الفصل الثاني

الإطار الاجتماعي لعادات تناوُل الطعام

لا يطلب صِبية حي درام تشابل سلاطةَ الجمبري. ستطلبُ أنت حساءً. (جوك ستاين، من أهم مدرِّبي كرة القدم في إنجلترا)

كانت الاختلافات المحلية متأثِّرة تأثُّرًا شديدًا بالعوامل الجغرافية والمناخية، وقد ناقشتُ بعضَها بإيجازٍ في الفصل السابق، وغالبًا ما كانت العواملُ الاجتماعية والسياسية على القدر نفسه من الأهمية؛ لذا استفادت إسبرطة من وادي يوروتاس الخِصب، الذي يبدو أنه كان ينتج أنواعًا معينة من الخس والخيار والتين وغيرها من المحاصيل. ويبدو أن هذه الثروة الزراعية قد أدَّتْ إلى إقامةِ ولائم مترفة، وذلك بحسب قصيدة غير مكتملة كتَبَها الشاعرُ ألكمان الذي عاش في القرن السابع (الشذرة ١٩ للشاعر الغنائي اليوناني)، ولكن المناخ السياسي المادي في المدينة ذات الحكم الذاتي كان يتطلَّب فصْلَ الرجال المقاتلين عن عائلاتهم وفرْضَ نظامٍ غذائي متقشِّف صارم. يصف المؤلف الهلنستي ديكاركوس (استشهَدَ به أثينايوس) طبيعةَ المائدة الجماعية: يُقدَّم للجميع كعك الشعير ونبيذ وقطعة صغيرة من اللحم في الحساء الأسود الشهير، وربما يُقدَّم أيضًا زيتون أو جبن أو تين أو أرانب برية أو الحمام المطوَّق. يشير كُتَّاب آخَرون إلى إدخال أطعمة موسمية أيضًا إلى المائدة الجماعية، ويؤكِّدون أن الطيور والطرائد كانت تُقدَّم أيضًا. وكانت الوجبات الجماعية المخصَّصة للرجال أو «سوسيتيا» هي الظاهرة التي تلفت الانتباه، كما كانت تلفت الانتباه في كريت (يقدِّم أثينايوس مصادرَ للفكرة الثانية في كتابه). ويعرض ديكاركوس نظامًا كان مطبَّقًا في إسبرطة، وكان يستخدِم المنتجات الغذائية المحلية بنجاحٍ، ولكنَّ تطبيقَه كان يقتصر بصرامةٍ على نطاق البنية الاجتماعية. يبدو أن إسبرطة كانت من المدن ذات الحكم الذاتي، التي كان طعامها «متقشفًا» — بالمعنى الحديث — وليس مترفًا في العصر الكلاسيكي القديم. كانت إسبرطة تعارِضُ الترفَ بشدةٍ، كما يوضِّح أثينايوس حين نشَرَ مقالًا نقديًّا كتَبَه أحدُ مواطني مدينة سيباريس، الذي كانت مدينتُه أبرزَ مثالٍ للترف في الفِكْر القديم. ولا أقصد بذلك أن أقول إنهم كانوا محرومين من تناوُل غذاء مفيد، طالما كانت هناك أفكار واضحة عن الاحتياجات الغذائية للجنود في العصور القديمة (راجع ما يأتي)، ونستطيع أن نكون واثقين بأن الجيش الإسبرطي لم يخرج على معدة فارغة.

وعلى النقيض من ذلك، نجد أن معظم مساحة إقليم أتيكا ذو طبيعة صخرية وغير خصبة، والأراضي الزراعية الصالحة للزراعة فيه محدودة (راجع الفصل الأول). ولم يقف هذا النقص الزراعي عائقًا أمام تعمير مدينة كبيرة في ظلِّ حُكْمٍ استبدادي، ثم حُكْمٍ ديمقراطي. وكان قدْرٌ كبير من هذا التعمير يقوم على التطلُّع إلى خارج البلاد، وجلْبِ سلعٍ إلى أثينا كان يتعذَّر زراعتها فيها. وتأثَّرَ الكثير من المدن في البلدان الإغريقية والرومانية على نحوٍ مماثِل بالبنية الاجتماعية في كلٍّ منها، وبالأيديولوجيات القائمة على تلك البِنَى. وروما هي أكبر مثال على مدينةٍ أصبحَتْ رائدةً على مستوى العالَم بناءً على الفتوحات العسكرية في إيطاليا وخارجها، ومع ذلك كان أهل روما يرون (بعضهم على الأقل) أن هُوِيَّتَها تكمن في أصولها الزراعية البسيطة في وادي نهر التيبر.

أثَّرَتِ البِنى السياسية والاجتماعية تأثيرًا كبيرًا في الأطعمة التي كان يتناولها الناسُ وأساليب تناولها، وكان اللحم دومًا من الأطعمة التي تحظى بمكانة عالية نظرًا لتكلفة إنتاجه، ولكن كثيرًا ما كان للأطعمة الأخرى دورٌ كبير. وكان حجم المنازل وعددها من العوامل المهمة أيضًا — ما هي نسبة المساحة المخصَّصة للطهي وتناوُل الطعام في منازل مدينةٍ ما؟ — وشكل الغرف وأنواع الأثاث. وكثيرًا ما كانت أدواتُ المائدة والأثاث تصبُّ في خانة التفاخر الاجتماعي في الولائم على الأقل، شأنها شأن الأطعمة الجديدة وغير المعتادة. وكانت البِنى الاجتماعية هي التي تحدِّد أي الضيوف هم المناسبون وأيهم غير المناسبين، وهل يجوز دعوة النساء إلى مأدبة رسمية أم لا، وهل يتحقَّق مبدأ من المساواة بين حاضري المأدبة أم لا.

لدينا دراية أكبر في معظم المدن القديمة بعادات تناوُل الطعام لدى الأغنياء، ولكن هذا الفصل لن يركِّز باستمرارٍ على الطبقات الراقية وحدها؛ فالطعام كان يضمن (أو لم يضمن) بقاءَ جميع الناس على قيد الحياة، وكان على المستوى الاجتماعي أن يضع معالِمَ في دورةِ حياةِ غالبيةِ الناس مثل طقوس الميلاد والزواج والموت. وكانت الأطعمة تضع معالِمَ أيضًا في السنة الدينية والمناسبات العامة على مدار العام، وذلك في الولائم العامة والخاصة التي كان كثيرًا ما يشارك فيها كل المواطنين، وأحيانًا العبيد. وكانت المنزلة الاجتماعية عادةً ما تحدِّد نوعية الطعام الذي كان يتناوله الناس، ولكن كانت تحدِّده عواملُ أخرى أيضًا، وأهمها معدل الجهد المبذول في وظائف معينة كانت تتطلَّب نظامًا غذائيًّا يحتوي على سعراتٍ حرارية مرتفعة؛ ومن ثَمَّ، كان العمَّال المشتغلون بأعمال يدوية والعبيد والرياضيون والجنود يحتاجون إلى كمية طعام تفوق المعدل العادي، حتى يتسنَّى لهم أداءُ وظيفتهم الاجتماعية. ويوضِّح جالينوس — كما سنرى — أن الشخص العادي سيمرض إذا تناوَلَ الغذاءَ المخصَّص لرياضيٍّ أو لعامِل مشتغل بعمل يدوي.

ومن ثَمَّ، فإن تناول الطعام كان مترسخًا في النظام الاجتماعي في الثقافة الإغريقية الرومانية، كما في معظم الثقافات الأخرى. وكانت الوجبات تفصح عن المنزلة الاجتماعية الرفيعة أو عدم وجودها، ونادرًا ما كان يتناول أحدٌ طعامَه فحسب بطريقة محايدة اجتماعيًّا. سنلاحظ أن الفقراء كانوا على الأرجح يأكلون المنتجات الزراعية المحلية، بينما كان بوسع الأغنياء أن يضيفوا إلى النظام الغذائي التقليدي المنتجات المستوردة وأدوات المائدة المرتفعة الثمن. أما السمات الأخرى، فسيكون من الأصعب تمييزها؛ فتناول الطعام في الأماكن الخاصة والعامة ليس دائمًا أمرًا يسهل علينا فهمه. وفوق ذلك، كثيرًا ما يكون الفارق غير واضح بين تناولِ الطعام في مناسباتٍ دينية وتناولِ الطعام في مناسبات علمانية. يمتدح الكثير من النصوص القديمة التراثَ المتعلِّق بعادات تناول الطعام، وخصوصًا إذا كان يقترن بطقس ديني، وكثيرًا ما يصاحب هذا المديح انتقادٌ للأسواق وللتنمية التجارية. ومع ذلك — كما سنرى — كانت الأسواق ضروريةً لتوزيع الطعام، وأصبح النشاطُ التجاري جزءًا من توفير الأطعمة حتى للمعابد؛ ومن ثَمَّ، فإن بعض المناقشات الأكثر تطرُّفًا التي يبدو أنها تقوم على توجُّهات اجتماعية تنتمي في الواقع إلى النظرية الأخلاقية التي وضعها بعض الفلاسفة، وهو الموضوع الذي نناقشه في الفصل السابع.

يبدأ هذا الفصل بوصفٍ لإحدى المآدب يُعَدُّ من أكثر الأوصاف التي وصلَتْ إلينا من العصور القديمة اكتمالًا. وهذه المأدبة أيضًا هي — بحسب ما قاله أثينايوس — أكثر المآدب بذخًا التي شاهدها في ذلك التاريخ (حوالي سنة ٣٠٠ قبل الميلاد). وقد يكون أثينايوس محقًّا في ذلك أو غير محقٍّ، ولكن ما قاله يساعدنا على الأقل على تأمُّل تعريفه للبذخ وتصوُّر أي أمثلة أخرى مخالفة لذلك. يقدِّم هيبولوكوس المقدوني تفاصيلَ وليمةِ إفطارٍ بمناسبة حفل زفاف في خطابٍ لصديقه بالمراسلة لينسيوس من ساموس:

في مقدونيا — كما قلتُ — حين أقام كارانيوس وليمة زفافه، بلغ عدد الرجال المدعوين عشرين (أو مائة وعشرين)، وما إن اتَّكَئوا على الأرائك حتى قُدِّمت إلى كلٍّ منهم أقداح فضية كهدايا، وتُوِّج كلٌّ منهم أيضًا بعصابةِ رأسٍ ذهبية قبل دخول الغرفة، وكان ثمن كلِّ واحدةٍ منها خمسةَ دنانير مدينية ذهبية. وحين فرغت أقداحهم، قُدِّم إليهم صحنٌ برونزي ذو تصميم كورنيثي عليه رغيف من الخبز يماثِل حجمُه حجمَ الصحن، وكانت موضوعة فوقه كمياتٌ كبيرة من الدجاج والبط والحمام والإوزِّ، وتناوَلَ كلُّ ضيفٍ صحنه وناوَلَه — بكل ما عليه — إلى عبيده الجالسين خلفه، وقُدِّم الكثير من الأطباق الأخرى المتنوعة، وأعقبها صحنٌ فضي آخَر، كان عليه أيضًا رغيف كبير وإوزٌّ وأرانب برية وماعز صغيرة وأنواع أخرى من الخبز وطيور الحمام المطوق والحمام والحَجَل وكمية كبيرة من الطيور الأخرى. ويقول: «منحنا هذه أيضًا لعبيدنا، وحين شبعنا غسلنا أيدينا، ثم قدَّموا إلينا الكثيرَ من الأكاليل من كلِّ أنواع الزهور، وفوق ذلك كله قدَّموا إلينا تيجانًا ذهبية صغيرة يبلغ وزنها وزنَ التاج الأول.»

يقول هيبولوكوس إنه علاوةً على ذلك كله، فإن بروتياس — سليل بروتياس ابن لانيس مربية الإسكندر — كان يسرف في شرب الخمر (وكان يُعرَف عنه ميله للإسراف في شرب الخمر مثل جده بروتياس الذي كان يرافق الإسكندر) وشرب نخب الجميع. ثم يكتب هيبولوكوس ما يأتي: «حين سكرنا، أسرعَتْ إلى الغرفة عازفاتُ الناي ومعهن الموسيقيات وعازفات السامبوكا من رودس. وخلتهن عاريات، ولكن الناس أخبروني أنهن كنَّ يرتدين سترات قصيرة بلا أكمام. وأخذْنَ يغنين أغنيةً افتتاحية ثم انصرفْنَ. وجاءت فتياتٌ أخريات تحمل كل واحدة منهن جرتين من صمغ المرِّ مربوطتين معًا بشريط ذهبي، وكانت إحداهما من الفضة والأخرى من الذهب؛ وكانتا بحجم وحدة القياس المعروفة ﺑ «قوطولي»؛ ثم قدِّمْنَ هذه الجِرار لكل ضيف. وكان ما تلا ذلك عبارة عن إعلان عن الثراء أكثر ممَّا كان مأدبة عشاء؛ رأيتُ صحنًا فضيًّا مطليًّا بالذهب إلى درجة سُمْك كبيرة، وكان حجمه كبيرًا ويتسع لخنزير مشوي كامل، بل كان الصحن يحمل خنزيرًا كبيرًا أيضًا، وكان ممددًا على ظَهْرِه فظَهَرَ للناظرين أن بطنه يمتلئ بالكثير من المأكولات اللذيذة؛ إذ كان محشوًّا بطيور السُّمان المشوي والبط المشوي …»

•••

وتمضي القصة لتحكي عن المزيد من شرب الخمر والمزيد من صحون اللحم ووسائل الترفيه (بما في ذلك المشاهد التمثيلية الحية) والمزيد من الهدايا الفاخرة (للاستزادة وللاطِّلاعِ على الترجمة والتعليقات المتعلقة بها، راجع دالبي ١٩٨٨) ويقارن هيبولوكوس بالتحديد بين هذه الوليمة والطعام الشحيح الذي يُقدَّم في الأعياد الأثينية ومدارس الفلسفة في أثينا.

إنَّ مناسبات تناول الطعام من المناسبات المميزة، وسأناقشُ حفلات الزفاف باستفاضة فيما يأتي؛ فتوقيتُ تناول الطعام ومكانه من العوامل المهمة للغاية. وشهدت أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الثالث قبل الميلاد تغيُّراتٍ كبيرة في عاداتِ تناوُلِ الطعام بالتوازي مع التغيُّر الاجتماعي والسياسي، وحين أصبحت المدنُ ذاتُ الحكم الذاتي في البلدان الإغريقية واقعةً تحت هيمنة المقدونيين وخلفاء الإسكندر الأكبر، أو خاضعة لحكمهم بالكامل؛ بدأ يتضح تأثير العادات المقدونية. وبمرور الزمن، لما أخذت الممالك التي حلَّت محلَّ تلك المدن تعزِّز مكانتها ويتنافس بعضها مع بعضٍ على السلطة والفخامة، بدأَتْ صورُ تناوُلِ الطعام تتغيَّر: ويخبرنا أثينايوس في مقدمته لهذه الفقرة أن هيبولوكوس ولينسيوس تبادلا مجموعة من الرسائل يصفان فيها المآدب التي حضرها خلفاء الإسكندر الأكبر، وفي إحدى الرسائل — وهي مفقودة الآن — وصفَ لينسيوس الاحتفالَ بعيد أفروديت في أثينا بحضور الملك أنتيجونوس (من النبلاء المقدونيين)، بينما كان الملك بطليموس (ربما بطليموس الثاني: راجع دالبي ٢٠٠٠: ٣٧٤) يحضر مأدبة أيضًا في أثينا. ووصفت رسالة أخرى مأدبة عشاء للحاكِم المقدوني لأثينا ديميتريوس بوليوركيتيس (أو «مقتحِم المدن»)، أقامَتْها عشيقته المحظية لاميا (للاطِّلاع على تفاصيل هذه المأدبة — التي ربما أُقِيمت في ماخور — راجع دالبي في الموضع المشار إليه آنفًا). وكان خلفاء الإسكندر الأكبر يبسطون نفوذهم على منطقة شرق البحر المتوسط بالمعنى السياسي، ولكنهم بمعنى ثقافي أكبر عزَّزوا تلك السلطة بالسفر إلى أثينا لتناول الطعام أحيانًا في أحد الأعياد، وأحيانًا في مناسبة غير دينية. وهذا المزج بين السلطة المقدونية وتناول الطعام في أجواءٍ احتفالية في المدينة الإغريقية ذات الحكم الذاتي يشبه عيد البطلميا — الذي أنشأه بطليموس الثاني وأرسينوي في الإسكندرية تكريمًا لبطليموس الأول — ولكنه كان مأخوذًا جزئيًّا من نموذج احتفالات ديونيسيا التي كانت تقام في المدن ذات الحكم الذاتي مثل أثينا (راجع الفصل الثالث). والبطلميا من الأحداث التي سجَّلَها أثينايوس أيضًا، ونناقِشُ اهتمامَه بهذه الأحداث فيما يأتي.

(١) القرن السابق لمأدبة كارانيوس

تأتي عادات تناول الطعام المتأثرة بأكثر من بلدٍ، التي اتبعها خلفاء الإسكندر الأكبر، في أواخر قرنٍ يبدو أنه مهم للغاية في تاريخ عادات تناول الطعام القديمة. ففي أواخر القرن السابق (٤٠٥ قبل الميلاد) وضع أريستوفان على لسان ديونيسوس كلامًا يعتمد على التلاعب بالألفاظ في مسرحيته «الضفادع» (٨٥)، يساوي فيه بين تناوُلِ الطعام مع المقدونيين والتصوُّرِ المثالي لتناول الطعام مع الأتقياء ممَّن فارقوا الحياة. ويفصح عدد من المآدب الفاخرة (من غير المعروف إنْ كانَتْ من وحي الخيال أم لا) التي كانت تُقدَّم في أثينا خلال هذه الفترة؛ عن التأثيرات الوافدة من مقدونيا وتراقيا. يحكي وصف هزلي يَرِد في مسرحية «بروتيسيلاوس» (الشذرة ٤١) من تأليف أناكساندريديس عن مأدبة أثينية تتفوَّق على وليمة زفاف باذخة أُقِيمت للأثيني إفيكراتيس، وأقامها أبو العروس، وهو كوتيس ملك تراقيا. وتؤكِّد نصوصٌ أخرى أن الصفوة في أثينا كانت تُولِّي وجهها شمالًا عند تقديم أصنافٍ من الأطعمة في المآدب بغرض التنافس. وفيما يبدو، فقد أثَّرَ مواطنو تراقيا بأدوات المائدة التي اشتُهِروا بها، والمقدونيون بمنازلهم الفخمة وعاداتهم المتعلقة بالقنص وأكل اللحوم؛ في جيرانهم الجنوبيين. ويتضح في الأدب الأثيني مدى التعارض بين أيديولوجيةٍ قائمةٍ على الفقر النسبي والبساطة، وبين الرغبة في التنافس لدى الأغنياء لتقليد عادات مقدونيا بوصفها قوةً ناشئةً. ويصف نيسيماكوس — وهو شاعر هزلي أثيني آخَر من القرن الرابع — وليمةً فخمةً في مسرحيته «مربي الخيول»، يظهر فيها أحد أفراد سلاح الفرسان في أثينا وهو يتناول طعامًا أبعد ما يكون عن البساطة، في قاعاتٍ سقْفُها مصنوعٌ من خشب الأَرْز تُذكِّر بقصور مقدونيا. ولدينا من الفترة نفسها أيضًا قصيدة «العشاء الأتيكي» من تأليف ماترو من بيتان، وهي محاكاة ملحمية ساخرة تصف في قالب شعري مأدبة فاخرة في أثينا. وبدأت هذه التباشيرُ الأولى في الكتابة تظهر بوضوحٍ أكثر بكثير في أواخر القرن، حين بسط المقدونيون سيطرتَهم على البلدان الإغريقية، وأخذت المآدبُ تقام في أثينا من أجلهم، بحسب الوصف الوارد في رسائل هيبولوكوس.

