الجزء السادس

دولة ناشئة ونظرية ناشئة

(١) «من المؤسف أن عددًا قليلًا للغاية من الكيميائيين يعملون في الصباغة، وعددًا قليلًا من العاملين في الصباغة بارعون في الكيمياء»

سادت روح مبادرة جريئة، لكنها عملية، بين سكان الولايات المتحدة الأمريكية الناشئة، وتجسَّدت في الفيزيائي الشاب السابق لعصره جون بينينجتون. كان بينينجتون أحد طلاب د. بنجامين راش بجامعة بنسلفانيا، ومعاصرًا للدكتور كاسبر ويستار، وأنهى دراسته للطب في إدنبرة؛ حيث كتب ما يلي إلى معلِّمه السابق في عام ١٧٩٠:1

للأسف يا سيدي العزيز، لقد يئست من لقاء شخص مثل راش أو ويستار هنا؛ فهذه ليست طبيعة الأساتذة في إدنبرة، أن يأخُذوا بيد الباحث الشاب، ويُرافِقوه على طريق المعرفة الحقة؛ فالغرور والتحفُّظ يسودان بين الأساتذة، والتكاسُل والخلاعة يسودان بين أغلبية الطلاب؛ ولافتقاري إلى «الصحبة الملائمة»، لجأتُ حتى الآن إلى الكتب والتمشية بمفردي. باختصار، أنا لا أجد هنا أي شيء يُمكن له أن يُفسِد وطنيتي.

fig126
شكل ٦-١: صفحة العنوان لأول كتاب دراسي في الكيمياء نُشر في الولايات المتحدة، بدلًا من استخدام خلاصة أو كُتيب، أو ترجمة لنصٍّ أجنبي، أو إعادة طباعته. نشر مؤلفه السابق لعَصرِه جون بينينجتون، من فيلادلفيا، هذا الكتاب عندما كان في الحادية والعشرين من عمره. وكان في العام السابق قد أسَّس أوَّل جمعية كيميائية في الولايات المتحدة. تدرَّبَ بينينجتون طبيبًا تحت إشراف بنجامين راش في جامعة بنسلفانيا، وتُوفي وهو في الخامسة والعشرين من عمره، في أثناء وباء الحمى الصفراء في عام ١٧٩٣ بينما كان يُكافح لإنقاذ الأرواح.
في عام ١٧٨٩، وهو في العشرين من عمره، أسَّس بينينجتون، في فيلادلفيا، أولَ جمعية كيميائية في أمريكا2،3،4 (ولعلَّها الأولى في العالم)،3 وألَّف أوَّل كتاب أمريكي في الكيمياء، «مقالات في الكيمياء والاقتصاد» (انظر الشكل ٦-١5،6 وهو عمل نالَ استحسان توماس جيفرسون.7 استمرَّت جمعيته الكيميائية لفترة وجيزة، وخلفَتْها الجمعية الكيميائية لفيلادلفيا، التي تأسَّست في عام ١٧٩٢ (وكان الطبيب د. جيمس وودهاوس أوَّل رئيسٍ لها).2،3 وفي عام ١٧٩٣، كان أحدَ الستة الموقِّعين على تصديقٍ على عملية هوبكنز لتصنيع البوتاس (KOH) وكربونات البوتاسيوم (K2CO3)، التي بفضلها حصلت الولايات المتحدة على أول براءة اختراع.1
يتسم كتاب «مقالات في الكيمياء والاقتصاد» بأنه كتاب ذو طابع حيوي، ويُمكن تبيُّن مثال على طابعه هذا في مقارنته التصويرية بين «الكيميائي العملي» و«المنظِّر البحت»، التي لا تزال مُحتفِظةً بقْدرٍ من صداها حتى عصرنا الحالي:8

ينتمي علماء الكيمياء أنفسهم إلى فئتين كبيرتَين ومتميزتَين ليس بينهما، مع الأسف، أي ارتباط؛ قد نضع في إحداهما أولئك الذين يُجْرون عددًا كبيرًا من العمليات باستخدام الحرارة والمزج، دون حتى معرفة الأسباب الثانوية للآثار الناتجة، ويُسمى هؤلاء الكيميائيِّين العمليين، مثل عمال الصباغة الذين لا يُمكنهم تفسير أو إدراك لماذا يجب استخدام الشبة، على سبيل المثال، في عملهم؛ أو لماذا يجب أن تُنتج العفصة وكبريتات الحديد الثنائي صبغةً سوداءَ. ويُشبه هؤلاء أيضًا الدباغين الذين لا يمكنهم تفسير تأثير لحاء البلوط على الجلود الخام. وبالمثل ثمة كثيرٌ من الصيادلة الذين يستطيعون تركيب حمض النيتريك وغيره، لكنهم لا يعرفون شيئًا عن الأساس المنطقي للعملية. أما الفئة الأخرى، فتتمثَّل في المنظِّر البحت، المُلِم جيدًا ﺑ «آثار الحرارة والمزج» على الأجسام كافة، ويمكنه تفسيرُها جميعًا، لكنه لا يلوِّث أصابعه أبدًا بقطعة من الفحم، أو لم يضطرَّ قط إلى كسر بوتقة. يُمكن لمثل هذا الكيميائي أن يخبرنا، على نحو مُثير للإعجاب، بكيفية حدوث التغيُّرات في اللون عند الصباغة، لكنه لن يستطيع صُنعَها بنفسه؛ ويستطيع تفسيرَ تأثير لحاء البلوط على المواد الحيوانية، دون أن يسبق له استنشاقُ رائحة ساحة مواد الدباغة مطلقًا؛ ويُمكنه شرحُ نظرية صُنعِ حمض النيتريك والعمليةِ المستخدَمة فيه، لكن ربما لو حاول تطبيقها، قد يستغرق ساعتين في إشعال النار في فرنه، ويكسر جهاز التقطير الخاص به، ويَخنق نفسه بالأدخنة.

fig127
شكل ٦-٢: الكيمياء الأمريكية ما بعد الاستعمار – مزيج رائع من ورشة الحدادة والمزرعة والمختبر. يصور الشكل جهازًا أمريكيًّا قديمًا (١٧٩٠) لإنتاج حمض الكبريتيك يتكون من ثلاث جِرار تبلغ سَعة الواحدة منها ٣٠ جالونًا، يربطها أنبوب من الرصاص وتتَّصل بمِنفاخ (من كتاب بينينجتون، «مقالات في الكيمياء والاقتصاد»، انظر الشكل ٦-١).
يُصوِّر الشكل ٦-٢، المأخوذُ من كتاب بينينجتون،9 جهازًا يُمثل مزيجًا مدهشًا من الأوعية الكيميائية (هي في الواقع أوانٍ خزفية عبارة عن جِرار زيت سَعتُها ٣٠ جالونًا تتصل بأنابيب من الرصاص)، والمِنفاخ المُستخدم عادةً في ورشة الحداد. وكان الغرض من هذا الجهاز هو إنتاج حمض الكبريتيك. قبل هذا بأكثر من عشر سنوات، أحرقَ لافوازييه الكبريتَ في وجود الأكسجين في وعاء مُغلَق باستخدام عدسة مُكبِّرة قوية، وجمعَ حمض الكبريتيك الذي نتج عن هذا. ومع ذلك؛ نظرًا لأن كميات صغيرة من الغاز تَشغل مساحات كبيرة، لا يُمكن إنتاجُ إلا كميات قليلة للغاية من حمض الكبريتيك في أوعيةٍ عمليَّةِ الاستخدامِ على هذا النحو. بدلًا من ذلك، يمكن استخدامُ نترات البوتاسيوم بوصفها مصدرًا عاليَ الكثافة للأكسجين، لكنه باهظ التكلفة للغاية. ويمثلُ جهازُ بينينجتونَ الهجينُ نوعًا من مفاعِلات التدفُّق وليس مفاعلًا دفعيًّا؛ نظرًا لأنه يُدخل كاشفًا جديدًا للأكسجين باستمرار في التفاعل. ويُشير بينينجتون إلى الجهد الهائل المطلوب من أجل دفع المِنفاخ، ويقترح إدخالَ تعديل بحيث يواصل جهاز تقطير صغير من الحديد تمرير البخار إلى الوعاء B (وكان قد أخطأ في التعبير وقال إنه الوعاء C)، من أجل توفير مصدر مستمر للضغط من أجل مساعدة المِنفاخ.9
بدأ د. بينينجتون الذي اخترع طريقةً لحفظ اللبن بالحرارة (قبل البسترة)، ممارسةَ الطب في فيلادلفيا في عام ١٧٩٢، وأُصيب في عام ١٧٩٣ بوباء الحمى الصفراء الذي حصد أرواح خُمس سكان المدينة، و«استمرَّ في الاعتناء بالمرضى حتى تُوفي هو أيضًا».6 وكان في الخامسة والعشرين من عمره.

