الفصل الثامن

أن تفقد عقلك

تخيل دماغًا فرديًّا ناضجًا مصنوعًا بعناية، والذي يتضمن اتصالات تستجيب ﻟ، ويجري تفعيلها بواسطة، وتعزيزها بفعل، وتتشكل عن طريق، متواليات من الخبرات المحددة لم يمتلكها أي شخص آخر في أي وقت مضى، ولن يمتلكها أحد مرة أخرى. هذا هو الأساس المادي للعقل الفردي. ولكن تخيل الآن أن تلك الاتصالات العالية التفرد يجري تفكيكها ببطء مع ذبول فروع الخلايا الدماغية، سينكص الشخص إلى حالة أشبه بالطفولة؛ لأنه لم يعد يمتلك الإطار الضروري الخاص بالعقل البالغ، والذي يمكن على أساسه أن يقيِّم التجارِب الجارية. لن يعود الناس والأشياء يحظَون بالأهمية الشخصانية تمامًا، والتي تراكمت بعناية طَوال العمر. وسنرى الأعراض المحزنة والمأساوية لمرض ألزهايمر، حيث يتعرض المريض في الواقع ﻟ «فقدان» عقله، وهو ما يُعرف حرفيًّا باسم الخرف dementia. ومع ذلك، فمن الممكن أيضًا أنا «نفقد» عقولنا — أو بالأحرى نسمح لها بالرحيل — بصورة مؤقتة، وإيجابية، وأكثر تواترًا في المواقف التي يؤدي فيها إغراء إحساس «هنا والآن» لتحويلنا إلى متلقين سلبيين بدلًا من أن نكون مفكرين استباقيين.
أولًا، على أي حال، لا بد من كلمة تحذير. نحتاج إلى توخِّي جانب الحذر لئلا نخلط بين «نسف» أو «فقدان» العقل، كما سنتحدث عنه هنا، مع ما يسمى بالسلوك الجماهيري «الطائش»، مثلما شوهد في مسيرات النازيين في نورمبرغ في القرن العشرين، حيث استُمدت الهُوية الغوغائية الجماعية من أيديولوجيات سياسية وعرقية،١ ومثلما تُستمد الهُوية الجماعية من الأصولية الدينية في القرن الحادي والعشرين.٢ وفي جميع الحالات، فإن الغوغاء المحمومة والعنيفة غالبًا ليست مجرد عمياء عاطفيًّا، كما هي الحال في الغضب الناجم عن ازدحام الطرق أو الجرائم العاطفية الفرنسية (حيث «تتلون رؤيتك بالأحمر» ولا تكون مسئولًا عن أفعالك). بعيدًا عن كونهم «بعيدين عن عقولهم،» يمتلك الغوغاء سردًا محددًا للغاية، وإن كان بغيضًا تمامًا: إنهم يعرفون من يستهدفونه من أجل تفعيل حبكة قصتهم المبجلة. فهم ليسوا أغبياء على الإطلاق.
إذا كان العقل هو إضفاء طابع شخصي على الدماغ عن طريق اتصالية عصبوناته الفردية، موجهة بالتجرِبة الشخصية، فمن المؤكد أن فقدان عقلك سيحدث عندما لا يمكن الوصول بالكامل إلى تلك الاتصالات الشديدة التخصيص. وعلى سبيل المثال، تعمل المخدِّرات والكحول على إضعاف التواصل الكيميائي بين الوصلات العصبونية، في حين أن البيئات الترفيهية الممتلئة بالموسيقى المسببة للهذيان rave music، أو المنبهات السريعة الانطلاق في الرياضات السريعة الوتيرة، لا تحتاج إلى بنية معرفية معقدة، لأنها «حسية» في المقام الأول. وفي كثير من الأحيان، كلما زادت هيمنة الحواس الخام، ستزداد المتعة، على ما يبدو. إن كلمة «النشوة» ecstasy ذاتها تعني في اللغة اليونانية «أن تقف خارج نفسك». وكثيرًا ما أسَرَت اهتمامي فكرةُ أننا نسعى إلى هذه الحالة العاطفية الطائشة عن طريق سبل متنوعة يوجد بينها شيء واحد مشترك: غياب الوعي الذاتي، أو نكران الشعور بالذات من أجل أن يصبح المرء متلقيًا سلبيًّا للحواس الواردة، أو أن يصبح «مهجورًا» في الواقع. وبالتالي، فمن الممكن أن تفقد عقلك، أو أن تكون بعيدًا عنه، وأن تظل واعيًا في الوقت نفسه، ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين «العقل» و«الوعي».