وكان للتطورات التي شهدتها صقلية في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد تأثيرُها كذلك؛ ففي صقلية أيضًا كانت هناك قصورٌ جمعَتْ بين الأراضي الزراعية الخصبة وآكلي الطعام ذوي الحس المميِّز ممَّن يأكلون باستمتاعٍ. وذكر ساتيروس في كتابه «حيوات» (= أثينايوس ١٢، ٥٤١) أن الطاغية السيراقوسي ديونيسوس الثاني كانت لديه مجموعةٌ من الغُرَف في قصره تحتوي على ثلاثين أريكة، وبالإضافة إلى هذه السعة المكانية الهائلة، كان ثمة اعتقادٌ شائع بين الناس أن الطاغية يحظى بقدر لا محدود من المُتَع (١، ١٧–٢٣). ويتحدَّث زينوفون في حواره المعنون ﺑ «هاييرو» — الذي سُمِّي على اسم الطاغية السيراقوسي الذي حكم في القرن الخامس قبل الميلاد — عن الذائقة المُتخَمة للطاغية بعد أنْ سَئِم الأطعمةَ المتقنةَ الصُّنْع والنكهات الحريفة واللاذعة، وسَئِم سهولةَ توافُر الموائد الزاخرة بألوان الطعام، على النقيض من المواطن العادي الذي لا يحصل على الأكلات اللذيذة المميزة إلا في الأعياد. وجاءت من صقلية أوائل كُتُبٍ للطهي باللغة الإغريقية — وهي الكتب التي ألَّفها ميثاكوس وأركستراتوس — وجاءت منها كذلك ثقافةٌ كانت تروِّج للمتعة. يقدِّم أركستراتوس وصفاتٍ مُحضَّرةً بنكهاتٍ حريفة ولاذعة («أوكسيا» و«دريميا»، في الشذرات ٩ و٢٣ و٢٤ و٣٧ و٣٨، أولسون وسينس ٢٠٠٠)، تشبه الوصفات التي وردت في كتاب زينوفون «هاييرو». ويبدو أن هذه المُتَع قد صُدِّرت إلى البر الرئيسي لليونان؛ حيث يظهر الطهاة مثلًا (وبعضهم من صقلية) في أثينا، حسبما يذكر كلٌّ من أفلاطون («الجمهورية» ٣٧٣، ٤)، والأطباء أتباع مدرسة أبُقراط («الحِمْيَة ١»)، وزينوفون («التذكارات» ٢، ١، ٣٠)، وعدد من المسرحيات الكوميدية الأتيكية (راجع ويلكنز ٢٠٠٠، الفصل السابع). ولم يكن هؤلاء الطهاة الأثينيون ملتحقين بالعمل في القصور، بل كانوا يعرضون خدماتهم في السوق أو في أماكن أخرى؛ ومن ثَمَّ، كان بوسع المواطنين الأغنياء تقديمُ طعامٍ فاخر يميِّزهم عن غيرهم من أفراد الطبقة الراقية، ويوفر عنصرَ التباهي القائم على المنافسة. وكان بوسع هؤلاء المواطنين تحمُّلُ تكلفةِ تشغيلِ موظفين إضافيين بالإضافة إلى العبيد والخَدَم المُكلَّفين عادةً بإعداد الطعام في منازلهم. ويبدو أن عادة استئجار الطهاة قد ظهرت في القرن الرابع قبل الميلاد، فضلًا عن غير ذلك من سمات الترف الواردة في الفصل السابع.

يحمل هؤلاء الطهاة في جعبتهم الكثيرَ من الحكايات التي يحكونها بأنفسهم في المسرحيات الكوميدية الإغريقية، وهم من الشخصيات النمطية مثل المَحظية والمتطفِّل. وهم يعبِّرون على الأرجح عن واقعٍ اجتماعيٍّ إلى حدٍّ ما، ولكن غالبًا ما يستخدمهم الشعراءُ الهزليون للجمْعِ بين حرارة المطبخ وبلاغة وفخامة غرفة الطعام؛ إذ يظهر الطاهي وهو يتحدَّث عدةَ مراتٍ عن مهاراته الممتازة، على نحوٍ أشبه بما يفعله طاهٍ في برنامج تليفزيوني أو صاحبُ مطعمٍ في العصر الحديث؛ فلديهم التوليفةُ نفسها التي تجمع بين مهارات الإعداد والطهي وبين الادِّعاءات الرنَّانة والمال الوفير. ولكن إذا تأمَّلْنا زبائنَ هؤلاء الطهاة المستأجرين، نجد أنهم يختارون تشغيلَ خبراء في الطهي بدلًا من عبيدهم هم، ويختارون التباهي بقدرتهم على الحصول على صور الطهي الجديدة وربما الأجنبية. وأركستراتوس نموذجٌ لافت للغاية بوصفه نتاجًا لهذا القرن، الذي تأتي في نهايته الولائمُ التي أقامها الملوك ممَّن جاءوا بعد الإسكندر الأكبر كما ناقشنا فيما سَبَق، وكذلك هو مَن استهلَّ كلَّ الجوانب الأخرى للسلطة الملكية في الحِقْبة الهلنستية.

كان أركستراتوس من جيلا في صقلية، وألَّفَ قصيدةً من الشعر الملحمي اسمها «هيدوباثيا» أو («حياة الترف»)؛ وهي قصيدة هزلية ولكنها تستحق مكانةً مميزةً أيضًا، وتتحدَّث إلى قارئٍ من المتصوَّر أنه يسافر في أنحاء البلدان المطِلَّة على البحر المتوسط بحثًا عن أفضل أنواع الأسماك وغيرها من الأطعمة، ويرفض الأطعمة غير المرتفعة الثمن بفظاظةٍ؛ إذ يُميِّز بين متناولي الطعام المفضَّلين لديه وبين مَن يتناولون أطباقًا جانبيةً من الخضراوات على اختلافِ أنواعها (الشذرة ٩ أولسون وسينس)، ويرفض «كلَّ أصناف الحلوى الأخرى التي تدل على الفقر المُدْقِع، وكذلك الحمص المسلوق والفول الأخضر والتفاح والتين المجفَّف» (الشذرة ٦٠، ١٣–١٥ أولسون وسينس، ترجمه إلى الإنجليزية: ويلكنز).

يُعَدُّ أركستراتوس جزءًا من هذا التوسُّع الواضح في عادات تناول الطعام الراقية في القرن الرابع قبل الميلاد، ولم تكن قصيدته عن الطهي والسفر هي الأولى من نوعها؛ إذ كان ثمة صقلي آخَر — هو ميثاكوس — قد ألَّفَ من قبله كتابَ طهْيٍ نثرًا. وظهر على الأرجح — كما رأينا — المزيد من عادات تناوُل الطعام القائمة على التفاخر في البلدان الإغريقية في مدن جنوبي إيطاليا ومدن صقلية؛ حيث كانت قصور الحكَّام المستبدين توفِّر الظروفَ الضرورية لإنتاج الكتب التي تتناول الطهي. ويوضح جودي (١٩٨٢) أن تلك الظروف تتضمَّن وجودَ فائضٍ زراعي، ومجموعةٍ من الآكلين يتَّصِفون بحُسْن التمييز وقد يفضِّلون طريقةَ تحضيرٍ معينة على أخرى، وأخيرًا الكتابة. وفي الغالب، فإن الظرف الأخير هو الذي أدَّى إلى ظهور كتب الطهي في عام ٤٠٠ قبل الميلاد تقريبًا، وليس في القرن السادس حين كانت المدن الغنية مثل سيباريس وكروتون في فترة ازدهار. ولم يؤلف أحدٌ الأبحاثَ المصاغة نثرًا عن أيِّ موضوعٍ قبل منتصف القرن الخامس، وجاءت في صدارة تلك الأبحاثِ الأبحاثُ الطبية والأعمالُ الفلسفية العلمية من تأليف أبقراط. وبالإضافة إلى النصوص، كان هؤلاء الطهاة المحترفون مستعِدِّين للعمل بالأجر. ولم تكن توجد مطاعم في العالَم القديم، وكان الناس عادةً يتناوبون تناوُلَ الطعام بعضهم في بيوتِ بعضٍ، على نحوٍ أشبه بالمجتمعات الأرستقراطية في أوروبا قبل أوائل القرن التاسع عشر عند بدء ظهور المطاعم. وفي ظل عدم وجود مطاعم، كان المُوسِرون في العصور القديمة يستعينون بطبَّاخ يصبح مكلَّفًا بشراء الطعام وتحضيره وتقديمه، وذلك بمساعدة العبيد المقيمين في منزل الأسرة أو مساعديه. ويظهر مصطلح «هيدوباثيا» أو «تجربة المتعة» أو «حياة الترف» — وهو في الواقع عنوان قصيدة أركستراتوس — لأول مرة في أبحاث زينوفون ويتعلَّق بشراء الأطعمة الراقية وغير ذلك من الأنشطة الممتعة. ثم يُلاحَظ زيادة الاهتمام أيضًا بالمخاطر الاجتماعية «للترف» بدءًا من أواخر القرن الخامس فصاعدًا، خاصةً في نصوص مؤرِّخي القرن الرابع أمثال ثيوبومبوس وطيمايوس؛ لذا كانت البلدان الإغريقية في القرن الرابع مستعِدَّة لتدفُّق الثراء المقدوني حين أخذ فيليب الثاني والإسكندر الأكبر يبسطان سيطرتهما على المدن الإغريقية. كانت المآدب المقدونية تُوصَف أحيانًا بأنها متأثِّرة بالطابع العسكري؛ فتصف الشذرة (٧) من مسرحيةٍ كوميدية أثينية — وهي مسرحية «فيليب» من تأليف نيسيماكوس (تتحدَّث عن فيليب الثاني ملك مقدونيا على ما يبدو) — مأدبةً مقدونيةً تشهد خلطًا بين الرماح والأسلحة، وبين أصناف الطعام وقِطَع الأثاث. ومن الجائز أيضًا أن أركستراتوس حين نصح بأنْ يقتصر حاضرو المأدبة على عددٍ قليلٍ لتجنُّب ما يسمِّيه جلوسَ مجموعةٍ هائلة من الجنود المرتزقة إلى المائدة (الشذرة ٤، أولسون وسينس)، كان يقصد المقدونيين:

لا بد أن يتناول الجميع الطعام على مائدة واحدة مجهَّزة لمأدبة أنيقة. وَلْيكن العددُ الكليُّ للحاضرين ثلاثة أو أربعة، أو لا يزيد بأي حال عن خمسة، أما إذا تجاوَزَ العدد ذلك فستصبح لديك مجموعةٌ من جنود المرتزقة الجَشِعين.

ولكنْ كان الجنود المرتزقة من السمات السائدة في المناطق التي تفتقر إلى الاستقرار في البلدان الإغريقية بصفةٍ عامةٍ في القرن الرابع قبل الميلاد.

يولي أركستراتوس اهتمامًا بالأسماك؛ فهو ينتمي إلى فئة صفوة الآكلين ممَّن يفضِّلون النظام الغذائي الذي يحتوي على نسبة بروتينات مرتفعة، ولكنها صفوة أنيقة تمتدح الأناقة البسيطة التي تميِّز الخبزَ وأصنافَ المأكولات المصنوعة من الشعير وأفضل أنواع الأسماك المضافة إليها نكهات خفيفة. وهو يتجاهل الطهاة الصقليين (وهم الطهاة الذين ربطتُ بينهم وبين قصور الطغاة) الذين كانوا يضيفون نكهات الجبن إلى الأسماك؛ ومن ثَمَّ، كانت هناك درجات من عادات تناول الطعام الجيدة، كما هي الحال في الكثير من أساليب الطهي الحديثة، وبعضُ الدرجات كانت تركِّز على التفاخُر بالثروة، مثل كارانيوس؛ وكانت تركز درجاتٌ أخرى على النكهات المُركبة والغنية (وهي النكهات التي انتقدها أركستراتوس)؛ بينما كانت تسعى درجات أخرى إلى الأناقة والبساطة (للاستزادة، راجع ويلكنز وهيل ١٩٩٤: ٢١–٢٤، أولسون وسينس ٢٠٠٠).

تُعَدُّ البساطةُ، بصفتها فئةً فرعيةً من المآدب الأنيقة، من السمات المهمة في عادات تناول الطعام الرسمية في الكثير من العصور، بما في ذلك العصر الحالي، كما يناقش شون هيل في مقدمته؛ فالبساطة تتغلغل أيضًا في الكثير من الكتابات الأدبية التي تتناول الطعام. كما سنرى في الفصل التاسع، يصوِّر أريستوفان أسلوبَ الحياة الريفية على أنه مثالي ولم يتلوَّث بمال المدينة الذي يتسبَّب في الفساد، في حين أننا نجد أن الشعر الوعظي من تأليف هوراس وجوفينال وأوفيد وكذلك الشاعر الذي كان يُنسَب شعره إلى فيرجيل؛ يصرِّح بأن عادات تناول الطعام الراقية موجودةٌ لدى الريفيين من الرومان.

(٢) القرون التي أعقبت كارانيوس

بعد أن تناولتُ بإيجازٍ القرنَ السابق للإسكندر الأكبر، أبدأ الآن بتناول تأثير هذه التطورات على روما، ثم الصورة التي يرسمها أثينايوس لنا بكل هذه المواد المتاحة لديه. وسيعزِّز هذا من الاهتمام الذي نوجِّهه للعادات المتَّبَعة في تناول الطعام لدى الطبقة الراقية؛ إذ إن لها تأثيرًا في معظم الثقافات يتجاوز بكثيرٍ نسبتَها من السكان. ثم أنتقل للحديث عن غالبية السكان بعد ذلك.

فالقصور الملكية الفاخرة التي كان يسكنها ملوكُ الحِقْبة الهلنستية — مثل السلوقيين والبطالمة الذين جاءوا فيما بعدُ — ظلَّتْ تحرص على مظاهر الإسراف، بما في ذلك الولائم. ويتضح الطابع التنافسي لتلك الولائم — بفضل أثينايوس مرة أخرى — حين ظهر منافس جديد، وهو مدينة روما الناشئة؛ ففي القرن الثاني قبل الميلاد، تمكَّنَتْ روما من غزو مقدونيا القديمة، وأقام القائد العسكري إميليوس باولوس ألعابًا مبهرة. ويحكي أثينايوس (مستشهدًا ببوليبيوس) أن الملك السلوقي أنطيوخوس الرابع الظاهر أقام مهرجانًا باهرًا في المنتزه الملكي في دافني بالقرب من مدينة أنطاكية؛ إذ لم يكن يرغب في أن يفوقه أحدٌ. كان المهرجان يحتوي على عرض رائع لأسلحة من تراقيا ومقدونيا وروما، وأعقبت ذلك صورٌ مقدسة، وحيواناتٌ مخصَّصة لتكون قرابين، ونساءٌ يركبْنَ هوادج مُزيَّنة بمعادن نفيسة ومُعطَّرة بزيوت غالية مثل زيوت الزعفران والحلبة ونباتات أخرى، وولائمُ تسع ١٠٠٠ أو ١٥٠٠ أريكة ثلاثية المقاعد.

وأدت هذه العروض إلى انتشار مظاهر التفاخر بالثروة التي ظهرت في الانتصارات الرومانية التي تحقَّقَتْ لاحقًا؛ فمن ناحيةٍ، كان يُنظَر إلى هذه العروض على أنها غير رومانية (راجع الفصل السابع)، ولكنها من ناحيةٍ أخرى كانت تبشِّر بمواكب استعراض الثراء والولائم التي كانت تفوقها بكثير في روما التي أتَتْ في نهاية المطاف بأنماطِ تناوُل الطعام ذات الطابع الإمبراطوري في عهد الإمبراطور أغسطس وخلفائه. وثمة نقطتان إضافيتان، نتناولهما لاحقًا في هذا الفصل؛ أولًا: تدور معظم المناقشة حتى الآن حول الحكَّام، فلا بد أن نتناول أيضًا الطبقات الراقية المُولعة بالتنافس والموجودة في المدن الإغريقية والرومانية. ثانيًا: كثيرًا ما تكون الولائم وغيرها من أنماط تناوُل الطعام عبارة عن فئة فرعية من مظاهر أخرى للتفاخر بالثراء؛ مثل: سكنى القصور، أو أدوات المائدة الفضية والذهبية، أو وجود حاشية كبيرة من العبيد. وربما كان التنافس في عادات تناول الطعام تلبِّيه مظاهرُ التفاخُر بالثراء هذه بدلًا من التطورات المتعلِّقة بالطعام نفسه.

