الفصل الخامس

أوجه النشاط الاقتصادي النوبي

من الأمور المعروفة أن الأقاليم التي تتسم بفقر الموارد الطبيعية يقل فيها التخصص في شكل رئيسي من أشكال الإنتاج، وتزداد عدد الحرف وتتنوع من أجل تعويض الفقر في الموارد الطبيعية والبشرية، وكان هذا هو الوضع بالنسبة لكثير من البيئات فقيرة الموارد مثل الصحاري أو إقليم النوبة الذي نحن بصدده في هذا المجال.

(١) مجمل المتغيرات في النشاط الاقتصادي

في إقليم النوبة كنا نرى الأنشطة الآتية: الزراعة مع بعض تربية الحيوان، السماكة والنقل النهري، صناعة الفحم النباتي، خدمات التجارة الداخلية، تصدير بعض المنتجات المحلية إلى خارج النوبة، وخاصة التمور والأعشاب البرية ذات الفوائد العلاجية، وساطة النقل السلعي من السودان الأوسط إلى بقية مصر عبر الدروب الصحراوية، وخاصة وادي كورسكو والعلاقي، هذه الأنشطة كانت سائدة حتى أوائل القرن الحالي، وبعضها اندثر بعد إنشاء سد أسوان وتعليته عام ١٩٣٣، وخاصة إنتاج وتجارة التمور والأعشاب البرية والنقل التجاري عبر أودية الصحراء، وحل محلها هجرة العمل النوبي إلى مدن مصر والسودان بصورة مكثفة عن ذي قبل.

fig13
شكل ٥-١: نظام المياه في النوبة قبل وبعد إنشاء سد أسوان وتعليته إلى عام ١٩٣٣.
fig14
شكل ٥-٢: استخدام البيئة النوبية قبل وبعد ١٩٣٣.
fig15
شكل ٥-٣: قطاع عرضي في شمال سيالة، النوبة المصرية.
وأول وأهم الملاحظات أنه قد حدث تغير في مواسم النشاط الاقتصادي في النوبة بعد إنشاء سد أسوان، ففيما قبل السد كان موسم النشاط ممتدًّا طول العام مع تركيز واضح على الشتاء والربيع، فانقلب الموسم النشط إلى الصيف وأوائل الخريف بعد إنشاء وتعلية سد أسوان (انظر الأشكال ٥-١ و٥-٢ و٥-٣)، وهذا الانقلاب متماثل مع ما حدث لمائية النهر، ففي الماضي كان النهر يرتفع إلى المناسيب العالية صيفًا أثناء الفيضان، وتنخفض المياه شتاءً تاركة سهلًا فيضيًّا أشبع بالرطوبة على الضفاف، وأحواضًا ملأتها المياه خلال الفيضان، وبذلك كان النشاط الزراعي يبدأ في أواسط الخريف أو نهاياته حسب اختلاف قوة الفيضان من سنة لأخرى، ومن ثم كانت هناك محاصيل شتوية معظمها بقوليات، ومحاصيل صيفية على رأسها ذرة والدخن والشعير، وكانت المساحات المزروعة محدودة بالقدرة على رفع الماء بالعود «الشادوف» أو الساقية، وفي أحيان نادرة كان هناك محصول نيلي في مناطق مؤهلة لذلك وبخاصة أراضي الجزر، أو بواسطة إقامة ساقيتين أو عودين وراء بعضهما وعلى منسوبين مختلفين، بحيث تأخذ الساقية العليا من حوض تملؤه قناة تستمد مياهها من الساقية السفلى، وكان هذا النظام من الري موجودًا بصفة أساسية في القسم الجنوبي من النوبة المصرية؛ حيث الأراضي الجيدة واسعة نسبيًّا.

وإلى جانب النشاط الزراعي بما يحتويه من إعداد الأرض والبذر والعناية بالحصاد والتخزين مما يشغل النوبيين وقتًا طويلًا، كانت هناك أنشطة أخرى بعضها مرتبط بإنتاج الأعلاف النوبية المعروفة وتربية الماشية وبيعها لتجار أسوان، والبعض الآخر مرتبط بالنقل والسماكة والتجارة المحلية وصناعة الفحم النباتي، وتبادل المنفعة مع بادية الصحراء من العبابدة والبشارية.

وبعد إنشاء سد أسوان حدث انقلاب بمقتضاه أصبح موسم المياه المنخفضة هو موسم الفيضان في الفترة بين يونيو وأكتوبر، بينما تركب مياه الخزان الأراضي بقية السنة (شكل ٥-٢)، ومعنى هذا أن معظم الأراضي التي كان يزرعها سكان النوبة في الماضي تظل تحت الماء كل السنة، وكان عليهم إقامة نشاطهم الزراعي على الأرض التي تنكشف بعد تفريغ مياه الخزان، وهذه الأراضي الجديدة لم تكن مستغلة في الماضي؛ لأنها كانت تشكل أرضًا مرتفعة عن أعلى منسوب للفيضان بنحو ستة أمتار في الجنوب إلى نحو اثني عشر مترًا في شمال النوبة أو تزيد، فإذا أخذنا حالة قرية سيالة التي تقع في وسط النوبة تقريبًا (انظر شكل ٥-٣) سوف نجد منسوب مياه الفيضان في حدود ١١٠ أمتار، بينما منسوب مياه الخزان هو ١٢١ مترًا، وفي الماضي كانت مناطق سيالة الزراعية بصفة عامة توجد في مناسيب أقل من ١١٠ أمتار بعد أن تنحسر مياه الفيضان، بينما أصبحت الحقول بعد سد أسوان هي أجزاء من الأراضي التي تقع بين مناسيب ١١٠ و١٢٠ مترًا، ولقد اجتهد النوبيون في استزراع الأراضي الجديدة بالري بواسطة السواقي، تقام على آبار أو فم قنوات صغيرة تصل إلى مناسيب مياه الفيضان لجلب المياه إلى الداخل؛ من أجل زراعة محاصيل الصيف.