ماذا عساه أن يحدث في الدماغ عندما يظل الشخص واعيًا وفي الوقت نفسه «يفقد» عقله؟ تتمثل الأدوات الأكثر وضوحًا في التخلص من الدماغ هنا في المراسيل الكيميائية، أي الناقلات العصبية والمواد الكيميائية المعدلة الأخرى التي يجري إفرازها عندما تكون العصبونات نشطة. ثمة مادة طبيعية بعينها تمثل مرشحًا محتملًا للمساعدة في تواسط تجرِبة موجهة بالأحاسيس: وهي الناقل العصبي الدوبامين dopamine. والدوبامين هو القناة المشتركة النهائية لجميع العقاقير الإدمانية النفسية التأثير، بغض النظر عن موقعها الأساسي وطريقة عملها. وكذلك فقد جرى ربط منظومة الدوبامين بالعمليات الدماغية المتعلقة بمشاعر السرور. وطَوال أكثر من نصف قرن، افتتن علماء الدماغ بظاهرة التحفيز الذاتي. كشفت التجارِب الكلاسيكية لعالم النفس جيمس أولدز Olds أنه إذا جرى زرع أقطاب كهربائية في أجزاء معينة من الدماغ من دون غيرها، فستضغط الجرذان على قضيب معدِني لتحفيز هذه المناطق الرئيسة في الدماغ متجاهلة كل شيء، حتى تناول الطعام.٣ كانت المناطق الدماغية التي، عندما يجري تحفيزها، يُفترض أنها تمنح الجرذان شعورًا جيدًا هي تلك التي تُفرز الدوبامين. وبالتالي، فبطريقة مختصرة ولكنها غير دقيقة إلى حدٍّ ما، فقد أُشيرَ في بعض الأحيان إلى الدوبامين في الصحافة الشعبية باسم «جزيء المتعة».
عندما تكون مشاعرك جيَّاشة للغاية، أو مستثارًا، أو تشعر بالمكافأة، أو إذا كنت تتعاطى العقاقير النفسية التأثير في الواقع، فإن هذا الناقل العصبي بالتحديد سيؤدي دورًا رئيسًا في شعورك بكل هذه الخبرات الذاتية المختلفة. في جميع هذه الحالات، يؤدي الدوبامين دورًا محوريًّا من خلال إفرازه كنافورة من منطقة بُدائية في الجزء العلوي من العمود الفقري (جذع الدماغ) إلى الخارج وإلى الأعلى في جميع أنحاء الدماغ، حيث يغيِّر حينئذٍ قابلية العصبونات للاستجابة في العديد من المناطق المختلفة. لكن هناك منطقة بعينها يستهدفها الدوبامين على وجه الخصوص، وهي ذات أهمية خاصة بالنسبة إلينا هنا، باعتبارها ضرورية للإدراك البشري: القشرة أمام الجبهية prefrontal cortex.

تقبع القشرة أمام الجبهية، كما يوحي اسمها، في الجزء الأمامي من الدماغ وراء الجبهة. وفي حين لا توجد منطقة واحدة مخصصة في الدماغ هي المسئولة حصرًا عن جعلنا بشرًا، تُظهر القشرة أمام الجبهية اختلافاتٍ كَميةً هائلة بين جنسنا البشري والحيوانات الأخرى. فهي تمثل ٣٣ في المائة من الدماغ البشري البالغ، لكنها تمثل ١٧ في المائة فقط في دماغ الشمبانزي، وهو أقرب أقربائنا. تمتلك القشرة أمام الجبهية عددًا من الاتصالات بجميع المناطق القشرية الأخرى أكثر من أي جزء آخر من القشرة المخية، وبالتالي فهي تؤدي دورًا رئيسًا في التماسك التشغيلي للدماغ. حتى في حالة تلف هذه المنطقة الحيوية أو تدهور وظائفها، فمن الممكن أن يكون هناك تأثير عميق على العمليات الشاملة للدماغ البشري.