(٣) أثينايوس متحدِّثًا عن الاندماج الإغريقي الروماني

يمكننا أن نتتبَّع التأثيرَ الإغريقي على روما بطريقة أخرى، وذلك من خلال العرض الذي يقدِّمه أثينايوس؛ فالرسالة التي كتَبَها هيبولوكوس التي تصف مأدبةَ كارانيوس من الوثائق المفيدة للغاية، وقد حافَظَ عليها أثينايوس جزئيًّا لندرتها (من الممكن أن نضاهي ذلك بقدرته الفريدة على الحفاظ على نصوص لأركستراتوس وماترو وعدد من النصوص الهزلية التي تصف المآدب)، ولكن تلك الندرة لها أهمية خاصة. والكثير من النصوص لا تصف باستفاضةٍ مجموعةَ الأطباق الهائلة التي كانت تُقدَّم في المآدب الرسمية؛ فالتفاصيلُ تفقد جاذبيتَها بعد برهة، إلا في حالةِ إضافةِ عناصر جذْبٍ تعتمد على اللهجة الساخرة أو أي أسلوب سردي آخَر، وهذا هو ما يهدف إليه بيترونيوس في عشاء تريمالكيو الذي نناقشه في الفصل التاسع؛ ففي هذا النص نجد راويًا أقل درجةً من الراوي العليم بكل شيء يضيف مزيدًا من الفكاهة إلى حماقات المضيف. ويوجد فعلًا عنصر مشابه في الأسلوب السردي الذي ينتهجه هيبولوكوس، فهو ليس الراوي العليم بكل شيء، بل يكون بحاجة إلى آراء الآخرين (عن موضوع الملابس الشفافة التي يرتديها الموسيقيون). ولكن النص يقدِّم لنا الكثيرَ من التفاصيل؛ إذ يُقدَّم الكثير من أطباق اللحم والطيور الرئيسية. ولا نجد ما يشبه هذا كثيرًا في النصوص الواردة من المدن الإغريقية في الحقب القديمة، ولكنه موجودٌ في الولائم الرومانية، بما فيها عشاء تريمالكيو؛ إذ يُقدَّم فيه خنزير مشوي محشوٌّ بالطيور والبقول والمأكولات البحرية. ومن العادات التي تظهر أيضًا في الولائم الرومانية حَشْوُ حيوانٍ بحيوانٍ آخَر. وتأتي إشارات كثيرة للخبز ومنتجات الحبوب. أُقِيمت مأدبة كارانيوس بمناسبة حفل زفاف، وربما لذلك تَسلَّمَ الضيوفُ الكثيرَ من الهدايا، ومن الواضح أن هذه الأمور من العادات المميزة والمنتشرة، ويعجُّ النص بعددٍ من الإشارات إلى مظاهر الثراء والهدايا الفاخرة. وهذه المأدبة من المآدب القائمة على توزيع الطعام، وهو ما يتطلَّب مزيدًا من المناقشة، ما دام توزيعُ الطعام — سواء أكان بمعرفة المدينةِ ذات الحكم الذاتي أم فاعلِ خيرٍ — كان في فتراتٍ كثيرةٍ صورةً من صور تأكيد الذات والنفوذ السياسي. ثم نجد اهتمامًا شديدًا بالأثاث عامةً وأثاث المائدة وحجم الصحون والمعدن الذي صُنِعت منه. والغرفة التي تقام فيها المأدبة مُعَدَّة خصوصًا بحيث تكشف عن سماتٍ كانت تُخْفِيها الأقمشةُ من قبلُ؛ ففي العصر الروماني، كانت الأشكال الميكانيكية من هذا الاختراع من السمات المعتادة في المآدب الفاخرة، وتحدَّثَ عنها سينيكا وبيترونيوس، واستخدمها نيرون في قصره المسمى «القصر الذهبي»؛ وهذه المعلومة أيضًا تتطلَّب مزيدًا من التحليل. ويتخلل المأدبة قدرٌ كبير من الترفيه، ونجد مقارنات بين ذلك وبين الميل للاقتصاد المعروف عن أثينا، ونجد عدة بدايات جديدة، حين يُؤتَى بالماء والأكاليل، وهذه أيضًا من التفاصيل التي أناقشها فيما يلي. ثم يُقدَّم النبيذ للضيوف فورَ وصولهم، وهو أهم ما في المأدبة؛ فهذه العادة تشبه العادات الواردة في الملاحم التي ألَّفَها هوميروس، ولكن جرى العُرْف على أن احتساء الخمر (في جلسة الشراب) كان يعقب المرحلة المخصَّصة للطعام من المأدبة الإغريقية (أي الديبنون). وأناقشُ فيما يأتي الترتيبَ المحتملَ للطعام والشراب في المأدبة الإغريقية. وعلى أي حال، تشبه العادةُ المقدونية العادةَ الرومانية، وتشبه كذلك العادةَ التي كان يتبعها أثينايوس في المآدب التي أقامها لضيوفِه الحكماءِ في كتابه «مأدبة الحكماء» أو «ديبنوسوفيستاي». ولا يقول أثينايوس صراحةً إن عادات تناول الطعام الرومانية كانت متأثِّرة بشدة بالمقدونيين أكثر من تأثُّرها بالولايات الإغريقية الصغيرة، ولكنه ربما يشير إلى ذلك بوضْعِ مأدبةِ كارانيوس في صدارةِ كتابه الذي يتناول المآدب (الجزء الرابع). ويقدِّم الطاهي في «مأدبة الحكماء» أيضًا خنزيرًا محشوًّا يشبه إلى حدٍّ كبيرٍ الخنزير الذي قدَّمَه كارانيوس في مأدبته (وهي المعلومة المذكورة في دالبي ١٩٨٨)، مع أنه من الجائز أن تكون هذه إشارةً ضمنيةً أو توريةً أدبيةً استخدَمَها أثينايوس أكثر من كونها تعبيرًا عن العادات الرومانية.

ويلفت أثينايوس أيضًا الانتباه — كما رأينا — إلى التباين مع أثينا، ويقارن تأثيرَ مقدونيا القديمة على الملوك المتنافسين في البلدان الهلنستية، الذين كان الكثير منهم قادة عسكريين مقدونيين وكانوا هم خلفاء الإسكندر الأكبر. والسمة اللافتة الأخيرة في مأدبة كارانيوس هي نفخ البوق في ختام المأدبة، وهو ما يعلِّق هيبولوكوس عليه بأنه من العادات المقدونية في المآدب الكبيرة (يحضر هذه المأدبة عشرون مدعوًّا). ويأتي استعمالٌ مشابِهٌ للبوق في مأدبة تريمالكيو، وهذه العادة مشهودة في أماكن أخرى من الثقافة الرومانية، خصوصًا في البيئة العسكرية. وذكرنا في بداية الفصلِ الفخامةَ الفريدةَ التي تتَّسِم بها مأدبةُ هيبولوكوس، وتلك الفخامةُ هي على وجه التحديد السمة المميزة للمآدب التي أقامها لارينسيس، المضيفُ الروماني، للمدعوِّين إلى مأدبة الحكماء الواردة في المآدب الخيالية التي يرويها أثينايوس في نهاية الفترة التي نتناولها. وللاطِّلاع على هذه الموضوعات في كتاب أثينايوس، راجع الصفحات ٢٧ و٢٧٤-٢٧٥، ودالبي ١٩٩٦: ١٥٢–١٨٣.

(٤) عادات تناول الطعام والنظام الغذائي لدى السواد الأعظم من السكان

تتسم البنى الديموغرافية للمدن والمناطق الريفية القديمة بالتنوع والتعقيد والتغير على مدار الزمن، ولأغراض هذا الكتاب نجد أن أفضل مناقشةٍ لها تَرِد في المقالات التي جمعها جارنسي (١٩٩٨)، وهي واردة في قائمة المراجع المرفَقة في الكتاب. كثيرًا ما تقسِّم النصوصُ القديمة فئاتِ السكان تقسيمًا نسبيًّا إلى الفئات الأغنى والأفقر، أو الفئات الأفضل والأسوأ في المجتمع. حين نشير في هذا الكتاب إلى الطبقات الراقية في الحَضَر، فإننا نقصد أقل من ١٠ بالمائة من السكان، أما بخصوص النسبة البالغة ٩٠ بالمائة فأكثر، فقد عاش بعض هذا العدد في ظروفٍ أفضل بكثيرٍ من غيرهم، في كلٍّ من الحَضَر والريف. وكان من الشائع أنه عند تعرُّض مؤن الطعام المخصَّصة للسكان للخطر — وهي من الحالات التي لم تكن نادرةً، كما يوضِّح كلٌّ من جالينوس وجارنسي (١٩٨٨، ١٩٩٨) — كانت غالبًا ما تضرب المجاعاتُ الريفَ قبل الحَضَر، والفقراءَ قبل الأغنياء. أما بخصوص الطبقات الراقية، فإن أهم مخاطر المجاعات لم تكن تهدِّد مؤنَ الطعام المُخصَّصة لهم، بل كانت تهدِّد الاستقرار السياسي.

كانت غالبية السكان القدماء تقاسي شظف العيش إما كمزارعين يعملون بزراعة الكفاف، أو كعمال أُجَراء لا يمتلكون أراضي، وهو ما لم يكن يكفي لضمان الطعام الكافي للأسرة على مدى السنوات. وكانت هذه الغالبية من السكان تحظى بالطعام الذي كان بحسب المفهوم الحديث «عضويًّا» و«نقيًّا»، ولكن كانت تشوبها سلبيات كبيرة منها عدم ضمان وصول المؤن ورداءة مستوى جودتها في غالب الأحيان؛ ومن ثَمَّ، يخبرنا جالينوس أن الريفيين في ميسيا كانوا يرسلون محصولَ القمح الذي حصدوه إلى المدن، في حين أن المزارعين أنفسهم كانوا يأكلون الحبوبَ الأرخص والأردأ. يخبرنا جالينوس أيضًا عن وجود أطعمة معينة كان الناس عادةً يتجنَّبونها، وكانوا يُطعِمونها الحيوانات؛ ومع ذلك، أصبحت تلك الأطعمة مخصَّصة للبشر حين كانت تشتدُّ أزماتُ نقْصِ الطعام؛ وهو بذلك يضع حدودًا مهمة بين أطعمة البشر وأطعمة الحيوانات. وإذا كان الريفيون يأكلون أحيانًا طعامَ الحيوانات، فهل كان ذلك يجعلهم أقربَ للحيوانات من وجهة نظر سكان المدن؟ كان بعض الناس يرى ذلك قطعًا، وسنناقش هذه الموضوعات في الفصلين الرابع والسابع.

وكان المواطنون الفقراء المقيمون في المدن يأكلون أيضًا طعامًا أقل جودةً من طعام الأغنياء، وكثيرًا ما كان المؤلِّفون يلفتون الانتباهَ إلى هذه الفوارق، على غرار ما يفعله جوفينال بطريقة متطرفة في «المقطوعة الهجائية الخامسة». فكان الفقراء على الأرجح يأكلون في الأماكن العامة، أو على الأقل يشترون طعامًا جاهزًا ويأخذونه معهم لمنازلهم، وكانوا أقل قدرةً على شراء عبيدٍ لإعداد الطعام، وكانت المساحة المُخصَّصة لطهي الطعام في منازلهم محدودةً، خصوصًا إذا كانوا يسكنون في بنايات تضمُّ شققًا على الطراز الروماني. ثمة أدلة كثيرة على وجود مقاصف مخصَّصة لبيع الأطعمة والمشروبات الجاهزة في بومبي وأثينا، بالإضافة إلى أدلةٍ من النصوص تدل على أن المقاصف كانت أحيانًا تضمُّ متاجرَ أو «كابيليا» في المدن الإغريقية (الشكل ٢-١). وقد نُوقِشت هذه الأدلة مناقشةً مستفيضةً في ديفيدسون ١٩٩٧، مع أني في الفصل السادس أعترضُ على بعض النتائج التي استخلصَها.
fig6
شكل ٢-١: تكثر المقاصف المُقَامة عند المفارق في شوارع بومبي وهركولانيوم، وكانت قطعًا موجودةً أيضًا في الكثير من المدن القديمة الأخرى. وكانت الأباريق المدمجة في المناضد تحتوي على خمورٍ (ساخنة وباردة)، وكذلك أطعمة يمكن شراؤها وتناولها في المنازل؛ فالاختيارُ بين تناوُل الطعام في مكانِ بيعه، أو شرائه لتناوُلِه في المنزل، ليس مقصورًا على العالَم الحديث.
في الثقافة الإغريقية والرومانية لم يكن طعامُ الأغنياء مختلفًا تمامًا عن طعام الفقراء، كما هي الحال في عدد من الثقافات الأخرى. وفي الواقع، كانت بعض الواردات القادمة إلى الإمبراطورية الرومانية غالبًا ما تقتصر على الأغنياء، مثل التوابل الهندية والطيور المجلوبة من بلدانٍ بعيدةٍ والأسماك المرتفعة الثمن. لكن كان لدى الفقراء توابلُ محليةٌ مثل الزعتر والكزبرة، وطيورٌ محلية مثل طيور السُّمان والشحارير، وأسماكُ المياه الضحلة مثل السردين والأنشوفة. وتقدِّم قصيدة أركستراتوس مرةً أخرى مثالًا لافتًا على تناوُل الأغنياءِ أصنافًا فاخرةً من الطعام تَفُوق أطعمةَ الفقراء؛ ففي الشذرة ٥ الواردة في أولسون وسينس (٢٠٠٠)، يتحدث أركستراتوس عن موضوع الخبز بقوله:

يوجد أفضل وأفخر نوعٍ يمكن الحصول عليه على الإطلاق في جزيرة ليسبوس، في حضن قرية إريسوس الشهيرة التي تحفُّها الأمواج، ويكون منخولًا من الشعير ذي الحبوب السليمة. وهو أشدُّ بياضًا من الثلج المتساقِط من السماء؛ وإذا كانت الآلهة تأكل جريشَ الشعير، فلا بد أن تأتي هيرميس وتشتريه لهم من هنا. (ترجمه إلى الإنجليزية: ويلكنز)

يُذكَر القمحُ في موضعٍ لاحق في الشذرة، ولكن جالينوس وكثيرًا من النصوص القديمة يصرِّحان بأن الشعير أقل شأنًا بكثير من القمح؛ والسبب في ذلك يرجع أساسًا إلى كونه لا يحتوي على الجلوتين اللازم لإعداد الخبز الجيد. في اليونان في القرن الرابع، لم يكن الأغنياء يُستحَثون فحسب على تناوُل النوع الفاخر من الحبوب — وهو القمح — الذي لم يكن الفقراءُ يستطيعون شراءَه، بل كان بإمكانهم أيضًا اختيارُ الشعير الذي كان الفقراءُ يستمتعون بتناوُلِه في أنواع الهرائس والعصائد والكعكات المسطحة، ولكن الأغنياء كانوا يستمتعون بتناوُله لنكهته، على أن يكون نوعًا راقيًا ومرتفعَ الثمن للغاية. لم يكن الأغنياءُ بالتأكيد يرغبون في تجنُّب منتجات الحبوب، كما يتضح من مآدب كارانيوس وفيلوزينوس وماترو، ولا يعني هذا أنهم لم يرغبوا في تناول نوع فاخر لم يكن الفقراء يطمحون إليه. سنناقش الحبوب باستفاضةٍ في الفصل الرابع (للقراءة عن مآدب فيلوزينوس وماترو، راجع: دالبي ١٩٨٧، وويلكنز ٢٠٠٠، وأولسون وسينس ١٩٩٨).

يقدِّم لنا السيلفيوم المستورَد مثالًا ثانيًا لتناول الأغنياء للنكهات نفسها التي يتناولها الفقراء. ينتقد أركستراتوس (الشذرة ٤٦، ١٤) الطهاةَ الذين يستعملون السيلفيوم والجُبن لإضفاءِ نكهةٍ على الأسماك المرتفعة الثمن. أما المُواطِن الفقير، فكان يستعمل رأسَ ثوم لإضفاء نكهةٍ على السردين (أريستوفان، مسرحية «الدبابير» ٦٧٩). (للقراءة عن نكهات الأطعمة الإغريقية الرومانية، راجع مقدمة الفصل الأول، وويلكنز وهيل ١٩٩٢.)

حدَّدَ أركستراتوس الخضراوات والحمص والفول والتفاح والتين على أنها من علامات الفقر، وهذه صيغة مغالًى فيها بعض الشيء. ولكن نجد أثرًا ما لهذا في شذرةٍ مأخوذةٍ من مسرحية «المرأة الأولينثية» للشاعر الهزلي ألكسيس من القرن الرابع (١٦٧):

زوجي فقير، وأنا امرأة عجوز، ولدينا ابنة واحدة وابنٌ آخَر وهذه الفتاة الطيبة ها هنا؛ أي إننا جميعًا خمسة أفراد؛ فإذا تناوَلَ ثلاثة منَّا العشاء، يضطر الاثنان الآخَران أن يتقاسما معهم كعكةَ شعيرٍ صغيرة، ونظل ننتحب كلما لم نجد شيئًا نأكله. تشحب بشرتنا حين لا نجد طعامًا. إن كلَّ ما نعتمد عليه من طعامٍ في حياتنا هو: الفول الأخضر، وحبَّات الترمس، وبعض أوراق الخضراوات … وثمرة لفت، وبعض البقول، ونبات البِيقة، وثمرة بلوط، وبصلة الزيز، وحشرة زيز الحصاد، وحبة حمص، وثمرة كمثرى برية، والنبات الرباني — وأقصد بذلك ثمرة تين مجفَّفة، وهي استنبات لشجرة تين في منطقة فيرجيا. (ترجمه إلى الإنجليزية: ويلكنز)

قلَّمَا يظهر فقراء في المسرحيات الكوميدية، مع أن طعام الفقراء أحيانًا ما يشار إليه عرضًا، مثل نبات الخبيزة في مسرحية «الثروة» لأريستوفان، على سبيل المثال (راجع الفصل الرابع). ولكن في تلك الفقرة، نجد تذكيرًا قاطعًا بأن طعام الفقراء محلُّ مناقشةٍ، وليس ما قد يتوقَّعه المواطن الفقير.

مع ذلك، يتفق ألكسيس في الرأي هنا مع ما قاله أركستراتوس فيما يخص الحمص والتين. ولنا أن نلاحظ أن الأسرة الفقيرة لا تستهلك اللحوم أو الأسماك، ولديها كميات كبيرة من الحبوب والبقول — وهي من الأطعمة المغذية في العصر الحديث — لكنها تخلو من عنصر المنزلة الاجتماعية الذي يتوافر لجيرانها الأكثر غنًى ممَّن قد يستطيعون شراءَ الأسماكِ الصغيرة وشيءٍ من اللحم. يتناول أفراد الأسرة الأشد جوعًا (ويُلاحَظ أن توزيع الطعام يخلو من التقسيم بحسب النوع) كعكةَ الشعير أو «المَزا» بصفتها الغذاء الأساسي بكمياتٍ قليلة، أما الثلاثة الآخَرون فيحصلون على غذاء أكثر تنوُّعًا. ويتفق ما جاء في المسرحية مع الوصفات الطبية التي قدَّمَها جالينوس بعد ذلك بستة قرون — وذلك فيما يتعلَّق بتناول الخضراوات والبقول — وأيضًا بما في ذلك ثمرة البلوط والجرادة أو حشرة زيز الحصاد؛ فالبقول مثل الحمص والبيقة وغيرها من أنواع البيقة المعروفة ﺑ «أُكروس» هي جزءٌ من النظام الغذائي العادي من وجهة نظر جالينوس، أما ثمار البلوط فليسَتْ جزءًا من هذا النظام الغذائي؛ فثمارُ البلوط، مثل نبات البيقة المُر، تُستخدَم كطعامٍ للحيوانات. ويقول جالينوس إن ثمار البلوط تندرج تحت فئة أطعمة المجاعات (٢، ٣٨): «ذات مرة اجتاحَتِ المجاعة أرضَنا، وكانت لدينا وفرةٌ من محاصيل ثمار الزان والمشملة، فبدأ الريفيون يستخدمونها بدلًا من الحبوب؛ إذ كانوا قد خزَّنوها في حُفَر طوال فصل الشتاء وحتى أوائل الربيع. وقبل ذلك، كانت الثمار من هذا النوع تُستخدَم كطعام للخنازير، ولكنهم هذه المرة كفوا عن تربية الخنازير في الشتاء كما كانوا معتادين من قبلُ. وفي بداية الشتاء كانوا يذبحون الخنازير أولًا ثم يأكلونها؛ وبعد ذلك كانوا يفتحون الحُفَر ويُخرِجون منها الثمار، ثم يحضِّرونها بطرق تحضير متنوعة ثم يأكلونها» (ترجمه إلى الإنجليزية: باول). وتأتي مناقشةٌ أكثر استفاضةً عن هذه الفقرة في الفصل الرابع.