(٢) الحياة في النوبة كما صورتها كتابات القرن التاسع عشر

في أوائل القرن التاسع عشر ارتحل إلى النوبة، أو مر عبرها، عدد كبير من الرحالة والمغامرين الأوربيين، نذكر منهم السويسري جون لويس بوركهارت J. L. Burckhardt الذي ارتحل في النوبة عام ١٨١٣، والبولندي جوزف فون سنكوفسكي J. Von Senkowesky (١٨١٩)، والألماني إدوارد روبل E. Rueppell (١٨٢٣)، والنمساوي أنتون فون بروكش-أوستن الذي كان مبعوث إمبراطورية النمسا إلى مصر في الفترة ١٨٢٦–١٨٣٣ A. Von Prokesh-Osten، والأمير الروسي هرمان لودفيج بيكلر-موسكاو H. L. Pueckler-Muskau (١٨٣٧)، والجيولوجي النمساوي يوسف فون روسيجر الذي كان يعمل لحساب مصر ١٨٤٦–١٨٤٩ J. Von Russegger، والروسي رافالوفيتش Rafalowitsch (١٨٤٧)، وأمليا إدواردز الإنجليزية B. Amelia Edwards (١٨٧٧) وغيرهم.
وقد كان لكل من الرحالة وجهة نظر للموضوع بعضها شخصي١ وبعضها موضوعي، لكن ربما كان أكثر الكتابات موضوعية هي كتابات بوركهارت وروبل وبروكش-أوستن والأمير بيكلر موسكاو، وربما استقينا بعضًا من هذه الكتابات لتوضيح أوضاع النوبة الاقتصادية في أوائل القرن الماضي، قبل وبعد الانضمام الكامل في النسيج المصري.
يركز بوركهارت،٢ الذي استغرقت رحلته ٣٥ يومًا من أسوان إلى شمال بلاد المحس والعودة إلى أسوان، على الأوضاع السياسية في أواخر أيام حكم الكشاف لبلاد النوبة، وما تعرضت له من دمار إثر هجمة المماليك الفارين من حكم محمد علي، والظلم الذي كان يقع على النوبيين من جراء الضرائب الباهظة التي كان الكشاف يفرضونها عليهم، ويخلص إلى أن هذا الجور سبب الفقر العام في النوبة.

لكن بوركهارت كان موضوعيًّا في وصف النوبة كما رآها مسرع الخطى، يقول: إن الضفة الشرقية في النوبة من أسوان إلى كورسكو أوسع وأصلح للزراعة؛ فهي مكسوة بطبقة من الطمي، في حين أن الضفة الغربية معرضة لسفي الرمال من الصحراء الغربية إلا في ظل بعض الجروف والجبال. وحيث إن رحلته كانت في فبراير ومارس، فهو يرى النهر ضيقًا، وهذا أمر طبيعي؛ فالفيضان لم يأتِ بعد، والمحاصيل الرئيسية التي لاحظها بوركهارت هي الذرة والدخن، ويتعجب لعدم زرع البرسيم برغم غمر الفيضان للأراضي الزراعية. الزراعة لا تتم إلا بري السواقي؛ مما يستدعي وجود الأبقار لإدارتها، وتتغذى الأبقار على قش الذرة والكشرنجيج، الحقول مقسمة إلى أحواض صغيرة — ٣ × ٣ أمتار — تدخلها مياه المساقي. ويقول: إن الأرض تزرع بعد حصاد الذرة عدة محاصيل: منها الشعير والكشرنجيج والفول واللوبيا وتبغ رديء النوع، أما القمح فهو نادر وينضج في شهر مارس، وعلى مقربة من الدر تزرع محاصيل أخرى هي العدس والحمص والترمس والبطيخ، وإن هناك زرعة ثالثة بعد الشعير هي الذرة الصيفية التي تُزرع في أبريل، ولا تتم إلا في الأرض الجيدة ولا بدَّ من ريها بالسواقي. ولا يجب أن يفوتنا أن نُؤكد أن المساحات الزراعية التي وصفها بوركهارت هي بالضرورة صغيرة؛ لأنه كان يمر وقت انخفاض النيل؛ مما يستدعي جهدًا كبيرًا في رفع المياه، ومن ثم كانت قدرة الناس محدودة في الزراعة، حتى لو كانوا من الذين يمتلكون أعدادًا وفيرة من الأبقار.

وقد لاحظ بوركهارت كثرة النخيل ابتداءً من كورسكو، لكن أشهره في مصر هو تمر الدر وإبريم — المعروف باسم البلح الإبريمي — الذي يشتريه تجار إسنا وأسوان وينقلونه في المراكب في الخريف، حين يساعد تيار الماء القوي على سرعة النقل إلى الشمال.

أما إدوارد روبل٣ فقد كان ملاحظًا متميزًا، ولم يركز روبل كثيرًا على موضوع الكشاف، باستثناء ذكره أن الخراج السنوي الذي يدفعونه لحكومة القاهرة كان في حدود ١٨٠ بويتل Beutel أو ما يساوي ٩٠٠٠ تالر Thaler — البويتل عملة عثمانية = ٥٠٠ قرش، وفي مصر = مائة قرش = ١٠١ مارك أو تالر في تلك الفترة. والأمر الهام الذي أورده روبل أن ما يتحصل عليه الكاشف سنويًّا من الضرائب التي يفرضها على النوبيين، يعادل ٤٠٠ بويتل أو ٢٠٠٠٠ تالر؛ مما يعني أن الكاشف يتحصل على قيمة تزيد على ما يدفعه للدولة، وهو ما يعطينا فكرة عن القوة المالية للكشاف في تلك الفترة، ولا بدَّ أنهم كانوا يستثمرون جزءًا من هذه القوة المالية في تجارة الرقيق، التي كانت تتجمع في دنقلة وبلاد المحس، ثم تتجه غربًا لتلحق بدرب الأربعين بعيدًا عن النوبة الشمالية.٤ هذا بالإضافة إلى المشاركة في تجارة السودان ومصر عبر وادي العرب.

