الفصل العاشر

الهوية والسرد في السير الذاتية لبياجيه

جاك فونشي

تغيير الماضي ليس تغييرًا لشيء فقط؛ إنه إلغاء لنتائجه، وهي بلا نهاية.

جورج لويس بورخيس

الحقيقة إنسان خفي.

أندريه مارلو (Antimémoires)

المقدمة

السير الذاتية، مثل أي قص، تسمح لكُتَّابها بوضع أنفسهم في شكليات السرد (الانتصار على المحن؛ تَحمُّل هزيمة مأساوية بشجاعة؛ بصيرة حادة في أسرار الطبيعة؛ أخطاء في التنظير) لاستعادة بعض السيطرة على ما يحدث. هذا ما سماه الفيلسوف الفرنسي بول ريكور (١٩٨٣/٨٤/٨٥م) ipseity مقابل idemity. تشير ipseity إلى الهوية مشروعًا، وتشير idemity إلى الهوية ديمومةً للذات.
شجب بعض علماء الاجتماع، مثل بيير بورديو Bourdieu (١٩٨٦م)، «وهم السيرة الذاتية»، وفي ظله، طبقًا لرأيه، تعمل معظم السير الذاتية والسير. ينتج وهم ديمومة الذات، في رأي بورديو، بديمومة العلامات الخارجية للهوية مثل التوقيع، والاسم الأخير والأول والوسط، وطقوس الميلاد، والشهادات، والألقاب الأكاديمية، والدرجات … إلخ.

بالإضافة إلى ذلك هذه الديمومة للذات تتضاعف بوَهْم، طبقًا لرأي بورديو، أنَّ ما يسمَّى ذاتًا يمثل كينونة عضوية تشكل مشروعًا، هدفًا لتنظيم مستقبل حياة المرء. ويرى بورديو أن ذلك غير مناسب تمامًا لأن الأداء، بعد اكتمال عملية عشوائية تمامًا في مشروع متعمد، هو ما يبدو أنه حياة منظمة. في أفضل الأحوال، إنها حالة من تفسير تالٍ؛ وفي أسوأ الأحوال، عملية تستُّر. ليس تفسيرًا علميًّا قط. وبالنسبة للوضعية الجديدة عند بورديو في «دوركهايم»، المؤسسات وطريقة عملها مرشحة محتملة لتفسيرات «علمية». ويرى بورديو أن الذات في سياق حتى إن الوسط يمتصها؛ ومن ثم تختلف اختلافًا تامًّا في بيئات مختلفة بحيث يصبح المفهوم الحقيقي للذات بلا معنى.

نرى شيئًا مفرطًا في هذا الراديكالية الوضعية، لكن هناك شيئًا إيجابيًّا أيضًا: فكرة البنية العامة للبيئة، ليس باعتبارها مجرد خلفية للسيرة الذاتية، لكن باعتبارها رفيقًا في عملية الحياة، حتى لو لم تكن محددة كما يتمنى بورديو. يمكن أن نتحدث هنا عن عملية جدلية بين الممثل والمشهد، ونرى ملاحظات بورديو دعوة لأن نولي المشهد مزيدًا من الانتباه ونتجنَّب شرَك التتابع الزمني الذي تفتحه معظم السير الذاتية في ظل شكل جمل مثل «كنت مهتمًّا دائمًا ﺑ» أو «منذ الصغر حتى الآن». تهدف هذه الجمل إلى تحويل التتابع الزمني إلى ضرورة منطقية، والعشوائية إلى نظام وهدف.

في رأينا، يذهب بورديو بعيدًا في اتجاه النزعة الإمبريقية بوضع كل الأعباء على المؤسسات الاجتماعية. ورغم كل شيء، يشيِّد الناس حيواتهم الخاصة وبيئاتهم إلى حد معين. المجرات ليست بيانات هائلة مسلَّم بها؛ إنها بُنى صنعها الفلكيون. الشيء نفسه صحيح بالنسبة لحيوات الإنسان. إنها تشيَّد في سرديات الإنسان.

وبالتالي، هدفنا هنا توضيح كيف يعتبر الناس سِيَرهم الذاتية شكلًا من أشكال تقديم الذات يختلف تبعًا للجمهور المستهدف في الوظيفة التي تنظَّم بها حبكات حياتهم وتعيد تنظيمها. تبعًا للجمهور المستهدف، يمكن أن يكون بياجيه ميتافيزيقيًّا ينتمي إلى ما بعد البرجوسونية («بحث»)، أو سيكولوجيًّا علميًّا («تاريخ علم النفس في السيرة الذاتية»)، أو فيلسوفًا تخلص من الوهم وتحول إلى عالم («الحكمة وأوهام الفلسفة»)، إذا اكتفينا بذكر ثلاث فقط من سِيَره الذاتية.

ومن ثم نسعى هنا إلى تقديم أوضح تعريف ممكن للتفاعل بين الممثل والمشهد والحبكة والجمهور الذي يشكل سيرة.

منهج السيرة، على عكس رأي بروديو (١٩٨٦م، ليس «حسًّا عامًّا مهربًا في عِلْم»، لكنه بديل صالح للنموذج التجريبي لمنهج الدراسة الوحيدة التي لا تسعى إلا إلى نتائج محددة. لم تستطع العلوم السيكولوجية، في قرن أو نحو ذلك من وجودها، إنتاج نظريات صالحة قابلة للاختبار إمبريقيًّا على أساس منهج الدراسة الواحدة، رغم كل جهود هذه العلوم. هناك عاملان أساسيان يفسران هذا؛ الأول: طبيعة الإنسان. البشر ليسوا آلات، وليسوا حتى أجهزة كمبيوتر؛ يتكيف البشر باستمرار مع بيئتهم. باعتباري إدراكيًّا سابقًا، أعرف مدى استحالة صياغة مبادئ عامة لوظيفة الإنسان حتى في مجالات مثل عتبات الحس والإدراك، التي تختلف باستمرار رغم طرق القياس الثابتة والموضوعية. ثانيًا: لا يمكن صياغة مبادئ ديناميكية عامة تفسر صلاحية هذه الفروق الملحوظة في نظرية.

في مثل هذا السياق، يبدو منهج السيرة بديلًا صالحًا لانعدام التلاؤم في منهج الدراسة الواحدة وشرطها الافتراضي الاستنباطي بخمس طرق على الأقل:

  • أولًا: ينتهي منهج الدراسة الواحدة بفرضية سخيفة عن قيمة حقيقة ما بالنسبة للتعميم العلمي. ماذا يعني أن نقول إن نظرية ما تفسر ٩٠٪ أو ٨٠٪ من الحالات؟ منطقيًّا، ينبغي لنظرية جيدة أن تفسر كل الشواهد.
  • ثانيًا: منهج السيرة الذاتية مماثل للطرق الريفية الصغيرة الضيقة التي تسمح للمسافر باكتشاف حقيقي للريف، على عكس الطرق السريعة التي فضيلتها الوحيدة أن تنقل المرء، بسرعة وأمان إلى حد ما، من مكان إلى آخر، حيث يقود وسط مكان غير محدد. يسمح منهج السيرة للباحث بدراسة مجالات متاخمة للمرء في ظل فحص أولي، دراسة يحتمل أن تلقي الضوء على تقدم البحث. مثلًا، دراسة كلية ونتاجها العلمي والأكاديمي ربما تقترح بعض الفرضيات بشأن خصائص البلدة التي توجد فيها الكلية، بيئتها اللغوية والثقافية، الأصول الاجتماعية للدارسين فيها، طريقتها في الحياة أو/وأي عامل آخر يؤثر على وظيفة الكلية. لكن دراسة سِيَر هيئتها تكشف بشكل أكبر بكثير عن واقع تلك الكلية المحددة لأنها تمنح الدراسة أساسًا وحيدًا ملموسًا تؤسس عليه فرضيات البحث. بشكل مماثل، تخبرنا دراسة السيرة الذاتية لبياجيه بالكثير عن وضع علم النفس الارتقائي في فترة مناظرة لحياته (١٨٩٦–١٩٨٠م) أكثر مما يخبرنا به استبيان يقدم إلى كل المتخصصين في علم النفس الارتقائي ممن كانوا يعيشون ويعملون في الوقت ذاته.
  • ثالثًا: يمكن لمنهج السيرة أن يكون مفيدًا جدًّا لفهم العمليات المؤسسية في التنشئة الاجتماعية للبالغين. مثلًا، خبرة التدريب غير الرسمي في التاريخ الطبيعي التي تقدمها «جمعية أصدقاء الطبيعة»، مجموعة من طلاب المدارس الثانوية والجامعة، تهدف إلى تجنب المزيد من الجمعيات في الحياة الاجتماعية للطلاب، كانت حاسمة لتكوين الإبستمولوجيا والسيكولوجيا الجينية genetic عند بياجيه.
  • رابعًا: يمكن لمقاربة السيرة أن تنعش موضوعًا بعد استنزاف مختلف المتغيرات المحللة بدقَّة متزايدة باستمرار بتناسب عكسي لنتائجها المتعلقة باكتساب معرفة جديدة في المجال. بيانات السيرة حيث إنها لا تعتمد على فرضية يحتمل أن تؤدي إلى فرضيات جديدة ومعرفة جديدة بفضل افتقارها إلى نظام واستقلالها عن التحيز النظري. إذن، كما اعتقد جورج هيربرت ميد،١ تتبادل الحياة الاجتماعية الرموز الدالة، ومن الضروري لفهم كيف يعرف الممثلون أنفسُهم نشاطَ توقعاتهم في تفاعلاتهم الاجتماعية. وهذا ممكن فقط بتحليل السيرة، حيث يمكن له وحده أن يصف بشكل كافٍ طريقةَ تشكيل التسلسل الحاسم للتفاعلات الاجتماعية والحفاظ عليها واستمرارها أو عدمه، وتحطيمها وفقدانها. توضح السِّيَر كيفية تأثر الشخصية بمثل تلك التغيرات.
  • خامسًا: يحرر منهج السيرة السيكولوجيين من وسطهم وخبرتهم الخاصة أكثر من المقاربات الأخرى لأنه يدفعهم إلى تحليل عميق لموقف حياتي خاص وملموس. ثمة مثال جيد على هذه العملية من عمليات التحرر وهو العلاقة بين تأثير الماركسية والكاثوليكية الرومانية في أمريكا اللاتينية. تفسير المعايير الاجتماعية لاعتناق الماركسية بين النخبة المثقفة في أمريكا اللاتينية أن الماركسية حلت محل نظام عقائدي آخر، الكاثوليكية الرومانية، في عقول المثقفين. يفترض مثل هذا التفسير أنه أينما وُجدت الكاثوليكية توجد الماركسية — والحال ليس كذلك. في الصين، لم تحل الماركسية محل هيمنة أي نظام عقائدي آخر على جموع المثقفين الذين كانوا عمومًا يعتنقون البوذية أو الكونفوشيوسية؛ أي كانوا متسامحين ومتفتحين. لكن حين ننظر بدقَّة إلى حياة القادة الماركسيين في كلٍّ من أمريكا اللاتينية والصين، نلاحظ أنهم، في المنطقتين الجغرافيتين، أسقطوا على الجموع اغتراب الطبقة البرجوازية التافهة لوسطهم، المستبعدة من الطبقة الحاكمة ومستبعدين الأدنى ليحافظوا على مشاعرهم الخاصة بالتفوق الاجتماعي (الالتزام المفرط للبرجوازية التافهة). على العكس، في البلاد التي لم تهيمن فيها الماركسية، كان المثقفون البرجوازيون على اتصال بالطبقة العاملة في سنوات تشكيلها عن طريق الوظائف الصيفية، مع نتيجة مؤسفة تتمثَّل في أنهم لم يقوموا بالثورة من أجل «هؤلاء الأوغاد القذرين» الذين كدحوا معهم طوال الصيف.
  • الخلاصة: بدلًا من صياغة المشاكل في مقولات نظرية مجردة، ينتج منهج السيرة مقولات تناسب تاريخ حياة الناس. وهكذا لا يتعارض مع كلِّ القواعد الاجتماعية والعادات الذهنية التي تعلَّم فيها الأعضاء العاديون من علماء الاجتماع المعاصرين. يفترض أن يكون البحث العلمي بطول معين، ويكون أداة طبيعية للتواصل العلمي. ينظر للنشر لإثبات فرضية معينة أو نفيها. ويفترض وجود نتائج كمية لتحليلها إحصائيًّا لإثبات قضية نظرية مهمة بدرجة أو أخرى. ويتم ذلك غالبًا بمقارنة النتائج بين المجموعات الخاضعة للتجربة والمجموعات الضابطة.
لا يمكن لمنهج السيرة أن يخضع لإبستمولوجيا إمبريقية من هذا القبيل. إنه لا يضع في الاعتبار الطبيعة الأم٢ الطيبة مثل فتاة تقدم نفسها مباشرة وبشكل فج لأي باحث بموضع مناسب لبطاقات منهجية. ومن ثم يؤدي تحليل السرد في الأسلوب أو الجنس الأدبي وفي المحتوى للبحث في علاقات متنوعة بين الممثل والمشهد والجمهور وتأثيرها على حياة كاتب السيرة الذاتية كما يدركها المؤلف ومحلل السيرة الذاتية.