كان أكل ثمار البلوط من التدابير التي تُتَّخَذ في حالات الطوارئ، وفقًا لما استعرضه ماسون ١٩٩٥ وآخرون في مناقشاتهم، وكانت ثمارُ البلوط تأتي في آخِر قائمة أطعمة الطوارئ مقارَنةً ببعض أنواع الجوز الأخرى، مثل ثمار الكستناء التي كانت مستخدَمةً على نطاقٍ واسعٍ في أوروبا، ويَرِدُ ذِكْرُها في الفصلين الأول والرابع. وفي هذا الصدد، اضطرت العائلة التي تشارك في أحداث مسرحية ألكسيس لتناول طعام الحيوانات. وتُعَدُّ حشرة زيز الحصاد من العناصر اللافتة للاهتمام أيضًا، وتوجد أدلةٌ على أن حشرات زيز الحصاد والجراد كانت تُؤكَل في اليونان؛ إذ يذكرها أريستوفان في إحدى الشذرات (الشذرة ٥٣)، ويشير في مسرحيته «الأخارانيون» إلى قوامها المقرمش. ومثل هذه الإشارات نادرة، مع أن أرسطو يلاحظ — متأثِّرًا بطريقة جالينوس بعض الشيء — عادةَ الريفيين في اصطيادها لأغراض الأكل. ويبدو من الوارد أن الجراد كان يُؤكَل، ولكن لم يكن يُنظَر إليه على أنه من الأكلات الشهية؛ فكان على هامش النظام الغذائي مثل أكلات أخرى يتناولها الفقراء. من الممكن أن نقارن بين الأطعمة التي كان الإنسان يتقاسمها مع الحيوانات، مع أنه ينبغي أن نأخذ في حسباننا وجودَ قدرٍ كبير من التداخُل بين أطعمة الإنسان وأطعمة الحيوان. لاحِظْ أن الطعام الأساسي الإغريقي المؤلَّف من الشعير كان يعتبره الرومان وجالينوس طعامًا للحيوانات. ومن الأطعمة الشبيهة أيضًا الحلازين والخضراوات البرية، التي ما زال الإغريق يأكلونها، والتي كان يأكلها الناس من كل الطبقات في العصور القديمة. ولا يذكر جالينوس فعليًّا حشرات زيز الحصاد أو الجراد، ويرفض يرقانَ الخشب وغيرَها من الحشرات التي كان يأكلها المصريون، ولكن امتناعه عن الحديث عن الجراد قد يدل على عدم أهمية الجراد في النظام الغذائي، أو على عدم ملاحظته للجراد، أو عدم اهتمامٍ من جانبه.

تنبثق بوضوحٍ من مناقشة جالينوس للنظام الغذائي سلسلةٌ هرمية من الأطعمة، بدءًا من أرقى الأطعمة التي تتناولها الطبقاتُ الراقية في الحَضَر، ووصولًا إلى الأطعمة المخصَّصة عادةً للحيوانات، والتي كان الفقراء يضطرون لأكلها عند أزمات نقص الطعام. وفيما بين هذين الحدين، كان هناك قدر كبير من التفاوت؛ يقول جالينوس إنَّ الإغريق جميعهم يأكلون الحلازين يوميًّا، والسياق عبارة عن مقارَنةٍ بين المصريين الذين يأكلون ديدان الخشب والثعابين والزواحف. ويبدو أن جالينوس يعكف هنا على مناقشة المعادل الإغريقي للأكلات غير المألوفة في النظام الغذائي، لكنْ من الواضح أنه يعكف أيضًا على مناقشة إحدى الأكلات العَصِيَّة على التصنيف، ويقول إنه ليس كائنًا مجنحًا ولا مائيًّا، ومن غير الواضح أيضًا إنْ كان من الكائنات التي تعيش على اليابسة. ومن الممكن أن نفهم هذا التصريح الاستثنائي المتعلِّق بجميع الإغريق على أن المقصود به هو أن الحلزون كان من الأغذية الأساسية للسواد الأعظم من الشعب الإغريقي. توحي الأدلة الأثرية المتعلقة بالرخويات — سواء أكانت البرية أم البحرية — بأنها كانت تُؤكَل أيضًا في القصور (كارالي ٢٠٠٠). ومن الممكن أن نفترض بثقةٍ أن الرخويات كان يأكلها الناسُ من جميع الطبقات، كما هي الحال بخصوص الشعير. كانت الرخويات — بحسب وصف ريتشارد مايبي — «طعامًا مجانيًّا»، ولكن كانت تُجمَع منها أنواع مميزة وتُقدَّم للأغنياء. يحتفظ أثينايوس بقصةٍ تحكي عن ارتحال أبيكيوس إلى ليبيا بحرًا لتجربة الجمبري الموجود هناك، ليكتشف في آخر الأمر أن الجمبري الموجود في موطنه مينتورناي كان أفضل. وتقدِّم بيشنس جراي (١٩٨٦) شهادةً لافتةً عن الحلازين وعن النظام الغذائي للفقراء عمومًا في أماكن مختلفة من البلدان المطِلَّة على البحر المتوسط في العصر الحديث.

كان معدل استهلاك اللحوم أقل لدى المواطنين الفقراء بالتأكيد؛ نظرًا لأن سعر اللحوم كان بالضرورة أعلى من سعر الفاكهة والخضراوات والحبوب والبقول بسبب الاستخدام غير الرشيد للطاقة في تربية الحيوانات. وكان أغلب المواطنين يعيشون على الأطعمة النباتية لمعظم أيام العام، وكانت المدينة ذات الحكم الذاتي تقدِّم لهم اللحومَ في أيام الأعياد، وكان المواطنون الأغنياء يمدُّونهم بكمياتٍ إضافية حينما كانوا يرغبون في إطعام عامة الناس سَعْيًا وراء غاياتٍ سياسيةٍ معينة. ويمثِّل أريستوفان نشاطَ إطعام المواطنين هذا في مسرحيته «الفرسان» بإطعامِ طفلٍ ساذج بعض الشيء طعامًا فاسدًا. وأصبحت هذه العادة أكثر انتشارًا بعض الشيء في الحِقْبة الهلنستية عن طريق الأنشطة الخيرية العامة وتوزيع الطعام بمعرفة الحكَّام الهلنستيين والرومان (راجع شميت بانتل ١٩٩٢، وفين ١٩٧٦، ودوناهو ٢٠٠٥).

من المعتقد أن النظام الغذائي العضوي القائم على الطعام الطازج لغالبية السكان القدماء كان صحيًّا إنْ لم يكن من أجود الأطعمة؛ فالجودة لها أهمية كبيرة، من حيث تقدير الذات والاعتبارات الصحية، كما يوضِّح جالينوس وجوفينال. قد نعتقد أن جوفينال يبالغ في مقارنته بين النظام الغذائي المخصَّص للحامي الروماني الثري والنظام الغذائي المخصَّص لتابعه الفقير في قصيدة «المقطوعة الهجائية الخامسة»:

سيُوصِي سيدي باستيرادِ أسماك البوري التي يفضِّلها من جزيرة كورسيكا أو من الصخور التي تقع أسفل مدينة تاورمينا. ولكن ما الذي ستأكله أنت؟ ربما سمكة إنكليس (مع أنها تبدو كثعبان البحر)، أو سمكة كراكي رمادية رقطاء، نشأَتْ وترعرعَتْ في نهر التيبر، وقد انتفخت بفِعْل مياه الصرف. (ترجمه إلى الإنجليزية: جرين)

fig7
شكل ٢-٢: مع أن الجراد كان أحيانًا يُوصَف باعتباره من الأطعمة المميزة التي تناولَتْها الشعوب البعيدة، يشهد أرسطو وغيره بأن الحشرات كانت تُؤكَل في اليونان. وكان الجراد يُستخدَم في الطب، وكان يُستخدَم — شأنه شأن الجمل — في الكثير من الاستخدامات الغذائية في العصور القديمة. (حصلنا على نسخةٍ من الصورة بإذنٍ من كبير كهنة كاتدرائية إكستر ورجال الكنيسة العاملين بها.)

ومع ذلك، فإن الصورة العامة للأسماك الرديئة التي تأتي من نهر التيبر يدعمها جالينوس (ويلكنز ٢٠٠٤). ويؤكد جوفينال على ما يتَّسِم به التابع من مستوًى متدنٍّ من احترام الذات، في حين يؤكِّد جالينوس على مدى الضرر الذي يلحق بعملية الهضم لديه.

ونجد مناقشةً أكثر استفاضةً لهذه الفكرة في فقرتين لافتتين في كتاب جالينوس «عن قوى الأطعمة». تقوم منظومة جالينوس على أن لكل فرد بنيةً مختلفةً؛ ولكنه تمكَّنَ فعليًّا من إصدار بعض الأحكام العامة عن النظام الغذائي للريفيين، ولا بد من مقارنة هذه الأحكام العامة باللمحة العامة التي تتناول النظام الغذائي البشري الذي نناقشه في الفصل الثامن. أولًا: مخاطر أكل الجبن مع الخبز:

إذا أضاف المرء الجبن أيضًا إلى الخبز — إذ عادةً ما يُحضِّره المحتفلون من مواطنينا الريفيين (والذي يسمونه هم أنفسهم الخبزَ غير المُختمِر) — يؤدِّي ذلك إلى إلحاق ضررٍ محقَّق بالجميع، حتى إذا كان بعضهم يتسم ببنية قوية للغاية، مثل مَن هم بطبيعتهم أفضل الحصادين وحافري الخنادق؛ فمن الملاحظ أن هؤلاء يهضمون أنواع الخبز غير المُختمِر على نحوٍ أفضل من أقوى الرياضيين (كما يهضمون اللحم البقري ولحم ذكور الماعز). فما ضرورة ذِكْر الغنم والعنزات أيضًا؟ في الإسكندرية، يأكلون لحم الحمير كذلك، وبعضهم أيضًا يأكل الجِمَال. تؤثِّر عاداتهم في عملية الهضم لديهم، ومن العوامل التي لا تقل أهميةً عن ذلك كميةُ الطعام القليلة التي تُؤكَل، وحالةُ نفادِ الطاقة من الجسم بأكمله التي تلازِم بالضرورة مَن يكدحون طوال اليوم في مزاولة أنشطتهم. ففي حالة نفاد الطاقة من الجسم، لا تخرج من المعدة كتلةُ أطعمة نصف مهضومة فحسب، بل أيضًا — في حالة البدء في العمل بعد تناول الطعام — تخرج أحيانًا كتلةُ طعامٍ غير مهضومة على الإطلاق تُسمَّى الكيموس؛ وهذا هو السبب في أن هؤلاء يتعرَّضون فيما بعدُ لأسقامٍ وخيمة للغاية ويموتون قبل أن يبلغوا الشيخوخة. ومعظمُ الناس الذين يرونهم يأكلون ويهضمون ما لا يستطيع أحدٌ منَّا أن يأكله ويهضمه؛ يهنِّئونهم على قوةِ أجسامهم، جهلًا منهم بهذه المعلومة. علاوةً على ذلك، لما كان مَن يبذلون مجهودًا شاقًّا للغاية ينامون نومًا عميقًا للغاية — وهذا يساعدهم على الهضم بدرجة أكبر — فهُمْ يصبحون أقلَّ عرضةً للإصابة بالضرر بفعل الأطعمة الضارة. ولكن إذا أجبرْتَهم على البقاء مستيقظين لأكثر من ليلةٍ على التوالي، فإنهم سرعان ما سيمرضون؛ لذا، فإن هؤلاء لا يحصلون إلا على هذه الميزة الواحدة من هضم الأطعمة الضارة. (جالينوس ١، ٢، ترجمه إلى الإنجليزية: باول)

هذه الفقرة المفيدة توضِّح الفارق بين بنية العامل وبنية نظيره الغني، وهو القوة الظاهرية لقدرته على الهضم، ولكن تكمن الخسارة التي يتكبَّدها في المرض والوفاة المبكرة، وفي مخاطر الطعام الريفي بعد طَهْيه؛ فالموضوع لا يتصل فحسب بالمكونات الرديئة، بل بالجمع أيضًا بين مكونات غير منسجمة. ومع ذلك، فمن الإيجابي أن نشير إلى أن جالينوس يتحدَّث عن عادتهم في تناول اللحوم، وإنْ كان لا يتحدَّث عن تكرار تلك العادة. ويذكر جالينوس المزيد عن مخاطر الطهي الريفي في فقرةٍ عن حبوب القمح المسلوقة (١، ٧):

لكن ذات مرة حين كنتُ أسيرُ في الريف بعيدًا عن المدينة بصحبة صبيين من سنِّي، صادفتُ حقًّا بعض الريفيين ممَّن فرغوا من تناول طعامهم، وكانت النساء يتأهبْنَ لإعداد الخبز (إذ كان قد نفِدَ عندهم)؛ فوضعَتْ إحداهن القمحَ في القِدْر على دفعة واحدة وسلقَتْه، ثم أخذْنَ يتبِّلْنَه بكميةٍ بسيطة من الملح ودعوننا أن نتناوله. ولأننا كنا نسير ونتضوَّر جوعًا، قبلنا الدعوة بسرور، وأكلنا من القمح المسلوق بحماس، فشعرنا بثقل في المعدة، وكأنه يوجد طين يضغط عليها. وطوال اليوم التالي لم تكن لدينا أي شهية لإصابتنا بعسر هضم؛ ولذلك لم نستطع أكل أي شيء، وكنا نعاني من غازات البطن وأُصِبْنا بالصداع وتشوُّش في الرؤية. ولم نشعر بأيِّ رغبةٍ في التبرُّز، وهو الدواء الوحيد لعسر الهضم؛ ولذلك سألتُ القرويين إنْ كان سبَقَ لهم أَكْل القمح المسلوق، وسألتهم عن تأثيره عليهم؛ فقالوا إنهم كثيرًا ما أكلوا منه عند الضرورة مثلنا، وإن القمح المحُضَّر بهذه الطريقة كان من الأطعمة الثقيلة وصعبة الهضم. (ترجمه إلى الإنجليزية: باول)

في هذا المشهد، نجد أن الريفيين بوسعهم الحصول على النوع الأفضل من الحبوب — وهو القمح — ولكنهم مع ذلك غير قادرين على إعداده بالطريقة المُثلى؛ وبهذا تقل استفادتهم منه عمَّا إنْ كان قد تحوَّلَ إلى الصورة المثالية كخبز مُختمِر. وتجبرهم الضرورة على التزوُّد بالطعام حتى قبل تحضير الطعام بحسب الحاجة؛ ومن ثَمَّ، فإن الريفيين عرضةٌ للابتلاء بمستوًى متدنٍّ من الجودة وطريقة تحضير غير مناسبة. قارِنْ ذلك مع جارنسي (١٩٩٩). ومن الممكن أن نشير أيضًا — بخصوص مناقشة النوع الاجتماعي لاحقًا في هذا الفصل — إلى أن النساء يخبزْنَ الخبز، ولكن الرجال هم الذين يتحدثون إلى الغرباء الثلاثة حين يظهرون في الحقول، وهن اللاتي يطهين القمح المسلوق كوجبة عاجلة.

تقدم الحكايات التي يرويها جالينوس شهادةً قيِّمةً عن عادات تناول الطعام عند الفقراء، وستضيف قصة أخيرة يرويها جالينوس بُعْدًا آخَر؛ ففي مناقشته التي تتناول الحليب (٣، ١٤)، يوضِّح مخاطِرَ الحليب غير الصحي:

أصيب رضيعٌ بقروح كثيرة في جسمه كله، وكانت مرضعته الأولى قد ماتت، فأرضعته مرضعة أخرى كان جسمها يمتلئ بسوائل غير صحية. فحين اجتاحت المجاعة البلاد في الربيع، كانت المرضعة الثانية تعيش على الأعشاب البرية النامية في الحقل؛ ولذلك أُصِيبت بهذه القروح هي وآخَرون في البلاد نفسها ممَّن عاشوا في الظروف نفسها. ولاحظنا هذه الظاهرة لدى كثيرين غيرهم ممَّن يعيشون في ظل ظروفٍ مشابهة في المنطقة. (ترجمه إلى الإنجليزية: باول)

كانت المرضعة — وهي امرأة فقيرة تُرضع رضيعًا لأمٍّ غنية — تعاني من سوء تغذية، وهي الحالة المزمنة التي يعاني منها الفقراء في الكثير من البلدان المطِلَّة على البحر المتوسط في بداية الربيع قبل توافر محاصيل الموسم الجديد. ويشير جالينوس مرارًا وتكرارًا إلى الوطأة التي يتعرض لها سكان الريف على وجه الخصوص عند نفاد مؤن الشتاء ممَّا يضطر الفقراء لِلُّجوء إلى الأطعمة المخصَّصة للحيوانات. ويعلق جارنسي (١٩٩٩) على أزمات نقص الطعام المزمنة في العصور القديمة. وهذه الظاهرة يتناولها في العصر الحديث كلٌّ من جراي (١٩٨٦) وكامبوريزي (١٩٩٣) وهيلتوسكي (٢٠٠٤)، من ضمن آخرين. ويستشهد هيلتوسكي (راجع مقدمة الفصل الأول) بتعليقٍ لأحد أهالي نابولي يعود لعام ١٨٨٤عن الفقراء في الحَضَر: «تقدِّم امرأةٌ الأعمالَ الخيرية بطريقة مبتكرة للغاية؛ فهي نفسها فقيرة ولا تأكل إلا المكرونة المسلوقة المتبَّلة بقليلٍ من الجبن اللاذع، ولكن جارتها الفقيرة للغاية ليس لديها من طعامٍ إلا لُقيمات من الخبز اليابس الجامد. فتمنح المرأة الأقل فقرًا لجارتها الماءَ الذي طهت فيه المكرونة، وهو سائل يميل إلى البياض يُسكَب على لقيمات الخبز حتى تصبح أكثر طراوةً وتكسبها على الأقل نكهة المكرونة.»