وحول الزراعة يذكر روبل أن البرابرة — يقصد الكنوز — يزرعون الأرض العالية عن مناسيب الفيضان ليؤمنوا سلامة المحصول إذا جاء الفيضان مبكرًا، ولهذا فهم يروون الأرض صناعيًّا، وفي حالة حدوث فيضان منخفض، فإن الكنوز يعانون أزمة غذاء حقيقية، وهناك محصولان سنويًّا: الأول في سبتمبر بعد هبوط الفيضان وينضج في يناير، والثاني في يناير وينضج في مايو، والمحاصيل المهمة هي الذرة والدخن والكشرنجيج والشعير والقمح، وتزرع اللوبيا على ضفة النهر والقنوات صغيرة الامتداد، وهناك محاصيل ثانوية تزرع في مساحات صغيرة من البصل والتبغ والقطن، وتحتاج الساقية في إقليم الكنوز إلى ستة رءوس من الأبقار، كل بقرتين تعملان معًا نحو خمس ساعات.

وكانت العوائد في النوبة أيام الكشاف لا تُحسب على المساحة الزراعية، بل تُحتسب على الساقية، ويرى روبل أن كبار الملاك القادرين على حيازة عدد كبير من الأبقار والثيران يستطيعون زراعة مساحات كبيرة، بحكم إمكان تشغيل الساقية فترة طويلة، بينما الفقراء الذين لا يمتلكون أكثر من بقرتين أو ثلاثة أبقار لا يستطيعون زراعة مساحات كبيرة، ومع ذلك يدفع الفقير نفس الفئة من العوائد على الساقية الواحدة، وفي عهد الإدارة المصرية أصبحت العوائد على الأرض والساقية معًا، والعوائد ليست كلها نقودًا، بل هناك جزء يدفع عينًا من المحصول ومن الثروة الحيوانية والدواجن.

أما أنتون فون بروكش-أوستن٥ فقد وجد النوبة مقسمة إداريًّا إلى أربعة أقسام تابعة لمديرية أسوان هي: من أسوان حتى كلابشة، ومن كلابشة إلى الدر، ومن الدر إلى إبريم، والأخيرة من إبريم إلى وادي حلفا، وقال بروكش-أوستن إن في النوبة مدينتين هما الدر وإبريم و٩٤ قرية و٢١ حلة منعزلة و١٥ جزيرة مأهولة، وقدر عدد السكان بنحو ٥٠ ألفًا، والنخيل ١٤٥ ألفًا، وعدد السواقي التي تدفع ضرائب ٨٣٦ ساقية — مقابل ٣٦٩٨ ساقية عدها روبل جنوب الشلال الثاني.
وقد ذكر الأمير بيكلر-موسكاو٦ ثلاثة موضوعات هامة هي:
  • (١)

    أنه لاحظ التشويه المتعمد لدى بعض الشباب النوبي لتجنب تجنيدهم في الجيش المصري.

  • (٢)

    وهو أيضًا أول من ذكر صناعة السياحة عند النوبيين: فقد رأى أهل كورسكو يبيعون التذكارات السياحية من دروع ورماح وسياط من جلود أفراس النهر إلى المسافرين والمرتحلين في سياحة.

  • (٣)

    وكذلك سجل رؤيته لقرى هجرها أهلها بالكامل بحثًا عن مواطن جديدة في دارفور.

وهنا يجب أن نضيف ما كتبه العلامة المصري علي باشا مبارك عن منطقة الدر في موسوعته الضخمة «الخطط التوفيقية»،٧ التي أصدرها في الثمانينيات من القرن الماضي، ويتضح لنا من قراءة ما كتبه عن مدى الغنى لتلك المنطقة التي اتخذها الكشاف مقرًّا للحكم في النوبة زمنًا طويلًا، يقول علي مبارك ما يلي:

الدر … بلدة من بلاد إبريم، وهي رأس قسم بمديرية إسنا، واقعة على الشط الشرقي للنيل، وأبنيتها باللبن وأطواف الطين، على دور واحد ما خلا منازل أكابرها كمنزل المرحوم حسن كاشف.

وفيها جامع يُنسب لحسن كاشف له وقف نحو ثلاثين ساقية بأطيانها، يصرف عليه وعلى خدمته من ريعها، ويطعم منه الفقراء الواردون إليه.

وفيها محل لنائب القاضي ومحل لناظر القسم، وفيها أثر سوق كان مبنيًّا باللبن والطوف، وفيها سويقة أخرى عامرة يُباع فيها: الغلال والتمر والأقمشة المصرية والنطرون وحب الخروع والدخان البلدي.

وفي شرقيها في سفح الجبل بربا خربة تُسمى باسمها، وتجاه البربا مقام ولي يُدعى الشيخ عكاشة، عليه قبة.

وفيها بساتين كثيرة مسورة، أكثر شجرها النخل وشجر الليمون المالح، وبهذه البلدة نحو سبعين ساقية ونخيلها نحو خمسة عشر ألفًا وستمائة وعشرين نخلة، وفيها شجر اللبخ وشجر السنط أمام منازل أكابرها.

وأطيانها العالية أربعمائة واثنان وعشرون فدانًا، والمنخفضة نحو مائة فدان، ويزرع فيها القمح والشعير والفول والعدس والذرة الصيفية والدخن واللوبياء والكشرنجيج … والترمس وأنواع الخضروات والخروع؛ وهذا النوع كثير هناك إلى حدود مديرية دنقلة ويستخرجون منه الزيت.