إن حالة جان بياجيه مهمة من جوانب مختلفة. كتب عدة سير ذاتية استهدفت جماهير مختلفة؛ يقدم نفسه بطرق مختلفة في مشاهد مختلفة؛ وتكون المقارنة بينها كاشفة. بالإضافة إلى ذلك، تختلف المكانة النسبية للمتنافسين والدارسين والمتعاونين والخصوم … إلخ، طبقًا لذلك. يوصف الوسط نفسه بشكل مختلف طبقًا للغرض الرئيسي لكل سيرة ذاتية الخاصة. يحتل الممثلون الآخرون موضعًا مختلفًا في كل منها: تصبح الشخصيات الثانوية في سياقٍ أبطالًا أساسيين في آخر. يغير بياجيه نفسه القبعات طبقًا لوظيفة السرد. حين يتوقَّف السرد ويستمر، كما في سيرته الذاتية الأساسية التي تغطي من ١٨٩٨م إلى ١٩٧٦م في ثلاثة أجزاء، يوضح المؤلف نفسه بعض التغيرات في نظرته، في تركيزه على بعض الناس والأحداث، بدلًا من تقديم رؤية عميقة لنفسه وبيئته. والأكثر أهمية، من منظور منهج السيرة، أن اهتمام بياجيه بالتطور بوصفه العامل التفسيري في الإبستمولوجيا يكمن بعمق في تحليله لتطوره الخاص في المراهقة والشباب.

درسَ بياجيه التطوُّرَ واستخدمه عاملًا تفسيريًّا في علم النفس وعلم الأحياء وعلم المعرفة طوال فترة نضجه؛ لكن لم يبدُ في أعمال بياجيه إلا سنة ١٩٢٠م تقريبًا، وهو في الخامسة والعشرين. وهذا وقت متأخر إلى حدٍّ ما لرجل ادَّعى، في سيرته الذاتية الأساسية، حقًّا في النضج المبكر. يكمن الاهتمام الوحيد والرائد لبياجيه في سيرته الذاتية الأولى، المكتوبة وهو في العشرين، باعتبارها «رواية التكوين» بعنوان «البحث»، ولم تترجم بعدُ إلى الإنجليزية. وهكذا توجد أصول نزعة التطور عند بياجيه في محاولته لتقديم نشأة شخصيته في لحظة أزمة خطيرة ونهائية للشاب.

بجانب هذه السيرة الذاتية «في قالب روائي»، كتب بياجيه عدة مقالات أخرى تتعلق بالسيرة حيث اعتاد أن يفسر نفسَه للآخرين في بداية المحاضرات والأبحاث. لن نراجع كل هذه الكتابات هنا. نسعى في الحقيقة إلى التركيز على نصين: (١) السيرة الذاتية لبياجيه المقدمة لسلسلة جامعة كلارك التي حرَّرها في البداية كارل مورشيسن، وبعد ذلك إدوين بورينج، بعنوان «تاريخ علم النفس في السيرة الذاتية»، ونشرت أيضًا بالفرنسية في «مجلة فيلفريدو باريتو Cahiers Vilfredo Pareto» واستمرت في الطبعة نفسها في عيد ميلاده السبعين (١٩٦٦م) وعيد ميلاده الثمانين (١٩٧٦م)؛ (٢) الفصل التمهيدي في «بصائر الفلسفة وأوهامها» (١٩٧١م).

(١) السيرة الذاتية الأساسية

(١-١) الجنس الأدبي

نُشِر أول مقال لجان بياجيه يتعلَّق بالسيرة الذاتية، في الجنس الأدبي لسيرة ذاتية معلنة في ١٩٥٢م في الجزء الرابع من «تاريخ علم النفس في السيرة الذاتية». بدأت السلسلة بكارل مورشيسن في جامعة كلارك في مشروع ضمن إصدارات عديدة جعلت مورشيسن غنيًّا وسيِّئ السمعة، إن لم يكن مشهورًا. ظهر المجلد الأول من السلسلة في ١٩٣٠م في مطبعة جامعة كلارك (مشروع آخر لمورشيسن). كانت الفكرة، كما يشير العنوان العام، نشر تاريخ لعلم النفس من خلال تواريخ فكرية لسيكولوجيين كبار. كما كتب تشارلز سبيرمان، أحد المساهمين الأوائل: «ربما يكون مفيدًا للرجال الأصغر الذين لا تزال حياتهم تتشكل» (١٩٣٠م، ص٢٩٩). وهكذا يكون الجنس الأدبي تاريخًا للتنوير الخلقي والفكري «لرجال الأصغر» (من الواضح أن سبيرمان لم يتوقع نجاح النساء في علم النفس). إننا في ظل التقليد الموقر لسلسلة لوموند «الرجال المشهورون» (الرجال المشهورون مرة أخرى): التاريخ من أجل التعليم.

اختفى هذا الميل التعليمي بعد الحرب العالمية الثانية حيث أصبح «علم النفس الأمريكي» أكثر زهوًا وثقةً بنفسه وأكثر اقتناعًا بالطبيعة العلمية لمهمته.

ويمثل هذه التحولات تصدير المجلد الخامس، في ١٩٦٧م، الذي أعلن أن المحررين في الماضي طلبوا من المساهمين «التحدث عن الدوافع التي وجهتهم في مساراتهم المهنية، غير مدركين تمامًا للحالة غير المبلورة لسيكولوجيا الدوافع من أن الإنسان لا يعرف إلا القليل حقًّا عن دوافعه الخاصة» (مقتبس عن تصدير ١٩٥٢م، في Boring & Linzey 1967, p. vi). وبشكل طبيعي، أثناء انتشار المدرسة السلوكية في خمسينيات القرن العشرين، صار المحررون مستنيرين، و«تغيرت الدعوة للتأكيد بشكل أقل على الدوافع الشعورية وبشكل أكبر على أحداث الحياة» (Boring & Linzey 1967, p. vi). قيل للمساهمين إن هدف السلسلة تقديم تواريخ حياة المفكرين والمهنيين، «مضاءة بأكبر قدر من المعلومات عن خلفيتك الشخصية والدوافع الداخلية بقدر استعدادك وقدرتك على البوح» (Boring & Linzey 1967, p. vii). فسر تصدير ١٩٥٢م أنه، رغم القيود والصعوبات المتأصلة في كتابة سيرة ذاتية، فإن ما «يحكيه» كاتب السيرة الذاتية «عن نفسه وما يعرضه بشأن قيمه يمكن … أن يرشد القارئ إلى كيف يتحرك دافع الإنسان ليتقدم العلم. لا تبدو أحداث الحياة دائمًا غير ذات صلة بالتقدم حين تعمل بالأسلوب الموضح في هذا الكتاب» (Boring & Linzey 1967, p. vi).

حيث إن مشروع تاريخ علم النفس في سيرة ذاتية كان يهدف بصراحة شديدة إلى تعزيز رأي أنصار التطور لبعض الجماعات على الأقل في علم النفس، فمن المتوقع أن يوجد مثل هذا الرأي على الأقل في بعض السير الذاتية. إن تضمين أن شخصًا ساهم في تطوير يساوي ترسيخ شرعية أفكاره ومجاله عمومًا وتصديقها.

قد تلعب السير الذاتية (وبعض السير) «لمبدع عظيم»، في العلوم الاجتماعية، دورًا يصعب أن تلعبه، على سبيل المثال، في الفيزياء أو الرياضيات. ربما يكون مفتاح وظيفة السيرة (أو السيرة الذاتية) في علم النفس تقديم حياة مفكر توضيحًا لنظرية المفكر، وتفسيرًا لأصول النظرية للنظرية نفسها. يطرح «سكنر» هذه القضية صراحة باستهلال سيرته الذاتية بقسم عن «بيئته المبكرة». يكتب، بعد التخلي عن طموحاته الأدبية في سنوات الكلية، أن «حظه الاستثنائي» منعه «من أن يصبح جشتالت Gestalt أو (ساعدني بشكل) أن أتخصص في علم النفس المعرفي» (Boring & Linzey 1967, p. 397). ومع ذلك لم يتخلَّ عن الأدب تمامًا، حيث صار مهتمًّا به «باعتباره مجالًا من السلوك عليه أن يحلله». يتذكر «وأنا ولد عرفتُ حالتين من السلوك اللفظي» (Boring & Linzey 1967, p. 401). بالإضافة إلى ذلك، درست المرأة التي تزوجها الأدب، ويكتب سكنر: «كانت تحضر محاضراتي في علم نفس الأدب وتدعمني بشكل مناسب» (Boring & Linzey 1967, p. 401). إن «سلوكه» طوال حياته «باعتباره عالمًا» لخص أخيرًا في مختارات من أهم مقالاته بعنوان «سجل تراكمي»، يؤكد سكنر أن السلوكيين يرون أنفسهم ويستكشفونها ويعالجونها بالطريقة نفسها التي يرون بها موضوعاتهم ويستكشفونها ويعالجونها (Boring & Linzey 1967, p. 407).