وبخصوص موضوع تناول الطعام خارج البيوت بين الفقراء، يستشهد هيلتوسكي (٢٠٠٤: ١٦) بالمصدر نفسه، وهي الكاتِبة والروائية ماتيلدا سيراو، من كتابها «فينتري دي نابولي»: «كان بوسع المرء شراء قطعة من الأخطبوط المسلوق، أو الحلازين مع المرق، أو الأطعمة الساخنة مثل المكرونة؛ مقابل سولدي واحد أو اثنين. وكانت هذه الأطعمة تُقدَّم في المطاعم الصغيرة المنتشرة بأعداد كبيرة: «في كل شوارع الأحياء التي يسكنها العمَّال، كانت هناك مطاعم صغيرة بها مواقد مقامة في الهواء الطلق. وهنا نجد المكرونة تُسلَق دائمًا، ونجد مقالي تحتوي على صلصة الطماطم، وتلالًا من الجبن المبشور … وكانت حصص الطعام صغيرةً حتى إن المشتري كان يتشاجر مع صاحب المطعم لأنه يريد إضافةَ قدرٍ أكبر قليلًا من الصلصة والجبن والمكرونة.» أشرنا في الفصل الأول إلى أزمات نقص الطعام التي تزامنَتْ مع عهد ملك فرنسا لويس الرابع عشر؛ فلم يكن من الممكن ضمان وصول مؤن الطعام إلى كل السكان في بلدانٍ مثل اليونان أو إيطاليا أو فرنسا أو بريطانيا حتى القرن العشرين. ولاحِظْ أن المرضعة المصابة بالقروح في قصة جالينوس — التي لم يكن من السهل تحديد مرضها (راجع باول ٢٠٠٣: ١٨١) — كانت من بين عدة أشخاص لُوحِظت إصابتهم، وكان سببُ المشكلة هو «الأعشاب البرية»، بعبارة أخرى نباتات لم «تخفف من غلوائها» أو تنبت نتيجة عملية الزراعة. ولا شك أن الكثيرين كانوا يتناولون النباتات غير المطهية أو البرية في العصور القديمة، وكان الأغنياء مثل بلينوس وموسونيوس روفوس يشجِّعون تلك العادة، كما سنرى. ولكن هذه المنتجات غير الناتجة عن الزراعة كانت تحتفظ بشيءٍ من طزاجة الطبيعة سجَّله نصٌّ لأبُقراط يتناول «فن الطب» (استشهدنا به في الفصل الأول)، وكانت تلك النباتات تمثل خطرًا على المصابين باختلالٍ في توازن سوائل الجسم (للاستزادة، راجع الفصلَ الثامن).

تسبَّبَ خطرُ أزمات نقص الطعام الذي انتشر إبَّان الربيع في ظهور شكلٍ من الأدب قلَّمَا نجده في العالم الحديث، ويتحدَّث هذا الشكل الأدبي بالتحديد عن منتجات خيالية يتخيَّل مؤلِّفُها وجودَها في أرض كوكاين (كما كان يُطلَق عليها في العصور الوسطى). وفي هذه الأرض، كانت الأنهار تجري بالخمر وكعكات الشعير والنقانق، وكانت الأسماك والطيور تتوسَّل أن تُؤكَل. ويناقش أثينايوس عددًا من الأمثلة الكوميدية في الجزء الثالث من كتابه (راجع ويلكنز ٢٠٠٠). والكوميديا من الأجناس الأدبية المهمة، فهي أدب درامي يُقدَّم إلى جمع هائل من المشاهدين، غالبًا ما يزيد عددهم عن عشرة آلاف مشاهد. ولم تكن على الأرجح ستنجح في مجتمعٍ مثل أوروبا الغربية أو الولايات المتحدة، حيث توجد وفرة من الطعام. ونجد أن الأوصاف التي لا تنتهي لفردوس من الطعام حيث تنتفي الحاجة إلى العمل الزراعي الشاق أو لوجود العبيد (فالطعام ينتج نفسه بنفسه ويقدِّم نفسه بنفسه) تعبِّر ببلاغةٍ تضارِع بلاغةَ جالينوس عن عالَمٍ كثيرًا ما يجوع فيه الفقراء على الأقل. وكانت الكوميديا أيضًا تقدِّم أوصافًا لولائم الأغنياء فيسمعها المشاهدون باستمتاع. ونتناول في الفصل التاسع وَقْع هذا الوصف على جمهور المسرح من الفئات الفقيرة.

(٤-١) دورة الحياة البشرية

تمنحنا المناقشة التي تتناول الفقراء في الريف — على النقيض من الطبقات الراقية في الحَضَر التي تمثِّل طرفَ النقيض الآخَر في المجتمع — صورةً كئيبة عن عادات تناوُل الطعام قديمًا، وهي قطعًا أشد كآبةً من صورة بلدان البحر المتوسط التي يتخيَّلها حاليًّا سكان شمالي أوروبا. ويمكننا أن نخفِّف من الكآبة بعض الشيء بأن نكرِّر أن قسمًا من السكان من غير الطبقات الراقية لم يكن يعيش على حد الكفاف فحسب؛ فالبطل النموذجي في مسرحيات أريستوفان — على سبيل المثال — هو مواطن ذو موارد مالية متوسطة، ونجد أن المزارع المنطوي المتحفظ في المسرحية الكوميدية «ديسكولوس» للمؤلف المسرحي ميناندر؛ يعيش حياة متقشفة باختياره. ويعجز سنيمون عن استغلال القيمة الاقتصادية لمزرعته. وتخفِّف أيضًا من الصورة المتشائمة الأعياد التي تتخلَّل السنة الدينية، وكذلك الأحداث الرئيسة من ميلاد وزواج ووفاة في دورة الحياة البشرية. وكان تقديم القرابين للآلهة بصفة جماعية كثيرًا ما يصاحبه توزيع اللحوم وغيرها من الأطعمة على جميع المشاركين، إما على المستوى المديني وإما على المستوى المحلي (راجع الفصل الثالث)، وكان معظم الأُسَر تُقِيم الولائمَ احتفالًا بميلاد الأطفال أو عند دمجهم في المجتمع. وكانت حفلات الزواج من المناسبات المهمة لإقامة الولائم بين أغنى الأغنياء — كما يتضح في الزفاف المقدوني الذي استشهدنا به فيما سبق — وكذلك لدى الأُسَر الشديدة الفقر. ويصف ديو كريسوستوم في كتابه «الخطبة اليوبية» حفلَ زواجٍ ريفيًّا وصفًا مثاليًّا بعض الشيء (٧، ٦٥–٨٠). يبدأ أفراد الأسرة في تناول الوليمة، فيتَّكِئ الرجال على أريكة ريفية («ستيباس»)، وتجلس أم العروس. ونجد تفاصيل كثيرة عن التجهيزات المتعلِّقة بالطعام والترتيبات المتعلِّقة بتنظيم جلوس المدعوِّين ودور كلٍّ من العروس والعريس. ومن الصعب أن نحكم على المنزلة الاجتماعية لهؤلاء؛ لأن الموضوع يكمن في منتصف خطبة ديو. أناقش في الفصل الثالث مناسبةَ زواجٍ تجمع بين أسرة غنية من الحَضَر وابنةِ مزارعٍ ثري نسبيًّا.

(٤-٢) الأنظمة الغذائية الخاصة

كان بعض الناس يحتاجون إلى نظام غذائي خاص. ذكرنا من قبلُ العمَّال المشتغلين بالأعمال اليدوية؛ ففي حالة عدم حصولهم على القدر الكافي من السعرات الحرارية، كانوا يعجزون عن أداء العمل المنوط بهم، وكان الأمر نفسه ينطبق على بعض العبيد. ويوصي كاتو الأكبر في فقرة شهيرة في كتابه «عن الزراعة» (٦٥: راجع دالبي ١٩٩٨: ١٤٠-١٤١)، بأن يحصل العبيد المكلَّفون بالعمل على حصة طعام أكبر ممَّا يحصل عليه المشرف؛ فحاجتهم للطاقة تفوق المكانة الاجتماعية أهميةً. وعادةً ما كان النظام الغذائي للعبيد يتفاوت تفاوتًا كبيرًا؛ إذ كان بعضهم يتناول طعامه مع بقية الأسرة، مثل ما يرد في الفصل السابع — مثلًا — في حالة كاتو الأكبر وهي من الحالات الفريدة، وكان البعض الآخر يتناول «مَازا العبيد (أي العصيدة)» بحسب تعبير إسخيلوس، أو «خبز العبيد» بحسب تعبير الشاعر القديم أركيلوكوس. ولا نستطيع تقييم الفوائد النسبية لهذه الأنظمة الغذائية بسهولة، وسنناقش ذلك في الفصل الرابع.

وكانت الفئات الأخرى التي تحتاج إلى نظام غذائي يحتوي على سعرات حرارية مرتفعة هي الجنود والرياضيين، وتوجد أدلة قوية تدل على وجود نظام غذائي مُخصَّص للجيش، وقد جمع ديفيز (١٩٧١) قدرًا كبيرًا من تلك الأدلة في مقاله المتميِّز؛ إذ يسرد تفاصيلَ كلِّ فئات الطعام ومجموعة متنوعة من المصادر والمواقع الأولية من كل أنحاء الإمبراطورية، ويثبت أن الجيش الروماني كان يحظى بتغذية جيدة، وأن لوجستيات توفير المؤن كانت هائلةً، ويثبت تحقيقَ نظامٍ غذائي متوازن. ويشدِّد بالتحديد على أن النظام الغذائي كان يحتوي على اللحم، وكانت الأسماك والطرائد من العناصر الثابتة في النظام الغذائي أيضًا، وكان القادة العسكريون والأباطرة الصالحون يتناولون الطعامَ نفسه الذي يتناوله جنودهم. ويعتمد ديفيز اعتمادًا كبيرًا على الرسائل وكتابات الجدران التي جمعها من كل أنحاء الإمبراطورية من سوريا وحتى بريطانيا، ويصل إلى استنتاج (١٩٧١: ١٣٧-١٣٨) إذ يقول: «لعل أفضل ثناءٍ يُوجَّه لجيش الإمبراطورية — سواء في أزمنة الحملات العسكرية أم في أزمنة السلم أم حتى أثناء حركات التمرد النادرة — هو عدم تسجيل أي شكوى بشأن النظام الغذائي المُخصَّص للجيش الروماني.» فالجيوش التي لم تَحْظَ بتغذية جيدة لم تكن تحقِّق أداءً مُرْضِيًا؛ والجيوش الساخطة قد تنقلب على الإمبراطور في عصر الإمبراطورية. في حين أنه كان من المعتقد أن المواطن المُجنَّد في البلدان الإغريقية يحصل على غذاء متقشِّف في الحصص التي يتسلَّمها على مدى ثلاثة أيام (وهي الرسالة المعتادة التي تصلنا من مسرحيات أريستوفان، وإنْ كانت رسالة مضلِّلة)، كان الجنود الرومان فيما يبدو يحصلون على طعام أفضل من المستوى المتوسط. يقول جالينوس أن الجيش الروماني لم يقدِّم الشعير؛ لأنه كان يوفِّر طاقةً غير كافية بالمقارنة بالقمح (وهو ادِّعاء لم يقبله العلم الحديث: راجع الفصل الرابع). في الجيش البريطاني في العصر الحالي، نجد أن مؤن الطعام المخصَّصة للمعارك محددة ﺑ ٤٠٠٠ سُعر حراري يوميًّا، وهو ضِعْف الكمية القياسية المطلوبة للذكور. عند خروج جيش الإسكندر الأكبر للحرب، كانت تقام ولائم هائلة في مناسبات متكررة في قاعات طعام كبيرة من الخيام (بلوتارخ). ورأينا أيضًا — في الفصل الأول — حاشية الملك من الطهاة الذين كانوا يلازمون الملك الفارسي وقادته أثناء الحملات العسكرية. وكان جيش الاحتلال أيضًا — مثل الجنود الرومان في بريطانيا عند حصن فيندولاندا الموجود بالقرب من سور هادريان — يحظى بأكل اللحوم المحلية وبعض السلع المستوردة؛ ومن ثَمَّ، ربما كان الجنود هم مَنْ بشَّروا بأسلوب الحكم الروماني وبغير ذلك من المظاهر الملازمة للحضارة التي انتقلَتْ إلى بريطانيا في أثر الجيوش. وكان زيت الزيتون والخمر مثالَيْن لتلك المظاهر، ولكن كان من بين الأمثلة الأخرى الأرانب والجرجير ومجموعة كبيرة من النباتات العطرية. والشيء نفسه ينطبق على أماكن أخرى من الإمبراطورية الرومانية. ومن الممكن مضاهاة حملات الإسكندر الأكبر التي جلبت الأطعمة إلى بلدان البحر المتوسط من الشرق، بالحملات التي شنَّها الرومان في آسيا الصغرى، وقد ناقشنا إدخال الكرز إلى إيطاليا على يد لوكولوس في الفصل الأول.

وكان الرياضيون — أيضًا في العالم القديم كما في العالم الحديث — بحاجةٍ إلى أنظمة غذائية عالية الطاقة، وأقرَّ الأطباء التابعون لمدرسة أبُقراط النظام الغذائي الغني بالبروتين الذي يحتاج إليه الرياضيون، وأشاروا كثيرًا إلى عدم توازن ذلك النظام الغذائي؛ إذ كان من السهل أن يؤدي إلى اعتلال الصحة (جوانا ١٩٩٩: ٣٣١-٣٣٢). ويرى جالينوس — الذي بدأ مسيرته المهنية كطبيب في مدرسة للمصارعة الرومانية — أن «أقوى» طعامين، وهما القمح ولحم الخنزير، ضروريان للرياضيين. لم يكن من الوارد أن يؤيد شخص عادي — مثل جالينوس أو مَنْ يقرأ كتبه — تخصيصَ حصة الطعام الغنية بالطاقة للرياضيين — الذين يُصنَّفون في فئة وحدهم — مثلهم مثل العمَّال المشتغلين بالأعمال اليدوية («عن قوى الأطعمة» ١ و٢). وتُكمِل هذه التعليقات الانتقادات الأخلاقية التي وجَّهَها للرياضيين الشاعران كزينوفانيس ويوربيديس؛ إذ وصف الأخير الرياضي بأنه «عبدٌ لفَكَّيْه وضحيةٌ لمعدته» (استشهد بها أثينايوس في كتابه). والتزم أشهر رياضي في العصر القديم، وهو ميلو الكروتوني — على الأقل حسبما روت النوادر والحكايات — بما ورد في الوصفة الطبية التي قدَّمَها جالينوس (وكذلك أثينايوس في كتابه) «حسبما يذكر ثيودوروس من هييرابوليس في كتابه «عن المباريات الرياضية»، كان ميلو الكروتوني معتادًا على أكل عشرين رطلًا من اللحم وما يعادل ذلك من الخبز، وكان يشرب ثلاثة أباريق من الخمر. وفي مدينة أوليمبيا كان يحمل ثورًا سنُّه أربع سنوات على كتفَيْه ويسير به في أنحاء مدرج الألعاب الرياضية، ثم كان يُقطِّعه ويأكله وحده في يومٍ واحدٍ» (ترجمه إلى الإنجليزية: جوليك).

(٤-٣) تناول الطعام على انفراد

كان السر في عادات تناول الطعام القديمة يكمن في مشاركة الطعام مع الآخرين على مائدة واحدة. ولم يكن الطعام يقتصر على التزوُّد بالقوت، بل كان تأكيدًا على الروابط الأُسَرية، أو روابط القرابة، أو أواصر المواطنة والدين. وكانت فكرةُ الرجل الذي يهمل مشاركة الآخرين في تناول الطعام — مثل ميلو الكروتوني — تذكيرًا مقيتًا بالانحراف الاجتماعي. وكان الطاغية هو المثال الذي يشار به إلى الشخص الذي يأكل بمفرده: ويُعبِّر كتاب «هييرو» من تأليف زينوفون — الذي أشرنا إليه فيما سبق — عن هذه الفكرة تمامًا. تتاح للطاغية كل المتع التي يحتاج إليها، وحسبما يَرِد في عرض أثينايوس عن الطاغية السيراقوسي ديونيسوس الثاني، يتمتع الطاغية بالولائم الباذخة وبأكبر عدد من العذارى يستطيع معاشرتهن. ويناقش براوند (١٩٩٦) الأدلة. والطاغية هو الحاكِم الفاسد في الفكر القديم، ويَرِد في كتاب أفلاطون «الجمهورية» أقوى تصويرٍ لشهواته؛ ومع ذلك، فعلينا أن نتذكَّر أن القصور الملكية — أيًّا كانت مساوئها السياسية — كانت أيضًا تحفِّز على الابتكار. وهذه الظاهرة موجودة لدى ملوك الفرس وغيرهم؛ فالقصور الصقلية هي فيما يبدو التي أنشأت فن الطهي الإغريقي وكتب الطهي الإغريقية. فضلًا عن ذلك، شجَّعَتِ القصور الهلنستية البحثَ العلمي والطبي، وحدث ذلك جزئيًّا من خلال مخاوف التسمُّم؛ ومن ثَمَّ حفَّزَتْ — على نحوٍ مباشِرٍ أو غير مباشر — البحثَ عن منتجات جديدة قد تنقذ حياة الملك، ولكن قد تصبح أيضًا من الأطعمة الجديدة الرائعة. وربما كان انتشار نبات الأُتْرُجِّ نموذجًا لطعامٍ انتقل غربًا بفعل تلك المحفزات. وبخصوص الانتقال المشابِه للطماطم والشوكولاتة والبطاطس من العالم الجديد في الأمريكتين إلى القصور الملكية الأوروبية، في البداية لخواصها الطبية وغير الطبية، ثم بعد ذلك بمدة طويلة كمواد غذائية، ثم كأطعمةٍ لعامة الناس (راجع الفصل الأول).

(٥) الأماكن العامة والخاصة

في المدن القديمة منذ العصور الأولى، كانت السوق، أو «أغورا» باليونانية و«فوروم» باللاتينية، مركزًا للتجمعات السياسية، وأيضًا لتبادُل السلع — بما فيها الأطعمة — أو شرائها. وكانت السوق في أثينا في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد يُباع فيها الكثير من الأطعمة المختلفة، مثلما في الأسواق والمعارض المنتشرة في أنحاء البلدان الإغريقية والرومانية (فراين ١٩٩٣، طومبسون وويتشيرلي ١٩٧٢، ويلكنز ٢٠٠٠). وكانت قدرة أي مدينة على جذْبِ الكثير من السلع علامةً على الرخاء والنماء، وهي الظاهرة التي أشار إليها كلٌّ من ثوسيديديس وزينوفون على وجه التحديد عن أثينا، وأشار إليها إيليوس أريستيديس عن روما، مع أن مؤلفين آخَرين كانوا يستنكرون النشاط التجاري (كما نناقش في الفصل السابع). وكانت هناك أسواق متخصِّصة في اللحوم، وأسواق للأسماك، وأسواق لفئات المنتجات الأخرى.

