الفصل الثاني

بلانشو: الفضاء الأدبي

الكتابة، «هذه اللعبة المجنونة» (مالارمه).

الكتابة، ضرورة الكتابة: لم تَعد الكتابة (تلك الضرورة التي لا يمكن تجنبها) خادمة الكلام أو ما يُسمَّى الفكر المثالي … فالكتابة التي تبدو مكرسة لنفسها فقط، والتي تظل من دون هُوية، والتي تثير تدريجيًّا إمكاناتِ طبيعةٍ أخرى تمامًا، عبر تحرير قوتها الأصيلة تحريرًا متأنيًا (قوة الغياب التصادفية) — هذه الكتابةُ ضربٌ مبهم من الوجود والعلاقة، خَاوٍ، مؤجَّل، مبعثر. وبذا، تضع كل شيء موضع المساءلة.

من بين الأمور التي يضعها هذا التصور الجذري للكتابة موضع التساؤل أفكارٌ من قبيل: الله، الذات، الفاعل، الحقيقة، الوحدة، وحدة الكتاب أو العمل. ولهذه السلسلة من المزاعم المغالية الهائلة صوت يألفه قراء دريدا، مع أن الاقتباس السابق ليس من دريدا، بل من موريس بلانشو، وعلى وجه التحديد من تمهيد كتابه «محاورة لا تنتهي» L’entretien infini (١٩٦٩م). والحق إن معظم جوانب عمل دريدا تجد ما يبدو أنه تشابهات قريبة أو سوابق لها في عمل بلانشو، على الرغم من أن العلاقة بينهما — للحق أيضًا — أعقد بكثير من ذلك.
وتُعد أعمال هيدجر المتأخرة مرجعًا ضروريًّا لفَهْم إنتاج بلانشو النقدي والأدبي على السواء.١ ويبدو كلاهما، في القراءة الأولى، غامضًا غموضًا لا يمكن اختراقه، وبرغم ذلك يمكن إثبات أهمية هيدجر بعدة طرق. ولعل أول ما يمكن تتبعه وصف بلانشو لكيف أصبح الأدبي، في القرنين الأخيرين، فضاءً شِبْه متعالٍ، و«قولَ الوجود». وقد هَيأ هذا التصورُ الذي يتداخل مع مفهوم الشعر الهيدجري، من دون أن يتطابق معه، السياقَ الذي أنتج فيه بلانشوعمله الأدبي. إذ يشتبك سرده الأدبي (وهو ما سنعود إليه مع نهاية هذا الفصل) اشتباكًا كاملًا، ينطوي على تحدٍّ تقريبًا، بمفهوم الشعر عند هيدجر وإمكان ممارسة جديدة للغة بوصفها نظامًا للفكر تغايريًّا.
يرسم كتاب بلانشو «محاورة لا تنتهي» معالم التحولات الرئيسية في التصور الأوروبي السائد عن الأدب منذ القرن الثامن عشر. إذ يمكن العودة بجذور تصور الكتابة الراديكالي، المرتبط بمالارمه، إلى التصورات الرومانسية عن اللغة التي تُعارِض نماذج عصر التنوير. كانت اللغة والشعر في ذلك العصر — كما هو معروف جيدًا — على ارتباط جد وثيق بتصور الصوت. ولم يكن ذلك ببساطة لأن «الصوت» قد رُبِطَ — على ما يُفترَض — بجُوانيات الحياة الذاتية، ومن ثَم بتصورات الشعر التي تراه تعبيرًا عن الذات … إلخ، وإنما لأن التصور الرومانسي للصوت الشعري قد اندمج، أيضًا، بعناصر غير ذاتية هي ألصق الآن بتصور الكتابة، أعني علاقةً ﺑ روح حارسة  daimonic أو بعنصر غير بشري في الشعر. ويؤكد بلانشو تصورات عن الكاتب تراه مصغيًا، في عملية الإلهام، إلى صوت يجعل من صوت الكاتب نفسه صوتًا مستعارًا. هذا «الصوت» ليس صوت أحد، بل هو صدى شيء مجهول يسري في الفن برغم ذلك، ولعله يتجلى في حال الجنون (وقد وقف هولدرلن «هاذيًا» عند النافذة، في حال من الجنون، لكي ينصت إلى ذلك «الصوت») (L’entretien infini, p. 386).
ويعمل هذا الرسم التخطيطي للغاية بوصفه مدخلًا إلى اهتمام بلانشو بالطريقة التي يأتي بها شيء «آخر»، شيء غير ثقافي، ليؤكد نفسَه في الأدب. ومن ثَم، يصبح الأدب فضاءً يمرح فيه «صوت» مراوغ عابر، يلجأ إليه ليجد أصله وتكونه. قد يفكر أحدنا، مثلًا، في عمل شيلي Shelley «قصيدة للرياح الغربية» Ode to the West Wind،٢ فالقصيدة في هذا العمل تواجِه — على نحو غير يقيني — الرياحَ بوصفها صوتًا غير شخصي يمثل برغم ذلك إلهام القصيدة وأصلها وزخمها.٣ يصبح «الصوت» غير منفصل عن فكرة مصدر العمل باعتباره أكثر ما يرتبط به العمل. وبالنسبة إلى بلانشو، يكمن التحول المتعالي في الأدب الحديث وراء الاهتمام بالنزعة الرمزية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. إذ يشير الرمز إلى موقع انفتاح العمل على التعالي transcendence: «يستعيد الرمز قوة المعنى، فالرمز قائم في تعالي المعنى نفسه، وتجاوزه» (L’entretien infini, p. 387). وإحدى نتائج هذه الحركة التي تتجاوز حَرْفية النص أن ينفصل الأدب عن فَهْمه بوصفه تمثيلًا دنيويًّا أو نظامًا مرآويًّا، فيصبح نظامًا في حد ذاته: «تكف الكتابة عن أن تكون مرآة» (L’entretien infini, p. 387). ومع مالارمه، لم يَعد فضاءُ النص فضاءَ صوت، بل فضاء كتابة تبتعد قوتها دائمًا عن القيود التمثيلية الضيقة.
وتوجد مزاعم بلانشو الكبرى عن الكتابة، على نحو فيه مفارقة، جنبًا إلى جنب التأييد الصامت لتأكيد هيجل الذائع أن الفن أصبح شيئًا من الماضي.٤ هذا التأكيد — الذي أُسيء فَهْمه إساءة كبيرة — كان معمولًا به عن قصد في عصر جوته Goethe وبيتهوفن Beethoven وآخرين. وبرغم ذلك، لا خلاف على أن الفن قد صار محتاجًا الآن إلى الدفاع والتبرير باستمرار. والحق إن زيادةَ أعداد الكتب والمتاحف والمكتبات وانتشارها جزءٌ من هذا التدهور، وكذلك تضخيم صورة الفنان بوصفه «خالقًا» أو شخصية فريدة، وسيادة إضفاء الذاتية على الجمالي في أحوال الشعور، سواء عُبر عنها أو سُلم بها.٥
والأكثر من هذا، لا تتلاءم اهتمامات بلانشو مع أي نزعة إنسانية، فهو يتجنب تمامًا دراسة الأدب بوصفه «ثقافة» أو «فنًّا» أو «شأنًا اجتماعيًّا». ﻓ «الثقافة»، فيما يقول بلانشو، «قائمة على تصور النزعة الإنسانية، تصور أن الإنسان ينعكس تلقائيًّا في أعماله، فلا تستقل هذه الأعمال عنه» (“Ars Nova,” The Siren’s Song, p. 189).
وبرغم حجم عمل بلانشو وصعوبته، من الممكن تتبع حركة الفكر المتواترة على طول أعماله، وإنْ يكن بقدر من المخاطرة. لم يحاول بلانشو الكتابة عن اللغة بأزيد مما كتب هيدجر. فاللغة بالأحرى تنعطف على نفسها — إذا جاز القول — لتتكلم، وحديثها ليس عن أي شيء سوى «ماهية» اللغة نفسها، وإن كان لا بد من إضافة أن «لا ماهيتها» هي السمة الأبرز لهذه «الماهية». ويتوافق هذا الطموح توافقًا تامًّا مع وصف بلانشو — في عمله «الكتاب الآتي» (١٩٥٩م) — السمة الشائعة في الأدب الحديث المعتبر:
«يقول فاليري Valéry: «قصائدي هي لي، ولا هم لها سوى أن توحي لي بتأملاتي عن الشاعر»؛ ويقول هوفمانستال Hofmannsthal: «الجوهر الأعمق لماهية الشاعر لا شيء سوى أنه يَعرف نفسَه بوصفه شاعرًا». وكذلك الحال بالنسبة إلى ريلكه Rilke، فلا أحد يسيء تمثيل نفسه ليقول عن شعره إنه نظرية الفعل الشعري في أغنية» (Le livre à venir, p. 269).
لقد آلَ الأدبُ إلى همه المبدئي. وليس معنى ذلك القول إنه أصبح ينعكس على نفسه بالطريقة التي يتحدث بها الشعر عن الشعر، أو وفق تصور لنزعة شكلية. وإنما يذهب بلانشو بالأحرى إلى أن الشعر قد غدا مجال طريقة متعالية في التساؤل عن شروط إمكانه الخاصة، ﻓ «القصيدة انفتاح عميق على التجربة التي تجعلها ممكنة» (Le livre à venir, p. 269) والأكثر من هذا أن حالة وجود الأدبي ترقى إلى تحدي التصورات المتعارف عليها عن الوجود نفسه. يتجنب بلانشو المدخل الذاتي والتاريخي السائد في التعامل مع الأدب؛ فيجعل من الأدب مجالًا لتأمل طويل الأمد في حدود الفلسفة والدين: «العمل حركة تحملنا إلى نقطة الإلهام الخالص الذي يصدر عنه، ويبدو أنه لا يمكنه الوصول إليه سوى بالتلاشي» (Le livre à venir p. 272).
وتنطوي هذا الحركة على أوجه شَبَه واضحة بحركة الوجود وانسحابه كما يقدمها هيدجر في تصوره عن الشعر. ومع ذلك، توجد اختلافات أساسية بينهما. ﻓ الشعر الذي يهتم ببعث الوجود، حتى وإن تحقق أكمل التحقق عند شعراء بعينهم، لن يمكن تعريفه تعريفًا تامًّا بأنه لغة في أي معنى متعارف عليه للغة، بل يجب ربطه — إذا توسعنا في القول — بكل ما له أهمية بالنسبة إلى الدازاين. ولكن بلانشو يُظهر اهتمامًا دقيقًا بالأدب في معناه الأضيق. ففي عبارة إيمانويل ليفيناس الآتية عن بلانشو، يمكن أن نضع كلمة «الأدب» مكان كلمة «الفن» من دون أن نفقد شيئًا تقريبًا:
«بالنسبة إلى هيدجر، يقدم الفن — بمعناه غير الجمالي — «حقيقة الوجود» وهي تُشرق، ولكنه يفعل هذا على غرار أشكال أخرى من التجربة. وأما بالنسبة إلى بلانشو فنداء الفن لا يضاهيه شيء آخر».٦
والأكثر من هذا أن الأدب شأن كتابي خالص: شأن من شئون الكتابة.

ليست الكتابة في جوهرها مهنة عند بلانشو، أو حتى «نشاطًا ثقافيًّا»، بل دعوة تُلاحِقها طاقة دينية. وليست هذه الدعوة، في حقيقة أمرها، بأقل من شرط وجودي. ولكن بلانشو يعي تمامًا الكثيرَ مما يبدو بعيد المنال في هذا التصور عن الكاتب:

«كيف يمكن تكريس حياة تكريسًا كاملًا لمهمة تنظيم عدد معين من الكلمات في نظام معين؟ لعلها مهمة أصعب من أن تُفهَم. ولكن فلْنُسلِّم جدلًا بأن هذه هي المهمة، ولْنسلم بأن الكتابة، بالنسبة إلى كافكا، ليست سؤالًا جماليًّا، وأن هدفه — بغض النظر عن إبداع عمل أدبي قابل للبقاء — هو خلاصه وتحقيق مهمة حياته» (“Kafka and Literature,” The Siren’s Song, p. 31).
ولكن هذا «الخلاص» ليس خلاصًا بأي معنى كان، بل هو نقيض مفاهيم الفن شِبْه الرومانسية التي تنظر إلى الفن بوصفه تحقيقًا للذات أو تعبيرًا عن الذات؛ كلا ولا يمتلك الكاتب أي نوع من البصيرة الدينية فهو ليس بحالمٍ ديني. الحق إن الكاتب بصفته كاتبًا ليس أحدًا. الكاتب ليس نائبًا «عنا» أو عن الظرف الإنساني، فالكاتب ليس ممثلًا «لنا». والكتابة هي مواجهة للعدمية أو اللاشيئية الكامنة خلف الموجودات. وتوجد أوجه شَبَه بين انمحاء ذات الكاتب عند بلانشو وتصور هيدجر لتخلي الشاعر عن اللغة بوصفها أداة. ففي مقال «العزلة الضرورية» The Essential Solitude نقرأ:
«إلى درجة أن الكاتب، لكونه كاتبًا، منصف تجاه ما تتطلبه الكتابة؛ فلا يمكنه التعبير عن نفسه فيها ثانيةً، كلا ولا يمكنه أن يدعوك أو يناشدك أو حتى يقدم حديث شخص آخر. حيثما يوجد الكاتب لا يتحدث سوى الوجود وحده؛ وذلكم يعني أن اللغة لا تتحدث عن شيء أزيد من أنها توجد … وتكرس نفسَها للنفي الخالص في الوجود» (The Space of Literature, pp. 26-7).
ولكن كلمة «الوجود» being لم تَعد — بوصفها مصطلحًا — مهما كان معناها — ملائمة لما يعنيه بلانشو. ويتضح عدم الملاءمة هذا أفضل اتضاح، حين نتأمل الفضاء الذي تحتله الكتابة في فكر بلانشو، عبر مباينتها الملحوظة لما يسميه دريدا نزعة مركزية الصوت عند هيدجر.٧ ﻓ «الكتابة» تُزيح الشعر في تفسير بلانشو لحركة الظهور بوصفه انسحابًا يشكِّل ما يكون مميزًا في الأدبي:
«لا تبدأ الكتابة إلا عندما تتحول اللغة إلى نفسها، فتَسِم نفسَها وتدرك نفسَها وتتلاشى» (L’entretien infini, p. 390).
ولعل جوهر انحراف بلانشو واختلافه عن هيدجر راجع إلى علاقته بحركتين فكريتين متميزتين ظلتا فاعلتين في فرنسا على مدى العقود الأربعة أو الخمسة الماضية، وتميل كلتاهما إلى إحلال «الكتابة» محل الشعر. فأولًا: كان بلانشو مع صديقه جورج باتاي مشغولًا بتأويل الجدل عند هيجل تأويلًا يسعى إلى استرداد الكثير مما لا يزال مُلحًّا في فكر هيجل من دون أن يُعزَى إلى نزعته المثالية النسقية. وقد أثمر هذا الانشغال، على مدى أربعينيات القرن العشرين، عن اتجاه بلانشو إلى وصف الفكر واللغة والنزعة التصورية من منظور تصور للكتابة مرتبط بشكل من النفي شِبْه هيجلي. وثانيًا: يتطابق هذا التصور الجديد للكتابة مع الكثير من تصورات مالارمه ﻟ الكتابة الأدبية، فيما يبدو مصادفة ملحوظة. لقد ظهر نوع من التفكير العميق في «الأدب» وفعل الكتابة احتل مكانة رفيعة في قضايا طبيعة الوجود والإنسان.
يبقى الآن أن نكسو هذا الهيكل العظمي ببعض اللحم. بالنسبة إلى بلانشو، توجد أسباب عديدة تجعل النفي مرتبطًا بالكتابة. فالكتابة، باختلافها عن الكلام، تنطوي على علة وجودها بما تقوم به من عمل بعد لحظة نشأتها: يمكن قراءة «الإلياذة» Iliad على الرغم من غياب هوميروس Homer نفسه. فالنص المكتوب ينفي — بحكم الضرورة — حضور كل من مؤلفه وقارئه بانفتاحه على أفق غير محدود من القراء المستقبَليين: «تكسر الكتابة الرابطة التي توحد الكلمة بي، وتدمر العلاقة التي تمنحني دور الحديث ضمن حدود فَهْمك كلمتي التي أقولها على اعتبار أنني أتوجه إليك أنت بالحديث … تعني الكتابة انسحاب اللغة من العالم» (“The Essential Solitude,” The Space of Literature, p. 26). الكتابة تعني الولوج إلى نقيض «التعبير عن الذات». الكتابة تَخلٍّ وهجران.
ويظهر هذا المعنى الضمني للكتابة مقترنًا بالنفي، ظهورًا عابرًا تقريبًا، في قسم مبكر من أقسام كتاب هيجل «فينومينولوجيا الروح» (١٨٠٧م)، وهو مرجع لا غنى عنه لأي حديث عن بلانشو.٨ وكانت المناسبة انتقاد هيجل «اليقين الحسي»، أي الاعتقاد الجازم بأن المعرفة الحقة هي المعرفة التي يشكلها ما نتلقاه مباشرةً من خلال حواسنا فقط، مثلًا: اليقين الظاهر الذي يجعلني متأكدًا من وجود الكرسي بأن أمد إليه يدي وألمسه هنا والآن. فكل ما يبقى يقينًا هو: هذا this، هنا here، الآن now. ومع ذلك، يمكن امتحان معنى هذه التعبيرات — «هذا»، «هنا»، «الآن» — من خلال أبسط تجارب الفكر. يقول هيجل:
«عن السؤال: «ما الآن؟» فلنُجب مثلًا: «الآن هو الليل». وحسبنا اختبار بسيط لكي نمتحن حقيقة هذا اليقين الحسي. ثم نكتب هذه الحقيقة، ولن تفقد الحقيقة شيئًا حين نكتبها بأكثر مما تفقده حين نحفظها. فإذا كان الآن هو هذا الظهر فسننظر من جديد في الحقيقة المكتوبة وينبغي علينا حينها القول إنها صارت قديمة».٩
ومع أن كلمة «الآن» قد تبدو أنها كذلك عند لحظة النطق بها، فهي لا تستمد معناها من اللحظة التي يبدو أنها تنتقيها. «الآن»، بالنسبة إلى هيجل، كلي لا ينفصل معناه — وهنا المفارقة — عن نفي اليقين الحسي الفعلي الذي يبدو أن «الآن» يدل عليه ويستمد نفسه منه على السواء. ﻓ «الآن» ليس هذا ولا ذاك، إنه a not-this، ولذا «الآن» كلي.١٠ واللغة نفسها، كما يظهر من لعبة الكتابة، لا يمكن فصلها عن النفي. اللغة تمنعنا عن قول ما نعنيه على وجه الدقة، بإشارتها إلى البيئة المباشرة «ولا يمكن بالنسبة لنا حتى أن نقول أو نعبر بالكلمات عن الوجود الحسي الذي نعنيه».١١