ويقال: إن أكثر أهلها من نسل الأتراك الذين صعدوا إلى هناك في أوائل مدة العزيز محمد علي باشا؛ ولذلك إلى الآن يوجد في أسماء رجالهم فلان كاشف كثيرًا، وفي أسماء نسائهم السيدة فلانة، وهم متميزون عن باقي أهل البلد؛ فإنهم طويلو القامات ضخام الأجسام …

ويلبس أغنياؤهم ثياب القطن وقفاطين الحرير والجوخ، وأغنياء نسائهم يلبسن الملاءات الحرير وأساور الفضة، ويعلقن في ضفائرهن قطع الذهب والكهرمان والودع كلٌّ بحسبه، ويدهن شعورهن بزيت الخروع؛ تارة وحده، وتارة يُضاف إليه القرنفل أو الفتنة أو غيره من العطريات.

ويصنع فيها المرجونات وبروش الخوص النفيسة، وهي أصناف: منها الغجري؛ يعمل من خوص مصبوغ أحمر وأسود … ومنها التتري؛ خوص أبيض وأحمر وأسود … ومنها السلطة ملطة؛ خوص أبيض وأحمر وأسود وأصفر. ومنها الكشومة؛ وهو من الخوص غير المصبوغ.

وفيها الغنم والبقر والإبل، وقد يخصون الخرفان ويسمونها الطواشية، ويرغبون في تربيتها ويعتنون بكلفتها، وثمن الخروف الطواشي إذا كان ابن ثلاث سنين جنيه مصري، وبين هذه البلدة وإبريم نحو أربع ساعات.

ولا شك في أن هذا الوصف الدقيق يعطينا صورة جيدة عن أحوال النوبة بعد ضمها للإدارة المصرية، بديلًا عن الصورة القاتمة التي أعرب عنها الرحالة الأوربيون في مطلع القرن الماضي، صحيح أن حكم الكشاف كان استبداديًّا، وهو أمر كان شائعًا في معظم العالم في تلك الأزمان، لكن دقائق الحياة الإسلامية كانت مرعية؛ فإن وقف نحو نصف سواقي الدر بأطيانها على المسجد وأعمال البر بالفقراء، أمر لا يمكن أن يفوتنا، وإن فات على الكثير من الرحالة لأسباب عديدة، ربما كان على رأسها جهل الرحالة الأجانب باللغة المحلية من ناحية، وعدم القدرة على التمييز بين أرض موقوفة أو غير موقوفة، وإلا لعلهم جعلوا ذلك موضعًا للتساؤل والسؤال، والأغلب أن مثل هذه الأوقاف كانت موجودة بالنسبة لمساجد وكتاتيب كثيرة في أرجاء النوبة من أجل التعليم والبر والحياة الروحية.

(٣) الاقتصاد النوبي في الفترة ١٩٣٣–١٩٦٣:

اشتمل اقتصاد النوبة خلال عهود طويلة على الموارد المحلية المحدودة، والموارد الخارجية التي تأتي في صورة تحويلات نقدية من النوبيين الذين يعملون في مدن مصر والسودان.

أولًا: المصادر الخارجية

لا توجد دراسة شاملة عن نسبة إسهام التحويلات المالية إلى الدخل العام للنوبيين، لكنها لا شك تُكوِّن جزءًا هامًّا من الدخل؛ لأنه عبارة عن النقود السائلة التي تقضي بها الأسر احتياجاتها؛ كشراء الدقيق والشاي والسكر والزيت، وتفي بتكاليف حياتية أخرى كالسفر والنقوط في الأعراس، وتجهيزات بيتية عديدة من أقمشة وأوعية ومواقد … إلخ.

وتتضح أهمية المصادر الخارجية بالنظر إلى عدد المهاجرين جزئيًّا، كما وضح من الجدول (٤-٢) والشكل (٤-١) الذين تبلغ نسبتهم نحو نصف سكان النوبة، ولو قسنا عدد المهاجرين جزئيًّا الذكور إلى الذكور المقيمين، سوف نجد أن هناك مهاجرًا لكل مقيم على وجه التقريب؛ علمًا بأن الكثير من المقيمين من الذكور هم أطفال وشيوخ، وكنموذج لهذه الحالة ما قمنا بدراسته في كورسكو في شتاء ١٩٦٣، فقد كان سكان كورسكو حسب تعداد ١٩٦٠ كان ٤٠٨ أشخاص، منهم ٢٤٧ شخصًا يعملون في الخارج، منهم ١١٩ في مصر و١٢٨ في السودان، والكثير من العاملين في السودان تصحبهم زوجاتهم، بينما كثرة العاملين في مصر يعيشون فرادى، وحسب سجلات مكتب البريد فإن قيمة التحويلات الواردة إلى كورسكو في المدة من شهر نوفمبر ١٩٦١م إلى أكتوبر ١٩٦٢م كانت كالآتي:
  • تحويلات العاملين في مصر في السنة المذكورة ١٩١٢ جنيهًا،

  • تحويلات العاملين في السودان في ذات السنة ٧١٣ جنيهًا،

  • مجموع التحويلات في سنة كاملة ٢٦٢٥ جنيهًا.

وهذه التحويلات ليست ثابتة القدر كل شهر، فأقصى تحويل كان ٣٠٥ جنيهات في شهر مايو من مصر، و٩٩ جنيهًا من السودان في فبراير، بينما كانت أقل الشهور ١١٦ جنيهًا في نوفمبر من مصر و٢٢ جنيهًا في سبتمبر من السودان، وربما كان سبب تدني التحويلات من السودان أن كثرة العاملين هناك هم — كما ذكرنا — بصحبة أسرهم، هذا فضلًا عن أن بعض التحويلات المصرية هي جزء من ثمن أبقار أو فحم نباتي يشتريه تجار من أسوان أو الصعيد من كورسكو.

