• نداء الحقيقة: مع ثلاثة نصوص عن الحقيقة لهيدجر

    «حديثُنا عن ماهيَّةِ الحقيقة، والسؤالُ عن ماهيَّةِ الحقيقةِ لا يَهتمُّ بأنْ تكونَ الحقيقةُ هي حقيقةَ التجربةِ العمَليةِ في الحياةِ أو تدبيرِ الشئونِ الاقتصادية ... ولا يَعنيهِ بوجهٍ خاصٍّ أن تكونَ هي حقيقةَ البحثِ العلميِّ أو الخلقِ الفني، بل ولا أنْ تكونَ هي حقيقةَ تأمُّلٍ فكريٍّ أو عقيدةٍ دينيةٍ ذاتِ مناسكَ وطقوس. إنَّ السؤالَ عن الماهيةِ يَصرفُ النظرَ عن هذهِ الأمورِ جميعًا ويُوجِّهُ بصرَهُ إلى أمرٍ واحد، وهو ذلكَ الذي يُميِّزُ الحقيقةَ من حيثُ هيَ حقيقة.»

    ليسَ من عملٍ أشقَّ على النَّفسِ من قراءةِ «هيدجر»، ذلكَ الفيلسوفِ العِملاق، الذي قلَبَ طبيعةَ التَّفكيرِ الفلسفيِّ منذُ «أفلاطونَ» رأسًا على عَقِب، واستولَتْ نُصوصُه على عقولِ الفلاسفةِ من بعدِه، واستشرَت صراحةً وضِمنًا بينَ جَنَباتِ فلسفاتِهم، إلى الحدِّ الذي دفعَ الفيلسوفَ الأمريكيَّ المعاصِرَ «ريتشارد رورتي» إلى وصْفِها بأنَّها ﮐ «السرطان» تَستحوذُ تمامًا عليكَ فلا تَعودُ قادرًا على الإفلاتِ منها. وهذه الثورةُ الفلسفيةُ لم تُكتَبْ بلغةٍ عادية، وإنما كُتِبتْ بلغةٍ صوفيةٍ عَصِيةٍ ومُلغِزة، ما يجعلُ الإقدامَ على ترجمتِها مُغامرةً غيرَ مأمونةِ العواقِب، لكنَّ تصدِّيَ الدكتور «عبد الغفار مكاوي» لهذهِ المهمةِ حوَّلَها إلى ضيافةٍ عربيةٍ كريمةٍ لحَضْرةِ هذا الفيلسوف، ومُؤانَسةٍ لنصوصِه الغريبة، خصوصًا بعدَ أن مهَّدَ لها تمهيدًا.

  • ملحمة جلجاميش

    «هُوَ الذِي رَأى كُلَّ شَيءٍ فِي تُخومِ البِلاد،
    عَرَفَ البِحار، وأَحاطَ عِلمًا بكلِّ شَيء،
    كَمَا نَفذَ بِبصَرِه إِلى أَشدِّ الأسرارِ غُموضًا،
    امتَلكَ الحِكمَةَ والمَعرِفةَ بجَميعِ الأَشيَاء،
    واطَّلعَ كَذلِكَ عَلى المَكنُون، وكَشفَ عَنِ الأُمورِ الخَافِية.»

    حَفَلَ التَّارِيخُ الإِنْسانِيُّ بِعَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ الأَساطِيرِ التِي ذَاعَتْ شُهرَتُها وارتَبطَتْ بِتَطوُّرِ تَارِيخِ البَشَريَّة، ومِن أَشهَرِ هَذِهِ الأسَاطِيرِ مَلحَمةُ «جلجاميش»، التِي تُعَدُّ إِحدَى أَقدَمِ المَلاحِمِ عَلَى الإِطلَاق، وأَكبَرَها حَجمًا، وأَجمَلَها صِياغَة، وتُوصَفُ أَيضًا بِأنَّها لا نَظِيرَ لَها فِي أيِّ لُغةٍ قَدِيمة. تَتَكوَّنُ المَلحَمةُ مِنَ اثنَتَيْ عَشْرَةَ لَوحَة، بِكُلِّ لَوحَةٍ حَوالَيْ ثَلاثِمِائةِ سَطر. وقَدِ تَجاوَزَ تَأثِيرُ المَلحَمةِ حُدُودَها الزَّمنِيةَ والمَكانِية؛ فَصَدَاها واضِحٌ فِي سِفرِ التَّكوِين، وإذَا تَتَبَّعنا أَبطالَ هوميروس فِي الإِلياذَةِ والأُودِيسةِ فسَنَجِدُ الكَثِيرَ مِنَ التَّشابُهِ مَعَ أَبطَالِ جلجاميش، وكَذَلِكَ نَرَى صُوَرًا مِنهَا فِي أَدَبِ شُعُوبِ البَحرِ المُتوسِّط. وإِجمَالًا، فإنَّ هَذهِ المَلحَمةَ تُعَدُّ رَصْدًا واقِعيًّا لِلمُجتَمَعِ البَابِليِّ خِلالَ الفَتْرةِ التِي دُوِّنَتْ فِيهَا (حَوالَيْ عامِ ١٢٠٠ق.م)؛ إِذْ يَتَجَلَّى فِيهَا طُغيانُ الحَاكِم، وصُورةُ القَلَقِ الإِنسَانِي، وَالبَحثُ عَنِ المَعرِفَة، وَسِرُّ الحَياةِ والمَوْت.