والمثال الكلاسيكي على ذلك هو حالة شخص يُدعى فينس غيج Gage، الذي عاش في منتصف القرن التاسع عشر، وكان يعمل مشرفًا على مجموعة من عمال السكك الحديدية في ولاية فيرمونت.٤ كانت وظيفته هي إزالة أي عوائق تعترض شريط السكة الحديدية الذي كان يجري تركيبه في جميع أنحاء أمريكا في ذلك الوقت. وفي أحد الأيام، كان الرجل يكبس مادة متفجرة بقضيب معدِنيٍّ كبير يشار إليه باسم المِدَك الحديدي، وقع حادث خطيرٌ حجز للسيد غيج مكانه في التاريخ الطبي. انفجرت المادة المتفجرة قبل الأوان، مما أدى إلى اختراق قضيب معدِني هائل لدماغه، وبالتحديد عبر القشرة مقدم الجبهية في دماغه.
بعد هذا الحدث الرهيب، والذي كان السبب في القصة التي صارت الآن أشهر من نار على علم، لم تكن هناك، وهو أمرٌ مثيرٌ للدهشة، مؤشرات واضحة أو فورية لوجود مشاكل في أي من حواس فينس أو في حركته. ولكن بعد أن تحولت الأسابيع إلى أشهر، اتضح أن لديه مشاكلَ إدراكيةً محيرة، مثل انتهاج سلوكيات متهورة على نحو مفرط، وهي ليست سمة جيدة في شخص يعمل مع المتفجرات. وعلى أي حال، وكما يبدو الآن مستغربًا، فلم يَبدُ فينس معاقًا بما يكفي لمنعه من العودة إلى العمل، لكنه أصبح لا يطاق كعضو في الفريق. وقد اتضح أنه لم يكن متهورًا فحسب، بل كان أيضًا، على حد قول طبيبه الدكتور هارلو Harlow«غريب الأطوار وصبيانيًّا للغاية … [و] عنيدًا بصفة خاصة؛ فلم يكن يخضع لضبط النفس عندما يتعارض الأمر مع رغباته.»٥ كان الحادث الذي انتاب غيج نَموذجًا حيًّا للارتباط المتوازي بين انخفاض نشاط القشرة أمام الجبهية وبين الطفولة.
في البيولوجيا، هناك مقولةٌ معروفة مفادها أن «تنشؤ الفرد» ontogeny يعكس «تاريخ تطور السلالة» phylogeny، أي إن نماء الدماغ الفردي يعكس التطور، وبالتالي فإن القشرة أمام الجبهية البشرية لا تصبح ناضجة تمامًا وعاملة إلا في سنوات المراهقة المتأخرة وأوائل العشرينيات من العمر.٦ أما السنوات السابقة مباشرة لهذا النضج فهي ما نعرفه باسم المراهقة، التي تتمثل في تكثيف السلوك الاجتماعي، والرغبة في التجديد، والسعي إلى الحصول على الاهتمام، فضلًا عن الميول نحو المخاطرة، وعدم الاستقرار العاطفي، والاندفاع. تكتسب العَلاقات أهمية أكبر، ويصبح البحث عن تجارِب ممتعة ومثيرة أولوية كبرى. وهناك أيضًا احتمال حدوث حالات مزاجية سلبية سائدة والشعور بالملل، والتي قد تدفع المراهق إلى البحث عن المحفزات التي تمنحه مزيدًا من الاثارة. وتُشير الأبحاث إلى أن المراهقين يظهرون حساسيَّة أكبر للخصائص المعزِّزة للمحفزات الممتعة. قد يكون ذلك متعلقًا بحقيقة أن إنتاج الدوبامين يصل إلى أقصى مداه طَوال الحياة خلال فترة المراهقة.٧ وبالإضافة إلى ذلك، تشهد سنوات المراهقة زيادة في إنتاج هُرمون قوي آخر، هو الأوكسيتوسين oxytocin، الذي يعزز مشاعر الرفاه والسعادة؛ وهو ما قد يكون عاملًا آخر يوجه السلوك النمطي للمراهقين.٨
عادة ما تكشف دراسات التصوير الدماغي التي تُجرى على المراهقين نشاطًا واسع النطاق لا عَلاقة له بأي مهمة محددة.٩ ويتناقص هذا النشاط المعمم مع الوصول إلى سن البلوغ، ما يعني أن القشرة أمام الجبهية الناضجة تصبح أكثر قدرة على تنسيق النشاط والتواصل بين أجراء الدماغ، مما ينتج عنه تجميع أكثر تنظيمًا للشبكات، مما يؤدي إلى معالجة أكثر كفاءة. ومع نضج دماغ المراهق متحولًا إلى دماغ بالغ، يحدث تحول إلى نمط أكثر تكاملًا لنشاط الشبكات، والذي يعمل على ربط مناطق الدماغ الأبعد؛ وتتمثل النتيجة في وجود نشاط متزامن بعيد المدى في جميع أجزاء الدماغ، يسمح بتحسين التواصل بين جميع المناطق الدماغية المختلفة، حيث تكون القشرة أمام الجبهية فاعلة بالكامل، وبالتالي قادرة على تنسيق النشاط في مناطق الدماغ المختلفة.