نظريًّا يمكن أن نقول إن أقل من ٢٠٠ شخص مقيم في كورسكو كانوا يستفيدون من قيمة هذه التحويلات بواقع نحو ١٨–٢٠ جنيه سنويًّا، وقد كان في كورسكو عام ١٩٦٢ نحو ١٦٠ أسرة، ولو افترضنا أن المقيمين منهم هم مائة أسرة، فإن ذلك يعني أن كل أسرة تنال نحو ٢٥–٣٠ جنيهًا سنويًّا من هذه التحويلات، وسواء كان هذا الرقم أو ذاك، فإنه في النهاية يدل على النقص البالغ في السيولة النقدية في كورسكو وغيرها من قرى النوبة.

ولكن ذلك النقص كان يعوضه شيئان؛ أولهما: الهدايا العينية التي يحضرها الوافد إلى أسرته، أو يُرسلها بالبريد، من أقمشة ومواد غذائية. والثاني: الإنتاج المحلي الذي يكاد يُقيم أود الأسرة معظم السنة.

ثانيًا: الموارد المحلية

تتعدد الموارد المحلية كثيرًا، لكن معظمها قيمته محدودة قليلة، وذلك شأن البيئات الفقيرة التي يحاول أصحابها تشغيل الممكن من الموارد، حتى لو كانت القيمة المضافة ليست بالقدر الكبير، ولهذا فإننا كنا نرى في النوبة مجموعة من الأنشطة الاقتصادية هي: الزراعة التقليدية مع بعض الحيوان، والسماكة والنقل النهري، وعمل الفحم النباتي، والتجارة الصغيرة، وبعض النجارة والحدادة وبعض الحرف المنزلية.

(٤) قوة العمل المختلطة

نظرًا للنقص الملحوظ في قوة العمل النوبية من الرجال بسبب هجرة العمل، وبخاصة في إقليمي الكنوز والعليقات وبعض مناطق النوبيين، فإن الكثير من الأعمال تقع على عاتق النساء النوبيات والأطفال، ومن يتواجد من الرجال القادرين، ولكن هناك مساعدات يقدمها عدد من سكان الصعيد الجنوبي، الذين يفدون بصفة مستمرة إلى بلاد النوبة في فترة معينة، هي غالبًا فترة ري الحياض في محافظة قنا — قبل السد العالي — حين يقل العمل في أراضيهم، ويساهم هؤلاء الصعايدة في زراعة الأرض النوبية وفي صيد الأسماك وعمل الفحم النباتي، كما سيأتي ذكره فيما بعد، وليس الصعايدة هم وحدهم قوة العمل الإضافية في النوبة، بل هناك نشاط جانبي يقدمه بدو العشاباب والبشارية، ومعظمه يتمثل في شراء قش المحصول لترعاه إبلهم وأغنامهم، والمساعدة في نقل بعض المنتجات من الوديان الجبلية إلى القرى النوبية أو إلى أسواق شمال أسوان.

(٥) الزراعة

أنواع الأرض والملكية

بالرغم من أن الزراعة تشغل حيزًا مساحيًّا واضحًا في النوبة، وتعطي محاصيل لا غنى عنها للنوبيين، إلا أنه لا توجد ملكية زراعية في النوبة بصورة عامة؛ فقد سبق أن عوضت الحكومة السكان عن الأراضي التي كانوا يملكونها تحت منسوب ١٢٢ مترًا بعد تعلية سد أسوان للمرة الثانية في سنة ١٩٣٣.٨ وبالتالي فإن الأرض التي تزرع هي من النوع الذي يُسمى قانونًا زراعة الخفية أو زراعة منافع، وكانت الحكومة تتقاضى عنها مبالغ زهيدة قدرها ١٥ قرشًا للفدان الواحد سنويًّا، فمثلًا كانت قسائم زراعة المنافع التي يدفعها أحد كبار الممارسين للزراعة في كروسكو شرق على النحو الآتي: ١١٣ مليمًا عام ١٩٣٦ عن زراعة ١٦ قيراطًا، و١٦ سهمًا في حوض سند، وتراوحت القسائم التي كان يدفعها بين ١٣٥ مليمًا (١٩٣٧)، و٢٠٢ مليم (١٩٥٦)، و١٤٦ مليمًا (١٩٦٠ و١٩٦١)، و١١٤ مليمًا (١٩٦٢). وهذه الاختلافات غالبًا ما توضح أن الزراعة لا تستغرق نفس المساحة سنة بعد أخرى.

ولكن زراعات النوبيين لم تقتصر على أرض التعويضات السابقة، بل كانت هناك محاولات ناجحة من جانب السكان ومن جانب الحكومة على اكتساب أراض جديدة فوق منسوب ١٢٢ مترًا، وهذه يُطلق عليها أراض مستجدة بالنسبة لما يستصلحه السكان، وأراضي المشروعات بالنسبة لما تقوم به الدولة من استصلاح، وبرغم أنها كلها تقع ضمن تسمية أراضي المنافع، إلا أن الدولة قامت بتعويض السكان عما كانوا يمتلكونه من أراض مستجدة وأراضي المشروعات، وكان هذا التعويض في شكل عيني؛ أي يُعطى المالك مساحة مماثلة لما كان يملكه في أراضي المهجر في منطقة كوم أمبو.