  • دعوة للفلسفة: كتاب مفقود لأرسطو

    «إنَّ التأمُّلَ والمعرفةَ جديرانِ بأنْ يَسعى إليهِما الإنسان؛ إذ بغَيرِهما يَستحيلُ على المَرءِ أنْ يَحيا الحياةَ التي تَليقُ بإنسانيتِه.»

    في هذا الكتاب، يدعو أرسطُو الشبابَ الأثينيَّ إلى السَّيرِ في دُروبِ الفِكرِ معَه، فناقَشَ قَضايا الفضيلةِ والخَيرِ والسَّعادةِ وعلاقتَها بقيمةِ المَعرفةِ وغاياتِ الحياةِ الإنسانية. وعلى الرغمِ مِنْ أنَّ كتابَهُ هذا يُعدُّ مِن المُحاوَراتِ المَفقودةِ الَّتي لمْ يَبقَ مِنها سوى شذراتٍ مُتفرِّقة، فإنَّ مُحتواهُ القليلَ يُعطينا فكرةً طيبةً عنْ تفكيرِ أرسطُو في فترةِ شَبابِه. وقدْ أجادَ الدُّكتور «عبد الغفار مكاوي» في تَعريبِ النصِّ والتعليقِ عليهِ وَفقًا لما عوَّدَنا عليهِ مِن أُسلوبٍ بَسيطِ العِبارة، عميقِ التَّحليل.

  • المنقذ: قراءة لقلب أفلاطون (مع النص الكامل للرسالة السابعة)

    «يَبدُو أنَّ حُلمَ «المُنقِذِ» قَدِيمٌ قِدمَ البَشَريَّةِ نَفسِها، وأنَّهُ كَانَ يُراوِدُ النُّفوسَ المُرهَفةَ فِي فَتَراتِ التَّأزُّمِ والظَّلَام، يُمكِنُ أنْ نَلمحَ طَيفَهُ فِي مَلْحمَةِ جِلجامِيش، فِي صَرَخاتِ حَدِيثِ المُتعَبِ مِنَ الحَياةِ إِلى نَفسِه، ونُذُرِ إِيبُور، وشَكوَى الفَلَّاحِ الفَصِيحِ أَثناءَ انهِيارِ الدَّولةِ الوُسطَى فِي مِصرَ القَدِيمَة.»

    يَغُوصُ بِنَا مكاوي فِي أَعمَاقِ فَلسفَةِ أفلاطون، لِيُفنِّدَ مَا كَتَبهُ فِي مَدِينَتِه المِثَالِيةِ فِي كِتَابَيهِ «الجُمهُورِيَّة» و«القَوَانِين»، الَّلذَينِ ظَهَرَ فِيهِما تَأثُّرُهُ بِالتَّنظِيمِ الِإسبَرطِيِّ عِندَ تَصَوُّرِها، ويَعتَقِدُ المُؤلِّفُ أنَّ أفلاطون أَوَّلُ مَن قَدَّمَ «يُوتُوبيَا» شَامِلةً ومُفصَّلةً رَجعَ إِليْهَا كُلُّ مَن كَتَبَ مِن بَعدِه، كَمَا تُعَدُّ فَلسَفتُهُ حَقلًا لَا يَنتَهِي لِلبَحث. ويَختِمُ مكاوي دِراسَتَهُ بالرِّسَالةِ السَّابِعةِ لأفلاطون التِي كَانَتْ مُوَجَّهةً إِلَى حُلَفَاءِ صديقِهِ «ديون»، والتِي كَانَتْ أَحدَ الأَسْبابِ وَراءَ اغتِيالِه، وبَيَّنَ أفلاطون دَوْرَهُ فِي هَذهِ الحَادِثَة، كَمَا تَرجَمَ فِيهَا لِلمِحَنِ التِي وَاجَهتْهُ فِي رِحلتَيْهِ إِلى العَاصِمةِ الصِّقِلِّيَّةِ أَثْناءَ دَعوَتِهِ لِدَولَتِهِ المِثالِيَّة.