وإن النفي الذي يُحوِّل كلمات «هنا» و«الآن» و«هذا» لَينطبق أيضًا على كلمة «أنا»:

«يخوض اليقين الحسي تجربة الفعل الجدلي نفسها التي خاضها في التجربة السابقة. فأنا — هذه اﻟ «أنا» — أرى الشجرة، وأجزم أن «هنا» شجرة؛ في حين أن «أنا» مغايِرًا يرى البيت ويؤكد أن «هنا» ليس شجرة بل بيتًا».١٢
وينطبق الانحلال نفسه هنا أيضًا. ﻓ «أنا» ليست هي ما أستشعره نحو «نفسي» «هنا» أو «الآن». اﻟ «أنا» أيضًا كلية: «حين أقول «أنا» — هذا اﻟ «أنا» المفرد — أقول بوجه عام كل ما «يَكون» أنا؛ فكل أنا منها هي ما أقوله، كلها أنا».١٣
لا تخلق الكتابة هنا، من منظور هيجل، سوى لحظة نفي أساسية لكل من اللغة وتكوين المفهوم. وسيكون الفكر مستحيلًا من دون هذا المركب من الإبعاد والنفي. يقول بلانشو: «ذلكم ما بيَّنه هيجل: «تبدأ حياة العقل مع الموت»» (The Space of Literature, p. 252). وبرغم ذلك، يُعد النفي عند هيجل لحظة واحدة فقط في حركة الجدل عنده، فإذا ثبتَ أن اليقين الحسي لا يمكن الدفاع عنه، فإنه لا يُنفَى إلا لصالح تصور أعلى عن المعرفة أقوى إقناعًا. هكذا، يُستعاد النفي الأساسي في اللغة ويُضمن في الكلية الناشئة؛ فتغدو اﻟ «أنا» هي «نحن» [=جمع أنا] العاقلة في كليتها.
من المهم ملاحظة حركة الاستدلال في حجة هيجل، فالأطروحة التي مفادها أن المعرفة هي المباشِرة فقط في اليقين الحسي تتناقض مع نفسها عبر فعل الاستدلال الناشئ عنها؛ فاﻟ آن  now واﻟ هذا  this يصيران اللا آن  not-now واللا هذا  not-this. والأكثر من ذا أنه بدلًا من البقاء ضمن عملية الدحض هذه، يرجع الفكر إلى تناول حركة المفاهيم التي مر بها للتو، ويفضي هذا التأمل الذاتي إلى ظهور مفهوم كلي بطريقة جديدة: اﻟ آن واﻟ هذا بوصفهما كلًّا. ويتقدم التفكير بوصفه تطورًا ضروريًّا لمفاهيم جديدة أشمل، حُددت من خلال انعكاس الفكر على نفسه وهو يتأمل المعاني المضمرة في نشاطه. لذا، الكتابة عند هيجل لحظة مؤقتة في إعادة تحويل النفي إلى إثبات. ولكن هيجل يتغاضى عن حقيقة أن نفيه لكلمات «هنا» و«الآن» و«أنا» ليس في أصله حركة نحو الكلية؛ فالنفي متحقق فعليًّا عبر كونها مقروءة أو مكتوبة في «هنا» أو «الآن» أخرى، أو عن طريق «أنا» أخرى. إن عملية التوسط الانعكاسي، التي هي مسار الفكر، تتحرك عبر الكتابة والقراءة، التي لا يُعترَف بوضعها الخاص. فالتعبيرات المكتوبة (أو المقروءة) مجددًا تفتح هي نفسها سبيلًا إلى النفي من خلال قراءات/تدوينات مماثلة. وهنا، تظهر طريقة وجود — مجال تشابه أو مجاز — بين الخاص والعام، شيء لا هو هذا ولا هو ذاك (قَارِن بتصور بلانشو عن المحايد  neuter)، حتى لو كان شرطًا سابقًا لكليهما. ومثالية العلامة، والإشارة المكتوبة، ليست مثالية الكلي، كلا ولا هي بَعْدُ مثالية المعطَى الحسي (وإذا جاز القول، فكل قراءة ستُواجَه بتنوع لا نهاية له من الإشارات لا كلمات معهودة). وتؤسس هذه الماديةُ شِبْه المثالية، بما فيها من مفارقة، تصورَ بلانشو عن «الكتابة». إذ بقدر ما تكون الكتابة، هنا، هي ما يجب على الجدل الهيجلي أن ينفيه (حتى لو كانت حركته لا بد أن تستند إلى طريقة وجود ذلك الذي ينفيه) تغدو شكلًا من الآخرية يشترط — بصفة شرعية حتمًا — أفكار النفي والرفع إلى الكلية.
ومن زوايا عديدة، يَستبِق تصورُ الكتابة الذي يطوره بلانشو في هذه المناقشة — إلى حد بعيد — عمل دريدا المتعلق بمثالية العلامة المكتوبة في نهاية خمسينيات القرن العشرين. تركز مقدمة دريدا لكتاب هوسرل «أصل الهندسة»١٤ على قضية كيف تجسد اللغة — وتنقل — موضوعات مثالية كلية كحقائق الهندسة. ويذهب دريدا، مع هوسرل وضده، إلى أن الكتابة — أولًا — هي التي تدل على نفي المباشَرة وتجعل الكلي ممكنًا من خلال قابليتها للنقل، فضلًا عن أنها — ثانيًا — بتناهيها وشِبْه ماديتها، تَحول دون أن يرقى الكلي إلى حالة المثالية الخالصة. ويقدم هنري ستاتين التنقيح المفيد الآتي لهذه المناقشة:
«كان هوسرل نفسه واعيًا بوجود مستوًى آخر من المثالية بين جوهر العلامة المادي ومعناها، ألا وهو مثالية الدال في «جسديته اللفظية» … وتكمن حجة دريدا في أن مثالية الدال هذه تجعل من المستحيل عليه تقسيم العلامة إلى جانب دنيوي أو مادي وجانب مثالي، وأنه من ثَم لا يمكن أن يوضع وجود العلامة المادي بين قوسين لصالح مثاليتها».١٥
وبما أن فكرة الاسترداد الجدلي عند هيجل لم تَعد سائغة، فإن كلًّا من بلانشو وباتاي يَستبِقان دريدا بكتابة وافرة عن «اللاشيء» و«الموت» و«الليل» بوصفها القوى التي تتأبى على الترويض أو التحكم فيها بوضعها في مفهوم (و«الموت» شرط إمكان أي مفهوم).١٦ لذا، تغدو «الكتابة» — إلى حد ما — اسمًا للنفي الذي لا يمكن التحكم فيه أو إعادة تحويله إلى إثبات، كما تغدو أيضًا طريقة في التعالي غريبةً. ومن ثَم، ستكون الكتابة ضرورية — في النهاية — لطرح مصطلح «النفي» جانبًا، ما دام لم يَعُد بالإمكان إطلاقًا تعريفها بمباينتها عما يناقضها. وحين ربط بلانشو الكتابة ﺑ فقدان لا يمكن استرداده١٧ — فقدان الوعي والحضور والمعنى — يكون قد استَبَق، في منتصف خمسينيات القرن العشرين، دريدا بخصوص الكتابة والرماد أو الكتابة بوصفها رمادًا  ashes.
ولا شيء جديد في ربط الكتابة بالموت؛ فالاسم المنقوش مقذوف به إلى المستقبل، لذا هو موت مُدَّخَر بطريقة من الطرق. غير أن ما يصيب بالحيرة حقًّا تصور بلانشو عن «الثقافة» بوصفها إمكانًا تصنعه قوة عَوَزٍ وفقدان لا يمكن التغلب عليها. الكتابة تُلزم الكاتبَ ﺑ زمن ميت يقع في قلب الاستمرارية، ذلكم هو الانقطاع الجذري الذي لا يمكن تفاديه. فاﻟ « أنا» التي تكتب لن تكون — بعد هيجل — أي حياة ذاتية نحدسها حدسًا مباشرًا؛ ولن تكون — بعد باتاي — «أنا» عقلانية كلية (الجميع بصفته عقلانيًّا). يربط بلانشو أصل الكتابة بضمير الغائب غير الشخصي il (he أو it).١٨ كذا، يصبح التعبيران هنا والآن مبهمين من دون أن يصبحا كليين («زمن اللازمانية غير جدلي»: The Siren’s Song, p. 105). وما يبقى هو ما يسميه بلانشو «فضاء الأدب» space of literature: «زمن من دون نفي بدلًا من زمن منفي: زمن غير محدد حيث يمكن أن تكون «هنا» في أي مكان، فلا تكون قادرة على الإشارة أصلًا» (The Siren’s Song, p. 105).
يُعَد مالارمه مرجعًا متواترًا عند بلانشو.١٩ والحق إن تصورات الكتابة والنفي وعلاقة الكاتب المتميزة بالغياب تجد نظائرها في كثير من أعمال مالارمه. يقول بلانشو في عمله «نصيب النار» (١٩٤٩م) ملخِّصًا مالارمه:
«إلام تميل الكتابة؟ إلى تحريرنا من ذلك الذي يوجد. وذلك الذي يوجد ليس بأقل من كل شيء، بيد أنه في المقام الأول حضور «الأشياء الصلبة الغالبة»، ويدلنا حضور كل شيء على حيز العالم الموضوعي. ويتحقق هذا التحرير بفضل الإمكان الغريب الذي نمتلكه في خلق فراغ من حولنا، في وضع مسافة بيننا وبين الأشياء» (La part du feu, p. 46).
ويمثل مالارمه بالنسبة إلى بلانشو ودريدا اسمًا يشير إلى كل ما يكون التحدي الأكبر في الأدبي.٢٠ فتبدأ مقدمة كتاب «محاورة لا تنتهي» من مالارمه، تجربة الشيء الذي نظل نسميه «أدبًا»، والأكثر من هذا أنه يمكن القول مع مالارمه أيضًا إن كلمة «الأدب» تقتضي أن نكتبها بين مزدوِجتين (L’entretien infini, p. vi). وتغدو الكتابةُ، في تطوير مالارمه المعقد للرمزية والمضاد للطبيعي والتمثيلي، حريةَ نفي «ذلك الذي يوجد» لصالح ما يدعوه «المثالي»، وهو مصطلح من الأفضل تركه بلا تعريف عند هذه المرحلة. وتجد هذه الرؤية أصداءً واضحة لها في فكر بلانشو بما يكفي. النفي الأصيل في اللغة الشعرية يمكن عَده، عند مالارمه، تطهيرًا: «يقول مالارمه ما جدوى أعجوبة تحويل حقيقة من حقائق الطبيعة إلى اهتزازها المتذبذب المشرف على التلاشي، تجاوبًا مع لعبة الكلمة، إن لم يكن إلا لكي تنبثق عنها فكرة خالصة لا يعوقها استدعاء قريب أو ملموس» (requoted from La part du feu, p. 37). وبرغم ذلك، لا يوجد عند مالارمه تطهير إلى المثالي. فمظهر الموت يوصف في اللغة بمظهر الشبح والتفسُّخ. زهرة مالارمه الشعرية ذات الطابع المثالي تذعن لرائحة لَعَازر Lazarus بين الحياة والموت.٢١ وينشغل دريدا، في كثير من الأحيان، بذلك الجانب من عمل بلانشو: كلمةٌ لا هي غائبة تمامًا، ولا هي حاضرة تمامًا، كلمةٌ تعيش نوعًا من الحياة في الموت.
في إحدى مقالات كتاب «نصيب النار» الأولى، يتبنى بلانشو في تفسيره لغة الخيال تفرقة مالارمه الأساسية بين اللغة اليومية الدنيوية وكتابة الشعر «الخالصة». ومن ناحية أخرى، لا تختلف هذه الثنائية نفسها عن التعارض الذي يقيمه هيدجر بين اللغة اليومية غير الجوهرية بوصفها أداة تواصل، واللغة الجوهرية بوصفها شعرًا. ويتضح مدى قرب بلانشو من مالارمه، هذه المرة، من أن مقاله يركز على قضية الرمز والرمزية.
يبدأ مقال «لغة الخيال» Le language de la fiction بمباينة لغة الحياة اليومية للغة السرد الأدبي. فعبارة تُقال في موقف يومي من قبيل «رئيس المكتب لديه اتصال تليفوني»، تبدو متطابقة مع العبارة نفسها في الفصل الافتتاحي من رواية كافكا «القلعة» The Castle. ولكن هذا التطابق في الشكل يخفي وراءه اختلافًا شاسعًا بين طريقتهما في الوجود. ففي المثال الأول الكلمات مضمَّنة في سياق اعتيادي (مكتب، وموظفون، وعلاقات فيما بينهم … إلخ) تتلاشى فيه الكلمات فورًا. فأنا أعرف مَن يكون رئيس المكتب، وما قد يريده مني، وعواقب ذلك بالنسبة لي … إلخ، ومعرفتي الضمنية لا حدود لها في نهاية الأمر:
«بوصفي قارئًا يعي الكلمات التي لها معنى، لا أفكر في الكلمات التي أقرؤها، والتي يتلاشى معناها، كلا ولا في المعنى نفسه الذي لا تقدمه صورة محددة؛ بل في منظومة العلاقات والمقاصد، والانفتاح على تعقيد لم يأتِ بعد» (La part du feu, p. 80).

وبالتباين مع هذه اللغة اليومية التي لا قيمة لها سوى قيمة العلامة (التلاشي أمام ما تمثله العلامة)، تُحدِث العبارةُ نفسُها في روايةٍ خواءً:

«بوصفي قارئًا الصفحات الأولى من رواية (مهما كانت نوايا المؤلف الواقعية الطيبة)، لستُ مجرد جاهل بكل ما يحدث في العالم المستدعَى أمامي جهلًا مطبقًا، وإنما يشكل هذا الجهل جزءًا من طبيعة ذلك العالم» (La part du feu, pp. 79-80).
ومن البدهي أن الوسيلة الوحيدة للدخول إلى «عالم» السرد هي السرد نفسه، والمؤديات التي تنطوي عليها هذه الفكرة تغري بلانشو بالعديد من التأملات؛ فهذا الافتقار في السياق أو النقص ليس عارضًا، بل هو جوهر الخيال وماهيته الحقة فيما يرى بلانشو، الأمر الذي يؤدي إلى نتيجة مزدوِجة: أولًا: تعاني معاني الكلمات من نقص أو افتقار، وفي الوقت نفسه تضطلع — ثانيًا — بالقوة الوحيدة لإنشاء ما يبدو أنها تمثله. فالكلمات وحدها تنتج ما يبدو أنها تعيد تقديمه ليس إلا.

وحينئذٍ، تبدو لغة الخيال، التي يؤسسها هذا الفقدان أو الافتقار، طريقة أوضح للنفي الموجود حقًّا في لغة الحياة اليومية. وإلى هذا الحد، قد يُنظَر إلى لغة الخيال على أنها تُظهِر «ماهية» اللغة بأعظم مما تفعل لغة الحديث اليومي.