(٢) رؤيتان قديمتان: الأكسدة دون أكسجين، والنساء بوصفهن عالمات قويات

بدأت الجمعية الكيميائية في فيلادلفيا عملَها في عام ١٧٩٢ وخَلَفَتها الجمعية الكيميائية الكولومبية في عام ١٨١١.10 لم يتبقَّ سوى بضعة آثار قليلة من الجمعية الأولى، لكنَّ ثمة نُسخًا معروفة11 من الخطاب السنوي الذي ألقاه توماس بي سميث في ١١ أبريل عام ١٧٩٨ (الشكل ٦-٣).12 كان سميث الذي كان يَبلغ من العمر ٢١ أو ٢٢ عامًا فقط آنذاك، عضوًا في لجنة النترات بالجمعية.10 نشرت اللجنة إعلانات في الصحف تطلب فيها من المواطنين تقديم أيِّ معلومات لديهم عن النتر، وهو أحد مكونات البارود، عبْر رسائل بريدية (مع ملاحظة أنها «خالصة الرسوم البريدية») إلى السيد سميث على ١٩ شارع نورث فيفث، أو إلى أحد أعضاء اللجنة الأربعة الآخَرين، بمن فيهم رئيس الجمعية د. جيمس وودهاوس (١٣ شارع شيري).10
fig128
شكل ٦-٣: صفحة العنوان لمحاضَرة توماس بي سميث أمام الجمعية الكيميائية في فيلادلفيا في ١١ أبريل عام ١٧٩٨. جَرُؤ السيد سميث، السابق لعصره، على تخيُّل عالَم من الإسهامات العلمية لكيميائيات من النساء، ووسَّع نطاق مفهوم الأكسدة ليشمل (على نحو صحيح، كما اتَّضح سريعًا بعد ذلك) الأكسدةَ بغازات أخرى خلاف الأكسجين.
لعلَّ أحد الجوانب المُمتعة في خطاب السيد سميث الشاب، أنه قد تجاهل بأدب وكياسة توقعاتِ الجمعية بأنه «سيحوي الاكتشافات كافة التي حدثت في علم الكيمياء خلال العام الماضي»،12 وقدَّم، بدلًا من ذلك، عرضًا موجزًا رائعًا لتاريخ الثورات الكيميائية حتى نهاية القرن الثامن عشر. غير أننا سنركز بإيجاز على تكهُّنَيْن ذكرَهما قُربَ نهاية خطبته.
بالنسبة للأول؛ فقد لخَّص سميث في إيجازٍ نظريةَ لافوازييه عن الاحتراق:
  • (١)

    لم يُعرفْ قط أن الاحتراق يُمكن أن يحدث دون وجود الأكسجين.

  • (٢)

    في كل احتراق «معروف» يحدث امتصاص للأكسجين.

  • (٣)

    تحدث زيادة في وزن نواتج الاحتراق تساوي وزن الأكسجين المُمتص.

  • (٤)

    في كل حالات الاحتراق يَنبعث الضوء والحرارة.

ويطرح بعد ذلك سؤالًا بسيطًا، ولكنه مُبتكَر: «هل علينا استنتاج أنه لمَّا كانت المواد التي تَحترق بسهولة في وجود الأكسجين لا تحترقَ في وجود أيِّ غازٍ آخَر، فلن يُعثر على أي مواد تحترق في وجود غازات أخرى؟»

في الواقع، كان ثمة غازٌ آخرُ معروفٌ بهذه المواصفات، لكن أُسيء فهْمه؛ فقد عزل شيله غاز الكلور في عام ١٧٧٣، عن طريق إذابة البيرولوسيت (MnO2) مع روح الملح البارد (أو حمض الهيدروكلوريك).13 علم شيله أن البيرولوسيت كان «منزوع الفلوجستون» (أيْ إنه عامل أكسدة جيد)، ومن ثَم اعتبر منطقيًّا أن الكلور هو حمض هيدروكلوريك منزوع الفلوجستون.13 واكتُشف فيما بعد أنه يُعزِّز توهُّجَ فتيل الشمعة أفضل من الهواء، وينفجر مع الهيدروجين عند إشعاله بفتيل شمعة، ويعمل على احتراق الفوسفور، والأمونيا، والبزموت، والأنتيمون، ومسحوق الزنك وغيرها من المعادن النشطة.14 غير أن لافوازييه قال إنَّ الأحماض كافة تحتوي على الأكسجين (كلمة أكسجين تعني «مكوِّنَ الحمض»)، وأطلقت المدرسة الفرنسية على الكلور (Cl2) اسم «حمض هيدروكلوريك متأكسد». لاحِظ الاتساقَ التام إلى حدِّ التطابق بين تسمية شيله ولافوازييه للكلور: «متأكسد» = «منزوع الفلوجستون». ولما كان حمض الكبريتيك والأحماض المشابهة له تُطلق الأكسجين من البيرولوسيت، لم تكن فكرة فقدان البيرولوسيت لمُحتواه من الأكسجين لحمض الهيدروكلوريك بعيدةَ الاحتمال. ظلت رؤية لافوازييه سائدة، إن كانت قد خضعت للشك من الأساس، حتى أثبَت همفري ديفي بعد نحو ٣٠ عامًا أن الكلور لا يَحتوي على أي أكسجين؛ ومن ثمَ كان عنصرًا نقيًّا؛ وهي رؤية أقرها بيرزيليوس أخيرًا في عشرينيات القرن التاسع عشر.15 إذًا كان سميث الشابُّ محقًّا؛ فثمة احتراق يحدث دون وجود الأكسجين. وبعد مائة سنة أخرى، تعرُّض غاز الفلور — المعروف ﺑ «تيرانوصور»16 أو «شيطان تسمانيا»17 العناصر — للعزل، واتَّضح أنه يُعزِّز الاحتراق التلقائي القوي، أو حتى الانفجاري، بل إنه أقرب شبهًا بالهيدروجين منه بالأكسجين، كما أنه يُحرِّر غاز الأكسجين من الماء بالإضافة إلى كثير من الحرارة:
يقترب سميث من ختام سرده الموجز لتاريخ الكيمياء كما يلي:12،18
سأُعرفكم الآن على آخِر وأروَع ثورة حدَثَت في الكيمياء. حتى الآن رأينا هذا العِلم تحت سيطرة الرجال كليًّا؛ أما الآن فنحن بصدد رؤية سيداتٍ يؤكِّدن مطالبهنَّ المشروعةَ، رغم تجاهلها لوقت طويل، بالمشاركة في المتع المستمدَّة من اكتساب معرفة بالكيمياء؛ فقد أثبتَت بالفعل مدام داسييه والسيدة ماكولي مكانتهما في النقد والتاريخ. وقدَّمت السيدة فولهام الآن مطالبَ جريئةً بالعمل في مجال الكيمياء حتى إنه لم يَعُد بإمكاننا حرمان هذا الجنس من ميزة المشاركة في هذا العلم أيضًا.19 وما عسانا ألا نتوقَّعه من صعود مثل هذه المواهب؟ وإلى أي مدى سوف يتراجَع الأفق المعرفي أمام جهودنا الموحدة؟ وما كمُّ المتعة غير المحدودة التي يُمكننا توقُّعها من خوض غمار هذا العلم برفقة هذه الصحبة؟

(أليست هذه نبوءةً بظهور ماري وبيير كوري بعد ١٠٠ عام من عصره؟)

تُوفي سميث جراء حادث إطلاق نيران عَرَضي مؤسف في عام ١٨٠٢، في رحلة عبْر المحيط إلى أوروبا؛ حيث كان يُفترض به أن يُواصِل دراساته في الكيمياء وعلم المعادن.10،11 وكان، مِثْل د. جون بينينجتون، لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره عند وفاته.

(٣) حصريًّا! أول صور مطبوعة لجزيئات دالتون

ثمة أشياءُ توجد بأجسام صلبة وأبدية، وهي الأشياء التي نثبت أنها مصدر الأشياء وبدايتها، ومنها خُلقت كل الأشياء الموجودة حاليًّا.20
يوجد إذًا فراغ، مجرد مساحة فارغة ولا يُمكن لمسها. ولو لم تكن هذه المساحة موجودة، لما تسنى للأشياء بأي حال أن تتحرك؛ إذ ستكون وظيفة الجسم، المتمثلة في التعدي والعرقلة، تحاصر الأشياء كافة في كل وقت؛ ومن ثَم لا يُمكن لشيء أن يتقدَّم؛ نظرًا لعدم وجود شيء يُمكنه أن يَضرب مثالًا للتخلي عن المكان.21
لكن في الحقيقة، نظرًا للجمع بين عوامل تثبيت العناصر الأولى على نحو مُتباين، وكون مادتها أبدية … لا يرتدُّ شيء واحد إلى لا شيء، بل تعود كل الأشياء عن طريق الذوبان إلى الأجسام الأولى للمادة.22
هكذا تحدَّث إلينا الشاعر اللاتيني لوكريتيوس، منذ ألفَي عام، في قصيدته «طبيعة الأشياء» «مبررًا»:
  • (١)

    كون الذرات «البذور» الأساسية وغير القابلة للتلف للمادة.

  • (٢)

    وجود، أو في الواقع ضرورة وجود، مساحة فارغة (الفراغ أو الفضاء).

  • (٣)

    قانون بقاء المادة.