  • من قتل الطفل؟

    «حانَ أَوانُ صُدورِ الحُكْم، تَجَمَّعَ كلُّ النَّاس،
    نَظَروا فِي وَجْهِ الشَّيخِ وعَينَيه، وكَتَمُوا الأَنفَاس.
    العَدْلُ أَساسُ المُلْك، وَلَا يُبنَى المُلْكُ بِغَيرِ أَسَاس،
    وقَرِيبًا يَصْدُرُ حُكْمُ العَدْلِ فيُفصَلُ جَسَدٌ عَن رَاس.
    سنُشاهِدُ قِصَّةَ مَلِكٍ فِيها العِبْرةُ والإِينَاس،
    مَلِكٍ مَحْزونٍ وحَكِيمٍ مِنْ زَمَنٍ مَاض،
    زَمَنٍ قاس.»

    ما بَيْنَ الفِكْرِ والأَدَبِ يُطِلُّ عَلَينَا المُفكِّرُ الكَبِيرُ عبد الغفار مكاوي؛ فبَينَما يَعكُفُ المُؤلِّفُ عَلى تَقدِيمِ الفَلسَفةِ الغَربِيَّة، وتَشْرِيحِ نُصُوصِها، ونَقْدِ أُصُولِها، نَراهُ فِي هَذَا الكِتابِ أَدِيبًا مَسرَحِيًّا فِي مَسرَحِيَّتَي «مَنْ قَتَلَ الطِّفْل؟» و«المَرْحُوم»، يَسْتمِدُّ فَحْواهُما مِن نُصوصِ التُّراثِ القَدِيمِ ما بَيْنَ الشَّرقِ والغَربِ الرُّومانِي؛ فمِنْ تُراثِ اليَمَنِ استَلهَمَ المُؤلِّفُ رِوايَتَهُ الأُولَى مُعتَمِدًا عَلى قِصَّةِ «حِكَم الفِراسَة»، ليَتَعرَّفَ عَلى القَاتِلِ الحَقِيقيِّ لِلطِّفْل هَلْ هُوَ الأُمُّ أَمْ ضَرَّتُها. بَيْنَما تَعُودُ جُذُورُ قِصَّةِ «المَرْحُوم» إِلَى التُّراثِ الرُّومانِي، وبالتَّحدِيدِ قِصَّةُ «ساتيريكون» للكَاتِبِ بترونيوس، وفِيها يَصْحَبُنا مكاوي فِي رِحْلةِ الخُلُودِ مَعَ المُتَوَفَّى، إمَّا فِي الجَحِيمِ أَو فِي النَّعِيم.

  • السيد بونتيلا وتابعه ماتي

    «كمْ يتمنَّى پونتيلا‎ أنْ يقطعَ معكمُ الغابَ ويُنقِّيَ الحقولَ مِنَ الأحجارِ ويقودَ الجرَّارَ بنفسِه، ولكنْ هل يتركونه يفعلُ ذلك؟ لقد وَضعوا منذُ البدايةِ حولَ رقبتي ياقةً غليظة، أَكلتْ ذقني مرتَين. لا يليقُ ببابا أنْ يحرث، لا يليقُ ببابا أنْ يغمزَ البنات، لا يليقُ ببابا أنْ يشربَ القهوةَ مع العُمَّال! أمَّا الآنَ فلم يَعُدْ يليقُ ببابا ألَّا يليقَ به شيء.»