كانت هناك في المناطق العامة أيضًا مبانٍ مدنية مُخصَّصة لتناول الطعام، سواءٌ أكانت لتناول الطعام يوميًّا لموظفي الدولة، مثل مباني ثولوس وثيسموثيتيون وغيرهما من الدوائر الحكومية الكثيرة في أثينا، أم كانت مباني مُخصَّصة للمآدب التشريفية. وفي المدن الإغريقية كان ذلك النوع من المباني يُسمَّى البريتانيون، وكانت تحتوي على المضيَّفة المقدسة للمدينة، وكانت من بعض النواحي تمثِّل هُوِية المدينة (ميلر ١٩٧٨). وكانت المآدب التشريفية في البريتانيون في أثينا — على سبيل المثال — مخصَّصة للمنحدرين من سلالة قاتلي الطغاة وللفائزين في الألعاب الأوليمبية وغيرهم من المواطنين المتميزين بالإضافة إلى الضيوف الأجانب. ويخبرنا أثينايوس أنه في مدينته نقراطيس في مصر — حسبما يروي هيرمياس في الجزء الثاني من كتابه «عن أبولو الغريني» — كانت تُطبَّق ضوابط خاصة تنظِّم تناوُل الطعام. وكانت المأدبة المقامة في البريتانيون في يوم عيد هيستيا وفي عيد ديونيسيا — بعد الصلوات وطقوس إراقة الخمر — تُقدَّم للمدعوِّين المتَّكِئين على أرائك، وكانت تتألف من نبيذ ونوعين من الخبز ولحم الخنزير، ونوعٍ من الخضراوات وبيض وجبن وتين مجفَّف وكعكة مسطحة وإكليل من الزهور. وكانت تُفرَض غراماتٌ في حالةِ تجاوُزِ حجْمِ المأدبة لهذا الحد، ولم يكن يُسمَح بدخول الأطعمة الزائدة، وكانت بقايا الطعام مخصَّصة لإطعام العبيد المملوكين للحاضرين في المأدبة. وفي الأيام الأخرى، كان يُسمَح بتناوُل الأسماك في البريتانيون. ولم يكن يُسمَح للنساء بالدخول، فيما عدا عازفة المزمار.

fig8
شكل ٢-٣: لم يكن لدى معظم الإغريق والرومان مطابخ مخصَّصة لهذا الغرض؛ فإذا طهوا في المنزل، كانوا يستعملون مواقد وقدورًا صغيرة متنقلة — كتلك الموجودة في أسواق أثينا — وكان يمكن إخراجها خارج المنازل قدر المستطاع. ولا يدل صِغَر حجم الأواني وعدم وجود الغاز والكهرباء بالضرورة على أن مستوى الطهي كان أقل تطورًا من الطهي في المطبخ الحديث. (حصلنا على نسخة من الصورة بإذنٍ من الكلية الأمريكية للدراسات الكلاسيكية القديمة: حفريات السوق الإغريقية.)

كان يقام الكثير من المآدب في العصور القديمة في المكان الخاص في المنزل، سواء أكان قصرًا ملكيًّا أم مسكنًا متواضعًا، وكان بعض المنازل به مساحة كافية لتخصيص مكانٍ لتناول الطعام، ولكن المنازل الأخرى — وهي الغالبية العظمى — لم تكن بها تلك المساحة. ومن الجائز أن المنازل الكبيرة التي يخدم فيها عدد كبير من العبيد كانت مزوَّدة بمطابخ، وكان الأرستقراطيون الرومان — بدءًا من الإمبراطور إلى مَنْ هم دون ذلك — لديهم مطابخ كبيرة، أما الكثير من المنازل الأصغر فلم يكن به مطابخ (إيليس ٢٠٠٠: ٢٧-٢٨ و١٥٨-١٥٩). فمثلًا، من الجائز أن الأفران الإغريقية والرومانية كانت مدمجة في المطبخ، ولكنها غالبًا ما كانت عبارة عن فرن قابل للنقل يمكن نصبه بالخارج إذا كانت حالة الطقس تسمح بذلك (سباركس ١٩٦٢، ليفرسيدج في كتابه «الزهرة وشجرة الورد» ١٩٥٨: ٢٩–٣٨). وحتى إذا كانت الأُسَر غنية إلى حدٍّ يتيح لها استئجار طهاة، فغالبًا ما كان يُتوقَّع أن يجلب الطاهي معه عبيدَه وأوانيه. ويبدو أن ثمة قدرًا كبيرًا من التفاوت في هذا الصدد؛ ففي مسرحية «ديسكولوس» من تأليف ميناندر — على سبيل المثال — يأتي الطاهي بالأثاث ولكنه يُضطر لاستعارةِ قدورِ الطهي. وكان لا بد من اتخاذ ترتيباتٍ خاصة لاستقبال الضيوف ممَّنْ ليسوا من الأقارب، خصوصًا في مدن مثل أثينا القديمة حيث كان يُطبَّق عزل النساء عن الرجال. وكان يتحقَّق ذلك العزل بعدة طرق؛ فإذا كان المنزل كبيرًا، كان من الجائز تخصيصُ غرفةٍ خاصة أو «أندرون»، وكان من الممكن أيضًا إقامة المآدب في الهواء الطلق (راجع أدناه)؛ ففي مسرحية «ديسكولوس» لميناندر، يُطبَّق العزل بين الجنسين في الهواء الطلق. وكان الناس يتناولون الطعام أيضًا في الأماكن العامة، وفي المباني الحكومية، وفي حرم الأماكن الدينية، وكانت الأعياد الدينية على الأرجح هي محور هذا النوع من مناسبات تناوُل الطعام. وكان من الممكن أيضًا الاحتفال بالمناسبات العامة في المنزل، ومن أمثلة ذلك — فيما يبدو — عيد ديونيسيا الريفي في أتيكا؛ حيث كان الجمهور يحتفل بالعيد، ولكن كانت كلُّ أسرة تستخدم منزلها للاحتفال به (باركر ١٩٨٧). وكان يُقدَّم الكثير من المآدب المختلفة؛ فالنقوش التي عُثِر عليها في آسيا الصغرى وروما ودرسها شميت بانتل ١٩٩٢ ودوناهو ٢٠٠٥، تسجِّل وجودَ مجموعةٍ متنوعة من المآدب ووسائل الترفيه كان يقدِّمها السياسيون وفاعلو الخير، ومن بينها جلسات احتساء النبيذ الحلو التي تتخلَّلها عروضٌ ترفيهية خفيفة، أو الولائم الدينية، أو التجمعات السياسية الحاشدة. وكان هذا النوع من الولائم العامة من أهم صور الرعاية وإعادة توزيع الطعام. وكان من أرفع أمثلة التنوع أيضًا الإمبراطورُ الروماني؛ يصف سيوتونيوس عادات تناول الطعام لدى الإمبراطور أغسطس في المآدب الخاصة («الإمبراطور أغسطس» ٧٠)، وفي المآدب ذات المناسبات السياسية (٧٤)، وفي الأعياد مثل عيد ساتورناليا، وأخيرًا عند تناول الطعام بصفة غير رسمية حين كان بمفرده. وفي الحالة الأخيرة، كان يتناول وجبة خفيفة وهو يسير، وهو أقرب شبهًا بالطريقة الحديثة (راجع نهاية الفصل التاسع). وكان معظم الأحرار في العصر القديم يتناولون طعامهم أحيانًا في بعض المناسبات بطريقة رسمية أكثر من مناسبات أخرى، ربما مرة أو مرتين في العام، وربما يوميًّا إذا كانوا أغنياء وذوي نفوذ.

fig9
شكل ٢-٤: في أثينا القديمة، كان الكثير من المنازل صغير المساحة فيما يبدو. وفي القرون اللاحقة، أخذ المواطنون الأغنياء في أنحاء الإمبراطورية الرومانية يبنون منازلَ كبيرة — سواء أكانت منازل حضرية أم ريفية كبيرة — كانت تضم مرافقَ لتناول الطعام في الداخل والخارج. وكثيرًا ما كانت تدعو الضرورة — كما هي الحال هنا في منزل فيتي في بومبي — لوجود أكثر من غرفة طعام واحدة فيما يبدو (غ = غرفة الطعام، وم = المطبخ).

كانت هناك أيضًا متاجر ومقاصف تقدم الأطعمة والمشروبات وتبيعها للزبائن، إما ليتناولوها في مكانِ بيعها وإما ليأخذوها معهم إلى منازلهم. وكان الأغنياء غالبًا ما ينظرون إلى هذه المقاصف التي كان يُطلَق عليها «كابيليا» أو «بوبناي» أو «تابريناي» بنظرة شك بالغة. وينتقد ثيوبومبوس المقاصف الغوغائية في بيزنطة؛ ويستهزئ جوفينال بالمقاصف في روما. وفي غير ذلك من الأماكن، كثيرًا ما ترتبط المقاصف ذهنيًّا بالدعارة. يذكر جالينوس أن الدعارة كانت تُقدَّم في حاناتٍ معينة («عن قوى الأطعمة» ١، ٣). من ناحية أخرى، يصف فارو في كتابه «عن الزراعة» حانة على جانب الطريق بأنها خيار تجاري مستحسن يلجأ إليه المزارع إذا كان الحقل يقع بجوارِ طريقٍ مزدحم. وربما كان يبدو الكثير من هذه الفروق مختلفًا من وجهة نظر المواطنين من غير أبناء الطبقات الراقية. وتوجد أدلة كثيرة على وجود مقاصف وحانات في مدينتَيْ بومبي وهركولانيوم (لورانس ١٩٩٤)؛ فهي موجودة عند الكثير من مفارق الشوارع، ويبدو أنها كانت مهمة في توفير الطعام والشراب (الساخن أو البارد في كلتا الحالتين)، وفي توفير أنماط مَرِنة من تناول الطعام، سواءٌ أكان في الأماكن المغلقة أم في الخارج. كان المسافرون والمواطنون أيضًا بحاجةٍ إلى الطعام، وأحيانًا إلى المبيت في الحانات الكبيرة، ولا بد أن نتخيَّل وجود مجموعةٍ متنوعةٍ من الخيارات تتراوح بين الحانة الكبيرة والكشك الصغير المخصَّص لبيع المأكولات والمشروبات لتناولها في المنزل (راجع أيضًا كليبرج ١٩٥٧).

بالإضافة إلى الأماكن المبنية، كانت الأماكن المفتوحة أيضًا تقدِّم فرصًا عدة لتناول الطعام في الهواء الطلق. ويأتي وصفٌ لأمثلة بارزة في الكثير من النصوص المختلفة؛ فقد كانت الخيام تُنصَب في عيد ثيسموفوريا لتوفير مكانٍ مسقوف لإقامةِ احتفال بديميتر وبيرسيفوني يقتصر على النساء فقط. تتحدَّث شخصيات في مسرحية كوميدية من تأليف أريستوفان — وهي «المُحتفِلات بعيد ثيسموفوريا» — عن كَوْنهن رفيقات الخيمة، فهنَّ يسكنَّ ويأكلْنَ معًا بدلًا من السكن والأكل في بيوتهن مع أُسَرِهن (راجع أيضًا الفصل الثالث). وتُنصَب خيامٌ أقمشتُها ذاتُ تصميماتٍ بديعة لإقامةِ وليمةٍ جماعية مميزة في مدينة دلفي في مسرحية «أيون» من تأليف يوربيديس (راجع شميت بانتل، ١٩٩٢). كان الملوك الفُرْس يسافرون في أنحاء إمبراطوريتهم ويُقِيمون في مدنٍ من الخيام، وكانت تُقام للإسكندر الأكبر قاعاتُ طعامٍ واسعة من الخيام إبَّان غزوه للشرق. ويبدو أن استخدام الإغريق والرومان للخيام يرتبط بهذه النماذج، وهي نماذج نشأَتْ بفِعل أساليب الحياة البدوية الأصلية في ممالك الشرق الأدنى، وبسبب متطلبات الحملات العسكرية.

وكان الرومان مولعين أيضًا بتناول الطعام في الحديقة، وتوجد أمثلة على ذلك بين المواطنين الأغنياء في بومبي، كما كان يحظى الأباطرة بخياراتٍ عدَّة لتناوُل الطعام في الهواء الطلق. وذلك فضلًا عن زينة الغُرَف من الداخل؛ إذ كانت جدرانها تحمل رسومًا تحاكي عالم الطبيعة، وكان من بينها لوحاتٌ جصيَّة تصوِّر المناظرَ الطبيعية والمشاهِدَ البحرية والجمادَ. يصف كلاريدج (١٩٩٨: ٢٩٠–٢٩٢) القصرَ الذهبي البديع الذي كان يسكنه نيرون، وتصوِّر لوحة فسيفساء في مدينة باليسترينا مأدبةً مُقامَة في الهواء الطلق في دلتا النيل.

(٥-١) الأثاث

في كل العصور، نجد أن قِطَع الأثاث وأدوات المائدة وغيرها من الأدوات المرتبطة بتناول الطعام تحظى بأهمية كبرى. لاحَظَ المؤلِّفون من عصور أحدث أن أبطال ملاحم هوميروس كانوا يجلسون على مقاعد عند تناول الطعام، ولم يأكلوا وهم متَّكِئون، وكانت الأرائك التي يتَّكِئ عليها مَنْ يأكلون قد دخلَتْ إلى البلدان الإغريقية في العصر الموغل في القِدَم فيما يبدو، وتظهر بالتأكيد في الرسوم التي تزيِّن المزهريات الكورنثية من القرن السادس إلى ما بعد ذلك (موراي ١٩٩٠).

تطرح عادةُ تناوُلِ الطعام أثناءَ الاضطجاع على الأرائك موضوعاتٍ على درجة كبيرة من الأهمية في دراستنا عن عادات تناوُل الطعام القديمة؛ فهذه العادة من العادات (المذكورة في الفصل الأول) التي انتقلَتْ شرقًا عبر البحر المتوسط. وقد اكتسب الآشوريون والفُرْس وغيرهم من الشعوب الشرقية عادةَ الاتِّكاء عند تناوُل الطعام كجزءٍ من عادات تناول الطعام الملكية والأرستقراطية التي ربما تكون قد نبعت من أسلوب حياتهم البدوي. ويظهر الملك الآشوري آشور بانيبال على لوحةِ نحتٍ بارزٍ شهيرة — موجودة حاليًّا في المتحف البريطاني — وهو متَّكِئ عند تناوُل العشاء، ويظهر رأسُ أحد الأعداء معلَّقًا على شجرة مجاورة. وتؤكِّد عدة فقرات وردَتْ في العهد القديم الأدلةَ المستقاة من المؤلفين الإغريق ولوحات النحت البارز الإغريقية التي تُثبِت أن الفُرْس كانوا يضطجعون عند تناول الطعام؛ فمثلًا في سِفْر أستير الإصحاح الأول، نقرأ عن الوليمة الفاخرة التي أقامها الملك الفارسي لجماعةٍ من تابعيه، ووُضِعَت خلالها أرائك (أو أَسِرَّة) في ساحةٍ كبيرةٍ في الحديقة. وقد تعلَّمَ الإغريقُ هذه العادةَ إما بطريقةٍ مباشِرةٍ من الآشوريين، وإما بطريقةٍ غير مباشِرةٍ بالانتشار عبر البلدان التابعة للإمبراطورية الفارسية. وكانت هذه من الطرق المريحة والباهظة لتناول الطعام، وكان الكثير من الطبقات الراقية في بلدان البحر المتوسط يسعى لتقليدها حتى يتباهى بقدرته على الاتصال بالشعوب في المدن الإغريقية أو غيرها من البقاع. وصوَّرَ بعض النصوص التي سنراها في الفصل السابع — والتي ناقشتُها في ويلكنز (٢٠٠٠) — الفُرْسَ على أنهم قومٌ مُولَعون بالترف ومُنَعَّمون إلى أقصى درجة. ولكن الإغريق، والإتروريين والرومان فيما بعدُ، تأثَّروا تأثُّرًا شديدًا بعادات أقوى إمبراطورية في بلدان البحر المتوسط المُوغلة في القِدَم والكلاسيكية القديمة، وكان من بين العادات الأخرى المأخوذة عن الفُرْس تصويرُ المآدب في الأعمال الأدبية والفنية؛ فنادرًا ما يظهر الملك الفارسي وهو يأكل؛ إذ كان يظهر بالتأكيد وهو يشرب والطعام في متناوله أحيانًا، ولكن نادرًا ما يظهر وهو يأكل. وبالمثل، يفضِّل الكثير من نماذج الأدب والفن الإغريقي الروماني احتساءَ الخمر على تناول الطعام، وكأن الطعام شيءٌ فظٌّ إلى حدٍّ يفسد التصويرَ الملكي أو الأرستقراطي. إن النماذج المتناقضة التي تصوِّر الفُرْس بالتزامن مع استيعاب البلدان الإغريقية لهذه المؤثرات حتى أصبحت من عاداتها؛ ليسَتْ فقط أفكارًا ملتبسة أو ردودَ فعلٍ متضاربة تجاه بلدٍ مجاورٍ ذي نفوذ، بل تنبع من مكانة تناول الطعام والشراب في الثقافة الإغريقية الرومانية والثقافة الأشمل لبلدان البحر المتوسط. ولا تختلف الأسئلة المتعلقة بملك فارس عن الأفكار الملتبسة المتعلِّقة بالقصور الهلنستية أو الموجودة في قصور الأباطرة الرومان؛ فهل ينبغي أن يصوِّر الإمبراطور أغسطس كلَّ الثراء والتنوُّع في الإمبراطورية، أم ينبغي أن تكون الغلبة للعُرْف والبساطة والتقشُّف؟ وما زال السؤال يُطرَح حتى اليوم.

fig10
شكل ٢-٥: الملك آشور بانيبال — ملك آشور — يتناول الطعام مع زوجته الملكة وهو يتَّكِئ على غرار الإغريق والإتروريين والرومان وغيرهم من شعوب بلدان البحر المتوسط، وتجلس زوجته معه ولكنها غير متَّكِئة. وهو يظهر مرسومًا على مستوًى أعلى من رجال حاشيته؛ مما يدل على غلبة مبدأ التسلسُل الهرمي على نسق جلسة الشراب الإغريقية (ولكن ليست الرومانية) القائمة نظريًّا على المساواة. ويظهر رأسُ أحد الأعداء مُعلَّقًا على شجرة. (حقوق الطبع والنشر لأمناء المتحف البريطاني.)