قبل حصول لوكريتيوس على نصيب من «جوائز نوبل بأثر رجعي»23 في الكيمياء، والفيزياء، والأدب، علينا الاعتراف بأن هذه كانت فرضيات فلسفية بحتة؛ فلم تُختبَر أي فرضيات علمية عمليًّا. وقد لخصتْ قصيدة لوكريتيوس الملحميةُ آراء الفلاسفة الإغريق القدماء، ومنهم ديموكريتوس، وليوكيبوس، وإبيقور (انظر تعليق روبرت بويل الساخر، [الجزء الرابع: الثورتان الفرنسيتان، القسم الثاني: شكوك عالم حول «الآراء الكيميائية للسوقة»]).
نُشرت نظرية شبه علمية مبكرة عن الجسيمات أو الذرات على يد دانيال سنيرت (١٥٧٤–١٦٣٧)، أستاذ الطب بجامعة فيتنبرج في عام ١٦١٨.24 وأسَّس الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (١٥٩٦–١٦٥٠) الهندسة التحليلية، لكن إسهاماته في علم الفيزياء والكيمياء لم تكن ذات شأن؛25 فقد اعتقد في وجود جسيمات أساسية تشبه الذرَّة تَحتشِد معًا بحيث لا يحتوي الكون على أي فراغات (الطبيعة تكره الفراغ)، فكل الحركة في الكون لا بد أن تكون متسقة في شكل «شبكة كونية مُغلَقة». على النقيض من ذلك، كانت آراء بيير جاسندي (١٥٩٢–١٦٥٥)،26 وهو عالم كلاسيكي درس إبيقور واعتنق المفهوم الإبيقوري عن الذرات والفراغات، بديلًا عن الحيز الديكارتي. فقد توصَّل جاسندي إلى حُجة علمية راسخة تؤيد الوجود الفعلي للفراغ والخواء في بارومتر (مقياس الضغط الجوي) تورتشيللي، الذي اخترعه في عام ١٦٤٣.
قدَّم روبرت بويل وإسحاق نيوتن، اللذان كانا من أشد أنصار الخيمياء، نظريةً جُسيميةً للمادة. وجدير بالذكر أنه نظرًا لإيمانهما بأن الرصاص يُمكن أن يتحول إلى ذهب، فلا يمكن أن تُوجد جسيمات ذهب أو رصاص «فريدة»؛ فقد كانت آراؤهما متأثرةً بجاسندي.27
أظهر قانون بويل (١٦٦٢) أنه إذا تمدد غازٌ ما، على سبيل المثال، إلى ثمانية أضعاف حجمه، فإن ضغطه يَنخفِض بمعامل قدْرُه ٨. ووجد أيضًا أن كثافته تَنخفِض بمقدار ٨. والآن، قد يتصوَّر المرء أن «تخفيف» «سائل ديكارتي» يُمكن أن يُقلِّل كثافته من خلال توسيع الحيز التسلسلي الذي تشغله «ذراته». غير أن تفسير انخفاض الضغط باستخدام هذا النموذج أمرٌ أكثر صعوبة. بدلًا من ذلك، يُمكن لنموذج يتخيل تكوُّنَ الغاز من «جسيمات» فرديةٍ منفصلةٍ في المكان، تفسيرُ مثل هذه السلوكيات في إطار فيزياء نيوتن؛ ومن ثَم يحوي الغاز المخلخل، في المتوسط، مساحة أكبر بين جسيماته. في عام ١٦٨٧، حاول نيوتن شرح قانون بويل من خلال افتراض وجود تنافُر بين الجسيمات الصلبة في السائل الغازي،28 ومن خلال ربط هذا التنافر بقوة الطرد المركزي، تنبأ بأنه سيكون مُتناسبًا عكسيًّا مع المسافة بين مراكز الذرات؛ ومن ثمَ كان انخفاض الضغط في الغاز نتيجة لانخفاض التنافُر بين الجسيمات التي أصبحت الآن أكثر انفصالًا. ومثلما لم يُحاول نيوتن تفسير طبيعة قوة الجاذبية التي تجذب الأجسام إلى الأرض، لم يُحاول كذلك فهْم مصدر قوة التنافر الغامِضة هذه بين الذرات.28
نشأت أقدم نظرية ذرية لجون دالتون في عام ١٨٠١، وكانت ذات طبيعية فيزيائية بحتة.29 ارتكزَت هذه النظرية على قانون بويل وقانونه للضغوط الجزئية (انظر المقال التالي)، بيد أن إنجازه الأساسي بحق، الذي حدث في عام ١٨٠٣، تمثَّل في صنع النموذج الحديث الذي يَربط كل شيء نعرفه الآن عن الكيمياء معًا. وقد كان قانون دالتون للذرات ذروةَ الثورة الكيميائية التي حدثَت خلال العقود الثلاثة المنصرمة.30،31
توحي قصيدة لوكريتيوس بأن قانون بقاء المادة كان معروفًا طوال ألفيتَين على الأقل. وقد كان بالتأكيد افتراضًا علميًّا أساسيًّا في أثناء الثورة العلمية، غير أن لافوازييه كان مَن اقترح فكرة أنه إن لم يكن بالإمكان حسابُ كتلة كل المواد في التفاعل الكيميائي، فلا يمكن للمرء أن يحاول حتى فهْمها. ومما حظي بأهمية أيضًا وضعُ ريختر لجداول المتكافئات، ومفهومه عن حساب العناصر المتفاعِلة، وقانون بروست للنسب الثابتة، الذي نجا بنجاح من مُناظرتِه مع برتوليه.32 وقد اشتمل ما دوَّنه دالتون في مفكرته في ٦ سبتمبر عام ١٨٠٣ (في عيد ميلاده السابع والثلاثين) على أول رموز مرسومة لذراته وأوزانها النسبية.30
fig129
شكل ٦-٤: على الرغم من أن جون دالتون وضعَ نظرية ذرية فيزيائية في عام ١٨٠١ ووسَّع نطاقَها إلى مجال الكيمياء في عام ١٨٠٣، فإنه لم يَنشُر نظريتَه حتى عام ١٨٠٨. ومع ذلك، كان توماس تومسون في جامعة إدنبرة من أوائل المؤيدين لنظريته الذرية، وبإذنٍ من دالتون نشرت أول مناقشة مطبوعة لها في عام ١٨٠٧ (انظر كتاب «نظام الكيمياء» الطبعة الثالثة، لندن، ١٨٠٧).
حصل توماس تومسون33 على درجة الدكتوراه في الطب من إدنبرة في عام ١٧٩٩؛ حيث استمد إلهامَه من جوزيف بلاك. وبدءًا من عام ١٨٠٠ ألقى محاضَرات في الكيمياء في إدنبرة، ونشر الطبعة الأولى من كتابه الشامل «نظام الكيمياء» في عام ١٨٠٢. زار تومسون دالتون في عام ١٨٠٤، واتبع نظريته الذرية بحماس. ومن المُثير للاهتمام أن أول تصريح منشور عن نظرية دالتون قد ظهر في الطبعة الثالثة (١٨٠٧) من أطروحة تومسون الكيميائية ذات المجلدات الخمسة.34 ونُشر كتاب دالتون «الفلسفة الكيميائية» في العام التالي.30،31 ومن المثير أن نقرأ تعليقات تومسون المهذَّبة والمبدئية، ونرى أول صور مطبوعة للذرات كما ظهرت في كتابه (الشكل ٦-٤):33

ليس لدينا طريقة مباشرة للتحقُّق من كثافة ذرات الأجسام؛ لكن السيد دالتون، الذي لا تُعتبر براعته وحصافته الاستثنائيتان أمرًا غريبًا على عالَم الفلاسفة، ابتكر مؤخرًا فرضيةً، إن ثبتت صحَّتُها، ستمدنا بطريقة بسيطة للغاية للتحقُّق من هذه الكثافة بدقة كبيرة.

اقترح دالتون الكويكري مبدأ «البساطة القصوى»؛ ومِن ثَم افترض، على سبيل المثال، أن الماء مكوَّن من ذرة واحدة من كل من الأكسجين والهيدروجين، وأنَّ الأمونيا تتكوَّن من ذرة واحدة من كل من النيتروجين والهيدروجين (انظر الشكل ٦-٤). وقد أدى هذا إلى ظهور قيِّم للأوزان الذرية في عام ١٨٠٣ قد نراها حاليًّا شاذة30 (على سبيل المثال، «الأزوت» أو النيتروجين = ٤٫٢، والأكسجين = ٥٫٥، بينما يُفترض بالهيدروجين أنه = ١). غير أن دالتون كان مدركًا أيضًا أن «حمض الكربونيك» يحتوي على أكسجين يُساوي وزنه ضعف وزن الكربون مقارنةً ﺑ «أول أكسيد الكربون» المُكتَشف حديثًا.35 وكانت ثمَّة اكتشافات مشابهة في حالة أكاسيد النيتروجين.30 ومن ثَم، كان قانون النِّسب المتضاعفة هذا (على سبيل المثال، CO2 في مقابل CO)، الذي وضعه دالتون، نتيجةً طبيعيةً واضحةً لنظريته الذرية.

(٤) جزيئات الماء في الغلاف الجوي وندى الصباح

ظلَّ جون دالتون36 يسجل قياسات الغلاف الجوي طوال حياته العلمية الطويلة وفي الساعة السادسة صباح يوم ٢٧ يوليو عام ١٨٤٤، دوَّن آخر ملحوظة في مذكرته — «قليل من المطر في هذا اليوم» — بيدٍ ضعيفةٍ قُبيل وفاته مباشرةً.37 وقد قاده هذا الاهتمام الذي استمرَّ طوال حياته إلى محاولة فهْم وجود بخار الماء في الهواء (فلماذا لا يتكثَّف ببساطة؟) وكان ثمة لغز آخر يتمثل في السبب وراء التجانس التام للهواء؛ فلماذا لا يَنفصِل مكوِّن الأكسجين الأكثر كثافة عن غاز النيتروجين الأخف وزنًا والأكثر وفرة؟ هل يَرجع هذا إلى تكوين هذين الغازين مركَّبًا ضعيفًا بنسبة ١:٤ عُرضة لاستبدال النيتروجين فيه بمواد أكثر تفاعلية، مثل المعادن أو الهيدروجين، التي تحمل تشابهًا أكبر بينها وبين الأكسجين؟
قبل عَقْدٍ من إعلانه عن نظريته الذرية، اكتشف دالتون أن مقدار (ضغط) بخار الماء في الهواء، أو الذي يتكوَّن في فراغ، يَعتمِد فقط على درجة حرارة الماء السائل في التوازُن الكيميائي38 (وضع دالتون أيضًا مفهوم نقطة الندى).38 وأوحى هذا بأن بخار الماء لا يشكل مركَّبًا ا كيميائيًّا مع الهواء (وإلا، لماذا يدخل وعاءً فارغًا؟) وأوحى أيضًا بأن ضغط بخار الماء ووجوده في حدِّ ذاته كان مستقلًّا تمامًا عن أي غازات أخرى في الهواء. وفي عام ١٨٠١، سمحت دراساته التجريبية بإصدار بيان أكثر شمولًا عما نُطلِقُ عليه قانون دالتون للضغوط الجزئية:39

عند خلط مائعَين مَرِنين، يُشار إليهما برمزي «أ» و«ب»، معًا لا يحدث تنافر متبادل بين جسيماتهما؛ أيْ لا تَنفِر جسيمات «أ» من جسيمات «ب»، كما يحدث فيما بينها؛ ومن ثم، ينشأ الضغط أو إجمالي الوزن الواقع على أي جُسيم فقط من الجُسيمات من نوعه.