    في عصورِ الإقطاعِ زادتِ الفوارقُ بينَ الطبقاتِ واستقرَّ التمييزُ داخلَ العقول، ولم يكنْ أحدٌ يتوقَّعُ أنْ يكونَ للخمرِ دورٌ في إذابةِ هذهِ الفوارقِ إلا بعدَ أنْ شُوهِدَ السيدُ پونتيلا ثَمِلًا؛ فكأنَّ الخمرَ بالنسبةِ إليه غطاءٌ لِوعاءَيْن: العقلِ والقلب؛ فإنْ حَجبَتْ أحدَهما كَشفَتْ عمَّا يُخفيهِ الآخَر، وأَظهرَتْ جوهرَ الإنسانِ الحقيقيَّ المختبئَ خلفَ أستارِ المجتمعِ البالية؛ فخلْفَ الإقطاعيِّ المتوحشِ إنسانٌ نبيل، وأيضًا خلْفَ التابعِ المُطيعِ نجِدُ الناقدَ الموضوعيَّ صاحِبَ البصيرةِ النافذة. ومن ثَمَّ تظهرُ المُفارقاتُ في مواقفَ وأحداثٍ صِيغَتْ ببراعةٍ مِنَ المسرحيِّ الألمانيِّ الفذِّ «برتولد برشت» الذي قدَّمَ أدبًا مسرحيًّا شعبيًّا فريدًا مزجَ فيه بينَ البساطةِ والشاعريةِ والواقعية، مُستعينًا بالغناءِ والرمز، مُبتعدًا عن السطحيةِ والتوجيهِ المباشِر؛ مما أكسبَ مسرحيتَهُ شهرةً عالَمية.

  • مدرسة الحكمة

    «الكُلُّ يَصدُرُ عَنِ الواحِد، كَما أنَّ الواحِدَ يَصدُرُ عَنِ الكُل. كِلاهُما مُرتَبطٌ في تَجانُسٍ وانسِجامٍ مُتَبادَل، وكِلاهُما متَّفِقٌ ومُختلِفٌ في آنٍ واحِد … ولَن نَتبيَّنَ العَلاقَةَ بَينَهُما حتَّى نَفهَمَهُما فَهمًا ديالكْتِيكيًّا؛ أَعنِي في إِطارِ عَلاقَةِ التوتُّرِ القائِمةِ بَينَهُما.»

    يُقدِّمُ لَنا «عبد الغفار مكاوي» فِي هَذا الكِتاب قَبَسًا يَهتَدِي القارِئُ بنُورِه في ظُلُماتِ الطَّريقِ بَحثًا عَنِ الحِكمَة؛ ويضَعُ الفَلسَفَةَ فِي إِطارِها التَّارِيخيِّ مِن خِلالِ عَرضِ المُشكِلاتِ والأَسئلَةِ الَّتِي وقَفَتْ كَعَثراتٍ في عَصرِها، فانبَرَى الفَلاسِفَةُ كُلٌّ مِنهُم يُجِيبُ عَنها بمَنطِقِهِ الخاصِّ ويَصُوغُها بأُسلُوبِهِ لتُعبِّرَ كلُّ إِجابَةٍ عَن عَصرِها. غيرَ أنَّ العَرضَ التَّاريخيَّ للفَلسَفةِ لا يَصلُ بقارئِهِ إلى مَصافِّ الفَلاسِفَة؛ فالفَلسفةُ ليسَتْ مجرَّدَ إِجاباتٍ تُحفَظ؛ لذا إنْ أرَدتَ أَن تَتَفلسَفَ فَعلَيكَ خَوضُ تِلكَ التَّجرِبةِ الذاتِيَّةِ بنَفسِك. وقَدِ ارتَحَلَ بِنا المُؤلِّفُ إِلى «اليونان» مَنبَعِ الفَلسَفَة، وتَجوَّلَ في فِكرِ «بارمينيدز» و«هيراقليطيس» و«سقراط» و«أفلاطون» و«أفلوطين»، ومِنَ العُصورِ الوُسطَى انتقَى «بوئتيوس»، ومِنَ العَصرِ الحَديثِ «باسكال» و«نيتشه» و«هيدجر» و«ألبير كامي».

  • دموع البلياتشو: مجموعة قصصية تُنشر لأول مرة

    «كان قد شَرب فنجانَ القهوةِ حتى آخرِه، ويَئِس — كما يقولون — حتى الثُّمالةِ من تجميعِ أشلاءِ البلياتشو ولحمِها بالصمغ، فبقيَتْ مُتناثرةً أمامَهُ كأطلالِ بيتٍ مُنهار.»

    هذهِ المجموعةُ القصصيةُ، التي تُنشرُ لأولِ مرة، جمعَتْها الدكتورةُ «عطيات أبو السعود» من أوراقِ الدكتور «عبد الغفار مكاوي» الخاصة؛ لتَضعَها أمامَ القارئ، بعدَ أنْ رتبَتْها وقدَّمتْها بعنوانِ «دموع البلياتشو». وتحتوي المجموعةُ على ثلاثَ عشرةَ قصةً قصيرة، يغوصُ بعضُها في أعماقِ النَّفسِ لتُجلِّيَ ما خَفيَ بداخلِها؛ ويأخذُ البعضُ الآخرُ من حِكمِ الشرقِ ما يكفي لصناعةِ مَلحمةٍ من طرازٍ فريد. وفي قصةِ «دموع البلياتشو» يُحدثُنا الكاتبُ عن مرايا الإنسانِ الداخليةِ التي لا بدَّ أنْ يَرى فيها حقيقةَ نفسِه وغايتَها.