أما البداية اللاحقة للسلوك البالغ الأكثر تحفظًا، والمثبط، فمن الممكن أن تُعزى إلى حقيقة أن المناطق الدماغية الأكثر بُدائية من الناحية التطورية (وخصوصًا المخطط البطني ventral striatum، الذي يُفرز الدوبامين) تكون جاهزة للعمل بشكل كاملٍ في وقت سابق بكثير من المناطق الأحدث تطوريًّا منها، مثل القشرة أمام الجبهية المتطورة. وبالتالي، يكون المراهقون أكثر ميلًا نحو المخاطرة والسعي إلى المكافأة؛ لأن القشرة أمام الجبهية لا يمكنها حتى الآن تثبيط المناطق الأكثر بُدائية من الدماغ على نحو كافٍ.١٠
ليس المراهقون هم الفئة الوحيدة التي تتميز بقشرة أمام جبهية منخفضة النشاط، تتوافق مع صورة «العيش من أجل اللحظة» هذه. وعلى سبيل المثال، فإن الفِصام Schizophrenia يحدث نتيجة لاضطرابٍ كيميائيٍّ، وعلى وجه الخصوص بسبب وجود مستوًى غير متناسب وظيفيًّا من الدوبامين. ونتيجة لذلك، يتحول عالم الفرد الفِصامي من المشاعر المعرفية نحو تلك الأحاسيس الخام الموجهة من الخارج.١١ ومثل الأطفال، فإن مرضى الفِصام يشعرون بسهولة بالارتباك عند سماع أمثال من قبيل «من كان بيته من زجاج فلا يرمِ الناس بالحجارة». يأخذ كلٌّ من الأطفال ومرضى الفِصام العالم بمعناه الحرفي، وبالتالي فقد يحاول كلٌّ منهم تفسير المثل بأن يقول: «إذا كنت تعيش في بيت من زجاج، وقام شخصٌ ما بقذفه بحجر، فسيتحطم بيتك.» وبالنسبة إليهم، فإن العالم الخارجي هو مكان نابض بالحياة يمكن بسهولة أن ينفجر داخليًّا وأن يُسحق جدار الحماية الهش للعالم الداخلي السريع التأثر.
