء الأخرى؛ كذلك كشفَتْ أمي لزوجها باخ وموزار وبيتهوفن وبراهمز وشوبان وشومان وشوبيرت.»١١٩ وسمح شراء بيانو ثم «الفونوجرافات مع تطوُّر صناعتها» للموسيقى أن تدخل البيتَ، وأن تعزِّزَ بمعنًى ما «التفاهُمَ الرائع في الأسرة. وكنَّا نتشارك في الموسيقى بقدرِ ما نتشارك في الأدب»١٢٠ كما يروي مؤنس كلود. هذا فضلًا عن الأصدقاء الذين كانوا يأتون إلى بيت آل طه حسين للاستماع معهم إلى أسطوانات ٧٨ دورة.١٢١

الأصوات الناطقة: أصوات جيد، وماسينيون، وجاك بيرك، والصوت الأجش — وكم هو مؤثِّر — لهيلين كيللر، والأصوات الغنائية «صوت تيبالدي الفريد»، وأصوات رهبان دير فييزول، والصوت العميق المخلص البسيط لداميا، و… غناء العصافير الشديدة الحضور في كتاب سوزان، وبالطبع صوت الحبيب الراحل، في عدة مناسبات: «صوت جليل وعميق وواضح. كانوا يصغون إليه إصغاءهم للموسيقى»، «الصوت الساهر المتيقظ»، «صوت الحنان الذي سكت».

الموسيقى، التي احتلَّتْ مكانةً واسعةً في حياة طه حسين — «هو وحده القادر على أن يقول ما كانَتْه الموسيقى بالنسبة إليه» — والتي ربما كانت الرابطةَ الأقوى بينه وبين سوزان — «كان بوسعنا الاستماع للموسيقى على نحو خاص، وكان ذلك نعمة» — موجودة في كل مكان من الكتاب. يذهب كلٌّ من سوزان وطه إلى الحفلات الموسيقية، ويستمعان إليها عبر الأسطوانات أو الراديو في بيتهما أو أثناء الرحلات، ويلتقيان في مصر وفي فرنسا وفي إيطاليا وفي إسبانيا مؤلِّفين موسيقيين وعازفين يُعجَبان بهم ويحفل الكتابُ بأسمائهم. وبعد رحيل طه، لا تزال الموسيقى هي التي تجمعهما: «ليس بوسعي أن أستمع إلى الموسيقى التي كنتَ تحبها ببرود أعصاب، فها هنا أعثر عليكَ من جديدٍ بشكل أفضل، وأصغي للموسيقى معك.»

وأخيرًا، فإن طه الذي تعلَّمَ مبكرًا «حُسْن الاستماع»، والذي كان قد «تعوَّدَ أن يأخذ العلم بأذنَيْه لا بإصبعه»١٢٢ — «لم يكن كبقية الذين لا يرون ذا براعة يدوية مذهلة، أو ذا براعة بالمعنى المباشر للكلمة؛ بل إنه لم يكن حاذقًا، ولم يحاول أن يكونه، ولم يكن ليهتم بذلك كثيرًا» — كان شديد الحساسية للمناظر الصوتية والشمِّيَّة، وكان يرى في حدائق فيلا ديست أو في شواطئ بحيرة جارد التي كانت تتجاوب فيهما الأصوات والعطور؛ ألوانَ الجنة:

كان طه مذهولًا في حدائق فيلا ديست. كنَّا تقريبًا وحدنا، وكنَّا ننزل من شرفة إلى شرفة، ومن ينبوع إلى ينبوع؛ هذه الينابيع العديدة الشادية المفعمة حياةً. مياه في ألوان قوس قزح ونور موزع. لم تكن هناك أصوات أخرى سوى شدو عصفور، أو رنين جرس كنيسة مجاورة، كان أريج الصنوبر والأزهار والطحلب في كل مكان. كان طه يقتعد حجرًا كبيرًا، وتمتم حالمًا: حسنًا! لعل هذا الكاردينال لم يكن واثقًا كلَّ الثقة من فردوس السماء حتى صنع فردوسًا على الأرض!

الحياة مع طه

لم تكن الحياة مع طه سباقًا نحو السعادة؛ فمنذ السطور الأولى تتذكَّر سوزان كلمةَ الرجل الذي «تحمل اسمه»: «إننا لا نحيا لنكون سعداء.» وتعلِّق: «عندما يكون شأنُ المرء شأنَ طه، فإنه لا يعيش ليكون سعيدًا، وإنما لأداء ما طُلِب منه.» ثم تعود فيما بعدُ مرةً أخرى إلى هذه النقطة من أجل نفسها هذه المرة، وتستشهد بقول صديقة: «لقد كان عليكِ أن تضطلعي بهذه الرسالة.» ثم تعود إلى كلمة قالها طه: «لعل ما بيننا يفوق الحب.» لا شك أنه يجب علينا أن نقرأ في المقام الأول على هذا النحو هذه الذكريات باعتبارها قصةَ حبٍّ جميلةً وواسعةً بين كائنَيْن مختلفَيْن كثيرًا ومتَّحدَيْن كثيرًا. سيمة الحب تتكرر غالبًا، وغالبًا عند لحظة غياب المحبوب. ذات يوم، كان على سوزان أن تسافر إلى فرنسا لمدة ثلاثة أشهر، وفي مرة أخرى اشتغَلَ طه وحيدًا بالإسكندرية طوال الحرب. في كل مرةٍ بَدَا الفراق بلا نهاية، حتى ولو عثَرَ على كلماتِ حبٍّ صافٍ: «أحبكِ وأنتظركِ ولا أحيا إلا على هذا الانتظار (…) لم أكن أعتقد على الإطلاق بقدرتي على مثل هذا الحب …»