وقد بلغت مساحات الأراضي المستجدة وأرض المشروعات نحو ١٥٫٩ ألف فدان، قدرتها الحكومة بمليونين ومائة خمسة وخمسين جنيهًا في ١٩٦٣؛ أي بواقع نحو ١٣٥ جنيهًا للفدان في المتوسط، وتتوزع هذه المساحة على النحو الآتي:
  • (١)

    كانت الدولة قد أقامت ١٣ محطة طلمبات للري، منها ست طلمبات تروي ٤١٠٠ فدان ريًّا نيليًّا، وسبع محطات تروي ٧٥٠٠ فدان ريًّا مستديمًا، ومعنى ذلك أن مساحة أرض المشروعات كانت ١١٦٠٠ فدان، وربما كانت بلانة في أقصى جنوب النوبة من أكبر المشروعات الزراعية؛ فقد بلغت مساحتها نحو ٢٢٠٠ فدان، بينما كان مشروع الدكة متوسط الحجم — نحو ٦٢٥ فدانًا — والعلاقي في حدود ٦٠٠ فدان، وكانت مثل هذه المشاريع في منطقة النوبيين أكبر من قدر السكان المحليين، بحيث إنها كانت تستوعب مهاجرين من البلاد التي تأثرت أراضيها بشدة نتيجة تعلية سد أسوان، ومن بلاد الكنوز بصفة خاصة. ويتضح ذلك من أسماء نجوعٍ وسواقٍ وأحواضٍ هي استعارة من أسماء القرى التي وفدوا منها؛ مثل نجوع أمبركاب ومرواو وأبوهور في توشكى غرب، ونجع الدكة في توشكى شرق، ونجع وترعة كورسكو ونجوع أبو حنضل والديوان وقتة وإبريم في بلانة. أما مشاريع الدكة والعلاقي فقد استفاد منها الكنوز من سيالة جنوبًا إلى جرف حسين شمالًا بتملك أراضٍ في صورة ملاك غائبين.

  • (٢)

    «أراضي العلو» الواقعة في بعض مناطق النوبة مثل العلاقي والدكة والمضيق، وخاصة تلك التي توجد خلف جسور الوقاية في نواحي بلانة وقسطل وأدندان، والتي بلغت مساحاتها نحو ٢٣٠٠ فدان.

  • (٣)

    كانت المساحة التي استزرعها الأهالي بين ١٩٣٤ و١٩٦٣ نحو ألفي فدان تُروي بالسواقي أو الشواديف أو بصفائح الماء، ومعظمها عبارة عن أرصفة تقام بواسطة حائط حجري أعلى من منسوب ١٢٢ مترًا، يملأ خلفه بالطين لتسوية السطح، وبما أن ذلك يتم بالجهد البشري دون آلات، فإن معظم هذه الأرصفة عبارة عن مربعات صغيرة نحو ٣ × ٣ أمتار، كما شاهدها بوركهارت من قبل قرن ونصف القرن، فلعلها إذن تقليد قديم ظل يُمارس ربما مئات السنين من قبل، ولكن هناك أرصفة ذات مساحة لا بأس بها قد تصل في حالات قصوى إلى نحو ٦٠–٧٠ مترًا مربعًا، وذلك في الأماكن المناسبة للري بالشادوف، أو الشادوف المزدوج. ونتيجة لصغر مساحات الأرصفة هذه، وصغر مساحات الري بالسواقي إلى فدان أو ثلاثة أفدنة كحد أقصى للساقية نتيجة قلة الأبقار من ناحية، والرغبة في عدم إجهادها من ناحية ثانية لضعف قيمة الناتج الزراعي، وارتفاع ثمن البقر عند بيعه لتجار الصعيد من ناحية ثالثة؛ فإن كل هذه المدخلات قد أدت إلى صغر المساحات الزراعية المكتسبة بواسطة الأهالي خلال ٣٠ سنة إلى ٢٠٠٠ فدان أو نحو ذلك.

وقد نتخذ دليلًا على ذلك ما يأتي:
  • أولًا: أنه كانت في النوبة مساحات لا بأس بها صالحة للزراعة سنويًّا بعد انحسار مياه خزان أسوان، مثلًا كانت في منطقة قرشة نحو ٢٦٠ فدانًا صالحة للزراعة، وفي سيالة مائتي فدان، وفي كورسكو ١٥٠ فدانًا، لكن المزروع في هذه الجهات لم يكن يتعدى ربع المساحة المتاحة، والسبب واضح في قلة الأيدي العاملة من ناحية، وفي كفاية المنتج لاحتياجات السكان المقيمين — إذا تذكرنا أنهم لم يزيدوا عن ربع مجمل سكان بلاد النوبة. وهنا لا بدَّ أن نضيف سلعًا تموينية كانت تأتي من الشمال نتيجة تحسن وسائل النقل النهري، وهو ما لم يكن متيسرًا في القرن الماضي، ولعل هذا، مع كثرة هجرة العمل للرجال، قد أدى إلى قلة واضحة في الاهتمام بغلة الأرض المحلية.
  • ثانيًا: كان ملاك الأراضي الزراعية في النوبة يشكلون ٤٣٪ من مجموع الأسر، وبقية الأسر لا تملك أرضًا، ومن هؤلاء الملاك ٥٣٪ يُمارسون الزراعة، وكان بين غير الملاك أُسَرٌ تعمل بالزراعة غالبًا عند الملاك الذين لا يمارسون النشاط الزراعي، أو هم ملاك غائبون، وأكثر الملاك المزارعون هم بين النوبيين، بينما أكثر الذين لا يمتلكون أرضًا هم بين الكنوز، ومن ثم فإن النشاط الزراعي استمر كتقليد تاريخي في حدود المتاح من الأرض دون عناء استثمار في استصلاح جديد من الحقول، إلا في النذر اليسير، ومن ثم كانت الإضافات في صورة الأرض المستجدة صغيرة على مر جيل بأكمله.