وهناك مجموعة أخرى مختلفة تمامًا ممن يمتلكون قشرة أمام جبهية منخفضة النشاط بشكل غير عادي، وهم من يكون مؤشر كتلة الجسم (BMI) لديهم مرتفعًا،١٢ أي الذين تكون أوزانهم ثقيلة بالنسبة إلى طولهم. ومن المثير للاهتمام أننا نعلم الآن، من دراسة حديثة تنطوي على مهمة للقِمار، أن الأشخاص البدناء قد ينزِعون إلى تعريض أنفسهم لمزيد من المخاطر.١٣

ماذا عساه أن يكون القاسم المشترك بين هذه الحالات الخارجية الشديدة الاختلاف، أي القِمار، والأكل، والفِصام، وكذلك مرحلة الطفولة التي تشترك معها في انخفاض نشاط القشرة المخية مقدم الجبهية؟

إن أي شخص يأكل يعرف عواقب الإفراط في تناول الطعام، وكذلك فإن من يقامر يكون واعيًا على الدوام بالنتائج المحتملة. لكن لذة اللحظة، سواء كان ذلك هو الإحساس بطعم الطعام أو الإثارة التي يمثلها دوران النرد، ينسخ عواقب أفعال المرء في تلك اللحظة. وهذا يعني أن الدماغ يعمل في وضع التجميع الصغير، وهو ما يشبه إلى حدٍّ كبير الطريقة التي يعمل بها وهو يحلم. إن ضغط الحواس، أي بيئة «هنا والآن»، تمثل أمرًا بالغ الأهمية على نحو غير عاديٍّ، كما هي الحال بالنسبة إلى الفِصامي والطفل. وبالتالي، لدينا هنا ثلاث حالات أو أنشطة شديدة الاختلاف، هي: الإفراط في تناول الطعام، والقِمار، والفِصام، والتي تتميز جميعها بالتركيز على التحفيز الخارجي وانخفاض نشاط القشرة المخية أمام الجبهية. يمكن وصف وضع التجميع الصغير للوعي، الذي رأيناه من فورنا، بأنه حالة من «هنا والآن» التي توجهها الحواس، ووجود مستويات عالية من الدوبامين، من بين أمور أخرى.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن مثالًا آخر على هذه الحالة الدماغية يمكن أن يشمل أيضًا الحلم، الذي لوحظ بالفعل كمثال على الوعي الضحل والطفولي الذي يميِّز وضع التجميع الصغير. وفي الواقع أن مراجعة دراسات التصوير الشعاعي التي أجراها ثين ثانه دانغ-فو Dang-Vu وزملاؤه في لييج، بلجيكا، تبرز الكيفية التي يؤدي بها الحلم إلى تثبيط القشرة المخية أمام الجبهية.١٤ وعندما تتسم هذه المنطقة الرئيسة بضعف الأداء، يحدث انخفاض مماثل في عمليات الدماغ المنسقة الشمولية. فلا شيء «يعني» أي شيء، إذ إنه ما هو عليه فحسب، وضع التجميع الصغير للوعي، حيث ما تراه هو ما تحصل عليه، وستحصل عليه على الفور.
عادة، عندما تكون مستيقظًا تمامًا ولديك وصول إلى وصلاتك العصبونية الشخصية — أي عندما تستخدم عقلك — فأنت تفهم العالم بطريقتك الخاصة. وعلى سبيل المثال، فقد يكون للعَلَم الأمريكي بنجومه وأشرطته معنًى عميق بالنسبة إلى قدامى المحاربين في الجيش الأمريكي، الذين يحملون شبكة شخصية للغاية وواسعة من الارتباطات التي تنطوي على عدد لا يحصى من الأحداث والتجارِب وتدمج بعض القيم المجردة. لكن بالنسبة إلى طفل صغير نشأ في بابوا غينيا الجديدة، قد يمثل مجردَ قطعة ذات نمطٍ غريب من القُماش الملون. ولذلك فإن اتصالية عصبوناتك تمنحك القدرة على تقدير الرمزية symbolism، أي النظر إلى شيء ما على أنه يعني شيئًا آخر لا يمكن أبدًا تخمينه من الخصائص الحسية للشيء وحده.

نحن نقوم أحيانًا بصنع ارتباطات غير لائقةٍ أو مفرطة، والتي تُفرط في تفسير تجرِبة أو شيء ما، والتي تُبيِّن معنًى خفيًّا قد لا يبدو بالنسبة إلى معظم الآخرين واقعيًّا ولا دقيقًا، أو حتى يبدو مجنونًا قليلًا. إن رؤية وجوه في تشكيلات السحب أو عزو الحظ إلى شيءٍ ما، قد تمثل أمثلة يومية على هذه الارتباطات الغريبة. وبالمثل، فإن المزاوجة بين حدثين لا عَلاقة لهما بخلاف ذلك قد يبدو بالنسبة إلى البعض خرافات سخيفة، لكنه قد يكون للآخرين علامة بالغة العمق أو نذيرًا. إن وصلاتك العصبونية لا تسمح لك بصبغ الأشياء والأحداث والأشخاص وأفعالهم، «بالمعنى» الشخصي الخاص بك فحسب، لكنها تمكِّنك أيضًا من فهم العالم كما تعيش فيه. إن الفعل ذاته المتمثل في إنشاء هذه الارتباطات، وإدراك معنًى أبعد من القيمة الظاهرية، يمكن اعتباره نوعًا من الفهم. في جميع الحالات، تجري قراءة الشخص، أو الوجوه، أو الحدث مقابل ارتباطاتك العصبونية المعينة، وهو إطار مفاهيمي يتطور باستمرار ويتوسع مع تطورك. وكلما زاد توسع الارتباطات، زاد حجم الإطار المفاهيمي الذي يمكنك أن تضمن فيه وصولًا جديدًا للحظة، وازداد العمق الذي يمكن به أن يُقال أنك تفهمه.