فيما وراء الفراق المؤقت أو النهائي، كان الألم غالب الحضور في هذه الصفحات، سواء أكان ذلك بسبب حساسية طه المتفاقمة وطبعه الميَّال إلى التحفُّظ أحيانًا، أم بسبب العقبات التي رسمت مساره، أم بسبب عدم الفهم أو الشتائم بل وكذلك المشكلات المالية التي يمكن أن نخمن تكرارها. وإذا كان الصرف المتعاقب من الوظيفة بالجامعة في سن الرشد سبَّبَ رقة حال حقيقية، فإن انعدام الأمن هذا يعود بالنسبة إلى الاثنين إلى طفولة وشباب عرفَا عدم الاستقرار المادي (لنذكر إفلاس الأب بالنسبة إلى سوزان، أو لدخل طه الضعيف الذي يتحدَّث عنه على امتداد الكتاب الثالث من «الأيام»). ومع ذلك، ثمة عذوبة وفرح وقلب طفل حتى لدى طه، ورقة تنعكس على صفحات كتاب «معك». حتى لو أمكن أن ندهش من أن سوزان تبدو أحيانًا وهي تعامله كما لو كان طفلًا حين تناديه «يا صغيري المسكين»، أو حين تقلق بلا سبب من بعض سلوكه في الحياة اليومية (في حين أنه كان يذهب إلى الجامعة، أو إلى العديد من الاجتماعات بصحبة أحدهم ولا شك ولكن من دونها)، فإن علاقتهما مفعمة بحنان كبير حين تذكر يدَيْه، وصوته، وهذه الجبهة الشديدة النبل التي «بقيت ملساءَ حتى الساعة الأخيرة.» ثمة نادرة تساوي ألف كلمة؛ فعلى الباخرة تحمل سوزان وقد ربطته إلى حزامها أغلى ما تملكه من مال — مخطوط «كتاب الأيام» — في صرَّة ظنَّ قبطان الباخرة خطأً أنها تحوي مجوهراتها. يبلغ ذلك كله الذروة في هذه الحركة عندَ الساعة الأخيرة: «أعطني يدك — وقبلها.»

وتعود سيمة السَّيْر كما لو أنها لازمةٌ في النص، كي تستعيد هي الأخرى حبهما: «كم توافقَتْ خطواتك مع خطواتي.» فالسير كطريقة في الانفتاح على العالم وفي التغلُّب على العقبات والآلام هو سيمة استهلال «كتاب الأيام»، سيرة طه حسين الذاتية المنيرة في ثلاثة أجزاء. كل شيء يجري كما لو أن الحياة كانت حجًّا طويلًا في حركة السير اللامتناهية والمطمئنة. تعترف سوزان على كل حال: «كنتُ أدهش دومًا للتحوُّل الذي ألاحظه على طه، وهو المتألم كثيرًا والكئيب أحيانًا، بمجرد أن نكون في سيارة أو على طريق؛ وكان يحدث أن نُضطر في أوج الفصل أن نُقِيمَ وقتًا في أماكن لم تكن هي التي كنَّا نريد البقاء فيها، وكان ذلك غالبًا في الجبال. كنتُ أذعر من المسافات الطويلة ومن الارتفاعات العالية، لكني كنتُ على خطأ؛ إذ لم يكن طه أحسن حالًا وأسعد نفسًا مما كان عليه في ممر «بوردوي Pordoi» أو «توناليه Tonale».» أو أيضًا: «أستطيع أن أضع في عداد الأفراح النادرة، تلك الأفراح التي منحتها الطبيعة له؛ فعلى امتداد ذكرياتي، هناك غابات ومروج وبحيرات وجبال وسهول وبحار (…) كنَّا نلقاها بفرح كما لو كنَّا سنلقى أصدقاء أعزاء، وهذا هو السبب في أنني أحاول أن أستمرَّ في الذكرى ماضية إلى لقاء بعض هذه الأماكن التي كان فيها سعيدًا. وقد بقي حتى النهاية يحبُّ — كلما اضطر للبقاء في السيارة — أن يكون على طريقٍ خالٍ ليستنشق الهواء الطلق والرياح.»