يبدو أن الأرائك كانت جزءًا من التأثير الشرقي على الطبقات الراقية في العصور القديمة؛ إذ كانت تتنافس في التباهي بتناول الطعام بهذا الأسلوب الجديد، وبمرور الزمن تغلغل هذا الأسلوبُ في كل الطبقات؛ ومن ثَمَّ أصبح عادةً معروفةً في المدن الإغريقية بحلول أواخر القرن الخامس. وأحاول أن أبرهن في ويلكنز (٢٠٠٠) على أن عادةَ الاتِّكاء كانت مألوفةً في جلسات الشراب، ويبدو لي أن الأثاث وأساليب تناول الطعام كانت بموجب الرقي الأرستقراطي، ولكن الاتكاء واحتساء الخمر الممزوج بالماء كانت عاداتٍ منتشرةً في كل الطبقات؛ والمقصود هو كل طبقات الرجال ذوي المكانة الرفيعة، فلا يُعتقَد أن النساء ذوات المكانة الرفيعة كنَّ يتَّكِئْنَ، على الأقل في حضور الرجال، إلا إذا كانت المناسبة تتطلَّب ذلك — مثل حفل زفاف — وبشرط توافُر إمكانيةِ فصْلِ النساء عن الرجال في أماكن الاتكاء. وتوضِّح الرسومُ المأخوذة من لوحات النحت البارز الجنائزية — وفيها يبدو الرجالُ وهم متَّكِئُون عند تناول الطعام في مناسبةِ وفاةٍ — الأرملةَ التي ترتدي ملابس الحداد جالسةً بجوار الأريكة. وكانت المَحظيات أحيانًا يتكِئْنَ؛ أما النساءُ ذوات المكانة الرفيعة فلم يكنَّ يتَّكِئْنَ. وكان الفقراء يميلون للاتكاء على حشيةٍ من القش أو ما يعادل ذلك، وكانت تُسمَّى «ستيباس»، ويوجد ما يدل على وجودها في كل العصور؛ ففي القرن الرابع قبل الميلاد، يذكرها أفلاطون في كتابه المثالي «الجمهورية» (راجع الفصل السابع)، ويذكر ميناندر واحدةً منها في نزهة خلوية ريفية بغرض تقديم القرابين في مسرحية «ديسكولوس» (يَرِد استشهادٌ بها في الفصل الثالث). وهي موجودة في وصف ديو كريسوستوم لحفل زفاف ريفي في القرن الثاني الميلادي (الخطبة اليوبية ٧)، وفي رسومٍ من الفسيفساء تصوِّر تناوُلَ الطعام من شمال أفريقيا.

fig11
شكل ٢-٦: الوليمة بالملابس التنكُّرية، من مدينة الجمِّ التونسية (ثيسدروس القديمة) عام ٢٠٠–٢٢٠ تقريبًا. (لوحة بالفسيفساء) المتحف الوطني في باردو في تونس لاوروس/جيرودون. تصوِّر لوحة الفسيفساء مجموعة من الأشخاص يتناولون الطعام في مدرج روماني، ويتحدثون بكلماتٍ دارجة مثل العبيد المُحرَّرين الذين يجيء ذِكْرهم في رواية «ساتريكون» من تأليف بترونيوس. ويتناقض هؤلاء الندماء المنتمون للطبقة الدنيا مع الكثير من صور الفسيفساء التي عُثِرَ عليها في الفيلات الفاخرة (مصدر الصورة: http://www.bridgemanimages.com/en-GB).

وأحيانًا نجد تفاصيلَ تتناول عددَ الأرائك الموجودة في الغرفة الواحدة. ويقول أركستراتوس إنه يكفي وجود ثلاثة إلى خمسة من الحاضرين لتناوُل الطعام، ولكن في أماكن أخرى نجد أعدادًا أكبر بكثير. ويأتي أثينايوس على ذِكْر هذا الموضوع في كتابه «مأدبة الحكماء»، ويستشهد — مثلًا — بغرفةٍ تتَّسِع لسَبْع أرائك من مسرحية كوميدية من تأليف الشاعر الأتيكي فرينيكوس من القرن الخامس، ويذكر زينوفون غرفةً مشابِهةً في كتابه «حوار المأدبة» الذي تدور أحداثُه في منزل كالياس الأرستقراطي. ثمة شكٌّ في النص الذي يصف وليمةَ زفافِ كارانيوس المقدوني المذكورة آنفًا، يتعلَّق بما إذا كان عددُ مَن حضَرَها ٢٠ أم ١٢٠ مدعوًّا متَّكِئًا على أرائك. وقد رأينا أيضًا أعدادًا تصل إلى ٣٠ أريكة في الغرفة الواحدة لدى ديونيسوس الثاني، وعددًا يتراوح بين ١٠٠٠ و١٥٠٠ أريكة ثلاثية الأضلاع في أنطاكية الهلنستية.

ونلاحظ حدوث تطوُّرات مشابهة في إيطاليا؛ إذ بدأ الإتروريون وغيرهم من الشعوب الإيطالية القديمة — بما في ذلك اللاتينيون والرومان — الأخْذَ بعادةِ الاتكاء (راجع راثجي١٩٩٠). حين نتأمَّلُ الأوصافَ التي تتناول التأثيرات الإغريقية والشرقية على الرومان عندما بدءوا يتشرَّبون عاداتِ البلدان الواقعة شرقَ البحر المتوسط في القرن الثالث قبل الميلاد والقرون التي أعقبَتْه؛ نجد أن الأثاث وكذلك الأطعمة الجديدة من العناصر التي تركت تأثيرًا ملحوظًا، والأمر نفسه ينطبق على الأعمال الفنية والغنائم الأخرى التي كان يستولي عليها المنتصرُ في الحرب. وكان مثل هذه الواردات مثارَ منافسةٍ ناجحة فيما بين أفراد الطبقة الراقية الرومانية، تمامًا كما كانت الحال لدى نظرائهم الإغريق في العصر القديم.

أما فيما يتعلَّق بأدوات المائدة، فقد أحدثَتِ المزهريات المصنوعة من الخزف تأثيرًا هائلًا، فضلًا عن الصحون والأطباق المرافقة لها، وهي تُثبِت أن الطعام والنبيذ كانا يُقدَّمان في أدوات مائدة مزخرفة. وتركت الأدوات المعدنية تأثيرًا أكبر، وهذا ما نراه في أدوات المائدة الكورنثية الأنيقة وأدوات المائدة الذهبية والفضية التي استخدَمَها كارانيوس في المأدبة المقدونية التي ورد وصفها آنفًا، وفي الكثير من الأمثلة الإغريقية والرومانية، وأهمها مأدبة تريمالكيو؛ فنراه أيضًا يفتخر بما يملكه من أثاثٍ وتحفٍ مصنوعة من البرونز الكورنثي الأنيق.

وكان التصميم المعماري ذو الحجم الكبير لغرفة الطعام يتماشى مع هذا الأثاث؛ إذ كان يتسم في البداية بشكله المميَّز الذي يتَّسِع للأرائك، وذلك في اليونان أو روما، ثم صار بعد ذلك يتسم بوحدات تزيين الجدران مثل اللوحات الجَصِّية والأشكال الخاصة المستخدَمة في لعبة «كوتابوس» (لعبة نقر زجاجات الخمر) ورسوم الفسيفساء التي تكسو الأرضيات، والتي أصبحت في العَصرَيْن الهلنستي والروماني منتشرةً في غُرَف الطعام عند الأثرياء، وأتاحت للمختصين بالزخرفة فرصةَ تصويرِ الأحداث وعكسها على المائدة وحولها. وأكَّدَ هيبولوكوس على ثراء مأدبة كارانيوس. وقُدِّم هذا أيضًا في عصور لاحقة في موضوعاتٍ تَظهر في رسوم الفسيفساء، تصوِّر ثراءَ نهر النيل أو ثراءَ البحر. ونجد أن العلاقة بين البحر والثراء تسجِّلها على نحوٍ بارزٍ للغاية رسومُ الفسيفساء الموجودة في الفيلات الرومانية في شمال أفريقيا (في تونس في العصر الحديث)؛ إذ كانت تظهر على أرضيتها صورٌ فخمة لمأكولاتٍ بحرية، على الرغم من أنها تبعد أميالًا عن البحر.

(٥-٢) تناوُلُ الطعام في مناسباتٍ خاصة

غالبًا ما كان الناس يتناولون الطعام في العصر القديم في مناسباتٍ خاصة. كانت الأعياد التي تنظِّمها المدينة أو الأفراد الأغنياء مناسباتٍ مميزةً، تأتي على النقيض من تلك المناسبات الخاصة، وكانت المآدب الخاصة تتخذ صورًا شتَّى، بحسب المناسبة ووقتها. وكان يتفاوت عدد الوجبات في اليوم، ولكن توجد أدلة كثيرة على تناول وجباتٍ خفيفة في أوقات الإفطار و/أو الغداء، فضلًا عن وجبةٍ أكبر في وقتٍ متأخِّر من اليوم. وكانت هذه هي الوجبة التي كان يُدعَى الغرباء إليها، والتي كانت مناسِبةً لتقديم أطباقٍ أشهى من الوجبتين السابقتين، كما كانت هي الوجبة التي تُسجَّل على الأرجح في المصادر الأدبية. وكما رأينا، يسجِّل سيوتونيوس أن الإمبراطور أغسطس كان يحتفي بضيوفه رسميًّا في مثل تلك المناسبات، على عكس الترتيبات التي يتخذها عند تناول الطعام بمفرده؛ إذ كان غالبًا ما يأكل وهو يسير وقد تخفَّفَ إلى حدٍّ كبير من الرسميات. وبالمثل، يسجِّل بلوتارخ أن كاتو الأكبر كان كثيرًا ما يأكل مع عبيده حين يكون موجودًا في المنزل، وكان يحتسي النبيذَ نفسه الذي كانوا يحتسونه. ويتحدَّث كُتَّاب السِّيَر عن تفضيل هؤلاء القادة ذوي السلطان للبساطة؛ وذلك لأنهم كانوا يرونه أمرًا فريدًا من ناحيةٍ، ويفصح عن خُلُق قويم من ناحيةٍ أخرى. ولكن هؤلاء القادة وغيرهم كانوا يتناولون الطعامَ بكلِّ دلائلِ الهيبة والسلطان حين يرون ضرورةً تستوجب ذلك، وكانت تلك المناسبات على الأرجح صورًا مميزة من الوجبة الرئيسة لليوم.

ومن ثَمَّ، من المفترض أن نتوقَّع وجود طعام عادي نسبيًّا في الوجبات الخاصة (الإفطار و/أو الغداء)، ووجود أطعمة وأدوات مائدة أفخم — وحضور ضيوف إذا تيسَّرَ ذلك — في الوجبة الفاخرة أو ما يُطلَق عليه باللاتينية «سينا». ويستغني المؤلف الذي يتَّبِع مدرسة أبُقراط الذي ألَّفَ «الحمية ٣» (٦٨) عن الوجبات البسيطة تمامًا، ويوصي بوجبة واحدة فقط يوميًّا. ويجيز ديوكليس من كاريستوس — وهو كاتِب من القرن الرابع قبل الميلاد — الغداءَ والعشاءَ (الشذرة ١٨٢، ٥–٧ فان دير إيجيك ٢٠٠٠)، ويوصي بتخصيص اللحم والأسماك للعشاء. تُضْفِي الوجبات رونقًا على اليوم كما تُضْفِي الأعيادُ رونقًا على العام، ومن غير المرجَّح أن تنطبق الوصفاتُ الطبية التي يُصْدِرها الأطباء على السواد الأعظم من السكان. يصف جالينوس — على سبيل المثال — وجبةً فاخرةً تقاسَمَها مع عمَّال الحقول كانت تتألف من قمحٍ مسلوقٍ لأن الخبز كان قد نفِدَ (راجع ما سبَقَ طرْحُه في هذا الفصل). ونجد أن الوجبة تُحضَّر فورًا، ولكن مكوناتها الأخرى (إنْ وُجِدت) غير مذكورة. وهذه وجبة من أبسط أنواع الوجبات على الإطلاق، وقد تناوَلَها جالينوس لأنه كان مسافرًا وجائعًا. ويمكن الاطِّلَاع على صورةٍ أفخمَ للحياة القروية في آسيا الصغرى في كتابٍ من تأليف ميتشيل (١٩٩٣).

وكان الأغنياء غالبًا ما يَدْعُون الضيوفَ على فترات كثيرة متقاربة، أما الفقراء فكانوا يَدْعُون الضيوفَ مراتٍ أقل بكثير، وربما في مناسبات مميزة فقط مثل الأعراس والتجمعات العائلية. وتؤكِّد لنا مصادرُنا أن ظروفًا مختلفة كانت سائدة في عادات تناول الطعام الرسمية لدى الإغريق ولدى الرومان؛ فالمساواة بين كلِّ مَن يجلسون إلى المائدة لتناوُل الطعام كانت سمةً مميزة لدى الإغريق، بينما كانت المأدبة الرسمية الرومانية تتَّسِم بتنظيم هرمي للتأكيد على تفضُّل الغني بمَنْحِه هذه المأدبة. ويقال أيضًا إنه كانت هناك فوارق واضحة قائمة على النوع الاجتماعي؛ إذ كانت النساء من صاحبات المكانة الرفيعة يحضرْنَ المآدبَ الرومانية، ولكن لا يحضرْنَ المآدبَ الإغريقية. وتستحق هذه المزاعم قدرًا من الاستقصاء، لا سيَّما أن عددًا من مصادرنا — من بينهم أثينايوس — كان يجمع بين العادات الإغريقية والرومانية.

(٦) الطعام والمكانة الاجتماعية

لم يكن مبدأ المساواة في المأدبة الإغريقية مُتَّبَعًا بدقةٍ كما كان يُفترَض. كان التابعون في المجتمع الروماني يرتبطون بحامٍ ذي نفوذ، أما المدن الإغريقية فكان ينتشر فيها عُرْفُ المنتفعين أو المتملقين، وكان هؤلاء هم مَنْ يحضرون المأدبة دون أن يحقَّ لهم الحضور، ولكن كانوا مضطرين لتملُّق صاحب المأدبة. يصوِّر زينوفون أحدَ هؤلاء في كتابه «حوار المأدبة»، وفيه يصل فيليب جائعًا ودونَ دعوةٍ ويتوقَّع أن يستحق الحصول على طعامه مقابل إلقاء النكات، وحين لا تَلْقَى نوادرُه فيما يبدو إعجابَ أحدٍ يلوذ بالصمت؛ لأن خطتَه فشلَتْ حسبما يبدو؛ فلا يتناول الطعامَ بسبب فشله في تسلية الحاضرين، وفي الأحداث التالية، يقلِّد رقصةً تؤدِّيها إحدى الراقصات تقليدًا مُنفِّرًا. ونجد أن أفضل المعلِّقين على الحياة اليومية في أثينا إبَّان القرن الرابع — وهم الشعراء الهزليون — يكثر بينهم المنتفعون الذين كانوا يذلون أنفسَهم بطرق مُخْزِية شتَّى حتى يحقَّ لهم الحصول على طعامهم، ويجمع أثينايوس الكثيرَ من الأمثلة على ذلك في الجزء السادس من كتابه «مأدبة الحكماء»، وكذلك ألَّفَ الشاعر الهزلي يوبوليس مسرحيةً بعنوان «المُتملِّقون» في القرن الخامس، وهي تصوِّر مجموعةً من الكسالى يَستَجْدُون كالياس الغني طمعًا في طعام موائده. ونجد وصفًا أكثر إيجابيةً لهذه الصورة من صور التفضُّل في كتاب «بروتاغوراس» لأفلاطون وكتاب «حوار المأدبة» لزينوفون، وفي كلَيْهما يدعو كالياس سقراطَ وفلاسفةً آخَرين إلى مأدبة في منزله. وكان المُنتفِعون حاضرين فعلًا في ملحمة «الأوديسا» من وجهةِ نظرٍ ما؛ فقد كان المتقدِّمون لطلب يد بينيلوبي رجالًا ذوي مقامٍ رفيع وليسوا مُنتفِعين، ولكنهم كانوا يأكلون من ماشية الملك أوديسيوس دون أن يقدِّموا شيئًا مقابلَ ما يأكلونه، وكانوا أيضًا يُسِيئون معاملةَ فئةٍ اجتماعية أدنى من المُنتفِعين — وهم الشحَّاذون — الذين كان يحقُّ لهم استجداء الناس طلبًا للطعام من الموائد، مع أنه لم يكن يحقُّ لهم الجلوس إلى المائدة وحضور المأدبة. وكان هؤلاء الخُطَّاب يُسِيئون معاملةَ أفراد أسرة أوديسيوس الغائب حين كانوا يأكلون من حيواناته دون وجه حقٍّ، ويُسِيئون معاملةَ الشحَّاذين حين حاولوا حرمانهم من الطعام الذي لم يكن حتى مِلْكًا لهم.

كانت ثمة وسائل أخرى لإظهار المكانة الاجتماعية الراقية، ومن أبرزها رعايةُ القرابين وعملياتُ توزيع الطعام على الأهالي؛ وهذه سمة من سمات المدن الإغريقية الهلنستية، وهي منتشرة في روما في عهدَيْها الجمهوري والإمبراطوري، كما سجَّلَتْ ذلك دوناهو (٢٠٠٥) (راجع الصفحات السابقة من هذا الفصل). وفي روما، كانت المآدب — سواء أكانت خاصة أم عامة — تُنظَّم تنظيمًا هرميًّا متشددًا، وهذا واضحٌ في عمليات توزيع الطعام التي يُشرِف عليها الإمبراطور في ساحاتٍ واسعة، وكانت فئاتٌ مختلفةٌ من المواطنين تتلقَّى فيها حصصًا مختلفة من الطعام، وهو واضح كذلك في استضافة الأسياد الأغنياء للتابعين الفقراء. وقد استشهدتُ في موضعٍ سابق في هذا الفصل بمثالٍ حافِلٍ بالتفصيل عن هذا في المقطوعة الهجائية الخامسة لجوفينال، وكان المضيف يستعرض أيضًا ثراءَه وإحسانَه بدعوةِ أعدادٍ كبيرة من الضيوف إلى مأدبةٍ، كما كان يفعل الكثير من الأباطرة الرومان، وكما رأينا فيما سبَقَ من ديونيسوس الثاني في سيراقوسة وأنطيوخوس الرابع الظاهر في أنطاكية. ويذكر بلوتارخ في كتاب «حديث المائدة» (٥، ٥) أن ذلك البذخ لم يكن بالضرورة فكرة جيدة؛ وفي هذا الشأن، يجب أن نضع في اعتبارنا أن دعوةَ الضيوف على العشاء بمثل هذا العدد الكبير كانت دائمًا الاستثناءَ وليست القاعدة، وأنه حتى بين أفراد الطبقة الراقية، كانت مَشاهِدُ مثل بلينوس وهو يتناول الطعام مع زوجته (راجع ما يأتي) معتادةً ومألوفةً أكثر من الوليمة الكبيرة المُقامة بغرض الإحسان.

(٧) الطعام والنوع الاجتماعي

كانت النساءُ من صاحبات المكانة الرفيعة يحضرْنَ المأدبة الرومانية، خاصةً في القصر الملكي، وغيرها من المناسبات الرسمية، ولكن يبدو أن عدد الحاضرات في المأدبة لم يكن كبيرًا مثل الرجال. ويرسم كاتِب السِّيَر الروماني كورنيليوس نيبوس فارقًا واضحًا بين العادة الإغريقية والعادة الرومانية في هذا الشأن (تمهيد ٦-٧):

أيُّ روماني يخجل من إحضار زوجته إلى المأدبة الرسمية؟ أو مَن الذي لا يتيح لربةِ الأسرة أن تحتلَّ المكانَ الأول في المنزل وتنتقل في الأماكن العامة؟ تختلف العاداتُ الإغريقية في هذا الشأن اختلافًا كبيرًا؛ إذ لا يُسمَح للمرأة الإغريقية بحضور المأدبة الرسمية إلا إذا كانت مأدبة عائلية، ولا يتاح لها الجلوس إلى المائدة إلا في القسم الداخلي من المنزل.