وضَّحتْ حالةُ تاريخ حياة فرويد، كما تسرد في حركة التحليل النفسي، الظاهرةُ على مستوى أكبر بكثير. في «فرويد، بيولوجي العقل» يبرهن فرانك سولووي (١٩٧٩م) على أن «الهدف الرئيسي لمؤرخي التحليل النفسي … كان توضيح أن التحليل النفسي ظهر بطريقة كانت، رغم كل شيء، متسقة مع نظرية التحليل النفسي نفسها» (ص٤٤٢). لأن ميثولوجيا التحليل النفسي وأسطورته التي نقلها المؤرخون الذين ساهموا في إخفاء عناصر التصور المربكة، والضرورية، المتعلقة بأفكار فرويد وقامت بتبرير القطب الأحادي للتابعين الأرثوذكس وتشجيعه في التحليل النفسي التقليدي، تعني السيرة الرسمية لفرويد الشك في النظرية التي أبدعها. ليس من الصعب أن نرى، إلى حد معين، أن مؤرخي التحليل النفسي كانوا يكتبون سِيَرهم الخاصة، مشرِّعين حيواتهم من خلال حياة أب بطولي، محاولين بالتفويض الهروب من الخطأ والسهو.

تكتب السيرة الذاتية دائمًا من منظور تال لشخص يفسر ماضيه الخاص: يعتمد عمومًا شكلها ومحتواها على حقيقة الشخص وقت الكتابة، وجزء من وظيفتها أن تحفظ شخصية الكاتب وتكون حقيقية بالنسبة لها. ومع ذلك، في الوقت ذاته تؤثر السيرة الذاتية على الوجود الحقيقي لمؤلفها؛ إلى حد معين، يصبح كاتب السيرة الذاتية موضوعًا حقيقيًّا لسرده الخاص. وهكذا، يمكن أن نجد في التكوين الاجتماعي والفكري لعلم النفس أن السيرة الذاتية «لشخصية عظيمة» يمكن أن تمثل تاريخًا جمعيًّا موجزًا. بسرد تطور نظرية العقل وتطوره خلال تطور شخص تبين أنه يتطور كما تزعم النظرية، تصبح مثل هذه السيرة الذاتية صورة من التفكير ضرورية «للبلاغة العلمية» (Bourdieu 1986). من خلال هذه البلاغة، تسعى مجموعة من الناس إلى نشر إيمان بالطبيعة العلمية لإنتاجهم والسلطة العلمية لأعضائها، مقدمة أيديولوجيات متنوعة — إذا جاز الإعلان فقط عن أحداث طبيعية لا تقبل الشك.

الوضع الذي نفحصه هنا بين وضع سكنر ووضع فرويد. رغم أن السيرة الذاتية لبياجيه لم تؤدِّ إلى إنتاج تاريخي من داخل حركة «بياجيه»، إلا أن الحركة تستخدمها بكثافة، وبشكل أساسي شارحو أعمال بياجيه ومن يقومون بتبسيطها للجمهور. إنهم سيكولوجيون؛ ومع ذلك يعملون في ظلِّ «وَهْم السيرة»، المنتشر ذات يوم في تاريخ الأدب، وطبقًا له تتأسس نظريات الجزء الأكبر من حياة العظماء. وهذا لا يثير دهشتنا كما قد يبدو، حيث إن السيرة الذاتية لبياجيه تعمل في ظل وهم مماثل يتعلق بالتشابه في الشكل بين مراحل حياته ومراحل نظريته.

(١-٢) المحتوى

رمزية الرسالة التي يتمنى بياجيه نقلها هي الجملة المفتوحة: «يكون للسيرة الذاتية اهتمام علمي فقط إذا نجحت في تجهيز العناصر لتفسير أعمال المؤلف. لتحقيق هذا الهدف، أكتفي أساسًا بالأبعاد العلمية لحياتي» (Piaget 1952, p. 237).

تقدم مثل هذه المقدمة مزيتين أساسيتين للكاتب: تُهرِّب الرأي العلمي للعلم، وتُسكِتُ، في الوقت ذاته، أيَّ شك محتمل بالتصريح بحدود ما يوشك الناس على قراءته. بهذا الإطار المقنَّع صراحة، يتقدم بياجيه ليصف نضجه المبكر (كتب بالقلم الرصاص وصفًا كاملًا لمحرك سيارة بالبخار لأنه كان أصغر من أن يسمح له باستخدام القلم الجاف)، وعن مدى نجاحه في مآثره في شبابه، منذ كان في الحادية عشرة كان مصنِّفًا ماهرًا للرخويات، ومدركًا «لشيطان الفلسفة» (١٩٥٢م، ص٢٣٩). ويعود الفضل إلى أبحاثه في الرخويات «إلى تمتعه بتميز نادر بإلقاء نظرة على العلم وما يدعمه قبل فهم الأزمات الفلسفية في مرحلة المراهقة» (١٩٥٢م، ص٢٣٩). وهكذا لم يكُن بياجيه مبكر النضج وماهرًا فقط، لكنه، بالإضافة إلى ذلك، اتَّقى صفارات الفلسفة التي تدوي على نطاق واسع في أذن المراهقين الأبرياء غير الجاهزين.

وهكذا تكون الأرضية مجهزة لتقديم «مشكلة الدين» باعتبارها غير جديرة باهتمام عالم أحياء شاب ذكي؛ لأن العقائد الدينية تتعارض مع علم الأحياء، ولأن البراهين على وجود الرب واهية. يلعب الدين دَور مقدمة للفلسفة. وتختصر الفلسفة إلى «التطور الخلاق» عند برجسون، مما يتيح لبياجيه الشاب أن يماهي الرب مع الحياة، على المستوى العاطفي، والمعرفة كما تنبثق من الضرورة البيولوجية، على المستوى المعرفي. وبهذه الطريقة، أدرك بياجيه أن بيولوجيا برجسون غير كافية، وأن هناك رابطة مفتقدة بين البيولوجيا والمعرفة: علم النفس.

للأسف، لم يكن في جامعة «نيوشاتل» متخصص في علم النفس التجريبي. ومن ثَم لم يكُن أمام بياجيه من اختيار إلَّا أن يكتب مقالات فلسفية بشكل ما (خاصة أثناء الدروس المملة) عن دور الاسمية٣ والواقعية في التصنيف، وهي مقالات قادته إلى اكتشاف أن المخرج الوحيد من الورطة بين الاسمية والواقعية اعتبار أن هناك، عند كل مستوى من الخلية إلى المجتمعات، مشكلة واحدة وهي المشكلة نفسها: مشكلة العلاقة بين الكليات والأجزاء.

في نسخة «بحث»، التي أعاد بياجيه قراءتها في ١٩٥٢م، وضع بالقلم الرصاص بين هذه الفقرة من الكتاب: «جشتالت». وفي الحقيقة، أعلن في السيرة الذاتية أنه أصبح جشتالتيًّا، وأنه عرف أبحاث فرتهايمر وكوهلر في ذلك الوقت (١٩١٣–١٩١٥م)، وكانت جديدة. نعرف أنه اعتراف زائف. ثمة اعتراف آخر زائف وهو تفسير الرحيل من نيوشاتل إلى زيورخ. إذا كانت الرغبة في العمل في مختبر لعلم النفس الحافز الوحيد لبياجيه، يتساءل المرء لماذا فضَّل شخص مهتم بنشأة المعرفة زيورخ على جينيف حيث كان يعمل نجوم مثل كلاباريد وحيث كُتِبت المراجعة الوحيدة الإيجابية حقًّا لسيرته «بحث» بقلم أدولف فرير.

ومع ذلك، أُصيب بياجيه بخيبة أمل من مختبرَي «ليبز» و«فرتشنر» في زيورخ وفزع من أخطار «التوحد» (من تأثير تدريس بلولر) إذا تمركز في نظامه الخاص، وقرر العودة إلى الرخويات وقام بتحليل إحصائي على تغير الرخويات البرية في ربيع ١٩١٩م.

في خريف السنة ذاتها ذهب إلى باريس، ودرس علم النفس الإكلينيكي تحت إشراف بيرون وديلاكروا، والمنطق وفلسفة العلم تحت إشراف لالاند وبرونتشفيتش وقد أذهل الشابَّ منهجُه النقدي التاريخي بمغرياته السيكولوجية. لكنه عمل أيضًا في مختبر ألفرد بينيه Binet في باريس على معايرة اختبار سريل بورت Cyril Burt للذكاء. مركِّزًا كما كان على العلاقة بين الكليات والأجزاء، واكتشف أن أبسط أشكال الاستنتاج تتضمن احتواء فئة، أي احتواء جزء واحد من كلٍّ، ومضاعفة الفئة أو العلاقات بين الأجزاء.
زعم بياجيه أنه وجد في باريس توجهًا ثلاثيًّا لحياته: (١) بيولوجيًّا مع اكتشاف نوع من علم أجنة الذكاء؛ (٢) منطقيًّا مع اكتشاف أن اختزال الحقائق شكل لتوازن مثالي؛ (٣) سيكولوجيًّا مع اكتشاف أن سيكولوجيا التفكير المكافئ أو الموازي الحقيقي والعِلِّي للبديهية النموذجية أو التضمينية. لكنه وجد أيضًا وظيفة «مدير دراسات» في معهد جان جاك روسو. في هذا الوضع الجديد الدائم في معهد روسو، نظَّم بياجيه برنامج أبحاثه مع أطفال «منزل الأطفال» عن تطور التفكير، بادئًا ﺑ «معظم العوامل الخارجية» (Piaget 1952, p. 11) مثل اللغة والوسط الاجتماعي.
وقد نشر هذا البحث في الكتب الأولى لبياجيه عن علم النفس، وهي كتب حققت نجاحات عظيمة في المجال.٤ اشتهر بياجيه على الفور وارتبك في الوقت ذاته لأنه كان يدرك أنه يدرك لغة وليس فعلًا (وكان يرى أنه يكمن في جوهر التفكير أكثر من اللغة)، ولم يكن قد اكتشف البنى الرياضية المنطقية لمرحلة العمليات العيانية. وبالتالي، كان يركز تفسيراته على مفهوم «مركزية الأنا» معرَّفة بأنها غياب أو نقص في التعاون واللامركزية، أي فيما يتعلق بالقيود الاجتماعية وليس فيما يتعلق بثبات التفكير والتبادلية بين الكل والأجزاء.
مع ولادة أطفاله الثلاثة بالتتابع في سنة ١٩٢٥م وسنة ١٩٢٧م وسنة ١٩٣١م، زاد اهتمام بياجيه بدراسة الأطفال الصغار ونشر ثلاثة كتب عن هذه الفترة من فترات التطور.٥ كانت المزية المنهجية الرئيسية لهذا البحث، بالنسبة لبياجيه، أنه، حيث إن الذكاء حركي-حسي، فإن دَور الأشياء وتناول الأطفال لها ضروري. سمح هذا التغير في المنهج لبياجيه بفهم أن الأطفال حتى الثانية عشرة لا يؤمنون ببقاء الكميات الفيزيائية بعد تحولاتها، وأن هناك تطورًا مرحليًّا من ثبات الإدراك إلى البقاء الرياضي المنطقي للكتلة والوزن والحجم. وقد حدث هذا بين عام ١٩٢٥م وعام ١٩٢٩م. وكانت المشكلة التي يجب دراستها في منتصف الثلاثينيات مع ألينا شيمينسكا Szeminska وباربل إنهيلدر Inhelder.
في أثناء ذلك، اهتمَّ بياجيه بأمر آخر: العلاقة بين الوراثة والبيئة في الليمنيا ستاجناليس Limnaea stagnalis، نوع من الرخويات سريع التكيف يوجد بكثرة في بحيرة نيوشاتل. تقبض الليمنيا ستاجناليس قوقعتها تحت ضغط الأمواج لتلتصق بالصخرة التي توجد عليها. وكان السؤال بالنسبة لبياجيه: هل هذا التكيف (الذي يحدث أثناء النمو) وراثي أم لا؟ بعد ملاحظة أكثر من ٨٠٠٠٠ حيوان في بيئتها الطبيعية وعدة آلاف في مزرعة مائية (بقيت القواقع في مكتب بياجيه بقية حياته)، استنتج بياجيه أن تكيفها وراثي (بقي هذا التكيف في المياه الراكدة على مدى ستة أجيال).