ويُمكننا صياغة هذا بالمُصطَلحات الحديثة كالتالي:

بخار ماء P + نيتروجينP + أكسجينP = الإجماليP

إنها فكرة مُثيرة، وإن كانت غير واضحة للغاية؛ فلماذا قد تَنفِر «جسيمات» «أ» (النيتروجين، مثلًا) من جسيمات «أ» الأخرى، ولا تتنافَر مع «جسيمات» «ب»، مثل جُسيمات الأكسجين، التي تظل غير مبالية بها؟

كانت نظرية دالتون الذرية الأولى «نظرية فيزيائية». فنرى من خطابه الذي ألقاه في عام ١٨٠١،40 وصفه لغازات الغلاف الجوي الأربعة (الماء، والأكسجين، والنيتروجين، وحمض الكربونيك). يتنافر كل غاز على نحو مُنفصِل، مع «الذرات» المشابهة له (الجزء العلوي من الشكل ٦-٥)، لكن «الذرات» المختلطة للغازات المختلفة لا ينفر بعضها من بعض، ولا يجذب بعضها بعضًا (الجزء السُّفلي من الشكل ٦-٥). ومع ذلك، قارن دالتون، الذي كان كويكريًّا مُتواضِعًا، نظريته بقانون الجذب العام لنيوتن،40 ولم تخلُ هذه المقارنة من التواضُع أيضًا. وبعد بضع سنوات، أدرك دالتون أن نظريته كانت تشرح حقائقَ كيميائيةً بالإضافة إلى الحقائق الفيزيائية.
يجمع شرحُ دالتون بين نظرية السيال الحراري للافوازييه ونظرية التنافر الميكانيكي لنيوتن، ثم يُضيف قدْرًا من مكوِّنه الخاص. أولًا: من المهم أن نتذكَّر أن عنصر الأكسجين عند اتحاده مع أكسيد أو كلس معدني، يكون في حالته «المُثبتة». وهكذا يكون «غاز الأكسجين» فعليًّا، في رأي لافوازييه، «سيالًا حراريًّا متأكسدًا»؛ نظرًا للحاجة إلى حرارة من أجل تحرير العنصر من كِلسه. بالمثل، يُضيف الماء المغلي سيالًا حراريًّا من أجل تكوين البخار. لاحظ، حسبما ورَد في مقال سابق، كيف أن وصْفَ لامارك التصويري المعاصر (الشكل ٥-٢٧) لتبخُّر الماء يضع «أغلفة» من السيال الحراري حول جُسيمات الماء؛ حتى تَزيد المسافة بينها، مما يُؤدِّي إلى انتقال هذه الجُسيمات إلى المرحلة الغازية.
fig130
شكل ٦-٥: وصفٌ تصويريٌّ لقانون دالتون للضغوط الجزئية طُبع في «سجلات جمعية مانشستر الأدبية والفلسفية» في عام ١٨٠٢. وفقًا لنظرية دالتون، تتنافَر جُسيمات غازٍ واحدٍ من غازات الغلاف الجوي (مثل الماء، والأكسجين، والنيتروجين، وثاني أكسيد الكربون) بعضها من بعض، لكن ليس من جُسيمات الغازات الأخرى؛ ومن ثَم يُمكن خلط الغازات («متراكبة»، كما في أسفل الشكل) دون حدوث أي تفاعل فيما بينها؛ وهكذا يختلط الغلاف الجوي بحريَة، دون انفصالها في طبقات. انظر الشكل ٦-٦، الذي يُصوِّر محاولة دالتون لشرح هذه الظواهر.
fig131
شكل ٦-٦: أشكال أغلفة السيال الحراري و«خطوط القوة» التي افترضَها دالتون من أجل شرح سبب ضرورة نفور جزيئات الغاز المُتماثِلة بعضها من بعض، حتى تظلَّ الغازات ذات الكثافات المختلفة مختلطة بدلًا من انفصالها إلى طبقات في الغلاف الجوي (من كتاب دالتون «نظام جديد للفلسفة الكيميائية»، الجزء الأول، مانشستر، ١٨٠٨).
ظهرَت صورة توضيحية «لتفسير» دالتون الذكي لمُشكلة التنافُر بين الجزيئات المتشابهة في الجزء الثاني من كتابه «الفلسفة الكيميائية» (الشكل ٦-٦).41 يظهر في الجزء العلوي من الشكل «أغلفة» من السيال الحراري تحيط بالجزيئات الغازية. (ملحوظة: كان ثمة اعتقادٌ بأن غاز الهيدروجين أحاديُّ الذرة.) أما الجزء السُّفلي من الشكل، فيُظهِر سبب تنافر الجزيئات المتشابهة، مثل الأزوت (النيتروجين)، بعضها من بعض، بينما يوجد حياد مُتبادل بين الأنواع المختلفة من الجزيئات الغازية. نظرًا لأنه عند درجة حرارة محددة يجب أن تُصبح أحجام السيال الحراري و«أغلفته» المحيطة بكل جزيئات غاز الأزوت المُتساويةَ الأبعاد، تكون خطوط القوة مصطفَّةً بالكامل ويَحدُث التنافر.42 ويَنطبِق الأمر ذاته على التنافر بين جزيئات الهيدروجين. غير أن مثل هذا الاصطفاف التام لا يحدث بين الهيدروجين والأزوت؛ إذ تُوجَد في مواضعَ مستقلةٍ تمامًا، وتكون لها إسهاماتها المستقلة في الضغط الإجمالي للمزيج. وقد كان تنافرُ «الذرات» المتشابهة بعضها من بعض، وعدم تنافر «الذرات» المختلفة، أمرًا حيويًّا بالنسبة إلى دالتون؛ نظرًا لأن هذا كان من شأنه منعُ انفصال الغازات السائلة وتحوُّلها إلى طبقات تُرتَّب وفقًا لكثافات الغازات.
لا يختلط الهواء على نحو متجانس على مستوى سطح البحر فحسب، بدلًا من أن يتكوَّن بالكامل أو في معظمه من غاز الأكسجين الأكثر كثافة، بل إنَّ المزيج نفسه يوجد في طبقات مُرتفِعة في الغلاف الجوي. وقد كان هذا معروفًا في الوقت الذي كان فيه دالتون يصوغ نظريته الذرية. وفي عام ١٨٠٤، طار جوزيف لوي جاي-لوساك بمنطاد على ارتفاع ٢٣ ألف قدم تقريبًا فوق باريس، وجمع عينتَين من الهواء، اتضح أن لهما نفس تركيب الهواء الموجود عند سطح البحر.43
نحن نعرف حاليًّا أن طبقات التروبوسفير والستراتوسفير والميزوسفير، التي تمتد إلى نحو من ٦٠ إلى ٧٠ ميلًا فوق الأرض، لها التركيب الكيميائي المُتجانس نفسه في الأساس.44 فيتحرك الأكسجين، والنيتروجين، وبخار الماء، وغيرها من غازات الغلاف الجوي بسرعات45 أقل بكثير من السرعة المطلوبة للهروب من قوة جاذبية الأرض [١١ كيلومترًا/الثانية أو ٢٢ ألف ميل/الساعة]46 إنَّ حقيقة تمتُّع هذه الجزيئات الغازية بقوة جذب ضعيفة بعضها تجاه بعض على نحو لا يكاد يُذكَر، والنزعةَ الطبيعيةَ نحو زيادة الفوضى (زيادة الإنتروبيا) إلى أقصى حدٍّ، وتعرُّضها للامتزاج الدائم بفعل الرياح المدفوعة بدوران الأرض، تضمن الامتزاج التام لغازات الغلاف الجوي. ويُصوِّر الشكل ٦-٧ توزيعات سرعة الجزيئات الغازية البسيطة.45 يُظهِر أخف غازين، وهما الهيدروجين والهليوم، توزيعاتٍ مختلفةً جذريًّا مقارَنةً بالغازات الأخرى في هذا الشكل. وعلى الرغم من أن مُتوسِّط سرعاتها أقل بكثير من سرعة الهروب من الأرض، فإن «الجزيئات الشاذة» التي تتحرَّك بأقصى سرعة ستهرب إلى الفضاء، وبمرور الوقت تضيع هذه الغازات من الغلاف الجوي للأرض. وعليه، فإن الهيدروجين على الرغم من أنه أكثر العناصر وفرة في الكون، فإنه لا يُوجَد إلا بكميات ضئيلة للغاية في الغلاف الجوي للأرض نتيجة للعمليات المستمرة المُرتفعة الطاقة التي تفصل جزيئات الماء. وبالمثل، ترجع الكميات القليلة للغاية من الهليوم في الغلاف الجوي إلى التحرير المتجدِّد للغازات من المواد المشعة التي تصدر جسيمات ألفا (نواة ذرة الهليوم).
fig132
شكل ٦-٧: توزيع سرعات جزيئات الغاز عند درجة حرارة ٢٥ مئوية. لاحظْ كم تكون السرعات أكبر بكثير في حالة جزيئات الهيدروجين وذرات الهليوم الفائقة الخفة؛ ومن ثَم تهرب هذه المواد من الغلاف الجوي للأرض، على عكس الغازات الأثقل وزنًا (مقتبَس من كتاب براون وآخَرين «الكيمياء: العلم المركزي»).