  • الحصان الأخضر يموت على شوارع الأسفلت

    «زفَرَ الحِصانُ زفرةً عالية، وأمالَ رأسَه على أرضِ الرصيف، وقال: لا يا ولَدي، لم يَعُدْ في العُمرِ بقيةٌ للمَجدِ والعزِّ والسُّلطان! ها أنا ذا أموتُ بعدَ اللفِّ في الشوارعِ وعذابِ السوطِ واللِّجام!»

    مجموعةٌ قصصيَّةٌ تَتوسَّطُها قصةُ «الحِصانُ الأخضرُ يموتُ على شوارعِ الأسفلت». في هذه القصةِ القصيرة، يَظلُّ الحِصانُ — ذلك الحيوانُ المُستأنَسُ القوي — حبيسَ مَهامِّه اليوميةِ الشاقَّة، يجرُّ عربتَه الثقيلة، ولا يعترضُ على وزنٍ زائد، أو ضربةٍ مُوجِعةٍ بين الحينِ والآخَر، إلى أن تأتيَ الساعةُ التي يَقعُ فيها مَغشيًّا عليهِ وكأنَّه عادَ لِتوِّه من معركةٍ من مَعارِكِ العُصورِ الوسطى. تَتجسَّدُ المُعاناةُ في هذا الحِصانِ الذي أَوْسعَه صاحِبُه ضربًا بعدَ سقوطِه في وسطَ الشارع، ويَجدُ في الْتِفافِ الناسِ حوْلَه لِمُشاهَدةِ ضرباتِ صاحِبِه وهي تَسقطُ فوق جسدِه، فرصةً لن تُعوَّضَ للبَوْحِ بِما كُتِمَ طوالَ عُمرِه وعُمرِ أجدادِه. يَتألَّقُ الدكتورُ «عبد الغفار مكاوي» في هذه المجموعةِ القصصيَّة، التي تَجمعُ بينَ الواقعِ والخَيال، وتَمزجُ بينَ التاريخِ والأسطورة، ونَرى فيها مَلامِحَ الحياةِ المُعاصِرةِ للإنسان.

  • يونس في بطن الحوت

    «فتحتُ عينَيَّ المُحمَرَّتَين، وفرَكتُهما طويلًا قبلَ أن أُميِّزَ القاضيَ الذي كانَ مَحْنيًّا عليَّ كأنَّه يَستمعُ إلى دقاتِ قَلْبي ويَصيح: يونُس! قلتُ لكَ أنتَ يونُسُ نفسُه! يونُسُ في بطنِ الحوت!»

    تَنسجُ حِكاياتُنا قِصصًا في عُقولِ الآخرِين، وتظلُّ حياتُنا شبيهةً بقصصِ الأوَّلِين في روايةِ أحدِهم، غيرَ أننا لا نَنتبِهُ لذلك إلَّا عندَ الجمعِ بينَ المَواقف، وحشدِ المُقارَناتِ أمامَنا حتى نَقتنعَ بأننا نعيشُ قصةً حدثتْ قبلَ أزمِنةٍ بعيدة، أو نُنكرَ ذلك ونَعُدَّه ضربًا مِنَ الجُنون، فهل نَتَنَاصُّ معَ ماضِينا؟ الكاتبُ الكبيرُ «عبد الغفار مكاوي» في قصتِه القصيرةِ «يُونُس في بطنِ الحُوت» يُحاولُ الكشفَ عن وجهِ هذا المَعْنى، بشخصيَّتَينِ رئيسيَّتَين؛ إذِ استطاعَ أن يَجعلَنا نَعقِدُ مُقارَنةً فلسفيةً تاريخيةً بينَ يُونُسَ الشابِّ المَطرودِ من والدِه، المُهدَّدِ بفَقدِ أُسرتِه، وبينَ «يُونُسَ النبيِّ» الذي فرَّ من قَومِه ليَسكنَ الظُّلُماتِ في بطنِ الحُوت. مَجْموعةٌ قصصيةٌ تَتعامدُ معَ أدقِّ مشكلاتِ مجتمعاتِنا، وتُلامِسُ في كلٍّ منَّا جزءًا ما ولا تترُكُه إلا وقد عَنَّتْ لنا بعضُ الأفكار، وأصابَنا كثيرٌ من الشُّرود.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