في ١٩٢٩م صار بياجيه مدير «المكتب الدولي للتعليم» وأستاذ تاريخ العلوم في جامعة جينيف وأستاذ علم النفسي التجريبي في لوزيانا. وأعاد أيضًا تنظيم معهد جان جاك روسو في الفترة من ١٩٢٩م إلى ١٩٣٩م. في ذلك الوقت، درس نشأة عدة مفاهيم في الأطفال مع ألينا شيمينسكا ومفاهيم الكمية الفيزيائية مع باربل إنهيلدر. اكتشف بُنى المجموعات الطبيعية المسئولة عن العمليات الذهنية العيانية للأطفال في الفئات والعلاقات والعدد.

من ١٩٣٩م إلى ١٩٤٥م، درس بياجيه تطور الإدراك في الطفل مع مارك لامبرسير Lambercier وآخرين. وأوضح أن الإدراك يخضع لقانون الاحتمالات التكوينية في الطبيعة، وقد سماه «قانون التمركز النسبي» ويؤدي إلى الكليات أو الجشتالتي. في المقابل، يتبع الذكاء قانون التكوين الإضافي، وطبقًا له تبقى الأجزاء والكل أثناء التحولات.

أثناء ذلك، درس بياجيه الزمن والسرعة والحركة. وفي المكتب الدولي للتعليم، نظم توزيع الكتب التعليمية على أسرى الحرب. وبعد الحرب، عرض على بياجيه منصب نائب المدير العام المسئول عن التعليم في اليونسكو، فرفض. في ١٩٤٦م، منح درجة فخرية من السوربون. وقد منح درجة من هارفارد في ١٩٣٦م. وفي ١٩٤٩م نال درجة من بروسل ودرجة من ريودي جانيرو، وصار عضوًا في أكاديمية نيويورك للعلوم.

درس الفراغ والهندسة، كما درس الفرصة، باعتبارها مجالات ثابتة في عالم الذكاء على عكس العمليات الذهنية.

دُعِي لنشر كتاب عن المنطق وكان يعد كتابه الشهير «مقدمة في نظرية المعرفة التوليدية» في ثلاثة مجلدات. بحلول ذلك الوقت، اكتمل منظومته: يتقدم التطور الذهني من بنى إيقاعية أولية إلى نظم أكثر تعقيدًا بكثير ليصل في النهاية إلى انعكاسية كاملة للعمليات الذهنية.

هذه الفترة، وقد انتهت في ١٩٥٠م، موصوفة في «تاريخ علم النفس في السيرة الذاتية». بناءً على طلب عالم الاجتماع في جامعة لوزان، جيوفاني بوسينو Busino، محرر «مجلة فيلفريدو باريتو»، كتب بياجيه ملحقين لسيرته الذاتية الأصلية: واحدًا في ١٩٦٦م، في عيد ميلاده السبعين، والآخر في ١٩٧٦م، حين بلغ الثمانين. ولم يُترجم هذان الجزءان قط. بدآ بالمقدمة التالية:
لا تكون السيرة الذاتية موضوعية أبدًا ويرجع الأمر إلى القارئ في تصويبها بفهم الحقيقة غير شخصية. لكنها مهمة رغم ذلك؛ لأنها تمثل مؤشرات لما سعى مؤلفها للقيام به وللطريقة التي يفهم بها نفسه. حين تكون عن مؤلف، وتفسر بعدَّة طرق مختلفة، تصبح مفيدة: في الإصدارات الحديثة، تم تناولي بأشكال مختلفة بوصفي من أنصار نزعة التداعي الجدد (برلين Berlyne)، ومتساميًا (بترو Battro)، وجشتاليًّا جديدًا (ميلي Meili)، وقريبا جدًّا من الجدلية الماركسية (جولدمان، نوينسكي Nowinski… إلخ)، أو حتى، في بعض القضايا، بوصفي تابعًا لأرسطو والقديس توماس الأكويني. (شوشار Chauchard) (Piaget 1976/1966, p. 24)

يواصل بياجيه ذكر سِيَره الذاتية الأخرى، السيرة التي قدمت لطلاب السوربون والسيرة التي قدمت في «بصائر الفلسفة وأوهامها».

يلتقط بياجيه أربعة أحداث يراها جديرة بالذكر: (١) التعيين في السوربون من ١٩٥٢ إلى ١٩٦٣م؛ (٢) نشأة «المركز الدولي لإبستمولوجيا الجينية»؛ (٣) نشره المكثف؛ (٤) انخراطه في الشئون الدولية في علم النفس والتعليم. بشكل علمي، يذكر «البيولوجيا والمعرفة» (١٩٦٦م) وأعماله في البِنَى.

هذا الجزء من السيرة الذاتية (١٩٦٦م)، وأيضًا الجزء التالي المكتوب في ١٩٧٦م، أقل جمودًا بكثير ويضم قصصًا أكثر من الجزء السابق. من الواضح أن بياجيه يشعر، وهو يكتب لجمهور محلي، بأنه حر في أن يرتجل. يبدأ بدور الانتقادات التي وجهت له طوال مساره المهني بادئًا، بشكل غريب جدًّا، باستقبال كتبه الأولى. في ذاكرته، كانت خلافية جدًّا. وحينذاك يذكر «التعاون الصلب» (Piaget 1976/1966, p. 27) مع الفرنسي بول فريس Fraisse في الإدراك: كرَّر كلٌّ منهما التجارب التي أجراها الآخر وناقشا تفسيراتها المحتملة. وحدث الشيء نفسه في المنطق مع الهولندي «بيت»E. W. Beth، الذي انتقد في البداية بعنف منطق بياجيه ثم شارك في كتاب حرره بياجيه.
على عكس الخبرات الإيجابية مع الأوروبيين الغربيين، كانت لبياجيه خبرات سلبية مع الأمريكيين والروس وهم «سذج تمامًا» (Piaget 1976/1966, p. 27). أطروحتهم، طبقًا لرأي بياجيه، أن التفكير يتكون من «صور أساسية للموضوعات ويوجهها أو ينظمها بالعلامات اللفظية (…) وهي وصف دقيق للواقع». وهكذا، لا مراحل، لا تتابع — يمكن أن يتعلم الطفل أي شيء في أي عمر بشرط أن يشيد الطفل تصورات بالغة الدقة للواقع. اندهش بياجيه من أن ممثلي الدول الرائدة، من قبيل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، يمكن أن يفكروا مثل معلمي المدارس الذين عفا عليهم الزمن، ممن يريدون أن يسرِّعوا التطور، وأسعده أن يذكِّرهم، خاصة السوفيت، بأن التفكير لا ينسخ الواقع بل يحوله. كيف نفسر الإبداع بنظرية النسخ في حالة الذكاء؟ اعتقد بياجيه أن أصحاب نظرية النسخ كانوا كذلك لأنهم لا يجرءون على الخروج عن صرامة علم النفس. تشير البنى، بطريقة أو أخرى، إلى اعتبارات منطقية ومعرفية؛ وكانت اعتبارات بلا حدود بالنسبة لهم.

على العكس، إن خبرة بياجيه بتخصصات متعددة في المركز الدولي للإبستمولوجيا الجينية، الذي يتعاون فيه متخصصون في المنطق والرياضيات والفيزياء وعلم الأحياء والسبرنطيقا مع علم اللغة النفسي، جعلته يرى مدى ثراء مثل هذا التعاون في تطور علم النفس، وهو علم بالضرورة في ملتقى طرق علم الأحياء والذكاء الاصطناعي والرياضيات.

ثم تقدم بياجيه ليوضح مدى خطأ جيروم برنر في رفض تعدد التخصصات، حيث إن موقفه يحمل تناقضًا ذاتيًّا. يستدعي برنر في «مذهبه»، في رأي بياجيه، (١٩٧٦/١٩٦٦م، ص٢٤) ثلاثة عوامل: التخيل واللغة والتواصل الاجتماعي. لكن التخيل له جذور عصبية بالضرورة مما يجعل تعاون أطباء الأعصاب ضروريًّا. يفترض التواصل الاجتماعي، بالتعريف، تعاونًا مع علماء الاجتماع. وأخيرًا وليس آخرًا، اعتبر نعوم تشومسكي (في هارفارد، طبقًا لبياجيه!) اللغة بنية منطقية توليدية تتحقق في حديثي الولادة.

ينبثق خوف علماء النفس من المنطق ونظرية المعرفة من مفهوم مسبق يرى أنهما فلسفيان وليسا علميين. ويوجد الدليل على صحة هذا، في رأي بياجيه، في حقيقة أن علماء النفس أنفسهم ليست لديهم مشكلة مع تسلسل الأرقام الطبيعية لأن الأرقام نوقشت في آخر ٢٥ قرنًا.