(٥) إنها كيمياء رائعة تلك التي نقدمها إليك!

fig133
شكل ٦-٨: تعلَّم د. بنجامين راش على يد د. جوزيف بلاك في جامعة إدنبرة، وفي عام ١٧٦٩، حصل على أول كرسي في الكيمياء في أمريكا، في جامعة بنسلفانيا. يعرض هذا الشكل صفحة العنوان لمنهجه الدراسي (من كتاب «الكيمياء في أمريكا» لسميث). كان د. راش أحدَ الموقعين على إعلان الاستقلال الأمريكي، وعمل مع بنجامين فرانكلين، الذي وقَّع معه على الوثيقة، على إتقان صنع نترات البوتاسيوم.
تُعتبر فيلادلفيا مهْدَ الكيمياء في أمريكا، بيد أن جذور الكيمياء في فيلادلفيا تمتد إلى عصر التنوير الاسكتلندي وجامعة إدنبرة على وجه التحديد؛ فقد قضى ديفيد هيوم وآدم سميث جزءًا كبيرًا من حياتهما في إدنبرة، ويُشير المؤرخ جان جولينسكي إلى «بيئتها المحلية المشجعة»، ويستشهد بتوبياس سموليت، الذي أطلق عليها «منبت العبقرية».47،48 مُنحَ الدكتور بنجامين راش بجامعة بنسلفانيا أوَّلَ كرسي في الكيمياء في أمريكا في عام ١٧٦٩ (انظر الشكل ٦-٨ للاطِّلاع على صفحة العنوان لمنهج محاضَراته في عام ١٧٧٠).49،50 شارك راش مع بنجامين فرانكلين في التوقيع على إعلان الاستقلال، وحصل على شهادة الطب من جامعة إدنبرة، ودرس الكيمياء مع د. جوزيف بلاك.51 وبالطبع كان أهم اكتشافات بلاك هو عزل «الهواء المُثبَّت» (ثاني أكسيد الكربون)، ووصف تركيبه، ونُشر في عام ١٧٥٦. ومع ذلك، يتمثَّل أحد إسهاماته الكبرى الأخرى في تأثيره على طلابه الذين حضروا محاضراته الواضحة والمتجدِّدة. وقد نُشرَت الملاحظات المأخوذة من محاضَرات بلاك بعد وفاته على يد تلميذه جون روبيسون في عام ١٨٠٣.52 درس كل من صمويل لاثام ميتشل، وجون ماكلين، وبنجامين سيليمان الأب؛ أول أساتذة الكيمياء في جامعة كولومبيا (١٧٩٢)، وبرينستون (١٧٩٥)، وييل (١٨٠٢)، جميعهم مع بلاك في إدنبرة.53،54 قبل تعيين راش، كان أول مَن درَّس الكيمياءَ جزءًا من المقرَّر الدراسي في كلية الطب بجامعة بنسلفانيا جون مورجان، الذي تعلَّم الكيمياء، بالطبع، من بلاك في إدنبرة.55
من الإنصاف أن نذكر أن ثمة مستعمراتٍ أخرى بجانب بنسلفانيا أظهرت اهتمامًا مبكرًا بالكيمياء. وفي الواقع، أسهم جيفرسون من فيرجينيا، وآدامز من ماساتشوستس بآراءَ راسخةٍ إلى حدٍّ كبير.56 كما أنَّ جيمس ماديسون، الواضعَ المستقبليَّ للدستورِ والرئيسَ الرابعَ للولايات المتحدة، أدرجَ الكيمياءَ ضمن محاضراته عن الفلسفة الطبيعية في كلية ويليام وماري، حتى إنه نشَر خطابًا عن تجاربه الكيميائية في منتجع «سويت سبرينجز» في منشور «معاملات الجمعية الفلسفية».57
درسَ د. بلاك الكيمياء في جامعة جلاسكو في مختبر ويليام كولين (١٧١٠–١٧٩٠)،58 وانتقل إلى إدنبرة مع كولين، وقدَّم رسالة الدكتوراه في عام ١٧٥٤.51 خلف بلاك كولين أستاذًا للكيمياء في جلاسكو في عام ١٧٥٦، وفي إدنبرة في عام ١٧٦٦. تعلَّم كولين الكيمياء من خلال قراءة أعمال بورهاف في ترجمتها الإنجليزية. وضمَّت أعمال كولين الأصلية دراساتٍ عن التبييض وصناعة الملح، وعمل في مقاله59 «عن صنْع البرودة بتبخير السوائل، وبعض الطرق الأخرى لصنع البرودة»، على توسيع دراسات بورهاف عن قياس درجة الحرارة:

عند غمس ترمومتر في مشروب كُحولي، رغم أن درجة حرارة المشروب كانت هي نفسها درجةَ حرارةِ الهواءِ المحيطِ به، أو أبردَ إلى حدٍّ ما؛ فعند إخراج الترمومتر من المشروب، وتركه في الهواء، كان الزئبق الموجود في الترمومتر، الذي صنعه فهرنهايت، دائمًا ما يَنخفض درجتين أو ثلاث.

كانت فيلادلفيا موطنَ أول جمعية كيميائية، والتي تأسَّست في عام ١٧٨٩، على يد جون بينينجتون، الذي درس الكيمياء في إدنبرة.55 بعد عامين، أسَّس جيمس وودهاوس، أحد تلاميذ راش؛ ومن ثَم «الحفيد الكيميائي» لبلاك، الجمعيةَ الكيميائيةَ في فيلادلفيا.55 وفي عام ١٧٩٤، حاول راش إقناعَ جوزيف بريستلي، الذي تعرَّض للاضطهاد بسبب مُعتقَداته السياسية، بترك إنجلترا والاستقرار مرةً أخرى في فيلادلفيا، مسقطِ رأس صديق عمر بريستلي، بنجامين فرانكلين، الذي كان قد تُوفِّي حينئذٍ.60 في النهاية اختار بريستلي الذهابَ إلى نورثمبرلاند التي يَغلب عليها الطابع الريفي. باختصار، ألا يصحُّ وضعُ اثنَين من أهم المصادر للمؤرِّخين الكيميائيين في أمريكا — مجموعة إدجار فاهس سميث بجامعة بنسلفانيا، ومؤسسة التراث الكيميائي — في مدينة الحب الأخوي؟

(٦) «الطقس حارٌّ كالجحيم … في فيلا-دل-فيا»61

كما ذكَرْنا من قبل، كان الطقس حارًّا على نحو غير مسبوق تقريبًا، وكان مختبره في مواضعَ متنوعةٍ منه يتوهَّج على الدوام بالفحم المُشتعِل والأفران الحارة المشتعلة، والبوتقات، والسبطانات، وكان كل جزء منه مُغطًّى غالبًا بالبخار المتصاعِد من الماء المغلي. ونادرًا ما كانت درجة حرارة الهواء فيه، في أثناء النهار، تقلُّ عن ١١٠ إلى ١١٥ فهرنهايت؛ وربما حتى أعلى من ذلك في بعض الأحيان.
كنتُ أزور الأستاذ يوميًّا تقريبًا في منزل السلمندر هذا، وكنتُ دومًا ما أجده على الوضع نفسه — لا يَرتدي إلا قميصًا وبنطالًا صيفيَّيْن، وزرُّ ياقته مفتوح، وأكمامه مطوية لما فوق مرفقَيه، فيما يتدفَّق العرَقُ بغزارة على وجهه وجسمه، وملابسه بالكامل تقطر بللًا من السائل نفسه. إضافة إلى ذلك، كان هو نفسه بسبب انشغاله طَوال الوقت إما بإجراء عملياته فعليًّا، أو مراقبتها عن كَثَب والإشراف عليها، موجودًا معظم الوقت في أكثر البقع سخونةً في مختبره أو بالقرب منها.
كانت تحيَّتي له عند دخولي في هذا الدَّفْق من الحرارة الشبيه بنهر الفليجيثون62 على الدوام: «يا إلهي، دكتور، كيف يُمكنك تحمُّل البقاء طَوال الوقت في غرفة ساخنة هكذا! إنه مكان مثالي للتطهُّر من الخطايا!» وكان الرد الذي أتلقاه عادةً على هذا التساؤل الذي يحمل في متنه نبرةَ الاستفهام والتعجُّب في آنٍ واحدٍ له ذات الفحوى: «ساخنة يا سيدي، ساخنة! هل تُسمِّي هذه غرفةً ساخنةً؟ كيف يا سيدي؟ إنها واحدة من أبردِ الغرف في فيلادلفيا. إن انبعاث الأبخرة، يا سيدي، واحد من أكثر العمليات المُبرِّدة. ثم ألا ترى كيف ينبجس العرَقُ من جسمي، حاملًا معه كل السيال الحراري؟ وألا تعلم، يا سيدي، أنه بواسطة انبعاث الأبخرة، يمكن إنتاج الثلج تحت أشعة الشمس في أكثر الأجواء حرارةً؟»
هكذا كتبَ بنجامين سيليمان الأب في الفترة (١٨٠٢-١٨٠٣) التي قضاها في حضور محاضَرات الكيمياء وزيارة د. جيمس وودهاوس (الطبيب)، أستاذ الكيمياء بجامعة بنسلفانيا،63 علمًا بأن سيليمان صار أستاذًا للكيمياء بجامعة ييل بعد ذلك. والإشارة إلى «السلمندر» تَستدعي إلى الأذهان حيوان السلمندر الأسطوري المقاوم للنار في المعتقَدات الخيميائية (الشكل ١-٢١). وكما ذكرنا مسبقًا؛ فقد أسَّس وودهاوس، قبل عَقْد من هذا، الجمعية الكيميائية في فيلادلفيا،64 وكانت محاضَراته حماسية، إن لم تكن مُشوِّقةً للغاية، ويشير سيليمان إلى أنه «كان يأتي، عند إلقاء محاضرته، كما لو كان غير مطمئن، كما لو كان خائفًا بعض الشيء من ألا يَحظى بالكثير من التقدير؛ إذ لم يكن فعليًّا يحظى بتقدير كبير للدرجة.»63 ومع ذلك، كانت تجاربه فعَّالةً حتى باستخدام جهاز «متواضع» تميز بتكلفتِه المعقولة. وفي الواقع، يُصوِّر الشكل ٦-٩ «جهاز د. وودهاوس الاقتصادي»؛ وهو «مُختبَر متنقِّل، يضمُّ أحد أجهزة الفلسفة الطبيعية، وعددًا كبيرًا من العوامل الكيميائية، يُمكن لأي شخص إجراء عدد لا حصر له من التجارب المتنوعة الممتعة والتعليمية بواسطته.» يظهر الجهاز الموضح في الشكل ٦-٩ في ملحق الطبعة الأمريكية الأولى (فيلادلفيا، ١٨٠٢) لكتاب «كتاب الكيمياء للجيب»65 من تأليف د. جيمس باركنسون (الطبيب)، الذي وصف مرض الجهاز العصبي المركزي الذي يَحمل اسمه. وبعد إعلانه عن المجموعة الكبيرة من التجارب التي يُمكِن إجراؤها باستخدام «جهازه الاقتصادي»، يُشير د. وودهاوس إلى عيوب المختبَر المتنقِّل المنافِس لجيتون دو مورفو، على سبيل المثال:66

إنه أقل تكلفةً. إنَّ مصباح جهاز جيتون واحد من أسوأ الأنواع لمختبَر كيميائي. ولا مجال لوجود عدد من البراغي، لرفع المقطَّرة المعوجة أو المصباح أو خفضهما؛ نظرًا لإمكانية توليد حرارة مرتفعة أو مُنخفِضة، من مجرد رفع الفتيل أو خفضه.