لعله من الواضح أن بلانشو لا يهتم بالأدب بأي معنى من المعاني التي تكون فيها الكتابة محاكاة. وتلك هي نقطة المقاومة الكبرى في نصوص بلانشو «الأدبية» و«النقدية» على السواء، وأيضًا مقالات هيدجر المعنية بالشعر. فبالنسبة إليهما، ليست النصوص الأدبية في النهاية عن شيء من الأشياء؛ بل هي في حد ذاتها ذلك «الشيء» نفسه. وعلى سبيل المثال، في قراءة بلانشو المتميزة لأسطورة السيرينيات sirens، لا تمثل الأسطورة شيئًا: «الأسطورة ليست أمثولة، فكل السرد يقاوم خفيةً لقاء السيرينيات وأغنيتهن الغامضة التي تكمن قوتها في تصدعها» (The Siren’s Song, p. 61).
فهل يصح بعدئذٍ وصف بلانشو بأنه مضاد للمحاكاة؟ ليس تمامًا؛ إذ لا بد أن يُفهَم تصوره عن الكتابة بين الموقفين الآتيين؛ الموقف الأول: ألا وهو «المحاكاة» [بالمعنى الميتافيزيقي] mimetologism، أي تصور أن العمل الأدبي يقلد شيئًا، ويُفهَم بالرجوع إلى ذلك الشيء. أما الموقف الثاني فهو «الأدبية» literarity بالمعنى الأول الذي يعزله به الشكلانيون، أي تصور أن العمل لا يمثل شيئًا، وبرغم ذلك يقدم نفسَه بوصفه أثرًا فنيًّا كلمةً كلمةً. (وقد يقول قائل إن هذين الموقفين معًا يقعان بوضوح ضمن نطاق تصور التمثيل بمعناه الأكمل الذي عرضه هيدجر بالتفصيل في عمله المعنون ﺑ «نيتشه: العدمية».) ولا تترك هذه الثنائية أي فرصة لفضاء ثالث واضح. ولكن مثل هذا الفضاء هو الفضاء الذي تحاول «لغة الخيال» رسم معالمه.
يميز بلانشو بين «الأمثولة» allegory و«الأسطورة» myth و«الرمز» symbol. تقدم الأمثولة لغة تخيُّلية بوصفها علامة أداتية على سلسلة أفكار منفصلة (وفي ذلك عودة في حقيقة الأمر إلى «المثل الأعلى للنثر اليومي»، p. 83). وأما الأسطورة فلا تفترض انفصالًا بين العلامة والمشار إليه؛ فالمعنى لا يمكن أن ينفصل عن فاعلي السرد الأسطوري، كما لو أن الأسطورة تعيد القارئَ — مثاليًّا — إلى حالة بدائية لم يتعلم فيها الفكرُ بَعْدُ حيلةَ التجرد عن الأشياء المادية. ولكن الرمز هو هَمُّ بلانشو الأساسي. هنا، يصبح النفي الذي لا ينفصل عن اللغة أساسيا. إذ المعنى في الرمز يتجاوز معناه السطحي المباشر تجاوزًا واضحًا، لكن ليس على الشاكلة المحددة الواضحة في الأمثولة. ينفي السرد الرمزي خصوصية موضوعاته عن طريق إشباعها بدلالة أشد كليةً. المعنى في الرمز «كوني». ولا يقصد بلانشو بذلك «معنى موضوع كذا وكذا، أو إجراء كذا وكذا، مأخوذًا بشكل منفصل عن غيره، بل معنى العالم في كليته والتجربة الإنسانية في كليتها» (La part du feu, p. 83). ولعل هذا الفَهْم يقودنا إلى مطمح قراءة الخيال الرمزي بوصفه تحقيق «المعنى الأصلي لتجربة الوجود» (La part du feu, p. 84).
وعلى هذا، تجسد الرمزية مظهرًا إضافيًّا من مظاهر النفي، بل الأكثر من هذا تضع الوجود الواقعي الذي يشكل اللغة التخيُّلية بين أقواس. يرجع بلانشو بالرمز إلى تصور سارتر Sartre عن الخيال، الذي يُعد طريقة في النفي خاصة بالإنسان.٢٢ لقد فُهِم «الخيال» في التقليد التجريبي، عادةً، بوصفه مَلَكة من مَلَكات العقل تؤلف بين الصور التي يمكن إعادة تنظيمها بطريقة غير مسبوقة مع أنها مستمَدة من التجربة. ومن ثَم، يمكن تخيل جسد إنسان وله رأس ديك أو نجم يدور في مدار عطارد، بيد أن ثمة استمرارية أساسية، في النموذج التجريبي، بين الصورة الأدبية والعالَم؛ فالمسألة كلها عبارة عن إعادة تنظيم. وبالنسبة إلى بلانشو، حذفت هذه الرؤية شيئًا جوهريًّا، ألا وهو حقيقة أن الخيال يمكن أن يحدث عن طريق القدرة على فصل الواقع عن نفسه إذا جاز التعبير، وبهذه الإزاحة التأسيسية ينفي الخيال الوضع المعطَى. تلك هي قوة الوضع بين أقواس، والقدرة على الانحراف عن العالم نفسه. ويصبح هذا التباعد المؤسس للخيال «لعبةً من دونها لن توجد صورة ولا خيال، كلا ولا أدب» (La part du feu, p. 84) لذا، لا يعني «الخيال» القدرة على استحضار صورة «في الذهن» عند غياب الشيء، وإنما:
«تَنْصَب حركته على تتبع — ومحاولة جَعْل نفسه — هذا الغياب بعينه على الإجمال، فلا يجعل من نفسه ذلك الشيء المخصوص الغائب، بل يجعل من نفسه — عبر ذلك الشيء الغائب — الغيابَ الذي يؤسسه، فيجعل من نفسه الخواءَ الذي يحيط بكل صورة متخيلة، وعلى وجه التحديد يجعل من نفسه العالمَ الخيالي وتواجد اللاموجود، بقدر ما يكون نفيًا يقلب العالم الحقيقي في كليته» (La part du feu, p. 84).
ويُلمح السرد الرمزي إلى إمكان موقف بين «المحاكاة» [في معناها الميتافيزيقي] و«الأدبية». إذ يمكننا الانتباه إلى شيء في السرد الرمزي لا يُظهِر نفسَه في وَهْمِ التمثيل، كلا ولا يوجد في طريقة الأثر الفني اللفظي. يمكن النظر إلى الأدبي من منظور الإزاحة التأسيسية نفسها، بوصفه «فضاءً» أدبيًّا لا يمكن موضعته أو تحويله إلى أي ضرب من المعنى. فالفائض الأصيل في الرمز «يتجاوز دائمًا كل حقيقة وكل معنى» (La part du feu, p. 85).

وذلكم يجعل من تجربة مالارمه عند بلانشو إرهاصًا بالتفكيك، وإثباتًا للنفي على نحو يماثل ملاحظة هيليس ميللر عن «تحرر اللغة المتوتر من الواقع» (انظر أعلاه). ويعني فائض الرمز، أيضًا، استحالة أي موضوع بسيط:

«يتضمن الخيال غيابًا مطلقًا، عالمًا مقابلًا يحقق في تماميته — إذا جاز التعبير — وجودًا خارج الوجود الواقعي. وما من رمز من دون هذا المطلب. ويَحول هذا المطلب، الفاعل خلف كل الاتجاهات السردية، بين الرمز واكتسابه معنى محددًا أو صيرورته ذا معنًى وكفى، عبر نفي ناشط باستمرار» (La part du feu, p. 84).
يُقرَأ الرمز — وقد غدا سردًا — بوصفه نفيًا لإمكان سرد ذي مرجع محدد، وعلى المنوال نفسه بوصفه سردَ ذلك النفي: «الرمز سرد، ونفي هذا السرد، وسرد هذا النفي» (La part du feu, p. 85) يغدو الرمز بتصوره على هذا النحو لا شيء، فما هو إلا ناقل «نفيه الناشط باستمرار فيه» (La part du feu, p. 84) وتكمن المفارقة في كونه شرط إمكان السرد الذي هو أيضًا عجز وعطالة مع رغم ذلك:
«أحيانًا، يظهر النفي نفسه بوصفه شرطَ النشاط الكلي في الفن والأدب، ولذا شرط ذلك السرد narrative (récit)، ويظهر في حالات أخرى بوصفه الجملة التي تُعرِب عن إخفاقها واستحالتها، ما دام النفي لا يسمح لنفسه بالتحقق عبر فعل خاص من أفعال الخيال أو عبر شكل مستقل من أشكال السرد المكتمل» (La part du feu, p. 85).
عند هذه النقطة، لعله من الحكمة أخيرًا إسقاط مصطلح «النفي» بوصفه مضللًا بعض الشيء.٢٣ فالنفي بوصفه مجرد نقيض «الإثبات»، تظل تضميناته جد هيجلية. يقول بلانشو في عمله اللاحق: «لا يزال هذان النقيضان جد قريبين أحدهما من الآخر لكونهما نقيضين فقط» (L’entretien infini, p. 8) ويحتاج بلانشو إلى إيجاد مصطلح يوحي بالآخر بوصفه غير متماثل وأقل تشاكُلًا: «اللاشيئية أشد جوهرية من اللاشيء نفسه، فراغ بيني، فاصل يصنع تجويفًا باستمرار ويمدد نفسَه باستمرار، اللاشيء بوصفه عملًا وحركة» (L’entretien infini, p. 8) هذا التصور الجديد للنفي لا يسمي علاقة منطقية بين المفاهيم عند بناء نسق فلسفي، كلا ولا هو النفي في النزعة المادية الجدلية. إذ تظل هاتان الفكرتان — من منظور بلانشو — ضمن الأمور الدنيوية. وباقتراح تعبيرات من قبيل: «ليل أبعد من الليل»، أو (التعبير الأقل غرابة) «المحايد»  neuter أو الفضاء/التباعد الأدبي  literary space/spacing — يكون «الآخرُ» عند بلانشو — ﮐ«النفي» عند سارتر — ماديًّا ملموسًا لا مجردًا. إنه ضرب من اللاتناهي — أو الأصوب: اللانهائية — لا يحتويه أي نسق أو أي حد مفاهيمي أو تجريبي.
يوجد مقال أحدث هو «تجربة مالارمه» (١٩٥٥م) Mallarmé’s Experience يمثل بداية الترابط بين الكتابة عند مالارمه والشعر عند هيدجر بطريقة واضحة،٢٤ حيث تهتم قراءة بلانشو بتصور العمل  the work، وهو مصطلح يحظى بقوة كبرى عند مالارمه، وكذلك عند هيدجر في دراسته «أصل العمل الفني» The Origin of the Work of Art (1935–6). تَتحدد اللغة الشعرية أو الجوهرية عند مالارمه — حالها من حال الشعر — بعدم كونها أداة، وببنيتها شِبْه المتعالية:
«لم تَعُد الكلمة الشعرية كلمة أحد. فلا أحد يتحدث من خلالها، وما يتحدث ليس أحدًا. إذ يبدو من الأصوب أن الكلمة وحدها تعلن عن نفسها. حينئذٍ، تتحمل اللغة كل أهميتها، وتغدو جوهرية» (The Space of Literature, p. 41).
في مقالة هيدجر، العمل «يقيم نفسَه في عمل حقيقة الوجود»، والأكثر من هذا أن العمل «ليس إعادة إنتاج وجود خاص يحدث ليكون حاضرًا في متناول اليد عند أي مرة محددة، بل على الأصح هو تمثيل الطريقة العامة التي يأتي بها هذا الوجود إلى الحضور»،٢٥ وأما عند بلانشو، ﻓ «الشاعر ينتج عملًا لغويًّا خالصًا، وتعود اللغة في هذا العمل إلى ماهيتها»، فالعمل قول لازم غير متعدٍّ. إنه ليس استملاكًا للعالم بل «لغة وجود صامت» (The Space of Literature, p. 42). العمل أكثر من مجرد أثر فني، «فلا يعكس شيئًا سوى طبيعة الكلمات» (The Space of Literature, p. 42). وفي انعطافاته الداخلية، يهتم العمل اهتمامًا حثيثًا ﺑ مصدره الخاص وبكونه يعمل. وعندما نضع في الحسبان تصور السرد الرمزي الذي تحدثنا عنه من قبل، يصبح العمل فضاءً يتحقق فيه «اللاشيء»، أو بتعبير أدق فضاءَ انتقال مستمر بلا توقف من «الكل إلى اللاشيء» (The Space of Literature, p. 43). فمن ناحية، يبدو أن الكلمات تجعل ما تستدعيه «ينشأ» بحكم الإحالة، وبرغم ذلك لا تظهر كلية الأشياء إلا «بوصفها أشياء تتلاشى» (The Space of Literature, p. 43). وما تلاشيها سوى طريقتها في الحضور «هنا» و«الآن». وعلى هذا، يذهب بلانشو إلى أن الانتقال المستمر — بهذا المعنى — يهيمن على عمل مالارمه المعنون ﺑ Igitur، من خلال موضوعه المتعلق بالانتحار. ومن ثَم، تصبح طريقة وجود النص الأدبي قولًا لازمًا غريبًا، يُثبِت نفسَه بانتقاله المستمر إلى نفي نفسه بنفسه:
«العمل الأدبي يختزل نفسَه إلى الموجود. وتلك هي مهمته: أن يوجد، أن يقدم «تلك الكلمات بعينها لكي يوجد … وفي هذا يكمن كل غموضه» [Mallarmé, letter to Viele-Griffin, 8 August 1891]. غير أنه لا يمكن في الوقت نفسه القول إن العمل ينتمي إلى الموجود، وإنه يوجد. بل على العكس، ما يجب أن يُقال هو أنه لا يوجد على النحو الذي يوجد به شيء أو كائن بوجه عام» (The Space of Literature, p. 43).
يتضمن العمل شيئًا فوق الموجودات يسبقها، من دون إغراء بالتطابق مع مفهوم الشعر عند هيدجر. العمل مجال «تتحقق فيه اللغة تحققًا كاملًا بالتزامن مع تلاشيها … فكل شيء كلمة، وإن لم تَعُد الكلمة نفسها أي شيء سوى ظهور ما يتلاشى» (The Space of Literature, p. 44). ويسمي بلانشو هذا المجال «الخيالي، الدائم، وما لا نهاية له» (p. 44). وذلكم مجال يحدث فيه اللاشيء بدلًا من استملاك عالم.