لا تنتقل الأرقام ثقافيًّا ببساطة، لكن، إذا كان الحال كذلك، يبقى السؤال عمَّن أدخلها إلى الثقافة في المقام الأول. هل الأرقام تعكس الفعل الإنساني على الأشياء أم أنها خصائص للأشياء؟ لا يمكن تجاهل هذا السؤال الإبستمولوجي. وعلى مستوى الحيوان، أوضح كونراد لورينز Lorenz أن السؤال الإبستمولوجي ذو مركزية بيولوجية، كما أوضح بياجيه في «علم الأحياء والمعرفة». ولا يتضمن هذا الوضع عودة إلى الفلسفة لأن الفلسفة، كما يتبين في «بصائر الفلسفة وأوهامها» ليست إلَّا شكلًا من أشكال الحكمة، لا شكلًا من أشكال المعرفة. المعرفة العلمية هي الشكل الوحيد للمعرفة في رأي بياجيه لأنه الشكل الوحيد الذي يمكن التحقق من صحته. ويعرف الفلاسفة الجيدون، مثل بول ريكور، ذلك.
ثم يمعن بياجيه النظر في طبيعة العمل التعاوني في مجموعته مقارنة بما يحدث في أماكن أخرى. في مجموعته، توزيع العمل منظَّم بطريقة تحدِّد هدفًا مشتركًا وتعين القوة اللازمة (المساعدين، أساسًا) لتحقيق الهدف، وتلتقي أسبوعيًّا ببياجيه وإنهيلدر لمناقشة النتائج وإصلاح الطرق وتقنيات التحقيق لتحسين المشروع العام للبحث حتى لا تكون هناك إمكانية لاكتشاف آخر. وتكمن الصعوبة في مثل هذه المقاربة في العثور على موضوعات واسعة جدًّا، من قبيل المخيلة الذهنية في علاقتها بالعمليات الذهنية. برهن بياجيه على أن معرفة التجارب التي أجراها باربل إنهليدر وماجالي بوفيه Bovet وهيرمان سنكلير Sinclair أوضحت أن عوامل برنر غير كافية، خاصة في اكتساب اللغة، وهو أمر يعتمد بشدة على العمليات الذهنية. وتعتمد الذاكرة أيضًا بشكل كبير على المخططات الإجرائية. أخيرًا، وبشكل أساسي، إن المقاربة من هذا المنظور، توازي في تطورها تطور الفرد في التطور المعرفي، لكن من منظور الأشياء.
في الجزء الأخير من هذه السيرة الذاتية (١٩٦٦–١٩٧٦م)، راجع بياجيه كل الكتب التي كتبها بمفرده أو شارك في كتابتها. ثم ناقش أبحاثه الأخيرة عن «الإدراك» حيث أوضح تقدم الفعل على التصور؛ مما يؤدي، بالتالي، إلى مشكلة التناقض. ينبثق التناقض من عدم التوازن بين الإثبات والنفي، كما في مهام البقاء حين يفشل الأطفال الصغار في فهم أن ما حدث في جانب أضيف للآخر. قاد التناقض إلى طرق يتم التغلب عليه بها، بالتعميم وبنوعين من التجريد: إمبريقي (من الأشياء) وانعكاسي (من الأفعال). وتم فحص هذا أكثر في مقارنة بين نشأة النفس psychogenesis وتاريخ العلم، وقد أجراها رولاندو جرشيا Gracia.
حثت زيارة أخيرة لعلم الأحياء تفكير بياجيه فصاغ نظرية في التطور؛ السلوك، طبقًا لها، محرك التطور والنسخ النوعي آليته (يماثل التمثيل الجيني عند ودينجتون Waddington).
الجزء الأخير من هذا القسم مستنبط من حكايات عن الجوائز والمكافآت. مجتمع جان بياجيه، الطريقة التي عامله بها طلابه في ١٩٦٨م (ثورة الطلبة في أوروبا) وإعداد باربل إنهيدلر لسجلات Archives جان بياجيه، وأيضًا طريقة الاحتفال بعيد ميلاده الثمانين.

(١-٣) تعليق

كما لاحظنا، يتغيَّر أسلوب بياجيه في سيرته الذاتية الطويلة من نسخة ١٩٥٢م حتى النسخة الأخيرة. والسبب الأساسي لهذا التغير هو الجمهور الذي يخاطبه في عام ١٩٦٦ وعام ١٩٧٦م: أناس محليون يتحدثون الفرنسية على معرفة بالتوتر بين العلوم الأوروبية والأمريكية. ثمة سبب آخر وهو شهرة المؤلف. في ١٩٥٢م، بعد الحرب التي عزلت سويسرا، لم يكن بياجيه مشهورًا كما كان في عام ١٩٦٦م وعام ١٩٧٦م حين كان محمَّلا بعلامات الاعتراف من جمعيات علمية وسياسية. لكن الدهشة تأتي من اختياره جيروم برنر كبش فداء. كانت عداوة بياجيه شديدة حتى إنه فشل في تقديم أفكار برنر بصورة منصفة. يتناقض هذا الموقف بحدة مع مراجعة بياجيه لكتاب برنر عن التطور المعرفي في ١٩٦٧م. نقدُ بياجيه قاسٍ لكنه يبقى في حدود المناقشة العلمية، بينما يميل هنا إلى الإفراط. إن تقدم العمر ليس عذرًا كافيًا في مثل هذه الحالات. هناك ما هو أكثر من الاختلاف العلمي بين بياجيه وبرنر من جانب بياجيه.

ثمة تفسير محتمل في نظري من وحي بياجيه نفسه بعد زيارة برنر إلى جينيف كان هناك التقييم السلبي المفترض الذي قدَّمه برنر لمؤسسة روكفلر عن المركز الدولي للإبستمولوجيا الجينية، وقد سلمت المؤسسة به. قدمت مراجعة سجلات المؤسسة دليلًا على وجود تقرير سلبي، لكنه بقلم كوين Quine! والحقيقة أن بياجيه لم يحاول، هو أو أحد من معاونيه التحقق من صحة ذلك رغم كل اللغط عن دور التحقق في الإبستمولوجيا الجينية. وربما كانت وسيلة لاستبعاد منافسة محتملة على لقب «أشهر عالم نفس تطوري».
كانت النبرة الكلية للإضافة الأولى (١٩٦٦م) دفاعية، على أية حال، حيث أصر بياجيه على الرد على الانتقادات التي وجهها الآخرون لنظريته بقدر بدا له مفرطًا. لكنه لم يكن مفرطًا بالنظر إلى تأثيره في المجال. بإلقاء نظرة على استقبال بياجيه في العلوم السيكولوجية والتعليمية، كما فعل بارات ديان Parrat-Dayan (Parrat-Dayan & Vonèche 1992; 1993a, b )، على سبيل المثال، نلاحظ نبرة التمجيد عمومًا للمراجعات وليس العكس.
ثمة تغير آخر في الإضافتين الأخيرتين وهو التأكيد على العمل التعاوني. لم يعد المعاون الرئيسي فالنتين شاتني Chatenay، زوجة بياجيه وتلميذته السابقة، لكن باربل إنهيلدر ومجموعة متزايدة تدريجيًّا من المعاونين من مركز الإبستمولوجيا الجينية.

بنظرة عامة على السيرة الذاتية الرئيسية يتبين أن هدف بياجيه ثلاثي: (١) التأكيد على نضجه العلمي المبكر؛ (٢) انسجام تطوره الفكري مع نظريته؛ (٣) توضيح أن علم النفس التطوري المعرفي نتاج عرضي للانشغال الإبستمولوجي المبكر والمستمر بما يتلاءم مع أكثر المعايير صرامة في الإثبات التجريبي العلمي.

إنَّ دَور النضج المبكر واضح على كل المستويات في حياة بياجيه. لم يكُن ناضجًا مبكرًا فقط وهو صبي صغير، وهو مراهق، وهو بالغ، ولكن أيضًا في مرحلة النضج. يُقدَّم الدليل على النضج المبكر في الطفولة بابتكاراته (أو سيارة بمحرك بخاري) أو باكتشافاته (العصفور الأبرص) الذي «دفعه» في مسار علمي. وهو مراهق، عرضت عليه وظيفة أمين متحف التاريخ الطبيعي في جينيف، أكبر المدن الناطقة بالفرنسية في سويسرا وتراسل مع شخصيات دولية طلبوا رأيه في تصنيف الرخويات، واعتبر «بيولوجيًّا». في مرحلة البلوغ طُلِب منه كتابة سيرته الذاتية مبكرًا جدًّا عن علماء النفس الآخرين؛ مُنِح أيضًا درجة فخرية من هارفارد وهو لا يزال في الأربعين. استقبلت كتاباته المبكرة في علم النفس بشكل جيد جدًّا. لكن الملاحظة الأخيرة لأوسكار بفيستر Pfister في مراجعته لثلاث محاضرات لبياجيه في التحليل النفسي في باريس (١٩١٩م) بأن من المؤكد أن بياجيه سيساهم في تطوير التحليل النفسي، تغاضى عنها في لحظة كتابة هذه السيرة الذاتية، لأن «التحليل النفسي ليس علمًا». في لحظة العبور من المراهقة إلى البلوغ وتسمى الآن «الشباب» عرف بياجيه دوره كشخصية فكرية رائدة في الجزء الناطق بالفرنسية في سويسرا، وأسقط بعناية الدور المركزي في تفكيره لانشغالاته الميتافيزيقية والخلقية والاجتماعية في ذلك الوقت (لأنها لم تكن «علمية»).
الآن، إذا فحصنا هذه العلامات على التفوق والنضج المبكر، تُذهلنا البراعة العامة لهذه العلامات. كم من الأطفال الصغار «ابتكروا» سيارات جديدة؟ كيف فكر في العصفور الأبرص؟ ملاحظة ضربة حظ، بلا شك. الوصف أكثر أهمية، لأنه حذر وحصيف حيث إن العصفور «يقدم» كل علامات الأبرص. إنه أبرص «على ما يبدو». لا شيء أكثر من ذلك؛ مما جعل بعض الدارسين (Vidal 1994) يطرح بعض الشكوك بشأن حقيقته. وظيفة أمين المتحف المعروضة على مراهق تطرح شكوكًا أكثر؛ لأن الوظيفة كانت مساعدًا، وكانت مكانتها متواضعة في ذلك الوقت. بالإضافة إلى ذلك، كيف يمكن تجاهل العمر الحقيقي لجان بياجيه في الجزء الصغير الناطق بالفرنسية في سويسرا؟
لم تكُن الآراء في متحف جينيف إيجابية كلها بشأن نوعية هذه التقسيمات، لأنه حين اشتهر بياجيه في علم النفس التطوري، تعجب مدير المتحف بسخرية: «حسنًا، إذا كان طيبًا مع أبنائه مثلما هو طيب مع الرخويات، فإن علم النفس في أيد أمينة» (pres.com., by E. Lanterno).
من غير المعتاد حقًّا أن شخصًا رائعًا جدًّا وناجحًا في مجال أن يغيره نتيجة الاهتمام فقط. يقدم كل من دوسريه Ducret (١٩٨٤م) وفيدال Vidal (١٩٩٤م) بعض أسباب انسحاب بياجيه من علم الأحياء. يرى دوسريه أنها «النفخة النرجسية» التي تستقبل في مناقشته مع روسكوفسكي Roszkowski عن طبيعة تشكل نوع جديد طبقًا لقوانين مندل. بالنسبة لفيدال، التغير في الاتجاه معرفي أساسًا. فشل بياجيه في فهم علم الأحياء الجديد المؤسس على الداروينية الجديدة. ولم يستوعب، خاصة، التعريف التجريبي للأنواع بالتكاثر الجنسي المضاد لإبستمولوجيا التحديق («إبستمولوجيا النظر» كما يسميها فوكو) التي كانت الإبستمولوجيا العامة للتاريخ الطبيعي المضمحل حينذاك. لم يكن بياجيه بيولوجيًّا قط بل طبيعيًّا.