بصرف النظر عن الدعاية، كان د. وودهاوس أحد أكثر الكيميائيِّين احترامًا وتوقيرًا في عصره، وكان أوَّل رئيس للجمعية الكيميائية في فيلادلفيا (١٧٩٢). وبوصفه معاديًّا للفلوجستون، انتقد حجج د. جوزيف بريستلي المؤيدة للفلوجستون، التي لُخِّصت في كُتيب الأخير الصادر في عام ١٧٩٦، الذي نُشر في فيلادلفيا، وأُعيدت طباعته في لندن، التي فرَّ منها قبل ذلك ببضع سنوات قليلة.67 على سبيل المثال، أشار وودهاوس إلى أنه عندما كلَّس المعادن في وجود «الهواء النقي» (الأكسجين)، انخفض الحجم، لكن «لم أستطع إدراك أن الهواء الذي تبقَّى كان متضرِّرًا.»68 إذا نظرنا إلى الأمر من وجهة النظر الفلوجستونية، فإن التكلُّس يجعل المعادن تُطلِق ما بها من فلوجستون في الهواء حتى يُصبح الهواء مشبعًا تمامًا بالفلوجستون، ولم يَعُد قادرًا على دعم اللهب أو الحياة (فيكون الهواء «سامًّا» أو مميتًا). غير أن الوضع ليس كذلك كما هو واضح؛ فعند وجود كمية زائدة من الأكسجين، تمتص المعادن كمية محدَّدة من هذا الغاز، تاركة خلفها كمًّا أصغر من الأكسجين بالدرجة نفسها من النقاء.
fig134
شكل ٦-٩: أسَّسَ د. جيمس وودهاوس، أستاذُ الكيمياء بجامعة بنسلفانيا الجمعيةَ الكيميائية بفيلادلفيا. وكانت له أيضًا سلسلةُ محاضراتٍ مربحة باعَ من أجلها جهازَه الكيميائي، الذي صرَّحَ بأنه يتفوَّق على الجهاز الذي اخترعه جيتون دي مورفو في فرنسا، وأقلُّ منه تكلفة. (من كتاب باركنسون، «كتاب الكيمياء للجيب»، ١٨٠٢.)
ومع ذلك، لم يكن وودهاوس شخصًا عقائديًّا؛ إذ ظلَّت لديه بعض الشكوك بشأن «الكيمياء الجديدة» الصادرة من فرنسا، وكان قلِقًا بشأن بريستلي المُسِن. وقد وردَت الفقرة التالية في خطاب جاء ردًّا على هجوم من د. جون ماكلين، الأستاذ بجامعة برينستون:69

يُمكن تكوين حكم على مدى نجاحك في تحقيق هدفك، وبأي حق تُصدِر حكمًا سلبيًّا على تجارب د. بريستلي بالطريقة المستبدة التي انتهجتها، في حين أنك لم تفعل شيئًا يُذكر، بالمواصفات التالية؟ ومع ذلك، فأنت لم تستطع بعدُ، يا دكتور، هزيمة هذا الخبير المحنَّك في الفلسفة.

في كتاب «كتاب الكيمياء للجيب» في عام ١٨٠٢، كتب د. وودهاوس66 ملحقًا بعنوان: «سرد للاعتراضات الرئيسة على نظام الكيمياء المناهض للفلوجستون». على سبيل المثال، يُثبت وودهاوس بالتجربة صحة تجربة لبريستلي تَمتزِج فيها «كفتان من الحديد» ملتهبتان (أكسيد الحديد الخالي من الماء، ومن ثَم، من الهيدروجين)، مع فحم مُلتهِب (خالٍ بالمثل من الماء؛ ومن ثَم من الهيدروجين)، وتكون النتيجة غازًا قابلًا للاشتعال (هيدروجين أيْ فلوجستون؟ غاز هيدروجيني مُكربَن؛ أي الميثان؟) ومن ثَم، لا بد أن الغازات التي نتجَت قد أزالت بعض الفلوجستون (الهيدروجين) من الفحم (ومكمَن الالتباس هنا أن معظم الغاز الناتج يكون أول أكسيد الكربون، وهو غازٌ قابل للاشتعال).
أسهمت الدقة والصرامة البالغتان في عمله — دون شك — في وفاة د. وودهاوس المبكِّرة، والذي أشار سيليمان إلى أنه لم «يَستفِد قط أيًّا من الحقائق التي كشفت عنها الكيمياء، من أجل شرح طبيعة الخالق كما ظهرت في أعماله.» وأطلق عليه د. بنجامين راش، معلِّمه السابق، ببساطة «ملحدًا صريحًا ووقحًا»63 في عام ١٨٠٩ في سن التاسعة والثلاثين.

(٧) اثنا عشر سنتًا نظير محاضرة كيمياء

كان أموس إيتون، إيه إم، رجلًا كثير المشاغل؛ فوصف نفسه في كتابه الصادر في عام ١٨٢٦ بعنوان «معلم الكيمياء»70 بأنه «محامٍ ومستشارٌ في القانون، وأستاذ في الكيمياء والفلسفة الطبيعية في كلية رينسلير وفي أكاديمية فيرمونت للطب … إلخ.» وبوصفِه محاضرَ كيمياء تجاريًّا اتَّبع الدرب الذي ارتاده أمثال هنري مويس، الطبيب، الذي نشر إعلانًا عن سلسلة محاضَراته الواقعة في واحد وعشرين جزءًا، «عناوين لمجموعة من المحاضرات عن فلسفة الكيمياء …» في عام ١٧٨٤ نظير جنيه إنجليزي واحد (أو شلن واحد نظير كل محاضرة)71 في صحيفة «ماساتشوستس سينتنيال». إليك منهجَ السيد إيتون (وأعتقد أننا نعلَم نَصَّ مَن الذي استخدمه):72

مجموعة محاضَرات مقسَّمة إلى ثلاث وثلاثين محاضرة

  • المحاضرة الأولى حتى صفحة ٢٢.

  • الثانية حتى صفحة ٢٦.

  • الثالثة حتى صفحة ٣٢.

  • الرابعة حتى صفحة ٣٨.

  • الخامسة حتى صفحة ٤٢.

  • السادسة حتى صفحة ٤٨.

  • السابعة حتى صفحة ٥٤.

  • حتى صفحة الثامنة ٦٠.

  • التاسعة حتى صفحة ٦٦.

  • العاشرة حتى صفحة ٧٠.

  • الحادية عشرة حتى صفحة ٧٦.

  • الثانية عشرة حتى صفحة ٨٢.

  • الثالثة عشرة حتى صفحة ٨٨.

  • الرابعة عشرة حتى صفحة ٩٤.

  • الخامسة عشرة حتى صفحة ١٠٢.

  • السادسة عشرة حتى صفحة ١١٢.

  • السابعة عشرة حتى صفحة ١١٩.

  • الثامنة عشرة حتى صفحة ١٢٥.

  • التاسعة عشرة حتى صفحة ١٣٠.

  • العشرون حتى صفحة ١٣٧.

  • الحادية والعشرون حتى صفحة ١٤٤.

  • الثانية والعشرون حتى صفحة ١٥٢.

  • الثالثة والعشرون حتى صفحة ١٥٩.

  • الرابعة والعشرون حتى صفحة ١٦٥.

  • الخامسة والعشرون حتى صفحة ١٧٥.

  • السادسة والعشرون حتى صفحة ١٨٠.

  • السابعة والعشرون حتى صفحة ١٩٠.

  • الثامنة والعشرون حتى صفحة ١٩٩.

  • التاسعة والعشرون حتى صفحة ٢١١.

  • الثلاثون حتى صفحة ٢٢٤.

  • الحادية والثلاثون حتى صفحة ٢٣٩.

  • الثانية والثلاثون حتى صفحة ٢٤٦.

  • الثالثة والثلاثون حتى صفحة ٢٤٩.

  • سعر هذه المجموعة ٤ دولارات. وإذا اختُصرت إلى ٢٢ محاضرة، يكون سعرها ٣ دولارات.

لم يكن السيد إيتون ليُثقل كاهل طلابه أبدًا بنظريات غامضة عن مركَّبات عديمة الفائدة:

من المؤسف أن معظم الأطروحات الشهيرة عن الكيمياء تُخصِّص قدْرًا كبيرًا للغاية من صفحاتها لمركَّبات عديمة الفائدة، لا يُمكنها أبدًا أن تعود بالنفع على الدارس أو الشخص العادي؛ لا سيما المركَّبات التي لا حصر لها التي تحتوي على الكلور واليود، التي يُمكن مضاعفتها وتوسيع نطاقها في ظل وجود أي مادة أخرى. فهذا بالتأكيد أمر تافه بالنسبة للمخزون الغني من المعرفة الإنسانية. ضع مثل هذه الأعمال بين يدي أحد الطلاب، واطلب منه وضْع كامل ثقته في المؤلِّفين، وسيُؤدِّي هذا إلى تكوينه آراءَ غريبةً عن العلم؛ فقد يَتخيَّل أن نظرية ديفي عن الكلور واليود شكَّلت علم الكيمياء بأكمله، وأن الحصول على مزيد من المعرفة عن الموضوع، رغم عدم وجود أهمية بالغة لهذا، يجب أن تكون في صورة تكملة مناسبة لنظرية الكلور واليود. وحتى مع الاعتراف بأن كل نظريات ديفي كانت مدعَّمةً جيدًا، أليست هذه النظريات التافهة بلا أيِّ أهمية تمامًا مثل أصغر الحشرات التي عرفها الإنسان؟ فأنا أفضِّل أن أهيئ الطالب، بدلًا من هذا، لحفظ كل تعويذات العصور الوسطى، أو عدد الطرق التي يمكن بها ترتيب حروف الأبجدية.