والملكيات — أو حق الانتفاع — متوارث منذ أنشأ الجد الأكبر الساقية أو اختط الحقل، ويستمر اسم صاحب الساقية أو الحوض الأصلي برغم أن التوارث الشرعي قد فتت الملكيات إلى مساحات صغيرة قد تبلغ جدولًا — نحو قيراطين — أو بضعة أسهم. وحيث إن ماء النهر وفيضانه هما أساس الزراعة، فإن الملكيات عادةً تمتد من واجهة على النهر — أو خور يصله الفيضان — إلى الداخل المرتفع تدريجيًّا، وحين تقتسم الأرض بين الورثة تأخذ هذا الشكل الشريطي من النهر إلى الداخل، وقد تبلغ الأشرطة عرضًا ضيقًا يصعب معه تشغيلها، ومن ثم تُوكل إلى الجار أو الجيران لزراعتها مع أراضيهم، ثم يقتسم المحصول بحسبة معروفة لديهم، ومن لا يفعل ذلك تُترك شريحته دون زراعة، وقد يكون لذلك مردود اجتماعي أيضًا بمقتضاه قد يقلل الناس التعامل معه، وسبب هذه الشرائح العرضية أن الأرض بجوار النهر غيرها في الداخل، ومن ثم لا يجوز لأحد من الورثة الحصول على الأرض الجيدة وحده، ويجوز أن يمتلك الشخص عدة شرائح في عدة أحواض نتيجة لميراث الزوجة أو الخئولة، وهذه الحالة توضح صعوبة تشغيل الملكيات الزراعية؛ مما قد يساعد على إهمالها، وهو ما يفسر عدم زراعة كل الأراضي الصالحة للزراعة — فضلًا عن إغراءات العمل الخارجي. وإذا كان هذا ينطبق على معظم النوبة، إلا أنه لا ينطبق بنفس القوة على جنوب النوبة؛ حيث تشترك عوامل متعددة هي خصوبة التربة وسهولتها، والتساند الاجتماعي مع نمط الملكية في تكوين نويات المجتمع المرتبطة بالعائلة، أو ما يُسمى «نوج»، بينما تلعب العشيرة دورها في تكوين نويات المجتمع في بلاد الكنوز.

والخلاصة أنه برغم تقسيم الملكية أو حق الانتفاع بين الورثة الشرعيين، إلا أن النوبيين لا يُقسمون الأرض فعلًا برغم أنها مقسمة نظريًّا، والوارث الذي يزرع كل الأنصبة له نصف العائد أو أكثر قليلًا، ويوزع الباقي على بقية المستفيدين؛ كلٌّ حسب نصيبه من الأرض. وكان لهذا الشكل من الاتفاق العام نتيجتان؛ الأولى: أنه يحفظ العلاقات بين الناس، ويُحافظ على استمرارية الزراعة بشكل له عائده الحدي، والثانية: أنه إما أن يكون انعكاسًا لاستمرارية هجرة العمل خارج النوبة، بحيث يأتي بمصادر خارجية تعين على استمرار الحياة للمقيمين من الأقارب، وإما أن استحالة ممارسة الزراعة لكلٍّ في أرضه الصغيرة قد أدت إلى نظام هجرة العمل، وفي الحالتين فإن التكافل الاقتصادي قد أصبح سدى التلاحم والتكافل الاجتماعي الذي ميز النوبيين طويلًا.

أدوات الزراعة

لا توجد كثير من الأدوات التي تستعمل في الزراعة النوبية، وأكثرها تعقيدًا هي أدوات الري، سواء كانت الساقية أو الشادوف.

والأغلب أن إقامة الساقية بالذات تقتضي تساند عدة أشخاص، ويصبح لهم حقوق انتفاع بمياه الساقية، ولا بدَّ من حفر قناة تصب فيها مياه الساقية لتتوزع على الأرض التي تعتمد عليها، وتبنى السواقي على قواعد حجرية ليست لصق ضفة النيل، بل على مبعدة يسيرة، وتُحفر لها بئرٌ يصل منسوبها إلى المياه الجوفية، كما هو الحال في الشمال حيث موارد الحجارة قريبة، ومن ثم فإن الكثير من أبنية هذه السواقي القديمة ما زالت موجودة بصورة متهدمة تحت مياه الخزان، وهي تشكل بعض المخاطر للملاحة لمن لا يعرف المناطق التي كانت تكثر فيها السواقي قديمًا، وهناك إلى جانب القواعد أعمدة خشبية قوية غالبًا من جذوع أشجار السنط وأفلاق النخيل، وكلتاهما متوفرة في معظم أرجاء النوبة، يقوم نجار السواقي بربطها رأسيًّا وأفقيًّا، ثم هناك الدواليب الأفقية والرأسية والتي تعلق فيها القواديس. هذه الأعمال كلها تحتاج إلى تشارك أقرباء أو غرباء يمتلك الواحد منهم حصة بقدر ما أسهم به من عمل وخامات.

ولا تقف مشكلة الساقية عند هذا الحد من التشييد وتوزيع الأنصبة، فإدارة الساقية تحتاج إلى أبقار ومراقب عمل، ولهذا فإن هناك أنصبة أخرى تنبني على إمداد الساقية بالأبقار اللازمة لإدارتها، وهكذا نجد تساندًا كثيفًا بين ملاك الأراضي والساقية والأبقار والأشخاص الذين يُوكل إليهم أمر إدارة الساقية وتوفير الماء، وقد يكون هناك مستثمرون أو ملاك كبار، لكن نشاطهم قد يتعدى القيام بهذه الأعمال الزراعية إلى أعمال أخرى كالتجارة، ومن ثم فهم في حاجة إلى إسهام الكثيرين في صورة شراكة متشعبة تربط أعضاء العائلة أو عائلات المجتمع في المحلة الواحدة.

ويجدر بنا أن نذكر هنا أن سكان النوبة يطلقون اسم الساقية على كل الأرض التي تروى من الساقية الواحدة، سواء كانت مساحتها فدانًا أو أكثر.