وضع بياجيه انقسامًا واضحًا بين اهتماماته العلمية والفلسفية في شبابه: الأولى مقدسة، والثانية ملعونة. بعد ذلك، أثر الانقسام ذاته في فصل البحث السيكولوجي المعرفي الجيد عن البحث التحليلي النفسي سيئ التأثير.

تبدو عمومًا حياة بياجيه، عالم النفس، محكومة بمفاهيمه، مفاهيم من قبيل الحركة العامة من مركزية الأنا إلى اللامركزية مع فترات يميل فيها التوحد إلى الهيمنة على الصورة وفترات يتحقق فيها التكامل الاجتماعي بشكل أفضل. يلعب التوازن والاتزان وأيضًا الاستيعاب والتكيف دورًا مهمًّا في تطور بياجيه.

الخلاصة، تحكي لنا هذه السيرة الذاتية ثلاث سرديات: واحدة عن التطور «العلمي» المحض لبياجيه؛ والثانية عن الحافز «الإبستمولوجي» الصارم لعبوره من «علم الأحياء» إلى «الفلسفة»، وبعد ذلك إلى علم النفس؛ والثالثة عن طريقة طرد شياطين الفلسفة والتغير الخلقي من نظام بياجيه. مرة أخرى، في مقاربة صارمة من مقارباته، تطرد هذه الشياطين في النهاية في نهاية المراهقة، وهي الفترة المناسبة لمثل هذه النقلة؛ لأن البلوغ هو سن العلوم.

يسعى مثل هذا السرد الثلاثي إلى النقاء المعرفي. إنه يستبعد العلاقة الحميمة بين التقسيمات البياجيه الأخير والعلوم البرجسونية الخاصة بالأنواع لصالح فهم نوعية الوظائف في الكائنات الحية. تستبق هذه النزعة الوظيفية في علم الأحياء وأنواع الرخويات تحالفًا مع النزعة الوظيفية الطبية الحيوية النفسية عند كلابريد Claparède. بالطريقة نفسها، يمكن تفسير العبور خلال الفلسفة فيما يتعلق بالإبستمولوجيا تمامًا، حيث إن الأنواع يمكن اعتبارها كيانات بيولوجية تخضع لآلية التكيف ثنائي القطب وتشمل التمثل والتأقلم، أو فئات منطقية لها نماذج رياضية. إنَّ فهم علاقة نماذج الرياضية بالكائنات الحية يوحِّد علم الأحياء والفلسفة عن طريق المنطق. بالإضافة إلى ذلك، يفتح الطريق إلى علم النفس باعتباره موضع كل من العمليات العضوية (يحكمها مبدأ العلية) والمعايير المنطقية (يوجهها التضمين).

(٢) بصائر الفلسفة وأوهامها

في هذا الكتاب، المنشور في ١٩٦٥م، وأعيد نشره في ١٩٦٨م مع خاتمة، يبدأ الفصل الأول ﺑ «سرد الردة وتحليلها». أفضِّل مصطلح «الرِّدَّة deconversion» على الترجمة الأصلية لوولف مايز Mays (Piaget 1971) حيث ترجم الكلمة الفرنسية déconversion بالإنجليزية إلى «disillusionment، التحرر من الوهم». المشكلة مع كلمة disillusionment افتقاد خاصية de-conversion، عدم الاعتناق conversion، وهي أساسية لهدف بياجيه لأنه يريد حقًّا التأكيد على المعنى الديني للاعتناق بنفيه، الردة، ليشرح طريقة ابتعاده عن الانشغالات الميتافيزيقية إلى الانشغالات العلمية.

(٢-١) الجنس الأدبي

الجنس الأدبي لهذا البحث خليط من الخطاب الدفاعي والخطاب الهجومي؛ بأكثر من طريقة، كان هدف بياجيه قريبًا جدًّا من الدفاع اللاهوتي.

(٢-٢) المحتوى

يحكي بياجيه حياته بهدف خاص لشرح تأثير الأسئلة الفلسفية على أعماله. وهكذا، لم يعد التركيز ينصبُّ على الطفل مبكر النضج أو العالم الشاب ولكن على اكتشاف الفلسفة من خلال قراءة كتاب برجسون «التطور الخلاق» باندفاع قوي. إن الافتتان بالتضاد بين «الزخم الحيوي» والمادة الخاملة، وأيضًا بين الذكاء (مادة في جوهره) والحياة، قصير لكنه يوصف بشكل رائع. يتم التعبير عن الصراع بين العلوم والإيمان فيما يتعلق بعلم نفس الأسرة: كان جان بياجيه ابنًا لأم بروتستانتية متدينة جدًّا وأب حر التفكير. بدا الأب علميًّا، وبدت الأم غير علمية، ومن هنا جاء الصراع. ومن المهم أن نلاحظ هنا انزلاقًا إلى التحليل النفسي السطحي، وهو أمر نادر جدًّا في السير الذاتية لبياجيه، لكنه يتكرر أكثر في رسائله أو محادثاته. ويؤدي وظيفة اختزالية.

تم حلُّ الصراع بسرعة بحركة مزدوجة لترميز العقائد الدينية وتماهي الرب والحياة عند سبينوزا، نتيجة قراءة برجسون على ما يفترض، وقاد ذلك بياجيه باتجاه أشكال متنوعة من مذهب الحلول لينتهي به الأمر إلى شكل من أشكال الإيثار. استمر الحماس لفلسفة برجسون حتى أوقفه أستاذ بياجيه في الفلسفة، المتخصص في المنطق وتاريخ العلوم، أرنولد ريموند Reymond. قاد نقد ريموند بشكل عقلاني لبرجسون، قاد بياجيه إلى اعتناق شكل من البرجماتية (مستوحًى غالبًا من قراءة كلابريد) وفيها ميَّز بياجيه بين شكلين من المنطق: منطق الفعل وهو حيوي مثل الزخم ومنطق الهندسة وهو ميت. وأدى هذا بدَوره إلى ما وصفه بياجيه (خطأً) بأنه شكل من الشمولية، أي أن «علم الأجناس» (الأنواع أو الأنماط) وفيه كل فرد كلٌّ، لا تغيره البيئة أبدًا تغيرًا كليًّا، ولكن، على العكس، يتمثل الوسط في بناه الخاصة في مسيرة لا تنتهي أبدًا باتجاه التوازن. يستبق بياجيه نظريته المستقبلية هنا. من بضع وثائق بحوزتنا، حيث فُقِد مقال «البرجسونية الجديدة»، لم يكُن موقف تفكير بياجيه في ذلك الوقت بالوضوح الذي هو عليه في هذه السيرة الذاتية.

في مسار المفارقة التاريخية نفسها، تقدم بياجيه (١٩٧١م) ليقول «بالنسبة لي، يعمل المتخصص في علم الحيوان في الحقل أو المختبر» (ص١٦)، وهذا صحيح جزئيًّا فقط حيث إن بياجيه لم يعمل قط في مختبر بالمعنى المعاصر للكلمة. ومع ذلك، ادعى أن ممارسته قادته إلى التوجس في التفكير الفلسفي المجرد، مستنتجًا أن الفلسفة تحتاج بعضًا من «علم النفس التجريبي» (١٩٧١م، ص١٦).

ويتغاضى سريعًا عن الأزمة الطويلة الصعبة التي مر بها في أوائل العشرينيات من عمره: «دفعني توقف عملي وقضاء بعض الشهور في الجبال إلى اتخاذ بعض القرارات. لم يكن هناك شك في تفضيل علم النفس أو الفلسفة لكن كان عليَّ فقط أن أختار، لصالح إبستمولوجيا جادة، أن أخصص بعض الفصول الدراسية لدراسة علم النفس» (Piaget 1971, p. 17). بالإضافة إلى ذلك، اكتفى بالتلميح إلى «البحث»، رغم ذكر القراءة النقدية التي قدمها ريموند له.

تبدو الإقامة في زيورخ طريقًا مسدودًا، دون أيِّ ذكر للأسباب التي جعلتها كذلك. يصور السنة التي قضاها في باريس بأنها توفيق للاهتمامات الفلسفية (العمل تحت إشراف «لالاند» و«برنشفيك») والبحوث السيكولوجية (العمل في مختبر بينيه). ولم يذكر بياجيه موافقة لالاند على أبحاثه المبكرة في علم النفس إلا هنا.

حين انتقل ريموند من جامعة نيوشاتل إلى جامعة لوزيانا، شغل بياجيه كرسي ريموند في الفلسفة.

كما لاحظ بياجيه نفسُه، تُنظَّم كل هذه الأدلة لإثبات نقطة خاصة، أعني، رغم حبه للفلسفة حتى الثلاثينيات على الأقل، حدثت ردة مطردة، ومن المهم أن نحلل أسباب حدوثها. يرصد ثلاثة أسباب على الأقل. الأول: خطر الاقتناع الذاتي دون أسباب حقيقية، أي دون تدقيق. ومن ثم، يبرهن على أن فلسفة التأمل تؤدي إلى الحكمة وليس إلى المعرفة في مستوًى ما بين الأفراد من موضوعية. ينبغي وضع الحقائق في الاعتبار. ثانيًا: ذُهِل بياجيه من اعتماد الأفكار الفلسفية على التحولات الاجتماعية والسياسية. هنا، يصف بياجيه العلاقة بين الحركات الاشتراكية القومية في أوروبا وفلسفة الجيست٦ لاعنًا علم النفسي التجريبي إلى السلوان؛ بالعكس، يؤمن بأن المنهج العلمي الوحيد للتدقيق بواسطة الرفاق يؤدي إلى المعرفة الموضوعية. ثالثًا: ميل الفلاسفة لوصف معايير العلم على أساس تأملاتهم الشخصية بدا لبياجيه إساءة استخدامٍ للقوة، وحالة خاصة من الجهل والغطرسة، حيث صارت أكثر أجزاء الفلسفة قيمة، مثل علم النفس والمنطق والإبستمولوجيا، علومًا مستقلة.

ومع ذلك، بعد تعيينه في جامعة جينيف في ١٩٢٩م، ادعى بياجيه أن له علاقات رائعة مع زملائه في قسم الفلسفة. وبالعكس، لاحظ، بعد الحرب العالمية الثانية، بعث علم النفس الفلسفي في صورة الوجودية والفينومينولوجيا، وكانا تجسيدًا للاعتماد نفسه في الفلسفة على التغيرات الاجتماعية والسياسية.

اندهش من أن السوربون رحَّبت به «فيلسوفًا في علم النفس» (ولم يكن مدهشًا على الإطلاق أنه كان خلفًا لموريس ميرلو بونتي).