يمكن تمييز هذا العقل عن الوعي، كما يتضح في مرضى الخَرَف. وبالإضافة إلى ذلك، فإن مختلِف الحالات المتنوعة التي يمكنك من خلالها «إطلاق العِنان لنفسك» يمكنها توفير أدلة على ما يمكن أن يحدث في الدماغ عندما لا يعمل العقل بكامل طاقته، بل يكون مجرد متلقٍّ سلبي للحواس. لقد رأينا أن مختلِف الحالات المتطرفة من الإفراط في تناول الطعام، والقِمار، والفِصام تصبُّ تركيزها على تحفيز مماثلٍ لما يحدث في مرحلة الطفولة، وأنه حيثما انخفضت وظيفة القشرة المخية أمام الجبهية، ترتبط معظم المساعي الترفيهية أيضًا بالناقل العصبي الدوبامين الذي يتواسط مشاعر السرور. من الممكن أن تتميز هذه التجارِب الحسية حرفيًّا بتلازم التجميع الصغير للوعي، وهو مُعامِل تلازمٍ يميز الحيوانات غير البشرية والدماغ البالغ في حالة الحلم، حيث يلعب الفكر دورًا أصغر. لكن كيف يمكن للفكر أن يختلف عن شعور خام؟

تذكَّرْ من الفصل الأول التعليق القائل بأن «الحركة هي تفكير مقتصر على الدماغ»؟ لقد رأينا أن أي فكرة، سواء كانت أملًا، أو ذكرى، أو حجة منطقية، أو خطة عمل، أو شكوى، تنطوي على تسلسل محدد لسبب ونتيجة: أي بداية، ومنتصف، ونهاية. وستصل في نهاية المطاف إلى مكان مختلف عن حيث بدأت. وبالتالي فمن حيث الدماغ المادي، لعل أساس الأفكار هو الارتباطات بين العصبونات ذات الصلة أو تجمعات العصبونات. إن التفكير، تلك الموهبة الفائقة للدماغ البشري البالغ، يتطلب ما يكفي من الدوائر العصبونية لتنفيذ سلسلة من الخطوات وبناء الاتصالات، جنبًا إلى جنب مع إطار زمني أطول بصورة متوافقة. وفي الوقت نفسه، يمكن تمييز المشاعر بتركيزها على استشعار شيء ما، الآن والآن فقط. يمتد التفكير الواعي إلى أبعد من فورية اللحظة، كما لا يمكن التغلب عليه بسهولة من قِبل أي تحفيز جديد من قبيل «هنا والآن».

في حين أن معالجة المعلومات هي ما وصفناه من فورنا، فإن الرد المناسب على أي حافزٍ وارد، مثل الفهم، في المقابل، يتطلب أن يكون الحافز مشمولًا في إطار مفاهيمي. لقد رأينا أن الإطار المفاهيمي من النوع المطلوب للفهم يمكن تفسيره، بمصطلحات الدماغ، باعتباره تناميَ الاتصالات بين الخلايا الدماغية التي تتشكل بعد الولادة، والتي تُوجَّه، وتتشكل، وتتعزز لاحقًا بالتجرِبة الفردية. وبالتالي فسيمتلك كل إنسان منفرد دماغًا شخصيًّا على نحو فريد، فضلًا عن عقل يقيِّم باستمرار بتقييم العالم الحالي من حيث الارتباطات القائمة، وفي الوقت نفسه يجري تحديثه بواسطته.١٥ تمثل «المعرفة» اشتمال حقيقة أو فعل ضمن إطار مفاهيمي بحيث تكون منطقيةً، بمعنى أن تُفهم. أما «الحكمة» فتتطلب اتصالية أوسع نطاقًا، حيث تُستمد الارتباطات المتشكلة من مجموعة متوسعة دومًا من الخبرة و/أو الذكريات الفردية التي تمكِّن من تحديد القيم الأكثر عمومية.