•••

لقد وصفتُ الفضاء الأدبي في هذا الفصل، حتى الآن، بطريقة تخطيطية واستنتاجية أساسًا، بمعنى أنني احتفيتُ ببعض الحجج حول طبيعة اللغة وما يلزم عنها من نتائج مباشرة عامة. غير أن بلانشو ينشغل سواء في مقالاته النقدية أو أعماله الأدبية انشغالًا متواترًا بالطريقة التي «يُظهِر» بها هذا «الفضاءُ» الغريبُ أو هذا «التباعدُ» نفسَه، أو يؤثر في الممارسة الأدبية أو يُقلِقها. وإذا كان من اللائق وصف عمل بلانشو بأنه تحول شِبْه متعالٍ تتحدث من خلاله اللغة الأدبية عن ماهيتها/لا ماهيتها، فمن اللائق أيضًا إثارة التساؤل عن الكيفية التي قد يحدث بها هذا التحول في حالات بعينها، وكيف يمكن تمييزه.
هذا التحول هو الأقوى إشكالية في تلك اللغة غير الواضحة، من حيث المبدأ، بالنسبة إلى بلانشو. إذ كيف تجعل الغيابَ يتكلم؟ ذلكم هو عذاب لغتنا فيما يقول بلانشو: حين ينقلب حنينها إلى النقص الذي يؤسس — ويا لها من مفارقة! — قدرتها على الكلام (L’entretien infini, p. 50). يبدو أن الكلام أو الكتابة يمحوان المجال عينه الذي يسعى أحدنا إلى الحديث عنه. وعلى خلاف قول فيتجنشتاين Wittgenstien الشائع، يذهب نص حديث من نصوص بلانشو إلى الملاحظة الآتية: «في النهاية، ولكي يكون صامتًا، من الضروري أن يتحدث. لكن بأي كلمات سيتحدث؟»٢٦ من الواضح أن الآخر لن يمكن «إدراكه» إلا عبر نوع من تشويش تصورات اللغة المتعارف عليها أو تصديعها.٢٧ ويمكن النظر في طريقتي تصديع.
ومرةً أخرى، يبرز مالارمه في هذه القضية. فكما رأينا، يقيم بلانشو نصوصَ مالارمه بوصفها تحررًا من قيود التمثيل. إذ بدلًا من تسخير طبيعة اللغة الأساسية لغايات المحاكاة أو الإدراك المعرفي، تُحرر لتؤثر في نفسها من خلال فضائها النصي. وما إن يُتجنب التمثيل لن يعود نظام النص محتاجًا إلى الخضوع لجريان الزمن الدنيوي وتعاقبه. يقول بيتر دايان مقارنًا مالارمه بالروائي: «في كتابه «دفقات من النقد» Averses au Critique، يُعرِّف مالارمه أدبه بأنه تجريد وإعادة خلق، فيستعمل الصور والكلمات بما هي صور وكلمات ليَحْبك نماذجها، فتكتسب أسلوبًا بقدر كونها رقصة باليه، على عكس الروائي الذي يكتفي بالإحالة إلى الطبيعة.»٢٨ هكذا، يتجنب العمل الأدبي خطية الزمن اليومي الظاهرة، كما يتجنب بطريقة مماثلة أفكار البداية والوسط والنهاية. إن تصور الفضاء الأدبي عند بلانشو — بالإفادة من مالارمه — معناه انفتاحه على بُعد مختلف، وانحرافه عن أصول هندسة المكان الفيزيقي؛ فتغدو المحاكاة — من ثَم — إبداع «شيء لا يوجد على المستوى الفيزيقي» (Dayan, p. 43).
ويحلل دايان نمط المشار إليه في شعر مالارمه، من منظور تصور مالارمه عن التحويل الشعري. فاللغة لا تتخلى تمامًا عن «الكلمة الواقعية»؛ والتمثيل يُحوَّل إلى فضاء آخر. لم تَعد الكلمة تشير إلى موضوع في العالم المادي، فلا تبقى إشاريتها إلا بسبب سماتها الإيحائية والإسهام الذي تقدمه الكلمة من خلال صداها الدلالي وخواصها الشكلية. فالكلمة منقوشة في سياق منفتح تلعب فيه، أو بمعنى فضفاض تدخل في علاقات صوتية متشعبة الاتجاهات على نحو متزامن. لذا، سيتجنب الشاعرُ السائر على خطى مالارمه الخطيةَ، ويعطي أهمية غير عادية لتصميم الصفحة في الطباعة والمسافات وعلامات الترقيم … إلخ.
وإذن، لا يقول الشعر شيئًا أبعد من نفسه. والتحويل، استنادًا إلى قراءة بلانشو، هو تحويل المشار إليه تحويلًا يعادل تدميره. فعلى سبيل المثال، تتأبى استعارات مالارمه على الجمود، وتتمنع على محاولة فك شفرتها: «عالَم الصور الشعرية التي يلاحقها مالارمه هو عالَم انطلاق؛ نفي الصور بدلًا من إثباتها» (La part du feu, p. 40). بهذه الطريقة، تنجح الصور البلاغية في الحيلولة دون قراءتها بوصفها تصويرًا لحالة الأشياء. فالشعر يستبدل بالعلاقات التركيبية المتعارف عليها علاقات ذات طبيعة مرهفة تعطي اللغةَ معنى الحركة أو المسار، وهي حركة يُعد فيها العبور أهم من أي نقطة إقامة (La part du feu, p. 41). كذا، يشير دريدا في كتابه «التشتيت» إلى حركات العلامات في نصوص مالارمه بوصفها صورًا في باليه، بما ينطوي عليه الباليه من دورانات كاملة … إلخ (Dissemination, p. 240).

ولو انتقلنا الآن في عجالة إلى عينتنا التجريبية حتى نختبر هذه الأفكار، فلا يصعب رؤية كيف أن قراءة قصيدة توملينسون المعنونة ﺑ «قصيدة» قد تلفت الانتباه إلى تصديع مماثل للخطية والتمثيل. إذ يبدو أن القصيدة مصمَّمة تعبيريًّا لتفتح فضاءً داخل المكان:

مكان
نافذة
تنظر إلى نفسها
إن كلمة «نافذة»، التي من المستحيل أن تنظر إلى نفسها، تُزيح نفسَها عن أي قراءة تمثيلية إزاحة عنيفة، وتستسلم ﻟ «الخيالي» بالمعنى الذي يقصده بلانشو. فالنص الذي تفتقر عباراته إلى أي بنية تركيبية يمكن التعرف عليها بتحديد الفعل الرئيسي فيها مثلًا، يقدم نفسَه على نحو مستوٍ، أي بوصفه نوعًا من الاستواء. ويحدد بلانشو تصوره ﻟ «المحايد»، إلى حد ما، من منظور هيئة اللغة السابقة على هيئتها الخبرية (L’entretien infini, p. 448)؛ بمعنى أن ثمة كلمات لا تُثبِت أي شيء عن العالم أو تنفيه، وإنما تُرِكت لتقدم نفسَها إلى الفضاء الأدبي طبقًا للأصداء الشكلية والدلالية التي تفتحها.٢٩ وهناك في الوقت نفسه تباعد spacing وتحييد neutralising في آنٍ: «نقطتان رأسيتان/بين تفاحة خضراء:/وفازة خضراء». فتبدو القصيدةُ معلقةً في حركتها الفعلية نحو الفضاء الأدبي الذي يجعلها ممكنة:
«ثمة انخلاع عن الزمن، وكذلك انخلاع عن المكان؛ ولكنه لا ينتمي إلى زمن، كلا ولا إلى مكان. ومع هذا الانخلاع ندور في فلك الكتابة»٣٠  (Le pas, p. 100).
وبرغم ذلك، فالهَم الغالب على أي محاولة تتصدى لمفارقات التحول شِبْه المتعالي عند بلانشو، بل تصور التغاير نفسه، لا بد أن يكون ممارسة بلانشو الأدبية، لا سيما نصوصه الغريبة المعروفة بأنها «سردياﺗ»ﻪ narratives (récits).
ويشكل التعريف الذي أعطاه بلانشو — في أواسط خمسينيات القرن العشرين — لمصطلح السرد  récit (وهي كلمة فريدة في الثقافة الأدبية الفرنسية) جانبًا من الانشغال المتزايد بأعمال هيدجر المتأخرة في ذلك الوقت. يميز مقال «أغنية السيرينة» (Le livre à venir, pp. 8-9; The Siren’s Song, pp. 59–65) بين السرد  récit والرواية  roman (novel). يُعرَّف المصطلح الأخير بغرضه الهادف إلى التسلية وتحويل «الزمن البشري إلى لعبة» (Siren’s Song, p. 61). ويشير بلانشو أيضًا إلى التسلسل في الرواية؛ ففي حالة قصة عوليس Ulysses والسيرينيات Sirens تكون الروائيةُ هي تكشُّفُ رحلته بوصفها سلسلة متماسكة من الحوادث الأدبية. وسيظل تعريف الرواية على هذا النحو اختزاليًّا، بل ساذجًا، لا يعارض فكرة السرد معارضة كاملة، بما هو طريقة في اللغة يُفهَم أن الرواية تقاومها. ثم يشدد بلانشو على النزعة الإنسانية الأصيلة (من منظوره) في تصور الرواية بوصفها حالة «الزمن الإنساني» المهموم بالانفعالات الإنسانية (Siren’s Song, p. 61). غير أن السرد عند بلانشو غريب على هذه النزعة الإنسانية. السرد عنده طريقة في الكتابة يمكن وصفها مؤقتًا بأنها «انعكاسية» و«لازمة غير متعدية» على السواء. بذا، يظهر السرد عند بلانشو بوصفه طريقة معدلة من تصور هيدجر ﻟ الشعر، فيذكرنا بممارسة هيدجر الأدبية في مقالاته المتأخرة.
ويَنص بلانشو على أن السرد يحكي حكاية حدث واحد (مثلًا، لقاء عوليس غير المتوقع بالسيرينيات أو أهاب مع موبي ديك). وهي حكاية، على الأقل في مستواها الظاهري، «يبدو أنها تتوافق بنيويًّا مع مجرى السرد بمعناه التقليدي». ولكن الفارق ينشأ من أن الحدث المحكي غير عادي، بل مذهل، ولا يخضع لقوانين الزمن العادي، كلا ولا للواقع العادي («والحق إنه لا يخضع لأي واقع» (Siren’s Song, p. 62)). ومن منظور سرديات بلانشو على الأقل، يمكن شرح كلمة «مذهل» بالرجوع إلى ما يسميه بلانشو في كتابه «محاورة لا تنتهي» باسم «التجربة الحد» limit experience؛ وهي تجربة تأخذ الوعي واللغة إلى حدود إمكاناتهما: لقاء غير متوقع، إما جنسي أو صادم، وهو لقاء جد فوري ومباشر بحيث لا يمكن للغة أن تكون وسيطًا فيه، ومن ثَم يظل غير متجانس مع السرود التي يحفزها ذلك اللقاء.٣١ وبذا، يتميز السرد عن الرواية «التي لا تكرر إلا أحداثًا معتادة يمكن تصديقها [و]تضمر الاحتفاظ بسمتها الخيالية» (Siren’s Song, p. 62). ويضعنا تمييز بلانشو السرد  récit عن الخيال fiction هنا — على أساس أن الأخير «يضمر الاحتفاظ بسمته الخيالية» — في جوهر القضية. فالاعتراض الضمني على أن عوليس وأهاب يمران بلقاءات في الخيال مردود بأن الحدث الجاري في السرد لا يتميز عن جريانه بوصفه سردًا. إذ يتجنب السرد، سواء أكان خياليًّا أم لا، تصورات التمثيل، لأنها لا تلائم طريقته اللغوية الخاصة، حاله في ذلك من حال تصور الشعر عند هيدجر:
«سنفتقد مؤشر السرد إذا نحن فهمناه بوصفه علاقة دقيقة بحدث غير عادي قد جرى فعلًا، ونحاول الإخبار به. ليس السرد رواية للحدث بل هو الحدث نفسه، ومحايثته، والموقع الذي سيحدث فيه: إنه الحدث المتعلق بما يحدث، وقوته الجاذبة هي التي تُمكن السردَ من أن يحدث» (The Siren’s Song, p. 62; Le livre à venir, p. 14).
يبدو أن السرد، هنا، انعكاسي: إنه الحدث الذي يَسرد، ويؤدي السردَ. ولكن الفقرة السابقة والفقرة الآتية تفرضان تعقيدات ومواصفات بعينها:
«لا يتعلق السرد إلا بنفسه. وهذه العلاقة هي التي تنتج ما يتعلق، في الوقت نفسه الذي تجري فيه العلاقة. ولا يكون السرد ممكنًا بوصفه علاقة إلا إذا كان يحقق/يؤدي ما يحدث في هذه العلاقة، ما دام يتضمن المؤشر أو المستوى الذي عنده يندمج من دون انقطاع الواقع الذي يصفه السرد مع واقعه بوصفه سردًا، فيُبرره ويَتبرر به» (The Siren’s Song, p. 63; Le livre à venir, pp. 14-15).
وتحتمل هذه الفقرة — التي هي بالفعل أعقد كثيرًا من بلانشو الذي كتب عن مالارمه والنزعة الرمزية — تحليلًا مسهبًا. ﻓ السرد في علاقته، يُنتج نفسَه بوصفه موضوع نفسه، لكن من الواضح أن «الموضوع» غير مستملَك، لأنه ليس أكثر من فعل التعلق نفسه. ومن الوهلة الأولى، يبدو أن ذلك ليس سوى فكرة الأداء، كما لو أن حركة النص تنطوي على ما يشبه حالة الموسيقى في تزامن دالها ومدلولها. ولكن هذا ليس بحاصل هنا. فالفقرة تميل إلى دمج السرد بحدثه المتعلق به ميلًا كبيرًا، كما تُلح — بالقدر نفسه أيضًا — على جعلهما منفصلين عبر علاقة اعتماد أو تأسيس متبادل، «يُبرر» من خلالها أحدهما الآخر. وعلى المستوى الطوبولوجي، فالحركة بين هذا السرد وحدثه حركة لولبية متقاربة لا تكف عن الاتجاه نحو الداخل من دون انقطاع. من هنا، أهمية التعبير « من دون انقطاع» sans cesse المحذوف من ترجمة رابينوفيتش Rabinovitch: حركة العلاقة «تتضمن المؤشر أو المستوى الذي عنده يندمج الواقع الذي يصفه السرد من دون انقطاع مع واقعه بما هو سرد» (التشديد من عندنا). والاندماج من دون انقطاع عملية محايثة لا تنتهي، يندمج فيها السرد بحدثه اندماجًا غير تام.
يُقرَأ وصف السرد في البداية فقط على أنه عينة انتقائية من النظرية الأدبية إلى حد ما. ولكن هذا الوصف يدخل أيضًا في حوار ضمني مع مفهوم الشعر عند هيدجر، منشغلًا بقضايا أوسع، منها مثلًا أن الفرق بين الأدبي والفلسفي لم يَعد فرقًا يمكن الدفاع عنه. إذ تنطوي العلاقة بين السرد وحدثه على تحويل اللغة تحويلًا يشبه التحويل الذي يصفه هيدجر بأنه «انعطاف» عن اللغة التمثيلية. وفيما يرى هيدجر، المجالُ الذي تُوجه هذه الخطوةُ نفسَها إليه لا يُوجِد سلفًا تلك الحركةَ نفسها، فما يؤدي الخطوةَ ليس أكثر من التحول الذي يحدث في اللغة.
وبموجب ذلك، تؤسس الزمانيةُ المنطوية على مفارقةٍ الفضاءَ المنفتح في السرد. فهي تبدو «منشأ» العمل و «نتيجته» في آنٍ. وتنجم المفارقة عن عدم تقبُّل بلانشو مفاهيم الإبداع الذاتي أو التأليف فيما يتعلق بما يكون الأهم والأقوى أساسيةً في الأدبي. ويُعد هيدجر مثيلًا واضحًا هنا. فبالنسبة له، يجب النظر إلى الفعل الإبداعي بالاستناد فقط إلى بروز وجود العمل الفني نفسه. فالفنان يستجيب لمشروع أصيل في العمل الظاهر،٣٢ وكل كدحه هو تَرْك مشروع العمل يوجد. هكذا يغدو «الخلقُ» حركةَ كشف، يكون فيها دور «الخالق» البشري ضروريًّا وإن يكن هامشيًّا على نحو غريب. ومن الواضح أن النهجَ السائد في التعامل مع النصوص الأدبية بوصفها رؤى وإنجازًا ومحلًّا لمؤلفيها نهجٌ غريب تمامًا على مطلب هيدجر هنا.
ويبدو أن بلانشو يؤكد في وصفه، أحيانًا، الفضاء المحايد (أو «الزمن الميت») من حيث هو نتيجة العمل المتحقق: «إنه ما يحققه العمل، وطريقة إثباته لنفسه، والفضاء الذي يجب على العمل فيه «ألا يسمح ببرهان منير سوى فعل وجوده» [مالارمه]» (The Space of Literature, p. 44). وفي أحيانٍ أخرى، توصف هذه العطالة المركزية central inertia بأنها منبع العمل ونقطته البادئة: «نقطة تسبق كل نقاط البداية ولا شيء يبدأ منها … يغدو معها العمل — من خلال الفنان — همًّا وبحثًا بلا نهاية عن أصله ومنبعه» (The Space of Literature, p. 44). ولا تناقض هنا؛ فكما أن العمل المتحقق يقاوم القراءة الخطية (البداية والوسط والنهاية) (انظر أدناه)، فكذلك منشؤه حركةُ لعب، ينفتح من خلالها الفضاء المحايد عبر اللغة التي تجعله ممكنًا:
«السرد حركة نحو نقطة ليست معروفة أو مجهولة أو غريبة فحسب، وإنما يبدو أنه لا يوجد لديه واقع سابق بعيدًا عن هذه الحركة، بل هي حركة اضطرارية يعتمدها نداء السرد إلى الحد الذي لا يمكنه أن «يبدأها» قبل أن يصل إليها، فهي وحدها السرد، وحركة السرد غير المتوقعة التي تقدم الفضاء الذي تغدو فيه هذه النقطة حقيقية وقوية ومغوية» (The Siren’s Song, p. 62).
وبشكل أقوى تحديدًا، يقول بلانشو عن رواية هرمان ميلفل «موبي ديك» Herman Melville’s Moby Dick: «من الصحيح تمامًا أنَّ أهاب وحده يقابل موبي ديك في رواية ميلفل، لكنه من الصحيح بالقدر نفسه القول إن هذا اللقاء هو ما يُمكِّن ميلفل من كتابة روايته» (The Siren’s Song, p. 63). العمل ناتج عن وجوده عبر الكاتب، وليس خلقًا يخلقه المؤلف. وتستجيب الكتابة لدافع «يتعلق مهتمًّا بالعالم عينه الذي تعبر عنه وتمثله وتعرضه» (The Siren’s Song, p. 210).
وبالرجوع إلى مقال ليفيناس «الحقيقة وظلها» (١٩٤٨م)،٣٣ يمكن إيضاح المزيد من جوانب اختلاف بلانشو عن هيدجر، لا سيما على مستوى استعماله مصطلح «الخيالي». يفصل بلانشو ببراعة الفن عن تصورات الحقيقة والإدراك المعرفي التي لا يزال خاضعًا لها عند هيدجر، ولكن هذا الفصل ليس بجديد؛ فقد ذهب ليفيناس من قبل في نقاشه إلى أن الفن «حدث أنطولوجي مستقل استقلالًا تامًّا» (p. 3). الفن عالم من الصور  images وليس عالَمًا من المفاهيم concepts، فالفن يتحاشى «طرائق الإدراك المعرفي والحقائق العلمية» (p. 3)، كما أنه «لا يتضمن مفهوم هيدجر عن «تَرْك الشيء يوجَد»» (p. 3).
وتستند مناقشة ليفيناس استنادًا كبيرًا إلى فكرة التشابه التي هي أساس تكوين الصورة الأدبية. ومن الواضح أن التشابه هو الطريقة التي ترتبط من خلالها الصورة بموضوعها. ولكن هذا التشابه لا يُعَد إضافة إلى موضوع الصورة، كما لا يُعد اشتقاقًا أنطولوجيًّا؛ بل يشارك في الموضوع نفسه. التشابه ممكن لأن الموجودات نفسها متأثرة بنوع من اللاوجود: «الموجود هو ذلك الذي يوجد، ذلك الذي يكشف عن نفسه في حقيقته، وفي الوقت نفسه يشبه نفسَه، وهو صورة نفسه» (p. 6). يبدو أن ليفيناس يستدعي مناقشة هيدجر التي مُفادها أن تصور الظاهرة — والظاهرة هنا بمعنى ذلك الذي يَعْرض نفسَه — لا بد أن يشمل إمكان الشبيه والمختلف ويتقبلهما بوصفهما محايثين في الظاهرة. وبينما يميل هيدجر إلى الجزم بتعريف الفن بأنه حركة كشف، يربطه ليفيناس بحركة تشابه/تورية لا مفر منها. إن اللاحقيقة «ليست بقية وجود مبهمة، بل هي سمة الوجود الملموسة عينها، وعبرها يوجد التشابه وتوجد الصور في العالَم» (p. 7). الخيالي هو أمثولة الحقيقي الذي يحبل الواقع بمظهره، مسافة أصيلة في عالم الأشياء المتقاربة نفسها: «إن الوعي بغياب الموضوع الذي يميز صورة من الصور يعادل بديل وجود الموضوع عينه، حيث تظهر أشكاله الجوهرية بوصفها لباسًا يخلعه في الانسحاب» (p. 7). كذا يتيح مقال ليفيناس «الحقيقة وظلها»، إيضاحًا دقيقًا لحركةٍ زمنية تُميز السرد؛ فيتجنب ليفيناس الحديث عن أسبقية الواقع على الفن، أو العكس بالعكس، على أساس أنه كلام غير ملائم («هل يحاكي الفن الطبيعةَ أم أن الجمال الطبيعي يحاكي الفن؟» (p. 7)) «الصورة» — وهي مجال الفن — شكل من غير الحقيقي في الحقيقي. «لا توجد الصورة أولًا — الصورة بما هي رؤية الموضوع بشكل محايد — وبعدئذٍ تختلف عن العلامة أو الرمز لشبهها بالأصل؛ فالحياد الذي يميز وضع الصورة هو على وجه الدقة هذا التشابه» (p. 8). لذا، يعمل التباعد الأصيل في العلامة أو الرمز — عند بلانشو — عملَه في الصورة. وترتيبًا على ذلك، حين يعود أحدنا إلى تصور السرد في مقال بلانشو عن مارسل بروست Marcel Proust، يجد أن ما سُلِّم به لبروست — في تجربته المتميزة المتعلقة بالزمن و«الذاكرة» — كان لقاءَه (كلقاء عوليس أو أهاب) بالفضاء الخيالي من حيث هو نفسه وجود الأدب: التباعد الأدبي. إذ حين يصف بلانشو وعي بروست يربطه ﺑ:
«تحول الزمن إلى فضاء خيالي (فضاء خاص بالصور)، وإلى غياب دائم التغير لا تراكمه الأحداثُ تراكمًا منظمًا، كلا ولا تعوقه أشكال الحضور، وإلى خواء يُعاد توليده من دون انقطاع. البعد والمسافة هما الفضاء وأصل التحول، حيث تكون السيكولوجيا بلا فائدة لأنه لا توجد نَفْس هنا، وحيث يصبح ما هو داخلي خارجيًّا، يصبح صورة»   (The Siren’s Song, pp. 68–90).
مَن يكتب هو «الآخر كليًّا» أكثر من بروست الشخص: الآخر كليًّا من حيث هو «حاجة ماسة إلى الكتابة»، فحركة التباعد الأدبي هي التي تستعمل اسم بروست لتؤكد نفسها في جاذبيتها المستمرة (Le livre à venir, p. 254). ويتضمن حديث بلانشو عن بروست مناقشة التحليل النفسي. ففي حين يتحمس بروست للتحليل النفسي بوصفه شكلًا جذريًّا جديدًا من أشكال الحوار، يذهب بلانشو إلى أن فرويد وأتباعه متأهبون دومًا لحساب ما لا يقبل الحساب من خلال إيقاف حركة الآخر الدائبة في اللغة الحوارية.
حينئذٍ، يظهر تصور بلانشو ﻟ السرد بوصفه إعادة صياغة لتصور الشعر، يَدين بها — إلى حد ما — لمقال ليفيناس عن التخارج والخيالي. وعلى سبيل المثال، يستدعي حديث بلانشو عن بروست فكرة ليفيناس عن «تخارج الداخل» التي نجربها بوصفها شكلًا من الاغتراب في عالم الأحلام الخيالي (p. 4).
ولننتقل أخيرًا إلى العمل الفذ، «الانتظار النسيان» L’attente l’oubli، وهو عمل سردي كتبه بلانشو عام ١٩٦٣م. وأحد المسارات في هذا النص هو موضوع الحوار، ففي ذلك الوقت — كما رأينا — كان الافتتان بأعمال هيدجر طاغيًا. والحق، يمكن القول إن هذا السرد شكل من الممارسة الأدبية التي تنبع — في العديد من نواحيها — عن تجارب هيدجر مع شكل الحوار.