وجد بياجيه أن وضع علم النفس في فرنسا ينذر بالخطر. لم يكن يوجد فعليًّا خارج الفلسفة. ويرى بياجيه أن هذا يرجع إلى البنية الاجتماعية للأكاديمية الفرنسية، ورصد ثلاثة عوامل رئيسية. الدور الاجتماعي المحدد «لدروس الفلسفة» (أي السنة النهائية في الليسيه الفرنسية) يقدم عدَّة وظائف أكاديمية. كان حكم المسنين من الأساتذة المحافظين في الجامعة ينظم طريقة تشغيل الأساتذة عن طريق «المسابقات» مما يضمن وجود النزعة المحافظة على كل المستويات. منعت عادة أن يعد الأستاذ الذي على وشك الإحالة إلى المعاش خلفه لكيلا يحدث أي تجديد. ويرى بياجيه أن هذه العوامل جعلت الفلاسفة الفرنسيين يؤمنون بأنهم على قمة كل أشكال المعرفة، وأدت إلى منع ازدهار علم النفس التجريبي. وينبغي أن نلاحظ هنا أن بياجيه يصف وضعًا كان يتلاشى فعليًّا في ١٩٦٥م عند نشر بحثه.

بعد هذا الاتهام للمؤسسة الفلسفية الفرنسية، طرح بياجيه مسألة تكوين علم جديد يسمى «الإبستمولوجيا الجينية». تختلف الإبستمولوجيا الجينية عن الإبستمولوجيا القياسية في المسألة الأساسية المطروحة. تثير الإبستمولوجيا القياسية مسألة احتمالية المعرفة عمومًا، وتطرح الإبستمولوجيا الجينية مسألة احتمالية نمو المعرفة. «كيف تنمو المعرفة؟»، ليس سؤالًا فلسفيًّا رغم ذلك. إنه سؤال إمبريقي يتطلب معيارًا موضوعيًّا للتدقيق التجريبي في البيئة العلمية.

لترسيخ هذا العلم الجديد، طلب بياجيه مساعدة مالية من مؤسسة روكفلر لإنشاء مركز للإبستمولوجيا الجينية، وكان بالضرورة محاولة متعددة التخصصات، تتأسس على جهود مشتركة لمتخصصين في المنطق والرياضيات والفيزياء والسبرنطيقيا وعلم الأحياء وعلم اللغة النفسي وتاريخ العلوم. رغم أن بياجيه لاحظ بزهو، أنه كان نواة هذا كله، إلا أنه لم يستطع القيام بالمهمة وحده لأنه «بقدر ما يمكن للمرء أن يتحدث عن «نظام بياجيه» فسوف يكون علامة على فشلي» (١٩٧١م، ص٤٤)؛ وهكذا كان استخفاف بياجيه بأي إنتاج فردي عظيمًا.

يتذكر أن مؤسسة روكفلر ترددت في البداية. ثم، افترض أن الفيلسوف (لاحظْ هذا) وولف مايز، من مانشستر، زار جينيف وكتب تقريرًا للمؤسسة. وكان تقرير مايز ماهرًا بما يكفي ليضمن قَبول بياجيه لدورة ثانية من المناقشات طرح أثناءها السؤال التالي، وهو سؤال عملي جدًّا: «كيف يمكن أن تجد أناسًا بارعين بما يكفي للتعاون بفاعلية ومغفلين بما يكفي للتخلي عن سنة كاملة من أبحاثهم في الرياضيات أو المنطق … إلخ، ومغامرين بما يكفي للحوار مع ملاحظي أطفال؟» (١٩٧١م، ص٤٦). إن بياجيه، على ما يبدو، ردَّ عليهم بما يرضي اللجنة، حيث إنه منح التأسيس الضروري لبدء «المركز الدولي للإبستمولوجيا الجينية».

كانت البدايات صعبة: كان على علماء النفس أن يجدوا لغةً مشتركة مع متخصصين في المنطق والرياضيات، لكنهم، في النهاية، أداروا العمل معًا. في السنة التالية، عمل فريق من أربعة أشخاص مكون من اثنين متخصصين في علم اللغة النفسي واثنين في المنطق على مسألة العلاقات بين الأحكام التوليفية (أو الإمبريقية) والأحكام التحليلية (أو المنطقية-الرياضية)، إحدى العقائد الرئيسية للنزعة الإمبريقية المنطقية. وتم اكتشاف أنه على عكس رأي النزعة الإمبريقية المنطقية، كانت هناك كل أنواع الأوضاع المتوسطة بين الأحكام التوليفية والتحليلية الصارمة بالمعنى المنطقي، لكن ممثل النزعة الإمبريقية المنطقية، المنطقي البلغاري أبوستل Apostel، حاول أن يحفظ المظاهر بافتراض هبوط خطِّيٍّ من الأحكام الإمبريقية إلى الأحكام المنطقية.
أسست مناقشة العمل، بواسطة مجموعة من ١٠ مناقشين من الضيوف في أسبوع، شكل المؤتمرات السنوية في المستقبل. وقد قنع بياجيه بالنتيجة النهائية رغم خوفه من ردود أفعال «بيت» E. W. Beth من أمستردام، وهو منطقي نشر، بناء على طلب الأب بوشنسكي Bochenski (وهو منطقي بولندي في جامعة فريبورج Fribourg)، نقدًا لاذعًا لكتاب بياجيه «بحث في المنطق». صار كل شيء بشكل جيد، الأبُ بوشنسكي شيطانٌ، و«بيت» شخص طيب وأمين، في رأي بياجيه، ومن الممكن أن يتعاونا معًا.
بعد سبع سنوات من منح روكفلر، استقر المركز بواسطة مؤسسة العلوم القومية في سويسرا بقية حياة بياجيه (٢٥ سنة). ومن الغريب تمامًا أن جيروم برنر كان حاضرًا في ذلك المؤتمر ولم يعلق عليه بياجيه وهو يسجل اسمه ضمن المشاركين. ومن الواضح أن هذه السيرة الذاتية موجهة إلى جمهور لا يدرك مشاكله مع برنر. أشار بياجيه إلى أن نجاح المركز يرجع أساسًا إلى معاونيه الممتازين: بيير جريكو Gréco، وجان بليز جريز Grize، وليو أبوستل، وسيمور بابرت Papert.

هذا الاختيار، والطريقة التي يتم بها تقديم هؤلاء المعاونين، مهم. جريكو، وهو عالم نفس، يقدم باعتباره طالبًا متفوقًا (الأول من نوعه على المستوى القومي الفرنسي). وهذا يعني إشارة إيجابية إلى المدارس العليا الفرنسية وإلى مسابقات التعيين، وهما مؤسستان انتقدهما بياجيه من قبل في هذه السيرة الذاتية باعتبارهما تقضيان على المواهب الشابة في فرنسا.

يُصور «جريز»، وهو منطقي ورياضي سويسري تأثر بالخبراء البلغاريين، رجلًا يسعى إلى صياغة منطقية للبنى الطبيعية في التفكير. ويرحب ﺑ«ليو أبوستل» باعتباره وضعيًّا منطقيًّا تحوَّل إلى إبستمولوجيًّا جينيًّا. ويهتف لسيمور بابرت، وهو رياضي من جنوب أفريقيا، بسبب درجتَي الدكتوراه اللتين حصل عليهما في الرياضيات، وأعماله في معهد بونكريه Poincaré للرياضيات في باريس، ودراسته عن السبرنطيقا في المختبرات القومية في تدينتجون Teddington في إنجلترا (يقول بياجيه إنه مختبر الفيزياء في لندن) وأخيرًا وليس آخرًا، كفاءاته المتعددة. يشرف «تقريبًا» بكرسي المنطق في جامعة كمبردج، وهو محض خيال من بياجيه. ويذكر متعاونون آخرون لمساهمات محددة: بريسون Bresson، وجولبود Guilbaud، ونوفينسكي Nowinski، وجروبر Gruber، وماير Meyer. وكان هناك الكثير من الضيوف: كوين Quine، وكلوتش Culloch، وهلبوتش Halbwachs، وكوستا دي بيورجارد Beauregard، وجرنجير Grangier، بالإضافة إلى برنر بالطبع.
طبقًا لبياجيه، رحَّبت كلية العلوم في جامعة جينيف بالمركز وكان ينتمي إليها رسميًّا. لكن الفلاسفة في الجامعة لم يرحبوا به بالقدر نفسه، وكانوا جميعًا فينومينولوجيين متطرفين، رحبوا بالدراسات السيكولوجية التي أجراها بياجيه لكنهم لم يروا لها أي تأثير على المعرفة من منظور فلسفي، حتى إنهم أنشئوا كرسيًّا لعِلم النفس الفلسفي «لتوفير الأنثروبولوجيا الفلسفية المطلوبة» (Paiget 1971, p. 56) لأبحاث بياجيه. وشغل بياجيه الكرسي وقد أُعيدت تسميته «تاريخ علم النفس الفلسفي»، وهو تخصص، في رأي بياجيه، ينتمي بالفعل لتاريخ الماضي.

تنتهي السيرة الذاتية بهذه السخرية الأخيرة.

(٢-٣) التعليق

يختلف هذا النص عن السيرتين الذاتيتين الأُخريين في أبعاد مختلفة: الجمهور المستهدف، المتعاونين، الزملاء المذكورين أو ممن تغاضى عن ذكرهم، مركز جاذبية المناقشة. بالنسبة للجمهور، جمهور متعلم عام يميل إلى الفلسفة، بشكل خاص، ما يسميه الفرنسيون «مثقفين intellectuels» – أي أولئك الذين عانوا ونجحوا في ظل النظام الذي هجاه بياجيه. ومن ثم، يحاط إسقاط الاسم المعتاد بمجموعة يفترض أنها معروفة لهؤلاء القراء. يذكر القليل، إن لم يكن القليل جدًّا، من علماء النفس في السيرة الذاتية الأخرى. يبقى الصراع مع الزملاء في أضيق الحدود، وخاصة عند المقارنة بالسيرة الذاتية الأساسية لبياجيه بوصفه سيكولوجيًّا.

بالطريقة نفسها، يقتصر ذكر المتعاونين المقربين على سيكولوجي واحد، بيير جريكو (وكان يقيم في باريس غالبًا)، ولم يشمل، على غير المتوقع، باربل إنهيلدر. الآخرون، رياضي، بابرت، ومنطقيان، أبوستل، وجريز. وفي الدائرة الثانية لما يعرف بالمتعاونين المميزين، لا يظهر إلا سيكولوجيان: جروبر وبريسون.

قارن هذا بالصورة الذاتية لبياجيه بوصفه سيكولوجيًّا. يذكر إنهيلدر وسنكلير وبوفيت مع إشارات تمجيدية وأيضًا إشارات إيجابية بالنسبة لبقية المتعاونين في جينيف؛ مما يعطي انطباعًا بأنَّ دَور علماء النفس في جينيف كان خاصًّا وثانويًّا: إدارة الأمور بالنسبة لبياجيه. مكانهم في التاريخ محدود، ويبدو مكان المتعاونين من خلفية مختلفة أكبر. وقد انعكس هذا في التنظيم الفعلي للأبحاث حول بياجيه، حيث جاء «المركز» في البداية، ثم حدث في المركز انقسام قوي بين «المنظِّرين» و«التجريبيين». تكونت المجموعة الأولى أساسًا من غير السيكولوجيين واقتصرت الثانية على السيكولوجيين.