وفي أثناء استكشافنا للكيفية التي توجِّه بها تقنيات القرن الحادي والعشرين تغيُّر العقل، سنواجه عددًا من الموضوعات المتكررة، بما في ذلك السرد، وهو قصة الحياة الشخصية، والعقل بوصفه كِيانًا ماديًّا حقيقيًّا (أي تلك البنية الفريدة من الاتصالات العصبونية في كل دماغ منفرد).

جدول ٨-١: نموذجان أساسيان للدماغ البشري؟
غير عاقل عاقل
الإحساس الإدراك المعرفي
تسود المشاعر القوية يسود التفكير
هنا والآن الماضي، والحاضر، والمستقبل
موجَّه بالبيئة الخارجية موجَّه بالمدركات الداخلية
معنًى ضئيل معنًى شخصي
لا يوجد وعي ذاتي شعور قوي بالذات
لا يوجد إطار مرجعي زمني أو مكاني حلقات واضحة ترتبط بصورة متسلسلة
الأطفال، الفِصاميون، المقامرون، معاقرو المخدِّرات، من لديهم مؤشر مرتفع لكتلة الجسم، ممارسو الرياضات السريعة، والجنس، والرقص، أو الأحلام. حياة بالغة عادية
مستوًى عالٍ من الدوبامين كَمية أقل من الدوبامين
نقص وظيفة القشرة أمام الجبهية وظيفة عادية للقشرة أمام الجبهية
عالم بلا مغزى عالم ذو مغزى
يرتبط الوعي بالتجمع الصغير يرتبط الوعي بتجمع أكبر
يلخص الجدول ٨-١، بطريقة مبسطة للغاية، كيف يمكننا أن نفكر في هذا العقل فيما يتعلق بالحالة الواعية الشخصانية، فضلًا عن الخصائص المختلفة في الدماغ المادي التي يمكننا استخدامها كإطار مرجعي عندما نأتي لتدبر الكيفية التي يمكن بها للتقنيات الرقمية أن تؤثر ليس فقط في الدماغ البشري العام بل في العقول، والمعتقدات، وحالات الوعي الفردية. لقد قطعنا شوطًا طويلًا منذ النموذج البلاستيكي الوردي، لكن الرحلة الآن قد بدأت من فورها.
١  في منتصف القرن العشرين، وضع الطبيب الأمريكي بول ماكلين نظرية لتفسير السلوك الجماعي الذي يتعذر تفسيره للحشود المشاركة في مسيرات نورمبرغ خلال الحقبة النازية. علل ماكلين ذلك بأنه، من الناحية التشريحية، يمكن تقسيم الدماغ إلى ثلاث مراحل تطورية: دماغ الزواحف، الذي يتكون من اللب الداخلي، وهو الجزء الأساسي من الدماغ؛ والمقسَّم إلى الطبقات التي ستصبح أدمغة الثدييات، بما في ذلك مناطق مثل اللوزة المخية والحُصَين؛ وأخيرًا، وهو ما يشكل المستوى الأكثر تعقيدًا على الإطلاق، تظهر القشرة المخية، وهي الطبقة الخارجية من الدماغ، والتي تحتكرها أنواع الثدييات الحديثة. جادل ماكلين بأن هذه الطبقات الثلاث تمثل درجات متزايدة من التطور في العمليات العقلية. يدعم دماغ الزواحف الدوافع البُدائية للغاية، والتي تُوجه إلى السياق المناسب بفضل دماغ الثدييات، في حين يفرض دماغ الثدييات الحديثة مزيدًا من التحسينات، وحتى القواعد، على الكيفية التي يمكن للمرء أن يتصرف بها. يتوافق هذا التسلسل الهرمي ذو الثلاثة مستويات بدقة شديدة مع فكرة فرويد عن اللاوعي الرجعي، والأنا المتواسط، والأنا الأعلى الأخلاقي. ووَفقًا لماكلين، تُقمع العواطف بفعل المنطق والعقل أغلب الوقت، لكن ضمن الجهاز الحَوفي الوسيط، الذي اعتبره مركزًا للعواطف التي تُكبح عادة بفعل القشرة المخية المنطقية، وهي المناطق التي يمكن بدورها أن تؤدي دورًا رئيسيًّا في أكثر الأنشطة عقلانية، أي الذاكرة. وعلى العكس من ذلك، فمن الممكن الربط بين تعطل القشرة المخية، وخصوصًا القشرة مقدم الجبهية، والاضطرابات العاطفية، مثل تلك التي تظهر في الإدمان، والسمنة، والفِصام. وللأسف فهذا التقسيم البسيط لا يصمد أمام التفاصيل التشريحية والفسيولوجية التي نعرفها الآن عن قدرات الدماغ، بل والعقل. على أي حال، فهذه النظرية مفيدة على مستوًى مجازي أكثر، وبالتالي فمن منظور ماكلين، يمكن تفسير العدوان شبه الأعمى لحشود نورمبرغ باعتبارها ناجمة عن انهيار في التسلسل الهرمي التشريحي ﻟ «الدماغ الثلاثي الطبقات».