يشير بلانشو في مقاله عام ١٩٦٣م «آثار»٣٤ إلى أن الحوار شكل ينطوي، أصالةً، على نوع من العنف فاعل في القيود التي يفرضها على المتحاورين لأنه يُلزمهم بالحديث والاستماع تباعًا (ولأحدنا أن يتذكر تراسيماخوس Thrasymachus الذي كان يتصبب عرقًا من شدة الغضب في محاورة أفلاطون «الجمهورية» Republic!). ويؤدي مثل هذا الوصف بالضرورة إلى التساؤل عن إمكان وجود شكل جديد من الحوار يتخلى عن سياق القوة: «التعبير من دون سلطة، ولْنقل، من دون قوة» (p. 477). فهل من الممكن أن تتحقق مثل هذه اللغة السِّلْمية irenic language في الحوار أو بوصفها حوارًا؟
من الممكن قراءة نص «الانتظار النسيان» كما لو كُتِب إجابةً عن هذا التساؤل؛ فهو نفسه ليس حوارًا كله بل شيء أعقد، يشكل فيه الحوارُ معظمَ النص، وتحديد موقع الحوار هو المسألة كلها. و«موقعه» هو تبادل كلامي بين شخصيتين محددتين أدنى تحديد، من جنسين مختلفين، ويمثل العنفُ الأصيل في الحوار واللغة مشكلةً مستمرة بالنسبة لهما. وحال سرد «الانتظار النسيان» من حال السردين اللذين ناقشتهما من قبل؛ فهو أيضًا لقاء يجري في غرفة سكنية كبيرة غير واضحة المعالم إلى حد ما، يسكنها المتحدث الرجل. والعلاقة التي تجمع المتحدثَين معًا في هذا المكان المحدود علاقة توتر حاد: علاقة جاذبية ونفور. وإذا كان من الصعب تمييز صوتهما والأصوات الشارحة metavoices الأخرى التي تظهر في النص على هيئة غريبة من التعليق على الذات، فذلك لأن موضوع الخلاف في علاقتهما ليس شيئًا سوى تلك العلاقة نفسها. إنها مسألة اللغة بوصفها أفقًا لكل من القرب والبعد معًا، وأفقًا للتحولات في تصورات الذات وتصورات العلاقة التي ربما تُكابَد في تحول اللغة. وبينما يبدو أن النص ينساق خلف أعنف شكل من أشكال الكشف الخطي من خلال أداء تقلبات هذا التحول، نراه يستعمل مجموعة متميزة من الأزمنة وأشكال تكرار تجعل النص مثالًا على الانحراف الزمني. وأما الحدث الحاصل بين المتحاورين ﻓ «هو حدث يتعلق بما يحدث، وقوته السحرية هي التي تُمكِّن السردَ من أن يحدث» (The Siren’s Song, p. 62)، حتى لو كان هذا الحدث ليس سوى تحول اللغة الذي هو السرد.٣٥
السرد الذي يمكن قراءته، من دون مبالاة، بوصفه طريقة من طرائق الأدب أو الفلسفة — كحوارات أفلاطون — هو شكل هجين. ويؤدي السردُ — على الرغم من أن هذه كلمة مفرطة التبسيط — نقاشَ بلانشو المعقد مع اثنين من المفكرين المعاصرين هما هيدجر وليفيناس، وهذا الأداء هو الأمر الأقوى اعتبارًا؛ ففيه يبدو بلانشو للوهلة الأولى غير متوافق مع هذين المفكرين، وسأتحدث عنهما تباعًا.
أول نموذج واضح بالنسبة إلى هذا السرد حواراتُ هيدجر، وتقترح فكرتُه عن التحرير في اللغة ومن خلالها نفسَها، أيضًا، بوصفها نوعًا جديدًا ممكنًا من الحوار الذي رسم معالمه بلانشو في مقاله «آثار». ومن الممكن قراءة البلاغة المعقدة التي ينطوي عليها «الانعطاف» بوصفها نموذجًا نافعًا في علاقة السرد بحدﺛ/ﻪ عند بلانشو، يعتمد قسم من كتاب «الانتظار النسيان» في بنائه على ورقة بلانشو التي شارك بها في الاحتفال بعيد ميلاد هيدجر السبعين، وهي بعنوان («الانتظار» L’attente).٣٦ والحق إن تصور l’attente لا يتميز غالبًا عن تصور wait أو waiting في محاورة هيدجر «محادثة على طريق القرية بشأن الفكر»، وتؤكد بعض المقتطفات من كتاب «الانتظار النسيان» أنه:
«ما إن يكون الانتظار من أجل شيء، حتى يكون أحدنا منتظرًا أقل القليل» (p. 23).
«الانتظار المتوحد الذي كان فينا وقد عبر الآن إلى الخارج، الانتظار الذي هو انتظارنا من دون أنفسنا، يرغمنا على أن ننتظر إلى ما بعد الانتظار الذي سيكون انتظارنا، فلا يترك لنا شيئًا ننتظره بعد الآن» (p. 31).
إنها مسألة انتظار «ذلك الذي يحجب نفسَه مستترًا ولا شيء محجوب يستتر؛ ذلك الذي يؤكد نفسَه ولكنه يظل غير مُعبَّر عنه؛ ذلك الذي يوجد ولكنه منسي» (p. 83). والحق إن مواضع من سرد بلانشو هي، فعليًّا، ترجمة فرنسية لشذرات من هيدجر، منها على سبيل المثال عبارة تأملية شعرية وردت في مقال هيدجر «المفكر بوصفه شاعرًا» The Thinker as Poet (١٩٤٥م) (Poetry, Language, Thought, pp. 1–14)، ألا وهي: «تغدو كل الأشياء أثناء التفكير معزولة مستوحشة وبطيئة» (Poetry, Language, Thought, p. 9)، حيث تظهر مترجمة في ثوب جديد عند بلانشو، وإنْ يكن بتعديل طفيف، على النحو الآتي: «تغدو كل كلمة أثناء الانتظار معزولة مستوحشة وبطيئة» (p. 53).
كيف يكون السرد، إذن، بخلاف النسخة الفرنسية للحوار الهيدجري، انعطافًا حواريًّا يرتد على نفسه، ويحاول إخلاء نفسه من شكله الخبري، ومن ثَم يجعل حركته وصولًا للآخر ومجيئه؟ يكشف الفحص الدقيق ﻟ السرد عن درجة تباعد بلانشو عن هيدجر. ولا يتعلق هذا التباعد بنظرية للغة مضادة (برغم إمكان العثور على هذه النظرية في مواضع أخرى)، بل يكمن في متطلبات شكل من الممارسة اللغوية تحاكي حركتها حركة حوارات هيدجر، ولكن يبدو أن تحولاتها تعترف بضرورة لم يصرح بها هيدجر.
في كتاب بلانشو «محاورة لا تنتهي»، تجد حركة اللغة التي يُجربها السرد تعريفًا من منظور مفهوم آخر للإيقاع: «في هذا التحول يوجد إيقاع، تتجه فيه الكلمة إلى ذلك الذي يُعْرِض بجانبه ويَنأى، إلى ذلك الذي يمنع نفسَه» (L’entretien infini, p. 43). ويمتلئ نص «الانتظار النسيان» بشذرات تشرح مفهوم الإيقاع هذا: «أثناء الانتظار، يعود ذلك الذي يروغ من الفكر إلى الفكر؛ فيغدو الفكرُ حركةَ مراوغته» (p. 81). يُقَال في هذه العبارة إن الفكر يفكر في شيء يروغ جوهريًّا من أي مدخل إليه، ومن ثَم تؤكد العبارةُ المراوغةَ المجرَّبة على هذا النحو بوصفها هي نفسها «مادة» يبدو أنها موضوع العبارة، وكذا بوصفها عملية الفكر التي قد تَحقق الآنَ أنها حركة تلك العبارة نفسها، عبارة بلا موضوع، كما نقرأ أيضًا هذه العبارة: «كان يفكر في ذلك الذي يروغ من فكره، الأمر الذي جعله يفكر في حركة المراوغة تلك في حد ذاتها».
هكذا، يغدو الإيقاع اسم ذلك التركيب الذي يلغي نفسَه، كالعبارة التي ترتد على نفسها في طوبولوجيا تشبه شريط موبيوس Moebius. إنها حركة الابتعاد التي تصبح شغل الإيقاع الشاغل. وبهذا المعنى، لا يكرر الإيقاعُ نفسَه إلا في تركيب لولبي يُبطل نفسَه باستمرار، ويُبطل تجديد نفسه. ومن ثَم، يتوافق الإيقاع مع زمنية منبسطة يكون فيها «موضوعُ» الانتظار ذلكَ الذي يأتي دائمًا ويمضي دائمًا في آنٍ وعلى نحو مطلق، فيعمل عمله على نحو لا يُرد بوصفه الحركة الفعلية لذلك الفكر الذي يسعى إلى جَعْله ملموسًا أو إلى الإمساك به:
«فكر الانتظار: الفكر بوصفه انتظار ذلك الذي لا يترك نفسَه للتفكير، الفكر الذي يحمله الانتظار معه، على الرغم من أنه مؤجَّل في ذلك الانتظار» (p. 101).
الإيقاع بزمنيته حيث لا ينفصل الانتظار عن النسيان، ومحو النسيان الذي هو انتظار (الانتظارُ نسيانٌ)؛ يكشف العلاقةَ الزمنية المنحرفة التي يعالجها مقال «أغنية السيرينة» The Siren’s Song بين السرد والحدث الذي يَسرده/يَكونه. فما من دمج بينهما، مهما كان ارتباطهما، وإنما الحاصل حركة دوران تأسيسية تُعد مدخلًا إليهما. وفي حركة اللغة هذه، المرتدة على حدثها، تظهر بوصفها ابتعادًا عن ذلك الحدث وبوصفها ذلك الحدث، حتى عندما «تقترب» منه.
وتختلف هذه البنية الشبيهة ﺑ الأُنشوطة عن ممارسة هيدجر للغة، ربما فقط في أن الخيوط الأكثر مرونة في محاورته «محادثة على طريق القرية بشأن الفكر» قد شُدت بإحكام. وذلكم يعني القول إن بلانشو يتبع بلا هوادة حركةَ الفكر والتركيب في محاورة هيدجر حتى نهايتها، الأمر الذي أفضى به إلى تجنب بقايا اللغة الفينومينولوجية («عدم الخفاء»: الانفراج الساطع  Lichtung) التي تظل بارزةً عند هيدجر. إذ يفصل كتابُ «محاورة لا تنتهي» الذي يقدم تصورًا لحركة الفكر بوصفها اللغة في السرد — يفصل فكرةَ الحوار صراحةً عن كل استعارات الرؤية و التخفي:
«اللغة في تقلبات الإيقاع هي الأوضح في إخفاقاتها نفسها، وتثابر دومًا على المقاطعة، وتستدعي مسارًا جديدًا باستمرار، فتجعلنا — من ثَم — في حال من الترقب المتوتر أو التردد بين المرئي وغير المرئي، أو إلى جانبهما معًا» (L’entretien infini, p. 43).
وتقع هذه الحجة الجارية أثناء السرد في قلب زعم بلانشو (وليفيناس) بأن هيدجر لم ينجح في قطيعته مع أشكال الفكر المستقل. وحده الشعر هو الذي يبشر بممارسة حوارية للتغاير.٣٧
ينشغل كتاب «محاورة لا تنتهي» بفرضية قديمة قِدَم الفكر نفسه، اكتسبت «الكتابة» بمقتضاها في النهاية سمعة سيئة. تقول هذه الفرضية إن الكائن في جوهره موحد ومستمر، وبموجبها يُعد الانقطاع والتعددية والغيرية أمورًا ثانوية:
«الواحد، الهُوية، تظل هي الكلمات الأولى والأخيرة. لماذا هذه الإحالة إلى الواحد بوصفه المرجع النهائي الفريد؟ وبهذا المعنى، ينطوي الدياليكتيك والأنطولوجيا ونقد الأنطولوجيا على الفرضية نفسها: كلها ترجع إلى الواحد» (L’entretien infini, p. 34).
يزعم بلانشو أن هيدجر لم يفكر تفكيرًا حقيقيًّا في هذه الفرضية أو يسائلها، وهو ما أكده دريدا مرة أخرى في مناقشة عام ١٩٦٨م، فقال إن انجذابًا يسري في نصوص هيدجر، انجذابًا نحو بلاغة العودة إلى البيت والأصالة والانتماء (Margins of Philosophy, p. 130).٣٨ وعلى سبيل المثال، يقول هيدجر في قراءته هولدرلن القول الآتي: «نحن حوار، وهو ما يعني في الوقت نفسه دائمًا: نحن حوار واحد٣٩ كذا يقول إن شعر تراكل يجذبنا إلى موقع فريد في عمل هذا الشاعر.
وثمة عنصر متواتر أو موتيف motif على طول كتاب «محاورة لا تنتهي»، لعله مستمَد من ليفيناس،٤٠ ألا وهو: «القول ليس نظرًا». إذ يذهب بلانشو إلى أن وصف اللغة عند هيدجر يظل مثلًا على دمج شامل تقريبًا بين اللغة والنظر في الفكر الغربي الذي يُعطي «النظر» امتيازًا في كلامه عن اللغة، وذلكم لأن النظر يبدو أنه يمنح شكلًا من أشكال الاتصال من دون وسيط مع العالم:
«النظر يستفيد من الانفصال، لا بوصفه وسيطًا، بل شكلًا مباشرًا، غير متوسط. وبهذا المعنى أيضًا تنطوي الرؤية على الخبرة بالاستمرارية من دون انقطاع. وبهذا المعنى أيضًا، يُعد النظر تجربة للشمس المستمرة واحتفاءً بها، وذلكم يعني أبعد من الشمس نفسها: الواحد»  (L’entretien infini, p. 39).
إنَّ فَهْم النظر على هذا النحو يُعد — في حد ذاته — فَهْمًا إشكاليًّا ملتبسًا للغاية. وما خلا الحجج التي تُفند إسنادَ المباشَرة الساذج إلى الإدراك الحسي، لا بد من الاعتراف بأننا لا نتمكن من رؤية كل شيء ولا كل جوانب الشيء الواحد في أي وقت. ومن ناحية أخرى، يبدو أن اللغة تقدم نفسها بوصفها مجال هذه الحرية على وجه التحديد؛ ففي الكلام نستطيع تجاوز حدود الإدراك الحسي فنتحدث عن الجانب المظلم من القمر. تلك هي «الحرية» الحقيقية في اللغة التي تحدثنا عنها سابقًا من جهة النفي. ولكن استعارات النور تهيمن على الطريقة التي يُفهَم بها هذا النفي. وتبدو اللغة — بحسبانها إعادة تقديم — ضربًا من الإدراك الحسي من على مسافة: كما لو أن أحدنا يتمكن في اللغة — بطريقة ما — من رؤية جوانب المكعب الأربعة في وقت واحد (L’entretien infini, p. 40). نحن نتحدث عن اللغة التي تكشف عن حقيقة الشيء ﻓ «تقوم بجلائه» أو «جَعْله بدهيًّا».
وكذا عارض بلانشو النزوع الفينومينولوجي في فكر هيدجر، لا سيما فكرة الأليثيا والحقيقة بوصفها بنية كشف وخفاء (L’entretien infini, p. 41). وتُلمح ثنائية الكشف والخفاء إلى إعطاء امتياز لاستعارة النور وفرضية الوحدة المطابِقة. ومن جهة أخرى، يعالج بلانشو التباعد أو المسافة في اللغة التي لا هي متجلية ولا هي متخفية.٤١ وعليه، ينتهي إلى فَهْم فكر هيدجر بوصفه تعويقًا ﻟ المحايد أو تساميًا به (See L’entretien infini, p. 441). فلا مفر من اللادنيوية الجذرية في التباعد الحيادي عند بلانشو (بين السرد وحدثه أو بوصفه السرد وحدثه).
وقد يُلمح هذا التوافق الظاهر بين بلانشو وليفيناس إلى أن فكر ليفيناس ربما يكون على صلة معتبرة بقراءة السرد. فلننتقل إلى ليفيناس الآن.
لا يتسع المقام الحالي لعرض الملامح العامة التخطيطية لفلسفة ليفيناس، باستثناء ما يتصل منها اتصالًا مباشرًا بأسئلة اللغة التي نناقشها هنا. يذهب ليفيناس إلى أن عمل هيدجر، بعيدًا عن تأسيسه التغاير الذي يطمح إليه، ليس سوى تجسيد متأخر آخر لمحو الآخر المتواتر في الفكر الغربي. وذلك إلى درجة أن ليفيناس يذهب — ورأيه فيه نظر — إلى أن فكر هيدجر يستسلم — من ثَم — لتراث النزعة الإمبريالية بفجاجتها وخُيَلائها.٤٢ القضية، إذن، قضية الأخلاق ومكانتها في الفلسفة. يرى ليفيناس أن علاقتنا ﺑ الشخص الآخر لا يمكن أن تحيط بها معرفة أو حقيقة. مسئولية العارف تسبق علاقة المعرفة، بل تجعلها ممكنة. ويذهب ليفيناس إلى أن كل الأسئلة المتعلقة بطبيعة الأشياء أو الكائن بوجه عام، تقع في موقف هو — في المقام الأول — موقف أخلاقي … فاللغةُ في أي شكلٍ قولٌ يتعدى إلى الآخَر ابتداءً، اللغة انفتاح العلاقة على تعالي الآخر أو تجاوزه. وبمصطلحات ليفيناس، الكلمة قول (لآخَر)، وحدث أخلاقي، قبل أن تكون شكلًا مَقولًا (محتوى خبريًّا).٤٣ إن معالجة اللغة من حيث هي حاملة محتوًى خبريًّا، أي وفق معناها المعتاد فلسفيًّا، يُعد تعويقًا للعلاقة بالغير والتعالي أو التجاوز. ولا يوسع ليفيناس شكل النزعة التجريبية التي تؤكد أن اللغة تجد نفسَها — في حقيقة أمرها دائمًا — في موقف أخلاقي؛ وإنما يذهب إلى أن العلاقة الأخلاقية تؤسس البعد الدال في اللغة، حيث تُوجَد اللغة. ويسبق إجراء الاتصال أي تواصل محدد ويتجاوزه، بل يجعله ممكنًا. وبهذا المعنى، يعلو الآخر على الفكر متجاوزًا إياه، ويفرض مطالب أخلاقية لا تخضع لنظام الإدراك المعرفي.٤٤
وأما بخصوص الشعر نفسه، فكان ليفيناس يميز نفسَه بوضوح عن محو التفرد الذي يُقال إنه أصيل في حركة اللغة، ألا وهو محو لصالح معنى العالم أو تقديمه. وبالمثل، قد يُطلَب من أحدنا إعادة النظر في الحجة القائلة إن اللغة نفسها هي ما يتحدث أساسًا، أو ما ينبغي الإنصات إليه، نظرًا إلى أن مرجع تعبير ليفيناس الأساسي — «الآخر» — هو الشخص الآخر. ويناقش ليفيناس في كتابه «الكلية واللاتناهي» هيدجر على النحو الآتي:
«إن تأكيد أسبقية الوجود على الموجودات يحدد بالفعل ماهية الفلسفة؛ إنه إخضاع العلاقة ﺑ شخص، موجود، في علاقة (علاقة أخلاقية) ﺑ وجود الموجودات التي هي غير شخصية، الأمر الذي يسمح بفَهْم الموجودات وإدراكها والهيمنة عليها (علاقة المعرفة)» (Totality and Infinity, p. 45).