والأصدقاء الأعزاء «الحقيقيون» … يملئون هذه الصفحات؛ هناك أولًا حلقة الأصدقاء المقرَّبين: جان وريمون فرنسيس، ماري كحيل، كامل حسين، علي ومصطفى عبد الرازق اللذين نعثر في أحد الهوامش في الكتاب على موجز لسيرتهما؛ وهناك مَن يحيط بهما من المثقفين المصريين؛ وهناك أيضًا الأصدقاء والزملاء ممَّن يمرون بالقاهرة: لويس ماسينيون، ألكسندر كويريه وزوجته دو، أندريه جيد، جان كوكتو، أندريه لوت، هنري ميشو بل وكذلك طاغور وسنغور. وخلال الرحلات العديدة ندرك اتساع علاقات الزوجين: هناك المستشرقون بالطبع (ولا سيما بمناسبة المؤتمر الدولي للمستشرقين)، بل وكذلك العديد من المثقفين (روو، أونجاريتي، إلزا تريوليه … إلخ)، ورجال دين وشخصيات عامة (من الرئيس دومير إلى البابا بيوس الثاني عشر مرورًا بلابيرا) بمناسبة المؤتمرات أو تكريم طه حسين. وكما تشير سوزان: «حفلت سنوات ما بعد الحرب بلقاءات سعيدة.» ولأنها سيدة بيت ممتازة، فقد سهرت على أن تجعل من البيت لطيفًا ومُرَحِّبًا، ولا سيما من أجل لقاءات بعد ظهر الأحد. كانت غزارة هذه الزيارات تزعج أحيانًا سوزان التي كانت تفضِّل أن تحمي حياتهما العائلية، وأن تسمح لطه أن يستريح؛ ويبدو أن الرحلات الصيفية وحدها إلى فرنسا أولًا ثم إلى إيطاليا، كانت تسمح بهذه الراحة وهذا الاستجمام العائلي الذي تتحدَّث عنه سوزان في كتابها.

أَلَا يسعنا البقاء أيضًا فترةً أطول قليلًا؟

«أَلَا يسعنا البقاء أيضًا فترةً أطول قليلًا؟» هذا السؤال المُفجِع ذو الجواب المعروف الذي يتردَّد ثلاثَ مرات في النص، يصفُ اضطراب العاشقة المتيمة والضائعة. كيف يمكن إدامة اﻟ «نحن» عندما يكفُّ المُخاطب عن الوجود هنا؛ عندما يمَّحِي وجه المحبوب فإن حضوره هو الأكثر افتقادًا، ومن هنا هذا الأمل بلحظةٍ تمتدُّ، تعبِّر عنها بصورة رائعة هذه اﻟ «أيضًا»، كلمة الرغبة، التي نعثر عليها في كل صفحة تقريبًا، بل وأكثر في أغلب الأحيان من مختلف تصريفات الكلمة وحدها.

الصفحات الأخيرة محض قبول — تودُّ من الآن فصاعدًا أن تستقبل الذكريات «كأصدقاء» — حب حتى الذروة النهائية في المقاطع الأخيرة، والتي تبدو في آنٍ واحد الثناء الأقوى وتصعيدًا للعزلة في حبٍّ أبديٍّ تكشفه كلماتُ الغائب نفسه.

إن تكرر السير في الدرب حتى العودة إلى رامتان، «عودة إليك» حيث «كل خطوة، كل باب مفتوح، كل نظرة على قطعة أثاث؛ تستدعي ماضيًا لا أريد أن أصدق أنه ماضٍ.» لكنها عودة إلى سماء مصر، إلى النور كي «عبر عينيَّ المخضلتين بالدموع حيث يقاس مدى الحب، وأمام الهاوية المظلمة حيث يتأرجح كل شيء، (…) أرى (…) ابتسامتك المتحفظة، ابتسامتك المبهمة، الباسلة، (…) أرى من جديد ابتسامتك الرائعة.» فيما وراء ضروب الفراق كلها، وكل الآلام، فيما وراء الضحكات المجنونة والأيام الحالكة، والحملات الماكرة والسخرية المريرة، يمكن للحياة أن تجعل الإنسان سعيدًا، مرة أخرى وإلى الأبد.

في هذا الكتاب الصاخب بالأصوات، وبالموسيقى، وبزقزقة العصافير وهدير البحيرات، غالبًا ما يُذكَر الصمت، وإذا كان الموضوع أولًا هو «الصمت الحاسم»، «الصمت الفظيع» للموت وللغياب، والصمت المؤثِّر للجماهير الثكلى، ثم — بعد صفحاتٍ — طه الغارق في «صمتٍ شَرِسٍ مخيف» إثر وقوعه «فريسةَ إحدى النوبات السوداء»، فإنَّ سوزان تستدعي مرات عديدة وبشاعرية فيَّاضة صمتَ الطبيعة المهدئ؛ صمت غروب هادئ تتقاسمه مع طفلَيْها؛ جمال الجبال الصامت «لأن السيل والنبع، بعيدًا عن صخب الناس العابث، هما أيضًا بعض هذا الصمت»؛ «هدوء معجز» عصر يوم على الشاطئ في البندقية مع هذه العلامة التي لا يمكن أن تصدر إلا عن موسيقية وعن راهبة: «ما كان أجمل صمت البحيرة!»

زينه ويجان
برونو بونفار

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