حسنًا، مَن قال إن تلبية رغبات طالب يدفع مصاريف تعليمه مجردُ ظاهرة حديثة؟ إضافة إلى أننا لطالَما كنَّا أمةً عمليةً؛ استمع إلى ما قاله الرئيس توماس جيفرسون في عام ١٨٠٥:73،74

لقد ملأ علماء الكيمياء مجلداتٍ بتركيب آلاف المواد التي لا أهمية لها على الإطلاق لمقاصد الحياة؛ في حين تظلُّ فنون صناعة الخبز، والزبد، والجبن، والخل، والصابون، والجِعَة وعصير التفاح وغيره بلا تفسير.

تُشير «نظرية ديفي عن الكلور واليود» إلى دراساته المتأنية التي استمرت لنحو ١٠ سنوات قبل ظهور كتاب إيتون. وقد أثبتَت هذه الدراسات أن الكلور واليود عنصران خالصان، وأن حمض الهيدروكلوريك وحمض الهيدرويوديك (HI) لا يَحتويان على الأكسجين، وأن نظرية لافوازييه القائلة إن كل الأحماض تحتوي على الأكسجين غير صحيحة؛ وهي استنتاجات ربما أعظم بكثير من «أصغر الحشرات التي عرفها الإنسان.» غير أن إيتون كان يقف على الطرف الآخر من المحيط الأطلنطي من ديفي، وعلى الأرجح كان بإمكانه الدفاعُ عن نفسه ببراعة لو لجأ ديفي المريض إلى رفع دعوى تشهير. في الواقع، أنهى ديفي أيامه الأخيرة بالصيد، ونشر كتابه «سالمونيا: أو أيام الصيد بالحشرات» في عام ١٨٢٨، قبل عام من وفاته، غير مدرك على نحو مناسب الانتقادات الصادرة من براري منطقة شمال نيويورك وفيرمونت.
في الواقع، مرَّت حياة أموس إيتون المهنيةُ ببعض المُنعطَفات والمُنحنيات المُذهِلة؛75 فقد وُلد في بلدة تشاتهام، نيويورك، في عام ١٧٧٦، ودرس إيتون القانون في كلية كولومبيا، وكان أوَّل مَن أثار اهتمامه بالكيمياء صمويل لاثام ميتشل، ونجح في اختبار مزاولة مهنة المحاماة في عام ١٨٠٢. مارس القانون وزاول العمل التجاري وأُدين بالتزوير استنادًا إلى أدلَّةٍ لفَّقها له بعضٌ من أعدائه، وسُجن في عام ١٨١١، وحصل على عفو من الحاكم تومبكينز في عام ١٨١٥ بموجب تعهُّد منه بعدم العودة أبدًا إلى ولاية نيويورك. وانتقل إلى مدينة نيو هافن، وتعلَّم الكيمياء من بنجامين سيليمان في ييل، وأصبح مُحاضرَ كيمياء متجولًا عبْر بلدات نيو إنجلاند وقراها، حتى إنه كان يتجرَّأ أحيانًا على العبور إلى ولاية نيويورك. وذاعت شهرته؛ فقد دعاه حاكم نيويورك الجديد، ديويت كلينتون، لإلقاء محاضرات على المُشرعين، والتقى بالثري ستيفن فان رينسيلير، الذي أسَّس جامعة رينسيلير في الأساس من أجل توفير مكان لهذا المحاضر الموهوب في الكيمياء والجيولوجيا. ويُعتبر معهد رينسيلير للتقنيات المتعدِّدة حاليًّا جامعةً بحثيةً تحظى باحترام واسع النطاق، وتتولَّى رئاسته عالمةُ فيزياء أمريكيةٌ من أصلٍ أفريقي، هي د. شيرلي جاكسون، في وقت كتابة هذا المقال. وحصل معهد رينسيلير للتقنيات المتعدِّدة للتوِّ على تبرع غير مشروط قدره ٣٠٠ مليون دولار؛ وهو مبلغ لا بأس به لجامعة ريفية كان أوَّل أستاذ كيمياء بها مزوِّر مُدان.
fig135
شكل ٦-١٠: استهلَّ روبرت بيست إيده كتالوجه المصوَّر المكوَّن من ٤٨ صفحة بكتاب دراسي عن الكيمياء يتكوَّن من ١٩٣ صفحة. ولكن كانت المَبيعات هي الهدف الرئيس؛ وإليك بداية كتالوجه المصوَّر (من كتاب إيده «حقائق عملية في الكيمياء»، لندن، ١٨٣٩، ١٨٣٧).
fig136
شكل ٦-١١: «جهاز الكيمياء للطلاب» لإيده عام ١٨٣٧ (انظر الشكل ٦-١٠).
fig137
شكل ٦-١٢: تجربة إيده الطلابية البسيطة والراقية من أجل الحصول على ثلاثي أكسيد ثُنائي النيتروجين — غير المستقر إلى حدِّ كبير ذي اللون الأزرق الداكن، والذي لا يتحلَّل إلا عند درجة حرارة ٣ مئوية — وحبسه في درجة حرارة صفر مئوية. ما زالت هذه تجربةً جيدةً في عصرنا الحالي، بعد مرور نحو ١٧٠ سنة (انظر الشكل ٦-١١).
ازدهر العمل التجاري الكيميائي في أوائل القرن التاسع عشر. وفي كتاب «حقائق عملية في الكيمياء»، ألَّف روبرت بيست إيده كتابًا تعليميًّا صغيرًا، يُعتبر مقدمةً افتراضيةً من ١٩٣ صفحة لكتالوجه المصوَّر المكوَّن من ٤٨ صفحة «سلسلة روبرت بيست إيده للمختبرات والصناديق الكيميائية …» نُشر في لندن في عام ١٨٣٧ (انظر الشكل ٦-١٠).76 وأُضيفَت إلى هذا الكتالوج المصوَّر أربع صفحات من التوصيات والشهادات تضم مجلاتٍ، وصحفًا، وعلماء كيمياء مشاهير، مثل توماس جراهام، أستاذ الكيمياء في جلاسكو (لقد أُتيحت لي فرصة إلقاء نظرة على محتويات مختبَر السيد إيده المتنقِّل، وأُعجبتُ به كثيرًا)، وتوماس كلارك، الطبيب، بجامعة أبردين (إنني أعتبر مختبَر السيد إيده المتنقِّل اختيارًا زهيد الثمن ومفيدًا للغاية للطلاب في مجال الكيمياء التجريبية)؛ وكان هذا، في الواقع، إطراءً كبيرًا من رجل اسكتلندي.
لاحظِ الجهازَ العمليَّ البسيطَ الموضَّح في الشكل ٦-١١. تُشكِّل المقطرة المعوجَّة الكروية ووعاء استقبال بسيط أنبوبي الشكل لاستقبال المواد المُقطَّرة (القطعة ١٤) جهازًا من قطعتين من الأنابيب الزجاجية. تُصنع المقطرة المعوجَّة عن طريق ثنْي أنبوب بعض الشيء، وغلق أحد طرفيه، والنفخ فيه لتكوين فقاعة في الطرف المغلق في أثناء تسخين الأنبوب.77 أما وعاء الاستقبال الأنبوبي، فهو مُنحنٍ قليلًا وشبه مُغلَق، مع ترك فتحة ضيقة للغاية من أجل خروج الغازات والأبخرة. يتصل الوعاءان معًا بإحكام باستخدام معجون من دقيق بذر الكتان، أو بأنبوب من شرائح الكاوتشوك (المطاط الطبيعي). ويُوضَّح استخدام هذا الجهاز في الشكل ٦-١٢.77 يُغمس الجزء المُنحني من المستقبل الأنبوبي في ماء مثلج، وتُوضع نترات الرصاص [Pb(NO3)2] في المقطرة المعوجة، وتُوصِّل قِطَع الجهاز معًا، وتُسخن المقطرة المعوجة باستخدام مصباح كحولي من أجل تكوين أكاسيدَ مختلطةٍ، ويتجمَّع محلول من حمض النيتروز في الجزء المنحني من وعاء الاستقبال الأنبوبي. وعند وضع مقدار صغير للغاية من هذا السائل في أنبوب اختبار جافٍّ وتُضاف إليه قطرةٌ واحدةٌ من الماء المقطَّر، يظهر لون أزرق داكن، ربما نتيجة لوجود ثلاثي أكسيد ثنائي النيتروجين (N2O3) — وهي مادة غير شائعة وغير مُستقرَّة نسبيًّا تتحلَّل عند درجة حرارة ٣٫٥ درجة مئوية.78 إذًا نرى هنا بعضًا من التجارب الكيميائية الراقية تُجرى في جهازٍ زهيدِ الثمنِ مصنوعٍ من أنبوبين زجاجيَّيْن ومعجون من دقيق بذر الكتان.