(MacLean, P. D. [1985]. Evolutionary psychiatry and the triune brain. Psychological Medicine 15, no. 2, 219–221. doi: 10.1017/S0033291700023485).
٢  Greenfield, S. A. (2008). I.D.: The quest for meaning in the 21st century. London: Hodder & Stoughton.
٣  Olds, J., and Milner, P. (1954). Positive reinforcement produced by electrical stimulation of septal area and other regions of rat brain. Journal of Comparative and Physiological Psychology 47, no. 6, 419–427.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.wadsworth.com/psychology_d/templates/student_resources/0155060678_rathus/ps/ps02.html
٤  O’Driscoll, K., and Leach, J. P. (1998). “No longer Gage”: An iron bar through the head: Early observations of personality change after injury to the prefrontal cortex. BMJ 317, no. 7174, 1673-1674.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC1114479/#ffn_sectitle
٥  O’Driscoll and Leach, 1998, p. 1673.
٦  Tsujimoto, S. (2008). The prefrontal cortex: functional neural development during early childhood. The Neuroscientist 14, no. 4, 345–358. doi: 10.1177/107385840831600.
٧  Sturman, D. A., and Moghaddam, B. (2011). The neurobiology of adolescence: changes in brain architecture, functional dynamics, and behavioral tendencies. Neuroscience & Biobehavioral Reviews 35, no. 8, 1704–1712. doi: 10.1016/j.neubiorev.2011.04.003.
٨  Steinberg, L. (2008). A social Neuroscience perspective on adolescent risk-taking. Developmental Review 28, no. 1, 78–106. doi: 10.1016/j.dr.2007.08.002.
٩  Casey, B. J., Getz, S., and Galvan, A. (2008). The adolescent brain. Developmental Review 28, no. 1, 62–77. doi: 10.1016/j.dr.2007.08.003.
١٠  Casey, Getz, and Galvan, 2008.
١١  Callicott, J. H., Bertolino, A., Mattay, V. S., Langheim, F. J., Duyn, J., Coppola, R., … and Weinberger, D. R. (2000). Physiological dysfunction of the dorso-lateral prefrontal cortex in schizophrenia revisited. Cerebral Cortex 10, no. 11, 1078–1092. doi: 10.1093/cercor/10.11.1078.
١٢  Volkow, N. D., Wang, G. J., Telang, F., Fowler, J. S., Goldstein, R. Z., Alia-Klein, N., … and Pradhan, K. (2008). Inverse association between BMI and prefrontal metabolic activity in healthy adults. Obesity 17, no. 1, 60–65. doi: 10.1038/oby.2008.469.
١٣  Pignatti, R., Bertella, L., Albani, G., Mauro, A., Molinari, E., and Semenza, C. (2006). Decision-making in obesity: A study using the Gambling Task. Eating and Weight Disorders: EWD 11, no. 3, 126.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/17075239
١٤  Dang-Vu, T. T., Schabus, M., Desseilles, M., Sterpenich, V., Bonjean, M., and Maquet, P. (2010). Functional neuroimaging insights into the physiology of human sleep. Sleep 33, no. 12, 1589–1603.
تم التنزيل من الموقع التالي:
http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2982729/#ffn_sectitle
١٥  Greenfield, S. (2011). You and me: The Neuroscience of identity. London: Notting Hill.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