يبدو أن هذا الكلام ينطبق على الأدلة الإغريقية؛ إذ نجد أن الشذرة ١٨٦ من ميناندر تصف مأدبة عائلية: «إنها مهمة صعبة أن يجد المرءُ نفسَه في حفل مأدبة عائلية، وفيها يمسك الأب بالقدح ويستهلُّ الكلام، وبعد أن يوجِّه النصائحَ إلى الشاب في مَرَح يأتي دور الأم بعده، ثم تتمتم الخالة العجوز ببعض الترهات على هامش الحديث، ثم يتحدَّث شيخٌ ذو صوت أجش، وهو أبو الخالة، وتعقبه امرأة عجوز تخاطب الشاب بأنه أعزُّ مَنْ لديها بينما يُومِئ هو برأسه موافِقًا على كلامهم جميعًا» (ترجمه إلى الإنجليزية: جوليك). تقدِّم النصوص الهزلية من القرنين الخامس والرابع أدلةً على مناسبة مشتركة، ولكن ذات ترتيباتٍ مختلفة للضيوف من الرجال والنساء في حفلات الزفاف (يوانجيلوس الشذرة ١): «أخبرتك، أربع موائد للنساء وست موائد للرجال، مأدبة كاملة ولا ينقصها شيء …» (راجع ويلكنز ٢٠٠٠: ٦٠). ويصف ديو كريسوستوم ترتيباتٍ مشابهةً في حفل الزفاف الذي أُقِيم في جزيرة يوبيا في القرن الثاني الميلادي (ورَدَ ذِكْرُ ذلك في بداية الفصل). فحفلات الزفاف من المناسبات شبه العامة التي تتوافر أدلةٌ عليها، وليست لديَّ فكرةٌ عن أي دليلٍ يُثبِت إقامةَ مآدب خاصة ويتناقض مع ما قاله نيبوس، وهو يتحدَّث عن النساء صاحبات المكانة الرفيعة طبعًا، وليس الإماء و«الهيتاراي» (أيِ المَحظيات)، ممَّنْ كنَّ يحضرْنَ في جلسة الشراب الإغريقية، كما نتناول ذلك في الفصل السادس. ويبدو أن هيرودوت قد استبَقَ في كتابه (٥، ١٨، ٢-٣) الدليلَ الذي يقدِّمه نيبوس قبل ذلك بأربعمائة عام. يذكر هيرودوت أن بعض المبعوثين الفُرْس يطلبون من أمينتاس المقدوني دعوةَ الزوجات والمَحظيات لحضور المأدبة، سَيْرًا على العادات الفارسية؛ فيقال لهم إن تلك ليسَتِ العادة المتَّبَعة في مقدونيا (ويشمل هذا ضمنيًّا اليونان). ينقل بلوتارخ («حديث المائدة» ١، ١) العادةَ الفارسية على نحوٍ مختلف، زاعمًا أن الحاضرات في جلسات الشراب كنَّ من المَحظيات لا الزوجات.

والأدلة التي تثبت حضور النساء أوقات الطعام كثيرة نسبيًّا. يقدِّم فاليريوس ماكسيموس وصفًا يُضفِي صبغةً مثالية (٢، ١) على النساء الجالسات في المأدبة بجوار أزواجهن الذين كانوا متَّكِئِين. وكان يُتخيَّل أن الإلهة جونو والإله جوبيتر يتناولان الطعامَ أيضًا. ولكن يشير فاليريوس إلى أن الناس لم يعودوا يتَّبِعون تلك العادةَ في عصره. وفي الماضي أيضًا، لم يكن النساء يشربْنَ النبيذ. وربما تكون هذه الصورة المثالية للفضيلة الواردة في كتاب «الجمهورية» ليسَتْ أكثرَ من مبدأ عام قائم على الورع يتناسب مع الخطاب الوعظي للعصر. وكانت الفضيلة المحافِظة أيضًا ممكنةً في ظلِّ حُكْمِ الأباطرة. يصف بلينوس الأصغرُ أمسيةً في المنزل مع زوجته وأصدقائه («الرسالة» ٩، ٣٦):

حين أتناول طعامي بمفردي مع زوجتي أو مع بضعة أصدقاء، يقرأ لنا أحدُهم كتابًا بصوتٍ عالٍ في أثناء ذلك، وبعدئذٍ نستمع إلى مسرحية كوميدية أو مقطوعة موسيقية. (ترجمه إلى الإنجليزية: راديس)

يؤكد شعراء الحب وجودَ النساء في المآدب، وأنَّ منهن مَن كنَّ يتعرَّضْنَ للإغواء وهنَّ برفقة أزواجهن (ماكيون ١٩٨٧). ومن الصعب قراءة هذا الدليل ما دام هذا الجنس الأدبي يسعى لخلخلة أنماط السلوك المقبولة، وكثيرًا ما تكون مكانةُ حبيبة الشاعر غيرَ واضحة. ويصوِّر فنُّ الهجاء أيضًا حضورَ النساء للمآدب، وذلك في تصويرٍ عدائيٍّ في «المقطوعة الهجائية السادسة» لجوفينال، وفي وصفٍ أقل عنفًا في «عشاء مع تريمالكيو» من تأليف بيترونيوس. وفي أعلى مستوًى اجتماعي، كانت زوجاتُ الأباطرةِ وأعضاءِ مجلس الشيوخ يتناولْنَ طعامَهن في القصر الإمبراطوري (كتاب «كاليغولا» من تأليف سيوتونيوس).

وقد نتوقَّع أن يساعدنا في حَسْمِ هذه المسألة كلٌّ من بلوتارخ وأثينايوس، المؤلِّفين اللذين عاشا في القرن الثاني الميلادي ودمجا بين الكثير من جوانب السلوك الإغريقي الروماني في عالمهما الفِكري، ولكنهما لا يذكران شيئًا بخصوص موضوع حضور النساء في المآدب الرسمية في عصرهما؛ فلا يوجد مدعوَّات يحضرْنَ مأدبةً للعالمات على غرار مأدبة الحكماء.

يستحق الأمر أن نستخلص بعض النقاط العامة. يُستقَى الكثير من الأدلة الإغريقية من أثينا القديمة، التي كانت — فيما يبدو — تطبِّق سياسة الفصل بين الجنسين على نحوٍ أكثر تشدُّدًا مقارَنةً بالكثير من المدن الأخرى، فيما عدا مدينة ميليتوس. ولا توجد أدلة على أن مثل ذلك الفصل المتشدد كان يُطبَّق على كل فئات الحرائر؛ إذ كانت هناك، على سبيل المثال، بائعاتُ خبزٍ وبائعاتُ أسماكٍ في السوق (راجع ويلكنز ٢٠٠٠). ولكن توجد أمثلة تفيد عكسَ ذلك أيضًا (راجع مثلًا ما يرويه جالينوس عن القرويات اللاتي يسلقْنَ القمح كما ورد آنفًا). كان بوسع النساء أن يأكلْنَ ويشربْنَ بعضهن مع بعضٍ، ونجد بعض الأمثلة الهزلية على ذلك في كتاب ويلكنز (٢٠٠٠). وحين نقرأ في كتاب أفلاطون «حوار المأدبة» أنه لا داعي لوجود عازفة المزمار، وأنه من الأفضل إرسالها لتسلية النساء إذا دعَتِ الضرورة، فإننا لا ندري شيئًا عن ظروف أو طريقة تناول هؤلاء النساء للطعام هنَّ وصديقاتهن. أما النساء اللاتي نعرف معلومات عنهن حقًّا، فهن الرفيقات أو المحظيات «هيتاراي»، وهن مرافقات يحضرْنَ جلسات الشراب ويظهرْنَ كثيرًا في المسرحيات الهزلية وفي الرسوم التي تزيِّن المزهريات وفي صفحات كتب أثينايوس. ويسجِّل أثينايوس الكثيرَ من الأقوال المأثورة الطريفة لهؤلاء النساء في الجزء الثالث عشر من كتابه «مأدبة الحكماء»، والفكرةُ التي تؤكِّدها كثرةُ حضور المحظية للمآدب الإغريقية هي غياب المرأة صاحبة المكانة الرفيعة. ومع ذلك، كان كل هؤلاء النساء يتناولن الطعام يوميًّا مع أسرهن وصديقاتهن وأقربائهن.

وربما تفيد مناهج أخرى في ذلك؛ فقد أشار دالبي (١٩٩٣: ١٧٦–١٨١) إلى أن النساء كنَّ غالبًا ما يطعمْنَ أزواجهن أولًا، ثم يأكلْنَ طعامًا أقلَّ جودةً بعد ذلك، واعتمَدَ في ذلك على الدليل النسبي الذي استقاه من رعاة الغنم في منطقة ساراكاستاني في شمال غربي اليونان. وهذه طريقة مفيدة للمضي قدمًا، ولكن لا توجد أدلة قديمة تدعمها. ونجد أن محاولة دالبي لاستعمال أحد المشاهد الواردة في مسرحية أريستوفان «الدبابير» ليست مُقنِعة؛ ومع ذلك، فإن الأدلة الأثرية تفيد بأنه في مايسيني، وكذلك في كريت في العصر البرونزي، كان الرجال يأكلون الأسماك واللحوم على التوالي بكمياتٍ أكبر من النساء، وذلك بناءً على الرواسب الكيميائية الموجودة في العظام (تزيداكيس ومارتلو ٢٠٠٢). ويدرس جارنسي (١٩٩٩) أيضًا مجموعةً مختلفةً من البيانات الأثرية، ويستنتج أن النساء — وخصوصًا اللاتي في سن الإنجاب — كنَّ غالبًا ما يتعرَّضْنَ للإصابة بسوء التغذية أكثر من الرجال. ويقول جالينوس — في تعليقٍ نادرٍ — إن النساء والأطفال يأكلون العنَّاب، وهو طعام سيئ في رأيه.

وقد ناقشنا حتى الآن النساء من حيث استهلاكهن للطعام والشراب، أما بخصوص تحضير الطعام، فمن المؤكد أن النساء كنَّ يحضِّرْنَ الطعام أكثر من الرجال، إلا في حالةِ قدرةِ الأسرة على تحمُّل تكلفةِ شراءِ عبيد. ويوجد الكثير من الأدلة المستقاة من الكتب ومن الحياة الواقعية التي تُثْبِت هذا، وبعضها يَرِد في ويلكنز (٢٠٠٠). يتحدث الشاعر الهزلي فيريكراتيس في الشذرة ١٠ من مسرحيته «الهمجيون» عن شخصيةٍ تتخيَّل وجودَ عالم يخلو من العبيد؛ ولذلك، فالنساء هنَّ مَن عليهن الاستيقاظ مبكرًا وطحن الذرة التي ستُؤكَل خلال اليوم، تمامًا كما عُرِف عن النساء بعد ذلك بستمائة عام؛ حيث كنَّ هنَّ مَنْ يخبزْنَ الخبز اليومي كما يَرِد في قصة جالينوس. ويؤكِّد مثل هذا النشاط الصورةَ العامة التي تصوِّر الرجالَ على أنهم يعملون خارج البيت إما كعمَّال مشتغلين بالأعمال اليدوية وإما في الأنشطة الأرقى، وتصوِّر النساءَ على أنهن في المنزل يتولَّيْنَ مسئوليةَ مُؤَنِ الأسرة؛ وهذه هي الرسالة الكامنة في كتابٍ رصينٍ مثل «الاقتصاد» لزينوفون، وأيضًا في المسرحيتين الكوميديتين المازحتين من تأليف أريستوفان: «المُحتفِلات بعيد ثيسموفوريا» و«الضفادع».

(٧-١) ترتيب المأدبة

غالبًا ما يقال إن المأدبة وجلسة الشراب الإغريقية كانتا تنقسمان إلى قسم مخصَّص للطعام وآخَر مخصَّص لاحتساء الشراب، وهو جلسة الشراب؛ وهذا ينطبق عمومًا على اليونان، وينطبق على نحوٍ أقل على عادات تناوُل الطعام الرومانية. ولدينا نصَّان يعودان إلى عام ٤٠٠ قبل الميلاد تقريبًا يُلْقِيان بعضَ الضوء على هذا الموضوع؛ فتصف قصيدةٌ تتناول فنَّ تذوُّق الطعام بعنوان «المأدبة» أو «حفل العشاء» من تأليف فيلوزينوس؛ مأدبةً أنيقةً، وتنتهي بعبارة: «حين شبعوا من الطعام والشراب.» وبعدئذٍ تغيَّرَتِ الموائد، وبدأت جلسة الشراب؛ ومن الواضح أن الضيوف شربوا خمرًا بالضرورة خلال المأدبة، ولكن كان ثمة فاصلٌ واضح قبل بدء جلسة الشراب، من أبرز سماته الأرضياتُ النظيفة والموائدُ والأكاليلُ الجديدة والصلواتُ وطقوسُ إراقةِ الخمر؛ وهي بداية جديدة، ولكن سبَقَ تقديم الخمور قبلها، ومن المفترض أن يعقب ذلك المزيد من الطعام خلال جلسة الشراب، عند وضع الموائد الثانية أو تقديم أطباق الحلوى. وفي روما، تبدأ المأدبة باحتساء الشراب (ويُلاحَظ هذا بوضوح في عشاء تريمالكيو وفي المأدبة الواردة في كتاب «مأدبة الحكماء»)، وتنتهي به. ويوجد تحفُّظان على النمط الإغريقي، أولهما أنه كان من المستبعَد أن يتناول أحدٌ وجبةً كبيرةً دون تناوُل مشروبات مرطبة إذا دعَتِ الضرورة. وثانيهما أن ثمة عددًا من النصوص يوضِّح أن الحاضرين كانوا يحتسون النبيذَ في مرحلة سابقة لذلك. في بداية ملحمة «الأوديسا»، الجزء الثالث، يُقدَّم النبيذُ وأحشاءُ حيوانات القرابين إلى تيليماكوس وأثينا المتنكرة عند وصولهما، ثم يُقدَّم المزيد من اللحم وتأتي الوليمة الفاخرة بعد ذلك بقليل. وفي الجزء الرابع، يرحِّب بهما مينيلاوس ويشبعان من الطعام والشراب، ثم ينضمَّان إلى جلسة شراب بعد ذلك. وفي ملحمة «الإلياذة»، الجزء التاسع، نجد أن أفراد البعثة الموفدين إلى أخيلِّيس يأكلون ويشربون؛ والنبيذ هو الخيار الأول، ثم يأتي الطعام — وهو قطعة من لحم العمود الفقري لخنزير — ثم يشربون أنخابًا ويستمرون «عند إطفاء ظمئهم وجوعهم»؛ ولذلك، علينا ألَّا نعتقد بوجود فاصلٍ وحيدٍ يفصل بين قسمَيْ تناوُل الطعام وتناوُل الشراب من المأدبة (ونجد بالفعل في الكثير من المصادر — بدءًا من زينوفون وحتى العصور التالية له — أن مصطلحَيِ المأدبة وجلسة الشراب يشملان قسمَيِ المناسبة كلَيْهما). فبالأحرى، كانت جلسة الشراب تبدأ بدايةً جديدة، تتميَّز بإحضارِ أكاليلَ جديدةٍ وإعدادِ موائدَ جديدةٍ وتلاوةِ صلواتٍ جديدة وبدايةٍ جديدة لوعاء مزج الخمور. بَيْدَ أن هذه الصورة تتناقض مع ما يرويه بلوتارخ في كتابه «حديث المائدة» (٨، ٩)؛ إذ يدَّعِي أن ترتيب المأدبة سبق أن تغيَّرَ منذ العصور القديمة؛ إذ كان يُقدَّم المحار وقنافذ البحر والخضراوات النيئة في بداية المأدبة بدلًا من نهايتها. ويذكر أيضًا أن احتساء الشراب في بداية المأدبة كان عادةً غير معروفة في العصور السابقة لذلك العصر؛ إذ لم يكن يُقدَّم أيُّ شرابٍ قبل أطباق الحلوى. وقد يكون بلوتارخ محقًّا، ولكني أشك فيما يقوله بشأن عدم احتساء الشراب في مرحلة سابقة من المأدبة. وتوجد حالةٌ يذكرها جالينوس تدعم هذا الرأي؛ فحين رأى رجلًا يأكل وجبة عادية، حاوَلَ أن يفهم سببَ إصابته بالتوعُّك من التفاح والكمثرى («عن قوى الأطعمة» ٢، ٢١). يستحمُّ الرجلُ ويشرب بعض الماء ويأكل الحلبة والفجل كمقبِّلات، ويشرب شيئًا من النبيذ الحلو، ويأكل الخبيزة بالزيت وصلصة جاروم والنبيذ والأسماك ولحم الخنزير والدجاج، ويشرب قدحًا أو قدحَيْن من الخمر، ثم يأكل ثمرتَيْ كمثرى لاذعتين.

كثيرًا ما يكون من الصعب تحديد الترتيب الدقيق للمأدبة الرسمية، ونظرًا لتنوُّع المدن وعادات تناوُل الطعام والجدول الزمني قيد المناقشة في هذا الكتاب، فمن غير المرجح أن نخرج بمعلومة نهائية، ولكن من الممكن إثبات نقاط معينة. ظهرت اختلافاتٌ على مرِّ الزمن، كما يذكر أثينايوس (مؤكدًا ما قاله بلوتارخ في ٣، ١٠١) بقوله: «لم يقدِّم جميع القدماء قبل المأدبة أرحامَ أنثى الخنزير أو خسًّا أو أي شيء آخَر من ذلك النوع، كما يحدث الآن. ويتحدث أركستراتوس الطاهي المبتكر عنها بعد المأدبة وبعد الأنخاب والمسح بصمغ المر» (ترجمه إلى الإنجليزية: ويلكنز). ثم يستشهد أثينايوس بعد ذلك بأركستراتوس من الشذرة ٦٠ في أولسون وسينس (٢٠٠٠)، وهو دراسة مفيدة للغاية عن الموائد الثانية. ويذكر أثينايوس أيضًا أنه في حفل العشاء الذي أقامته المحظية لاميا لديميتريوس بوليوركيتيس في أثينا، كانت الأسماك واللحوم تُقدَّم أولًا، كما كانت الحال بخصوص حفلات العشاء التي أقامها الملك أنتيجونوس وبطليموس الثاني اللذان ورد ذِكْرُهما سابقًا. ومن الصعب أن نحدِّد الأطعمةَ التي قُدِّمت أولًا في أركستراتوس؛ نظرًا لعدم اكتمال القصيدة، وللخلافات القائمة بين المحرِّرين حول ترتيب الشذرات فيها. ويصرح في الشذرة ٩ أولسون وسينس: «أيتها البصلات، أودع أطباق مخللات بصلات النباتات وسيقانها وكل الأطباق الجانبية الأخرى.» ومع ذلك، قد يكون ثمة وجهُ شبهٍ ما بين المقبِّلات و«الموائد الثانية» التي كانت تُوضَع خلال جلسة الشراب الإغريقية؛ ومن ثَمَّ، نجد أنه في مأدبة تريمالكيو أيضًا، كانت الأسماك الصغيرة تُقدَّم في بداية المأدبة وليس في نهايتها. ويقدم أثينايوس عددًا من الأطعمة التي يبدو أن مكانها المعتاد قد تبدَّلَ من بداية المأدبة إلى نهايتها أو العكس. وتعبِّر هذه التعليقات لأثينايوس وبلوتارخ عن رغبةٍ في التوفيق بين الأدلة القديمة والمتناقضة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