هوامش

(1) W. Myles, in Chymia, No. 4 (H. M. Leicester, ed.), University of Pennsylvania Press, Philadelphie, 1953, pp. 76-77.
(2) W. Myles, In Chymia, No. 3 (H. M. Leicester, ed.), University of Pennsylvania Press,. Philadelphia, 1950, pp. 95–113.
(3) E. F. Smith, Chemistry in America, D. Appleton & Co., New York and London, 1914, pp. 12–43.
(4) The Chemical Society of Philadelphia disbanded between 1805 and 1810 and was succeeded in 1811 by the Columbian Chemical Society, also formed in Philadelphia (see notes 2 and 3 above).
(5) J. Penington, Chemical and Economical Essays, Joseph James, Philadelphia, 1790.
(6) W. D. Williams and W. D. Myles, Bulletin of History of Chemistry, Vol. 8, p. 18, 1990. Earlier American chemistry publications, by Rush and the blind lecturer Henry Moyes, were small specialized pamphlets, not books. I am grateful for correspondence concerning Penington and his book with Professor William D. Williams, Harding University, Searcy, Arkansas. Harding University houses the combined Americana chemical book collections of Dr. Williams and historian Dr. Wyndham D. Myles and has been officially designated an historic chemical site.
(7) A. Greenberg, A Chemical History Tour, John Wiley & Sons, New York, 2000, pp. 189–191.
(8) Penington, op. cit., pp. 4-5.
(9) Penington, op. cit., pp. 146–150.
(10) W. Miles, in Chymia, Vol. 3, University of Pennsylvania Press, Philadelphia, 1950, pp. 95–113.
(11) E. F. Smith, Chemistry in America, D. Appleton and Co., New York and London, 1914, pp. 12–47 (reprints in full Thomas P. Smith’s oration).
(12) T. P. Smith, Annual Oration Delivered before the Chemical Society of Philadelphia, April 11, 1798—A Sketch of the Revolutions in Chemistry, Samuel H. Smith, Philadelphia, 1798.
(13) J. R. Partington, A History of Chemistry, Vol. 3, Macmillan & Co., Ltd., London, 1962, pp. 212–214.
(14) Partington, op. cit., pp. 540–542, 572.
(15) W. H. Brock, The Norton History of Chemistry, W. W. Norton & Co., New York and London, 1993, p. 154.
(16) G. Rayner-Canham, Descriptive lnorganic Chemistry, Freeman, New York, 1996, pp. 349–352.
(17) A. Greenberg, A Chemical History Tour, John Wiley & Sons, New York, 2000, p. 239.
(18) Smith is referring to Anne Dacier (1654–1720), a renowned European classicist, editor, and translator and Mary Ludwig Hays McCauley (1754–1832), who joined her husband Hays at the Battle of Monmouth (New Jersey) on June 28, 1778. Mrs. McCauley hauled pitchers of well water back and forth for the soldiers, and when Hays collapsed from the heat, she took his place at the cannon for the remainder of the battle (see The New Encyclopedia Britannica, Encyclopedia Britannica, Inc., Chicago, 1986, Vol. 3, pp. 841-842; Vol. 7, p. 611. “Molly Pitcher” has been honored by a battle monument and, profoundly, by the naming of the food court/gasoline station complex at Exit 7 of the New Jersey Turnpike.
(19) Smith’s footnote here is as follows: Mrs. Fulhame has lately written an ingenious piece entitled “An Essay on Combustion, with a view to a new art of dyeing and painting, wherein the phlogistic and anti-phlogistic hypotheses are proved erroneous”. Since the delivery of this oration she has been elected a corresponding member of this Society. (see also Greenberg, op. cit., pp. 156–159 and K. J. Laidler, The World of Physical Chemistry, Oxford University Press, Oxford, 1993, pp. 250–252; 277-278. Laidler calls Mrs. Fulhame a “forgotten genius”).
(20) C. Bailey (transl.) Lucretius on the Nature of Things, Oxford University Press, Oxford, 1910, p. 43.
(21) Bailey, op. cit., p. 38.
(22) Bailey, op. cit., p. 35.
(23) The idea of a “retro-Nobel Prize” forms the premise for the inventive play Oxygen by Carl Djerassi and Roald Hoffmann; see C. Djerassi and R. Hoffmann, Oxygen, Wiley-VCH, Weinheim, 2001.
(24) J. R. Partington, A History of Chemistry, Macmillan & Co., Ltd., London, 1961, Vol. 2, pp. 271–276.
(25) Partington, op. cit., pp. 430–441.
(26) Partington, op. cit., pp. 458–467.
(27) Partington, op. cit., pp. 502–507.
(28) Partington, op. cit., pp. 474–477.
(29) Partington, A History of Chemistry, Macmillan & Co., Ltd., London, 1962, Vol. 3, pp. 765–782.
(30) Partington (1962), op. cit., pp. 782–786.
(31) A. Greenberg, A Chemical History Tour, John Wiley & Sons, New York, 2000, pp. 170–175.
(32) Greenberg, op. cit., pp. 168–170.
(33) Partington (1962), op. cit., pp. 716–721.
(34) T. Thomson, A System of Chemistry in Five Volumes, third edition, Bell & Bradfute, and E. Balfour, London, 1807, Vol. III, pp. 424–431;
(35) Partington (1962), op. cit., pp. 271–276.
(36) J. R. Partington, A History of Chemistry, Macmillan & Co., Ltd., London, 1962, Vol. 3, pp. 755–822.
(37) Partington, op. cit., p. 760.
(38) Partington, op. cit., pp. 762–765.
(39) Partington, op. cit., pp. 765–767.
(40) J. Dalton, Memoirs of the Literary and Philosophical Society of Manchester, Vol. V, Part II, Codell and Davies, London, 1802, pp. 535–602.
(41) J. Dalton, A New System of Chemical Philosophy, Part I, Manchester, 1808; Part II, Manchester, 1810 (see Plate 7).
(42) Partington, op. cit., pp. 778–781.
(43) J. R. Partington, A History of Chemistry, Macmillan & Co. Ltd., London, 1964, Vol. 4, p. 78.
(44) The New Encyclopedia Britannica, Encyclopedia Britannica, Inc., Chicago, 1986, Vol. 14, p. 311.
(45) T. L. Brown, H. E. LeMay, Jr., and B. E. Bursten, Chemistry—the Central Science, seventh edition, Prentice-Hall, Upper Saddle River, NJ, 1997, pp. 364–368.
(46) S. Mitton (ed.), The Cambridge Encyclopedia of Astronomy, Crown Publishers Inc., New York, 1977, pp. 193–195.
(47) J. Golinski, Science as Public Culture—Chemistry and Enlightenment in Britain, 1760–1820, Cambridge University Press, Cambridge, UK, pp. 13–25.
(48) A. Herman, How the Scots Invented the Modern World: The True Story of How Western Europe’s Poorest Nation Created Our World and Everything in It, Crown Publishers, New York, 2001.
(49) E. F. Smith, Old Chemistries, McGraw-Hill, New York, 1927, pp. 11–14.
(50) E. F. Smith, Chemistry in America, D. Appleton and Co., New York, 1914.
(51) J. R. Partington, A History of Chemistry, Macmillan & Co., Ltd., London, 1962, Vol. 3, pp. 130–143.
(52) J. Black, Lectures on The Elements of Chemistry, delivered in the University of Edinburgh, by the late Joseph Black, M. D. … now published from his Manuscripts, by john Robison, LL.D., Edinburgh, Mundell & Sons for Longman & Rees, 1803. The American edition was published in 1807. My copy of this three-volume set was purchased at an auction of books de-accessed by the Franklin Institute in Philadelphia in 1986. The signature of its original owner, Adam Seybert, a student of Dr. Rush and thus the “chemical grandchild” of Dr. Black, dated 1807, is on the title page of Volume 1. In such a manner does a book collector enjoy direct links to history.
(53) A. J. Ihde, The Development of Modern Chemistry, Harper & Row, New York, 1964, p. 268.
(54) D. S. Tarbell and A. T. Tarbell, Essays on the History of Organic Chemistry in the United States, Folio Publishers, Nashville, 1986, pp. 17–23.
(55) W. Myles, Chymia, Vol. 3, University of Pennsylvania Press, Philadelphia, 1950, pp. 95–113.
(56) A. Greenberg, A Chemical History Tour, John Wiley and Sons, New York, 2000, pp. 189–191.
(57) Smith (1914), op. cit., pp. 5–7.
(58) Partington, op. cit., pp. 128–130.
(59) J. Black, Experiments on Magnesia Alba, Quick-Lime, and Other Alcaline Substances; by Joseph Black, M. D., to Which is Annexed, an Essay on the Cold produced by Evaporative Fluids, and of some other means of producing Cold, by William Cullen, M. D., William Creech, Edinburgh, 1782, pp. 117-118.
(60) Smith (1914), op. cit., pp. 109–118.
(61) Homage to the Broadway production of 1776.
(62) In mythology, one of the five rivers of Hades.
(63) E. F. Smith, Chemistry in America, D. Appleton and Co., New York and London, 1914, pp. 103–106.
(64) Smith, op. cit., p. 12.
(65) J. Parkinson, Chemical Pocket-Book, James Humphreys, Philadelphia, 1802.
(66) Parkinson, op. cit., pp. 201–215.
(67) J. Priestley, Experiments and Observations Relating to the Analysis of Atmospherical Air, Philadelphia, 1796.
(68) Smith, op. cit., p. 83.
(69) Smith, op. cit., p. 92.
(70) A. Eaton, Chemical Instructor: Presenting a Familiar Method of Teaching the Chemical Principles and Operations of the Most Practical Utility to Farmers, Mechanics, Housekeepers and Physicians; and Most Interesting to Clergyman and Lawyers, Websters and Skinners, Albany, 1826.
(71) H. Moyes, Heads of a Course of Lectures on the Philosophy of Chemistry, Boston, 1784.
(72) Eaton, op. cit., pp. 3–11.
(73) E. F. Smith, Old Chemistries, McGraw-Hill, New York, 1927, pp. 50–52, 60–64.
(74) A. Greenberg, A Chemical History Tour, John Wiley & Sons, New York, 2000, pp. 189–191.
(75) H. S. Van Klooster, Chymia, Vol. 2, University of Pennsylvania Press, Philadelphia, 1949, pp. 1–15.
(76) R. B. Ede, Practical Facts In Chemistry, Exemplifying the Rudiments and Showing with What Facility the Principles of the Science May Be Experimentally Demonstrated at a Trifling Expense by Means of Simple Apparatus & Portable Laboratories, More Particularly in Reference to Those by Robert Best Ede, Thomas Tegg, and Simkin, Marshall, and Co., London, 1839. Issued and bound with Robert Best Ede’s Series of Chemical Laboratories and Chests, with Appropriate Companions, Also, Mineralogical Boxes, Labels and Other Select and Approved Articles, dated February 1837.
(77) Ede, op. cit., pp. 144–159.
(78) F. A. Cotton and G. Wilkinson, Advanced Inorganic Chemistry, fifth edition, John Wiley & Sons, New York, 1988, pp. 320–328.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