تُعد الأخلاق — بوصفها علاقة وجهًا لوجه مع الآخر المفترَض سلفًا دائمًا في أي فعل تفكير — مجالًا غير تمثيلي، وغير موضوعاتي، يبطن المناقشات الفلسفية المتعلقة بالحقيقة والمعرفة واللغة … إلخ، حتى لو حُجِبت بالضرورة في مثل هذه الموضوعاتية.

على أي نحو يتجلى التفاعل بين الذوات في عمل هيدجر «محادثة على طريق القرية بشأن الفكر»، أو في كتاب بلانشو «الانتظار النسيان»؟ ليست حركة اللغة من متحاور إلى آخر، في محاورة هيدجر، إلا وظيفة تَباعد بعينه، كما لو أن علامة الترقيم تحل تقريبًا محل الانتقال من متحاور إلى آخر. والحق إنه في الاقتباسات التي قدمتها هنا من كتاب «الانتظار النسيان»، نجد أن الانحناء بين العبارات، الحاصل من خلال تبادل المتكلمين الكلام عند هيدجر، يتحقق بدلًا من ذلك عبر تركيب يُبطِل نفسَه إبطالًا غريبًا. فيعيد بلانشو النظر في التفاعل بين الذوات على نحو لم يكن يتخيله هيدجر. إذ ينشغل معظم الحوار — بلازمته المتكررة: «تكلم بطريقة تمكنني من الحديث معك» — ﺑ استحالة الحوار (p. 26)؛ حيث يُعرف كتاب «محاورة لا تنتهي» الانتظار لا بأنه الانتظار الذي يقدر مسافة لا تتناهى (L’entretien infini, p. 112) «في اللغة فقط، وإنما هو أيضًا الانتظار الذي يقدر المسافة بين المتحاورين» (L’entretien infini, p. 108).
ويناسب شكلُ الحوار مناسبة أصيلة كلًّا من التحري والتحقيق وأداء مظهر التعدي في اللغة. في الأحوال العادية، يتبادل المتحاوران الكلمات بالإشارة إلى موضوع أو قضية مشتركة. أما في كتاب «الانتظار النسيان» فالهم — بينما يرتد الحوار على نفسه متأملًا باستمرار شرط وجوده — هو غالبًا مبدأ التعدي في اللغة نفسها، ذلك الانفتاح على تعالي الشخص الآخر بوصفه الغير الممحو في تصورات الاعتراف أو التواصل المتوارثة التي تفيد التبادل بين مواقف معروفة أو أشخاص معروفين. ومع ذلك، يختلف نص بلانشو عن أي مما كتبه ليفيناس في ذلك الوقت من حيث كونه مكتوبًا بطريقة حوارية أو غير نظرية أو أدائية، وكذا من حيث التعقيد والدقة المرهفة التي يعالج بها عوائق تجاوز اللغة بوصفها تمثيلًا. وما يثير الاهتمام أن ليفيناس لم يستعمل شكل الحوار في أعماله، بل يتواتر عنده الهجوم على أفكار الحوار أو فن التوليد السقراطي التي فُهِمت مع أفلاطون على أنها طرائق في التذكر.٤٥ وقد يظن أحدنا — من ثَم — أن استعمال شكل الحوار الذي لا يمكنه بطبيعته — عند ليفيناس — سوى إقامة علاقة مقارنة بين متحاورَين (مثلًا: أنا والآخر) سيكون بالضرورة استعمالًا لموقع يتجاوز الإدراك المعرفي (أعني: موقع النص المكتوب بوصفه كلًّا) بطريقة لا يمكن تقبلها. وحتى حوارات هيدجر مكتنَفة برفض هذا الموقع، نظرًا إلى أن هيدجر يعطي أسبقية لحركة المتحاورين معًا نحو نطاق سؤال مشترك، ألا وهو سؤال تمحو مكانتُه الأنطولوجية تفردَ المتحاورين الأخلاقي.٤٦ وإنه على وجه التحديد ذلك الشكل من غياب لغة المرء عن علاقة أخلاقية بالتعالي لا يمكن أن تشمله هو الذي من شأنه أن يمحو البعد القولي أو الكلامي محل النظر. ولكن السرد عند بلانشو سيُنظَر إليه على أنه يتعامل مع هذه المشكلة في جوانبها المتعددة، مثلًا بتشظية الحوار، والانحراف به عن أي بداية زمنية كلية، ثم معاودة ضبط الحوار عند الفواصل التي تُعد شكلًا من الاتصال من دون تبادل أو تواصل. ومع ذلك، أعتقد أن نظام السرد يفرض أيضًا اعترافًا بضرورات في اللغة تُجسد تعقيدًا معتبرًا في ثنائية ليفيناس القول والمقول، وهي ضرورات صاغها بلانشو في كتابه «محاورة لا تنتهي» عام ١٩٦٩م.
وإذن، الانتظار نظام من اللغة يسعى عند كل محاوِر إلى فتح نفسه على غيرية الآخر. فمن خلال الإبطال المستمر للغة المفهومة بوصفها محتوى خبريًّا والتصورات الملازمة للتواصل بوصفه تبادلًا (المَقول)، يُفسح النظام مجالًا للحركة الدالة الخالصة نفسها (القول) بما هي شرط اللغة وطبيعتها المراوغة. الانتظار يؤدي باستمرار — عبر سلسلة من استئنافات المقاطعة الذاتية٤٧ — صيرورةَ لغة لازمة غير متعدية بحيث تظل الجملة بمفردها أثرَ حركتها نحو الآخر، وهي حركة حللها دريدا من خلال كلمة النداء «تعالي»  viens التي تميز سرود بلانشو.٤٨ وحينئذٍ، يقترب السرد من حدثه، وهو حدث سيكون آخرَ الشخص الآخر غير القابل لصياغته في مفهوم، حتى في سياق ما يبدو أنه تقاطع الطرق بمعناه الدنيوي. وينتقل الحوار باستمرار إلى صعوبة نظام اللقاء هذا:
«كل شيء سيتغير لو أننا انتظرنا معًا» — «نعم، لو تشاركنا في الانتظار؟ لو كنا كلانا جزءًا منه؟ لكن ذلك هو ما ننتظره: أن نكون معًا، أليس كذلك؟» — «الانتظار معًا، لا انتظار شيء بعينه» (L’attente l’oubli, p. 43).
الصعوبة، هنا، صعوبة تجسيد شكل المعية التي لا تتألف مما يُطلَق عليه عادةً «علاقة»؛ أعني كلية من نوع يشمل المتحاورَين وتؤسس حيادية التعالي أو الآخرية. المسألة هي مسألة خطاب يدل — لنقل — بلا دلالة أو تمثيل، استعمال شكل من التركيب يمحو نفسَه بنفسه (كذا من دون كذا) يتواتر عند بلانشو.٤٩ والحق إن الإجابة عن السؤال مضمرة بالفعل هنا. فهذا التركيب عينه يجسد في حد ذاته القوة «الأدائية» التي تميز اللغة والتي تؤلف «الفعلَ» الوحيد في النص، كما هو حاصل في «محادثة» هيدجر. فعبارة «علاقة من دون علاقة» لا تكتفي بنفي نفسها، ولنقل إنها تختلف عن التعبير «أ ولا أ معًا»، إذ تترك فائضًا غير دلالي، فالعلاقة ليست أكثر من الحركة عينها أو الحدث نفسه المجرب في التفكير عند قول عبارة من قبيل «علاقة من دون علاقة» أو الأقوال التي أوردناها عن الانتظار سابقًا، «عبر الانتظار، يرجع ذلك الذي يبتعد عن الفكر إلى الفكر، فيغدو الفكرُ ابتعادَه». ولا يمكن أن يوضع مثل هذا الحدث في إطار مفهوم من المفاهيم، فهو حدث يتكرر جديدًا في كل مرة، وما ذاك سوى لأن اللغة التي تسعى إلى قول الانتظار تلتفت إلى استحالتها التفاتًا يغدو معه الحدثُ اللغوي في تقديمه لنفسه (القول) — بطريقة لا مفر منها أيضًا — تمثيلَه بوصفه اختفاءه. فما يتواتر، هنا، من دون انقطاع هذه الإزاحة الذاتية في اللغة وبوصفها اللغة نفسها من حيث هي انتظار. وبهذا وحده، في إثبات الانفصال والغيرية واللاتجانس، يمكن للمتحاورَين أن يكونا «معًا» بمعنى من المعاني.
يقدم ليفيناس في كتيب له بعنوان «عن موريس بلانشو»  Sur Maurice Blanchot (١٩٧٥م) قراءةً لكتاب «الانتظار النسيان» بوصفه دراما للحركة من فكر الاستقلال ولغته إلى فكر ولغة تُرحب بالآخر والتغايُر الأصيل. ثم يفسر ليفيناس الموقفَ «الأوَّلي» للمتحاورَين بأنه تصور للانغلاق والانحباس في طرائق الفكر الاستقلالية المكتفية بنفسها؛ فالغرفة الحديثة — التي يتبادل فيها المتحاوران الكلام — بلا صفة وإنْ كانت حميمة، وفي الوقت نفسه تثير رُهاب الاحتجاز بشكل خانق:
«اللغة مغلقة كهذه الغرفة. كيف يختنقان معًا في هذا المكان المنغلق حيث الكلمات التي تتفوه بها المرأة لا تدل على شيء أزيد من هذا الانحباس عينه. وهل كانت المرأة لا تقول سوى: «نحن محبوسان، ولن نخرج من هنا».» (p. 35).
كذا يتأمل مقال «الظاهرة واللغز» Phenomenon and Enigma (١٩٥٧م)٥٠ قضية اللغة التي يمكن أن ترتبط بالآخر من دون اختزال:
«يعتمد كل شيء على إمكان إيقاع الاهتزاز بالمعنى الذي لا يتزامن مع الكلام، ذلك الكلام الذي يتصيد المعنى ولا يتمكن من إدراجه في نظامه؛ فكل شيء يعتمد على إمكان الدلالة التي تدل إدلالًا مضطربًا قلقًا على نحو لا يمكن اختزاله أو التقليل منه» (p. 63).
ويمكن لأحدنا القول إنها مسألة خطاب يدل من دون دلالة (ولنلحظ أن بلانشو وليفيناس يستعملان التعبير «من دون» بطريقة مميزة ليعبران به عن تجاوز مزعوم لتصورات المعنى والتمثيل المتعارف عليها). ويقدم ليفيناس كلمة صارت معروفة على نحو أفضل الآن بعد أن تبناها دريدا، ألا وهي كلمة الأثر  the trace:
«ما نحتاج إليه سيكون إشارة تكشف انسحابَ المشار إليه، بدلًا من الإحالة التي تضمه مرة أخرى. ذلكم هو الأثر بتأكيده وتدميره» (p. 65).
إذا كان الآخر يقاطع أنظمة التمثيل المتعارف عليها، فلا يمكن أن يكون هو نفسه ممثَّلًا من دون اختزاله إلى النظام الذي يقاطعه. ومن ثَم، يتعلق الأمر بالإبقاء على انفتاح قوة المقاطعة نفسها. ومن حيث التمييز — المقدم أعلاه — بين القول والمقول، يجب على اللغة أن تحاول مطابقة نفسها مع القول كلما أمكنها ذلك. تسعى اللغة إلى «الإشارة، ولكن من دون أي مشار إليه» (Sur Maurice Blanchot, p. 39). وعلى نحو ما رأينا، يؤدي الانتظار باستمرار — عبر سلسلة من استئنافات المقاطعة الذاتية — صيرورةَ عدم تعدي اللغة ولزومها، ﻓ «تعني» الجملة بمفردها أثرَ حركتها نحو الآخر. يتحدث ليفيناس عن لغة صامتة بلا كلمات، توجد في حدها الأدنى بوصفها الاتصال الأبسط بين متحاورَين، بوصفها شرطًا سابقًا للتواصل من دون الدلالة على شيء بعينه (Sur Maurice Blanchot, p. 41). ويقتبس المقتطف الآتي:
«عندما كانت تتكلم أعطت انطباعًا بعدم معرفتها كيف تَصِل كلماتِها بثراء اللغة المعطاة سلفًا. كانت كلماتها بلا تاريخ، ولا صلة لها بماضي أيٍّ منهما، كانت كلماتها بلا علاقة حتى بحياتها الخاصة أو بحياة أي شخص آخر» (p. 24).
على أساس هذه القراءة، فإن الانتظار كلمة تدل على ممارسة التحول الذي تخضع له اللغة لتغيير شكل الإغلاق الأصيل فيها، والتخلي عن القصدية والذاتية. ولا تمثل كلمتا بلانشو («الانتظار»، و«النسيان») حالات عقلية بالمعنى المتعارف عليه؛ ذلك أن المتحاورَين في عمله مثل الفراشات التي تنبثق من شرنقاتها، ويفصلان نفسهما عن تصور الذات كما أمْلَته الذاتية الديكارتية. ويذهب ليفيناس إلى أنهما بتجنبهما الأنطولوجي لصالح الأخلاقي يتحركان «أبعد من الوجود» فيكشفان عن «باب» (p. 38). إذ يحققان علاقة قرب في الانفصال، علاقة هي اعتراف متبادل بالآخر («انتظار لا شيء، ونسيان كل شيء؛ على عكس الذاتية») (p. 37). ووفقًا لذلك، نقرأ قرب نهاية السرد:
«عندما يمسكها يلمس بنفسه قوة القرب التي تُغريه بالاقتراب منها، وفي هذا الاقتراب ينأى كل شيء ويبتعد» (p. 115).
ويستند دمج بلانشو بين هيدجر وليفيناس إلى مبررات تسوِّغه كما سيظهر؛ فثمة تجاوب قوي بين مقتضيات اللغة عند كلا المفكرين مهما كانت الاختلافات التي تُقال بينهما. فمن وجهة نظرهما، المسألة هي حركة اللغة أو الفكر نحو منابع إمكانهما، وما يصاحب ذلك من تخلٍّ عن التعدي إلى حالة المفعول في اللغة. ولكن بلانشو في عمله «محاورة لا تنتهي» وفي سرده لا يصادق — في نهاية الأمر — على أفكار هيدجر كلا ولا على أفكار ليفيناس مصادقة كاملة. إذ ينتهي الانتظار إلى فتح حركة ثالثة أعقد للفكر أو اللغة بوصفهما علاقة. وتتضمن هذه الحركة الثالثة هيدجر وليفيناس كليهما، حتى وإن كانت تسائلهما. وقد جرى تغطية هذه المسألة فيما يتعلق بهيدجر، وأما عن ليفيناس فكيف يختلف السرد عن قراءة ليفيناس؟ قد يقول قائل إن اختلافات بلانشو عن ليفيناس تنشأ عن تفكيره في العلاقات التي استوفى ليفيناس مناقشتها، أكثر مما هي ناشئة عن اتخاذه موقفًا مفاهيميًّا آخر.
يتألف القسم الأول من كتاب «محاورة لا تنتهي» المعنون ﺑ «الكلمة المتعددة» من حوار تقليدي نسبيًّا، على مستوى الشكل، يتسع لمناقشة ليفيناس أثناء تبادل الكلام. ولا يوجد فيه ما يكشف عن خلاف بلانشو مع ليفيناس، ذلك أن بلانشو يتقدم في عمله — كما هو حال هيدجر — انطلاقًا من التفكير في طبيعة العلاقة (علاقة التعالي وعلاقة القرب بوصفه بُعدًا) المختلفة عن التركيز على الروابط أو الصلات. ذلك أن «العلاقة» هنا — من حيث هي لغة — تؤكد انفصال الأنا والآخر (وهو انفصال يؤسس اللغة بصفتها علاقة)، حتى لو مالت العلاقة — بوصفها تواصلًا — إلى أن تبدو دائمًا وسيلة لمعادلة ما لا يقبل القياس. والأكثر من هذا، ما دامت اللغة تتضمن علاقة الآخر بي (بصفتي آخر) وكذلك علاقة أنا بالآخر، فإن العلاقة تمضي في اتجاهين لا يتماثلان (p. 100):
«عندما يتحدث إليَّ الشخصُ الآخر لا يتحدث إليَّ بوصفي في حالة المفعول به. وعندما أتعلق أناالآخر فإنني أجيب ذلك الذي لا يتحدث إليَّ من أي موقع محدد، إذ يفصلني عن الآخر فاصل كذلك الذي يُكوِّن علاقة الآخر بي، وهذا الفاصل لا هو الثنائية، كلا ولا هو الوحدة، بل هو هذا الصدع — هذه العلاقة بالآخر — الذي نتجاسر على وصفه بأنه مقاطعة الوجود، الأمر الذي يعني الآتي: بين شخص وشخص يوجد فاصل، لا هو وجود، كلا ولا هو غير وجود، يدعمه اختلاف الكلمة، وهو اختلاف يسبق كل شيء مختلف وكل شيء فريد» (L’entretien infini, p. 99).
إن نتيجةَ التفكير في علاقة التعدي بما هي لغة، واللغة بما هي شرط العلاقة بالآخر، شبيهةٌ بتحويل الحد الفاصل بين الدازاين والوجود واللغة عند هيدجر؛ فالآخر لم يَعُد يُسمِّي أيًّا من المتحاورَين. إنه يُسمِّي العلاقة نفسها بوصفها مبدأ القرب في الانفصال، والاقتراب بما هو بُعد، والمعية من دون علاقة. «فما من شيء سوى العلاقة عينها، حيث تتطلب علاقة شخص بآخر اللاتناهي» (L’entretien infini, p. 105). وبمزيد من التحديد: «الآخر هو — أولًا — علاقة عدم إمكان الوصول إلى الآخر، وفي الوقت نفسه — ثانيًا — الآخر هو الذي أنشأ علاقة عدم إمكان الوصول هذه، وثالثًا حضور الآخر غير الموصول إليه — الشخص من دون أفق — يجعل من نفسه وَصْلةً ووصولًا في عدم إمكان الوصول نفسه إلى قربه» (L’entretien infini, p. 105).٥١
ويؤدي النظر في حركة التعلق بالحوار، في حد ذاتها، إلى التفكير في أن «الشخص الآخر ليس، في حقيقة أمره، الكلمة التي يرغب المرء في الإبقاء عليها» (L’entretien infini, p. 99). ولأن اللغة بوصفها أفقَ قُربٍ في انفصال بين المتحاورَين، يفضل بلانشو كلمة المحايد، ويحرص على عزلها عن تصور التحييد الذي يعني اختزالًا إلى الشيء نفسه، وهو موضوع نقد متكرر عند ليفيناس. يحدد المحايد اللغة في حالة اللاتبادل بين طرفين أو أكثر. فلا توجد معادلة بين أنا وآخر: «لا يُبطِل المحايد لانهائية العلامة المزدوِجة، كلا ولا يحيِّدها، بل يحافظ عليها بطريقة اللغز» (L’entretien infini, p. 101).

في كتابه «خطوة أبعد» (١٩٧٣م)، يتأمل بلانشو فيما يفيد بوجود علامة مكتوبة باللغة الصينية تعني بالتناوب إما «شخصًا» أو «اثنين»، الأمر الذي يؤكد الحوارية التي لا يمكن فصلها عن الإنسان، فهو دائمًا نفسه والآخر في آنٍ. وبرغم ذلك، يستمر تأمل بلانشو على النحو الآتي:

«ولكن من الأقل سهولة، بل الأهم، التفكير في «الشخص» — بمعنى «اثنين» — بوصفه تفككًا يفتقر إلى الوحدة، قفزة من «يا» إلى الثنائية. ومن ثَم، يقدم الضمير أنا نفسَه بوصفه تبادلًا في الأداء وحالة من البَيْنية» (Le pas au delà, p. 57).
وإذا كان ليفيناس يتجنب شكل الحوار، فإن إثبات بلانشو له وتأكيده بوصفه متنًا معتبرًا ﻟ سرده يشير إلى تباين بين مفكري التغاير heteronomy. إن ضرورة التفكير في علاقة اللغة نفسها بطريقة ترفض تصور ليفيناس عن الغير المتحرر من العلاقة والرابطة لَهو أمر يؤكد العلاقةَ نفسَها بوصفها تفككًا. وهو ما «يتجاوز نفسَه» دائمًا فيما سيدعوه دريدا حركة منطق الإكمال.٥٢ فهو ليس الغير في الآخرية المتعالية على العلاقة.
ومن ثَم، تُعاد عند بلانشو كتابة تصور ليفيناس للغة على أنها علاقة بالتعالي من منظور مجال يسميه بلانشو — في موضع آخر — «الكتابة» أو «فضاء الأدب». وثمة، هنا، أيضًا صلاحية ضمنية لوصف ليفيناس للآخر من منظور التعالي المحض.٥٣ وعلى النقيض من ذلك، المحايد هو «علاقة من دون علاقة» (L’entretien infini, p. 104):
«لا يترك الآخرُ نفسَه للتفكير فيه إما من منظور التعالي أو من منظور المحايثة. وهي تجربة يجب على أحدنا ألا يقنع معها بالقول إن اللغة لا تعبر إلا عنها أو تعكسها، نظرًا إلى أنها لا تنشأ إلا في فضاء اللغة وزمنها» (L’entretien infini, p. 101).
وفي مقالة حديثة عن تكريم ليفيناس، يُعقِّب بلانشو على فكر ليفيناس بتعليق تدميري نوعًا ما، ألا وهو: «لعل كل ذلك يكون هدية الأدب» (Face to Face, p. 49). ويلاحظ المرء أيضًا، ببعض التهكم من قراءة ليفيناس، المتمركزة حول الأنا نوعًا ما، لكتاب «الانتظار النسيان» أن موقف المتحاورَين في ذلك السرد يتوافق بشكل جد وثيق مع وصف قدمه ليفيناس من قبل لطريقة تجسيد الزمن في رواية:
«ليست الرواية … طريقة لإعادة إنتاج الزمن؛ فهي تنطوي على زمنها الخاص. الرواية طريقة فريدة لتزمين الزمن … والشخصيات في الرواية موجودات خرساء مسجونة. لا يصل تاريخها إلى نهاية، بل يظل مستمرًّا، ولكنه لا يتحرك إلى الأمام. الرواية تحبس الموجودات في الحظ والنصيب لا في الحرية» (Reality and its Shadow, Collected Philosophical Papers, p. 10).
في ضوء هذا الوصف، يمكن بخفة تقديم تفسير ظريف لكتاب «الانتظار النسيان» مُؤَدَّاه قلْب البعد الأخلاقي عند ليفيناس ونقضه لا تأكيده أو إثباته. إذ يمكننا أن نقرأه بوصفه نصًّا تنحدر فيه الشخصيتان، في رهابهما من الأماكن المغلقة، إلى طريقة الوجود الثابتة أو المشلولة التي تميز الشخصيات في رواية. وبرغم ذلك، يتردد ليفيناس بين قراءة السرد بوصفه حكاية رمزية ومطابقة الأدبي البسيطة ﺑ القول.٥٤
وفي موضع آخر من كتاب «محاورة لا تنتهي»، يستأنف بلانشو تركيز ليفيناس على الكلمة المنطوقة بوصفها حركة نحو التعالي، على حين أن هذه الحركة في اللغة توجد، حقًّا، بدرجة أعلى في الكتابة   (L’entretien infini, p. 82). والحق إن أحدنا لو عاد إلى السرد فسيجد أن علاقة المتحاورَين هي علاقة بالكتابة؛ فالمرأة تُمْلي على الرجل، وهي أيضًا تكتب عن وصفه. وإن عدم قابلية القياس في اللغة — الظاهر أيضًا في الحوار المنطوق — يتكثف في الفصل بين ما يُقال (ما تقوله المرأة) وبين ما يُكتَب (ما يكتبه الرجل)، حتى وإن تكررت الكلمات «نفسها».
حين يقرأ ليفيناس «الانتظار النسيان» بوصفه أداءً لفكره، يميل إلى التغافل عن الأمر الأهم فيه، ألا وهو أنه سرد. وشأن تلك النصوص التي كتبها بلانشو حول السرد بوجه عام (عوليس والسيرينيات، أورفيوس ويوريدكي)، يأتي كتاب «الانتظار النسيان» بوصفه لقاءً. فبالمثل، يوجد الكتاب بوصفه لقاءً «يشير» إليه السرد، فلا يستمد وجوده إلا من كونه مسرودًا. ويتجلى ذلك في الطريقة التي يَحرِف بها النص — المقسَّم إلى أجزاء منفصلة من التسلسل الزمني غير المؤكد — الزمنَ السردي عن طريق سلسلة تكرارات تأخذ شكل الاقتباس عن أجزاء أخرى في النص سواء أكانت «سابقة» أم «لاحقة». والتأثير الناتج هو أن الحدث المسرود (أو السرد بوصفه حدثًا) يمضي ويأتي في آنٍ، متقدمًا باستمرار على هذا النحو «المؤجَّل».
وعلى هذا، يصعب قراءة «الانتظار النسيان» بوصفه مجرد أداء لأي نوع من الفكر، بما في ذلك فكر ليفيناس. فالانتظار نفسه لا يجري تمثيله. ليس الانتظار سوى حركة السرد وهو يلتفت باستمرار إلى انعطاف لغته على نفسها. الانتظار هو نظام اللغة التي فيها تكون حركة العلاقة محجوبة باستمرار، وبالضرورة، في اللغة التي تتوسل بها العلاقة. وفي المقابل، لا تنفصل «الأصوات الشارحة» التي تنشأ من الحوار للتعليق عليه انفصالًا كاملًا عن الأصوات «في» الحوار ولا عن نفسها. الانتظار بوصفه حركة تفكك ذاتي في اللغة هو، على نحو أصيل، حجاب نفسه في التعليق الذاتي. وهذا المنطق من التفكك الذاتي نفسه ينطبق أيضًا على مكان الانتظار. فالأصوات الشارحة تسأل:
«أين ينتظران؟ هنا أم بعيدًا عن هنا؟» — «تمسكهما «هنا» بعيدًا عن هنا» — «في المكان الذي يتحدثان فيه أم في المكان الذي يتحدثان عنه؟» — «وقوة الانتظار باستنادها إلى حقيقته تقود المرء أينما ينتظر إلى مكان الانتظار» (p. 140).
هكذا، يرتبط تصور بلانشو ﻟ الانتظار (بوصفه نسيانًا) بكل من هيدجر وليفيناس، بطريقة مماثلة.
يفكر بلانشو عبر تصور هيدجر ﻟ الانتظار في اللغة على نحو يجعله حركة لازمة غير متعدية، فيقاطع نفسَه دومًا ويقاطع طريقتَه في استئناف نفسه، وزمانيتَه المنحرفة، وفي ذلك شهادة لا على فينومينولوجيةِ «النطاقِ» region أو الوجود being المراوِغة عند هيدجر، بل على ماضٍ مطلق: القرب بوصفه بُعدًا، والانتظار بوصفه نسيانًا.
وبنظام من الفكر مماثل، أعني التفكير من خلال طبيعة العلاقة من دون تصور سابق عن الروابط أو الصلات، يمضي بلانشو أبعد من ليفيناس في الاشتغال عبر ديناميات اللغة بوصفها تغايُرًا، وفي الوقت نفسه يصادق على معظم تفسير ليفيناس لهيدجر. وبينما يصادق بلانشو على قول ليفيناس إن الغير لا يمكن التفكير فيه، بوجه عام، إلا على أساس تجربة الشخص الآخر وحدها، نجد أن تصور بلانشو عن المحايد — بوصفه شرطًا إشكاليًّا لأي علاقة بالغير (L’entretien infini, p. 103) — ينزع عن الآخر شكل التعالي المحتفَظ به في فكر ليفيناس. المحايد: لا هيدجر، كلا ولا ليفيناس.
١  يقول إيمانويل ليفيناس: «قبل كل شيء هناك هيدجر، هيدجر في طوره الأخير». Sur Maurice Blanchot (Paris: Fata Morgana, 1975), p. 11.
٢  ode: الأَوْد، قصيدة غنائية تمتزج فيها عاطفة الشاعر بتأملاته في أمور الحياة. والكلمة إغريقية الأصل، كانت تعني الأنشودة التي كانت تؤديها الجوقة جزءًا من الدراما. (المترجم)
٣  انظر قراءة أنجيلا ليتون Angela Leighton للقصيدة الغنائية ضمن هذه الحدود: Shelley and the Sublime: An Interpretation of the Major Poems (Cambridge: Cambridge University Press, 1984), pp. 101ff.
٤  See Blanchot, “The Space of Literature”, pp. 211–20.
٥  انظر مناقشة بلانشو المعارضة للهيمنة التي لا تزال تتمتع بها فكرة الإبداع أو الخلق على أفكارنا عن الفن: L’entretien infini, pp. 589-90.
٦  Levinas, “Sur Maurice Blanchot”, p. 19.
٧  See Derrida, “Of Grammatology”, pp. 20–2.
٨  Phenomenology of Spirit, trans. A. V. Miller (Oxford: Oxford University Press, 1977). See Andrej Warminski, “Dreadful Reading: Blanchot on Hegel,” Yale French Studies, 69 (1985), pp. 267–75.
٩  Ibid., p. 60.
١٠  Ibid.
١١  Ibid.
١٢  Ibid., 61.
١٣  Ibid., 62.
١٤  Derrida, “Edmund Husserl’s Origin of Geometry: An Introduction”, trans. J. P. Leavy (Stony Brook, N.Y.: Nicolas Hays, 1978).
١٥  Staten, “Wittgenstein and Derrida” (Oxford: Blackwell, 1985), p. 49.
١٦  See Blanchot on Bataille, L’entretien infini, pp. 300–22; also Mark C. Taylor, Altarity (Chicago, Ill.: University of Chicago Press, 1987), pp. 219–53.
١٧  «أنْ تكتب يعني معرفة أن الموت يقع حتى وإن لم تجربه»، The Writing of the Disaster, trans. Ann Smock (Lincoln, Nebr., and London: University of Nebraska Press, 1986), p. 66. See also L’entretien infini, pp. 48–50.
١٨  See, for example, “The Narrative Voice or the Impersonal He,” The Siren’s Song, pp. 213–24.
١٩  من بين مقالات بلانشو المخصصة لمالارمه المقالات الآتية: “Le mythe de Mallarmé, La part du feu, pp. 35–48; “Mallarmé and Literary Space,” The Siren’s Song, pp. 110–20; “Mallarmé’s Experience,” The Space Literarture, pp. 108–19.
٢٠  بخصوص مناقشة دريدا لتصور مالارمه الجذري عن الأدبي، انظر: Rodolphe Gasché, “The Tain of the Mirror: Derrida and the Philosophy of Reflection” (Cambridge, Mass. And London: Harvard University Press, 1986), pp. 257-8.
٢١  للاطلاع على إيضاح مفيد، انظر: P. Adams Sitney, “The Terror of the Text,” afterword to Blanchot, The Gaze of Orpheus: and Other Literary Essays, ed. P. Adams Siteny, trans. Lydia Davis (Barrytown, N.Y.: Station Hill Press, 1981), pp. 180-1.
٢٢  For Sartre on imagination, see Eugene F. Kaelin, An Existentialist Aesthetic: The Theories of Sartre and Merleau-Ponty (Madison, Wis.: University of Wisconsin Press, 1962), pp. 19–33. For some differences between Sartre and Blanchot, see Francoise Collin, Maurice Blanchot et la question de l’écriture (Paris: Editions Gallimard, 1971), pp. 168–70.
٢٣  See Collin’s discussion of this question in Maurice Blanchot et la question de l’écriture, pp. 190–221.
٢٤  بشأن التغير القوي في عمل بلانشو أوائل خمسينيات القرن العشرين، انظر: Joseph Libertson, Proximity: Levinas, Blanchot, Bataille and Communication (The Hague: Martinus Nijhoff, 1982), p. 241.
٢٥  Joseph J. Kockelmans, Heidegger on Art and Art Works (Dordrecht: Martinus Nijhoff, 1985), p. 134.
٢٦  Blanchot, “The Unavowable Community,” trans. Pierre Joris (Barrytown, N.Y.: Station Hill Press, 1988), p. 56.
٢٧  See L’entretien infini, p. 254.
٢٨  Peter Dayan, Mallarmé’s “Divine Transposition:” Real and Apparent Sources of Literary Value (Oxford: Clarendon Press, 1986), p. 43.
٢٩  See Francoise Collins, “Maurice Blanchot et la question de l’écriture”, p. 180.
٣٠  يبدو أن ثمة تجربة مشتركة عند الشعراء، إذ يتضمن تأليف قصيدة معنى فريدًا وخاصًّا للمكان والزمن. فالتأليف ليس نشاطًا إيجابيًّا كله (فثمة جانب يُعرَف تقليديًّا بأنه «إلهام»)، كلا ولا هو سلبي كله (فالشاعر ليس آلة). وبدلًا من ذلك، ثمة نوع من الصوت الوسط يحكم التفاعل بين العالَم واللغة والكاتب. يقول توملينسون: «الإيقاع — على النحو المجرَّب في فعل الكتابة — يدل على خلق استمرارية أو ديمومة، فضاء خيالي توجد فيه الكلمات والذكريات، الموهوب والممكن المجرَّبان معًا يقف أحدهما في مقابل الآخر، برغم تقاطع مساراتهما باستمرار. وبينما يهتم العقل بنبض القصيدة المتنامي، يبدو الأمر كما لو أنه يدخل إلى هذا الفضاء المبتدع ويشارك فيه، فضاء محتشد بدعوات الحركة والصوت، ويبدو في الوقت نفسه منظرًا طبيعيًّا وموسيقيًّا، ولعله موسيقي أكثر منه منظرًا طبيعيًّا». Quoted from Kathleen O’Gorman, “Space, Time and Ritual in Tomlinson’s Poetry,” in Charles Tomlinson: Man and Writer, ed. Kathleen O’Gorman (Columbia, Mo.: University of Missouri Press, 1988), p. 95.
٣١  See Steven Shaviro’s study, “Passion and Excess: Blanchot, Bataille and Literary Theory” (Tallahassee, Fla.: Florida State University Press, 1990).
ولا يتجنب كتاب شافيرو، دائمًا، مزالق بعينها أثناء مناقشة التأثيري والوجداني في كتابة بلانشو، أعني على وجه التحديد إعادة تأكيد أفكار مثل فقدان الذات في الشغف، تبدو قريبة على نحو خطر من إكليشيهات رومانسية متأخرة (بحيث يُقرَأ بلانشو كما يتصوره شافيرو مثل دي إتش لورانس D. H. Lawrence في حالته الأخف).
٣٢  للاطلاع على بيان ممتاز لذلك، انظر: Christopher Fynsk, “Heidegger: Thought and History” (Ithaca, N.Y. and London: Cornell University Press, 1986), pp. 137–9.
٣٣  Emmanuel Levinas, “Reality and its Shadow,” in Collected Philosophical Papers, trans. Alphonso Lingis (Dordrecht: Martinus Nijhoff, 1987), pp. 1–13.
٣٤  Blanchot, “Traces,” Nouvelle Revue Francaise 129 (September 1963), pp. 472–80.
٣٥  للاطلاع على شرح للزمنية الخاصة في كتاب «الانتظار النسيان»، انظر: Derrida, Pas, pp. 27–32.
٣٦  Martin Heidegger Zum Siebstigen Geburlstag Festschrift, ed. Günther Neske (Pfullingen: Neske, 1959).
٣٧  See Libertson, Proximity, pp. 195–201.
٣٨  قارِن أيضًا ﺑ: Derrida, “Interpreting Signatures (Nietzsche/Heidegger): Tow Question,” Philosophy and Literature, 10 (1986), pp. 246–62: «منذ أرسطو، وعلى الأقل حتى برجسون، تفترض الميتافيزيقا، ويتواتر فيها، أن التفكير والقول يجب أن يَعنيا التفكيرَ في شيء واحد وقولَه، في شأن واحد وقوله» (p. 257).
٣٩  “Hölderlin and the Essence of Poetry” (1986) in Existence and Being, ed. Werner Brock (London: Vision Press, 1949), pp. 293–315, 301.
٤٠  See Livenas, Totality and Infinity, pp. 64–70.
٤١  للاطلاع على ملخص عن الاختلافات بين هيدجر وبلانشو، انظر: Collins, Maurice Blanchot et la question de l’écriture, pp. 72–7, 186, 199.
٤٢  للاطلاع على قراءة ليفيناس لهيدجر وردِّ دريدا على هذه القراءة، انظر: David Boothroyd, “Responding to Levinas,” in The Provocation of Livenas: Rethinking the Other, ed. Robert Bernasconi and David Wood (London: Routledge, 1988), pp. 15–31.
٤٣  بخصوص مناقشة ممتازة لثنائية ليفيناس القول والمقول، انظر: Jan de Greef, “Skepticism and Reason,” in Face to Face with Levinas, ed. Richard A. Cohen (Albany, N.Y.: State University of New York Press, 1986), pp. 159–79.
٤٤  «إن وجهًا لوجه هي علاقة نهائية وغير قابلة للاختزال، ولا يمكن لأي مفهوم أن يغطيها من دون المفكر الذي يعتقد أن ذلك المفهوم يجد نفسَه على الفور أمام متحدث جديد؛ فهي تجعل التعددية في المجتمع ممكنة» Totality and Infinity, p. 291.
٤٥  See Totality and Infinity, pp. 51, 69, 71, 98; Otherwise than Being or Beyond Essence, pp. 25, 119.
٤٦  See Otherwise than Being or Beyond Essence, pp. 38–43.
٤٧  يتواتر مفهوم «المقاطعة» interruption في تلك المناقشات المتعلقة بإمكانات جديدة في الحوار، ليسمي إحداث التشقق والانقطاع في اللغة المفهومة على أنها تمثيلية وتواصلية … إلخ، ومن هنا، حركة المقاطعة الذاتية المتواترة في كتاب «الانتظار النسيان»، انظر: (L’entretien infini, pp. 99, 106–12).
٤٨  See Le pas (1975), pp. 19–116, esp., pp. 21–32.
٤٩  See ibid., pp. 90–2.
٥٠  In Collected Philosophical Papers, pp. 61–73.
٥١  قارِن Le pas, pp. 14-15: «من الصعب تصور العلاقة بيني وبين الآخر (علاقة قد يرتبط بها المحايد) بسبب حالة الآخر؛ بوصفه أحيانًا (وفي الوقت نفسه برغم ذلك) الآخر بما هو نهاية العلاقة، وفي أحيانٍ أخرى (ومرة أخرى أيضًا: في الوقت نفسه برغم ذلك) هو الآخر بوصفه علاقة بلا نهاية، بديل يتجدد على الدوام.»
٥٢  للاطلاع على منطق «الإكمال»، انظر: Derrida, Of Grammatology, pp. 144–52.
٥٣  يمكن قراءة كتاب «الانتظار النسيان» و«الكلمة المتعددة» من خلال ربطهما بقراءة دريدا التفكيكية لليفيناس في مقاله «العنف والميتافيزيقا» “Violence and Metaphysics” (1964) (Writing and Difference, pp. 79–153). وقد جرت مناقشة هذا المقال كثيرًا، ولكن تبرُز سمتان حين نضعه إلى جوار بلانشو. يذهب دريدا إلى أن ليفيناس يخطئ في دمج هيدجر بفلسفة كلية: ليس الوجود سوى الموجود أو الكائن، ومن ثَم لا يمكن أن يستوعبه أو يمحوه. والأكثر من هذا أن التفكير في الوجود هو شرط التفكير في أي اختلاف، بما في ذلك اختلاف أنا/الآخر.
وعلى فرض أن بلانشو، ومن بعده دريدا، يتقبلان مساءلة ليفيناس لاستعمال هيدجر مفاهيم الوحدة والهُوية في وصفه الوجود، فمن الممكن الانتهاء إلى الحجة محل النظر في كتاب «الانتظار النسيان» وقسم «الكلمة المتعددة»: فأولًا، الوجود في حركة اللغة المتعالية متكثرٌ وفريدٌ ويختلف عن نفسه، وثانيًا هذه الكلمة المتعددة تتيح إمكان آخرية الآخر حتى لو كان هذا الآخر هو نفسه الشرط الوحيد لكفاءة الكلمة المتعددة وفاعليتها. وتلك هي — مرة أخرى — مسألة الزمنية المنحرفة التي من خلالها «لا يدع الآخر نفسَه للتفكير سواء من منظور التعالي أو المحايثة» (L’entretien infini, p. 61)، والتي من خلالها يحدد الآخر العلاقة بالغير (المتعذر بلوغه)، والغيرِ الذي تجعله هذه العلاقةُ ممكنًا متاحًا، بوصفه ما لا يمكن بلوغه، ودائمًا ما يُعاد تأكيده (See Ibid., p. 105).
للاطلاع على كلام دريدا عن ليفيناس، انظر: David Boothroyd, “Responding to Levinas,” in The Provocation of Levinas, pp. 15–31; John Llewelyn, “Levinas, Derrida and Other vis-à-vis,” in ibid., pp. 136–55; Robert Bernasconi, “Levinas and Derrida: The Question of the Closure of Metaphysics,” in Face to Face, pp. 181–202.
٥٤  لاحِظ، مثلًا، التعميم غير المدعوم الذي مُفاده أن كل الأدب شكل من المغايرة لا يكتفي بنفسه (p. 39). ويلاحظ بلانشو أن «ليفيناس ينظر بعين الريبة إلى القصائد والنشاط الشعري عمومًا» (L’entretien infini, p. 76).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