يُذكَر، بشكل عابر، الزملاء في علم النفس الذين عارضوا نظريات بياجيه أو ناقشوها بشكل نقدي، دون إسهاب في مناقشة أطروحاتهم أو براهينهم. لم يدرك بياجيه موقعه الخاص في المجال قط، في هذه السيرة الذاتية أو في سيره الذاتية الأخرى. كان بياجيه يميل إلى التقليل من شأن موضعه، لأنه في معظم حياته الأكاديمية وبالتأكيد بعد ١٩٥٥م، كان هناك منافس واحد له في الاستشهاد به: سيجموند فرويد. حين كرر ديفيد إلكيند Elkind تجاربه الخاصة بالحماية، كان بياجيه عصبيًّا جدًّا – كما لو كان غير متأكد من النتيجة رغم كل التجريب الذي كان يجري في جينيف على هذه المسائل ويشمل عدة مدارس يوميًّا. هذه سمة من سمات التكوين الشخصي لبياجيه، ولم يفهمها زملاؤه العلماء إلا نادرًا. على ما أتذكر، أبدى مك كولتش Mc Culloch وحده ملاحظة واضحة تخص عدم شعور بياجيه بالأمان لكن مك كولتش تدرب ليكون طبيبًا نفسيًّا.

يُقدَّم تاريخ علاقة بياجيه مع مؤسسة روكفلر في هذه السيرة الذاتية كما لو أنها بدأت بمشروع مركز الإبستمولوجيا الجينية. ومن المسلَّم به أن هذا غير صحيح. اهتمت مؤسسة روكفلر بمشاريع بياجيه قبل إنشاء المركز بفترة طويلة. حين سمع كلبريد أن الباحثين السويسريين يمكن أن تنطبق عليهم شروط مؤسسة روكفلر لمنح بمبالغ كبيرة، أعلن أن زائرًا من المؤسسة سيتم الترحيب به في معهد جان جاك روسو. وهكذا جاء الزائر وكان شخصًا ماهرًا لم يقرر فقط أن المعهد جيد جدًّا لكنه ذكر أيضًا أن شابًّا صاعدًا ممتازًا يساعد على نموه: جان بياجيه. وهكذا قبل الحرب العالمية الثانية، استقر بياجيه بواسطة المؤسسة ويبدو أن مشاكل الحرب كانت وراء وقف الاعتماد. وهكذا، حين عاد بياجيه إلى مؤسسة روكفلر، كان له سجل هناك وكان يستطيع أن يسحب من رصيده السابق.

وكان الاستنتاج المؤسف، فيما بعدُ، إنه رغم جهود بياجيه لإثبات العكس، لم تنجُ الإبستمولوجيا الجينية بعد موت مؤسسها، لا باعتبارها شكلًا خاصًّا من الإبستمولوجيا، ولا باعتبارها مؤسسة. وبالتالي، يفشل المقال الدفاعي العنيف الموسع في شكل سيرة ذاتية في تحقيق هدفه، حيث لم يعد أحد يسلك الطريق الذي اقترحه بياجيه. ما يبقي مرارة مؤكدة وذكرى لمعركة مريبة حول أفكار لم تبقَ على قيد الحياة بالشكل المتوقع.

(٣) الخلاصة العامة

إنَّ بياجيه، في سِيَرِه الذاتية كلها، هو نفسه ومختلف. الحقائق نفسها. الحكايات متماثلة، لكن النتيجة مختلفة تمامًا.

تقدِّم السيرةُ الذاتية الكبرى في «مجلة فيلفريدو باريتو» بيولوجيًّا بالتدريب، قادته قراءتُه لبرجسون إلى تصوُّر ذكاء الإنسان باعتباره امتدادًا للتكيف العضوي من منظور التطور. ومن المهم ملاحظة هذا؛ لأنَّ بياجيه لم يكن بيولوجيًّا بالتدريب، لكنه كان طبيعيًّا naturalist مهتمًّا بالتقسيم الحيواني للرخويات ومدربًا عليه. انبثق اهتمامه بالتطور والتكيف من البرجسونية أساسًا، أي من موقفه الميتافيزيقي الذي قاده إلى رفض الداروينية ونزعة التحور تمامًا، لصالح النسخ النوعي الذي حفظ الدَّور الفعال للأفراد في تاريخ التطور.

بالعكس، قدم في هذه السيرة الذاتية، نظريته في المعرفة باعتبارها نتاجًا للبرجسونية، ولم تكن كذلك. حين قرأ برجسون، كان يريد ترسيخ علم للأنواع مؤسس على مبدأ تفسيري عام خاص بالتوازن بين الأجزاء والكل. اتهم علماء النفس بعدم فهم ما يقصد القيام به، غافلين عن الحقيقة الساطعة بأنه لم يكن يقدم علم نفس بل إبستمولوجيًّا مستخدمًا علم النفس وسيلة للوصول إلى هدف.

في السيرة الذاتية في بداية كتاب «الحكمة ووهم الفلسفة» يوجد بياجيه ثالث: الميتافيزيقي الذي تحول إلى عالِم لقصور الفلسفة وغرور الفلاسفة. هنا، أمامنا شخصية عاشق منبوذ. لكن بعنف: كلمة «حكمة» مكتوبة بحروف صغيرة على غلاف الكتاب، بينما كلمة «وهم» مكتوبة بحروف كبيرة. وقد كتب الفصل الاستهلالي لتوضيح أن الطريقة الوحيدة لقول الحقيقة بالنسبة لإبستمولوجيٍّ هي استخدام علم النفس منهجًا لجمع البيانات لأنه مؤسس على حقائق موضوعية يضبطها الوسط العلمي الموضوعي كله (على عكس النظم الفردية «لفلاسفة في مقاعد وثيرة»).

ما المشترك في هذه السرديات المختلفة؟ ذاكرة الطفولة أساسًا: الخوف من التوحد، الحاجة إلى الانتماء إلى مكان ما، ضرورة فحص المخيلة طوال الوقت. من هنا التضاد بين الاستيعاب والتكيف، التوحد والتفكير الاجتماعي، الذاتية والموضوعية، الارتياب والخصوصيات، الأحلام والفنتازيات، التوازن بين المتناقضات باعتباره التفسير النهائي حينما وحيثما أمكن، وأيضًا الموازنة باعتبارها محرك النشوء والتطور. في النهاية، يبدو أن العنصر الأساسي في كل هذه الهويات، العنصر الذي يؤدي إلى سرديات مختلفة هو الخوف من الجنون في رجل يتمتع بمخيلة جريئة وأفكار طليقة. ربما كان الجنون يلوح خلف الصورة المرعبة لأمه العصابية. وهكذا تبدو نظرية بياجيه برمتها آلية دفاعية هائلة ضد الاكتئاب والفقد.

المراجع

  • Bergson, II. (1907), Creative evolution (A. Mitchell, Trans.), New York: Henry Holt (original version published 1911).
  • Boring, E. & Lindzey, G. (1967), A history of psychology in autobiography, Vol. 5, Worcester, MA: Clark University Press.
  • Bourdieu, P. (1986), L’illusion biographique, Actes de la recherche en sciences sociales, 2, 62-63.
  • Ducret, J.-J. (1984), Jean Piaget, savant et philosophe, Les années de formation, 1907–1924, Etude sur la formation des connaissances et du sujet de la connaissance, 2 Vol, Genève: Droz.
  • Parrat-Dayan, S. (1993a), Le texte et ses voix: Piaget lu par ses pairs dans le milieu psychologique des années 1920–1930, Archives de Psychologie, 61, 127–152.
  • Parrat-Dayan, S. (1993b), La réception de l’oeuvre de Piaget dans le milieu pédagogique des années 1920–1930, Revue française de pédagogie, 104, 73–83.
  • Parrat-Dayan, S., & Vonèche, J. (1992), Comment les Anglo-saxons comprennent l’équili-bration, In: D. Maurice & J. Montangero (Eds.), Equilibre et Equilibration dans l’oeuvre de Jean Piaget et au regard de courants actuels, Fondation Archives Jean Piaget, Cahier 12 (pp. 83–95), Genève: Fondation Archives Jean Piaget.
  • Pfister, O. (1920), Jean Piaget: Psychoanalyse und Pädagogik, Imago, 6, 294-295.
  • Piaget, J. (1918), Recherche, Lausanne: La Concorde.
  • Piaget, J. (1949), Traité de logique, Paris: A. Colin.
  • Piaget, J. (1950), Introduction à l’épistémologie génétique, 3 Vol, Paris: Presses universitaires de France.
  • Piaget, J. (1952), Autobiography, In: E. G. Boring, H. Werner, R. M. Yerkes & H. S. Langfeld (Eds.), A history of psychology in autobiography, Vol. 4, Worcester, MA.: Clark University Press.
  • Piaget, J. (1966), Biology and knowledge: An essay on the relations between organic regulations and cognitive processes (B. Walsh., Trans.), Chicago, IL: Chicago University Press.
  • Piaget, J. (1971), Insights and illusion of philosophy (W. Mays, Trans.), New York & Cleveland: The World Publishing Company.
  • Piaget, J. (1976/1966), Autobiographie, Cahiers Vilfredo Pareto (Revue européenne des sciences sociales), 14, 1–43, Updated version of 1966, Cahiers Vilfredo Pareto, 4, 129–159 (Updated version of Piaget, 1952).
  • Ricœur, P. (1983, 1984, 1985), Temps et récit, 3 Vol, Paris: Seuil.
  • Skinner, B. F. (1961), Cumulative record, New York: Appleton-Century Crafts.
  • Sulloway, F. (1979), Freud, biologist of the mind, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • Vidal, F. (1994), Piaget before Piaget, Cambridge, MA: Harvard University Press.
١  جورج هيربرت ميد Mead (١٨٦٣–١٩٣١م): فيلسوف أمريكي. (المترجم)
٢  الطبيعة الأم Mother Nature: تجسيد عام للطبيعة يركز على منح الحياة وأوجه التنشئة في الطبيعة بتجسيدها في صورة أم. (المترجم)
٣  الاسمية nominalism: مذهب فلسفي يؤمن بأنَّ المفاهيم المجردة والمصطلحات العامة ليس لها مرجعية موضوعية لكنها توجد فقط باعتبارها أسماء. (المترجم)
٤  Le Langage et la pensé chez l’enfant (1924); Le jugement et le raisonnment che l’enfant (1924); La representation du monde chez l’enfant (1927); Le jugement moral chez l’enfant (1932).
٥  La naissance de l’intelligence chez l’enfant (1937); La construction du réel chez l’enfant (1937); La formation du symbole chez l’enfant (1945).
٦  الجيست Geist: كلمة ألمانية تعني العقل أو الروح أو الشبح طبقًا للسياق. (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