الشادوف ليس أداة صعبة في تشييدها، لكن الأغلب أن هناك مشاركة في إقامته بين المستفيدين من تشغيله. وحيث إنه يعتمد على الجهد البشري في إدارته، فإن الأرض المعتمدة على الشادوف هي بالضرورة أصغر كثيرًا من أرض الساقية، والواقع أن استخدام الشادوف قاصر على الأرصفة الصغيرة من أجل ري الأشجار المثمرة أو الخضراوات الشتوية.

ولصغر الاستثمار في عمل الشادوف بالقياس إلى الساقية، فإننا نرى عدد الشواديف في المحلة الواحدة يفوق عدد السواقي — بل ربما لا توجد ساقية مقابل عدد من الشواديف — ففي كورسكو ثلاث سواق كلها تقع في حوض الريقة — كورسكو غرب — بينما يوجد أحد عشر شادوفًا في كورسكو شرق وغرب معًا.

أما أدوات الزراعة فهي تتكون من عدد بسيط من الأدوات، على رأسها الفأس أو الطورية، كما تُسمى هناك، وفي دنقلة توجد السلوكة بديلًا للفأس؛ وهي عبارة عن عصا حفر على أحد جوانبها موطئ للقدم يضغط به العامل من أجل تعميق الحفرة التي تُوضع فيها البذور، ولكن في النوبة المصرية فإن الفأس هو المستخدم في نقر الأرض، ومن ثم تسمى الزراعة بهذه الطريقة «زراعة النقر». وإلى جانب الطورية توجد «الجرافة» التي هي قطعة من الخشب تُستخدم لتسوية الأرض، و«الواسوق» لإقامة الجسور الطينية داخل الحوض الزراعي، وهو أيضًا آلة خشبية، وأخيرًا «المنجل» الذي يتكون من قبضة خشبية وسلاح مسنن من الحديد، وقد سبق أن ذكرنا أن المحراث لم يكن موجودًا في النوبة في الماضي أو إلى الستينيات من هذا القرن، ربما عرفوه ولكن مقتضيات الزراعة النوبية لم تكن تستدعي استخدامه.

العمل الزراعي

حينما تهبط مياه الخزان كاشفة الأرض الفيضية، يبدأ الأهالي في العمليات الزراعية، إما بأنفسهم أو باستخدام عمال من الصعيد يفدون بانتظام إلى نفس المكان سنة بعد أخرى، ذلك أن الأهالي يكونون قد ألفوا وجود نفس الأشخاص وأمنوا إليهم، ويعتمد ذلك على مساحة الأرض والقدرة المالية لأهالي النجع على استئجار عامل من العمال، ويمكن للعامل الواحد أن «ينقر» نحو ربع فدان في اليوم مقابل نحو عشرة قروش في اليوم، ويمكن أن تُصبح الأجرة الضعف إذا كان الاتفاق على النقر ووضع البذور وتغطيتها، ويمكن الاتفاق على نقر وزراعة فدان مقابل نحو ثمانين قرشًا، بغض النظر عن إتمام العمل في أيام محدودة، وفضلًا عن الأجر فإن العمال يبيتون في مضيفة النجع، ويتزودون بالطعام على حساب المستأجرين.

وإذا كانت القدرة المالية محدودة، أو أن هناك من النساء والصغار ما يكفي للمشي وراء العامل لوضع البذور في الحفر وتغطيتها؛ فإن العامل يؤجر على النقر فقط. وهنا تظهر بعض المشاكل؛ فالعامل يُسرع في النقر من أجل القيام بعمل في حقل آخر، والنساء والصغار لا يلاحقونه، فإذا تأخروا كثيرًا جف الطين عن النقر، بحيث لا يُعطي البذور الرطوبة الأولية الضرورية للنمو، وسرعة جفاف الطين أننا هنا في شهري يونيو ويوليو شديدَي الحرارة، ومن ثم يلجأ الكثيرون إلى القيام بعملية النقر في الصباح الباكر؛ بحيث يتوقف العمل عند قرابة الضحى، ثم يعاودون بعد العصر؛ بحيث يمكن للناس وضع البذور في جو معقول الحرارة.

وحيث إن الأرض تكون قد أخذت حظها من الرطوبة طوال فترة مكوثها تحت ماء الخزان، فإن الأمر في مثل هذه الزراعة الصيفية لا تحتاج إلى ري، ولأن المحاصيل الصيفية من الأنواع التي لا تحتاج إلى رعاية كثيرة، فالمتوقع أن أعمال رعاية النبات تكون عند الحد الأدنى.

ومع نضج المحصول بعد نحو ثلاثة أشهر، يبدأ عمل جاد في الحصاد تُساهم فيه النساء بقدر كبير، ثم ينقل المحصول على الحمير، أو يكوم في ربطات ترفعها النساء على رءوسهن إلى البيت؛ حيث يخزن الحب في قدور فخارية كبيرة في فناء المنزل.

وبعد الحصاد تأتي مساعدة خارجية أخرى، تتمثل في حضور بدو العبابدة والبشارية الذين يشترون بقايا المحصول في الأرض من قش وعيدان يتركونها مرعًى طيبًا للإبل، والأغلب أن هؤلاء البدو يدفعون نحو نصف جنيه ثمنًا لقيمة ما في الجدول — نحو قيراطين — من مخلفات المحصول، أو الحشائش التي تنمو طبيعيًّا في الأرض غير المزروعة، ولهذا فإن العبابدة ينزلون من الصحراء إلى نجوع عرفهم أهلها بين يونيو ويوليو ويمكثون إلى أكتوبر، ثم يغادرون المكان إلى الصحراء أشهر الشتاء للاستفادة من المراعي الطبيعية، وجمع بعض النباتات الطبية وبيعها في أسوان أو دراو، وقد يجمع الأهالي كل أو بعض بقايا المحصول ويجففونه ليصبح دريسة للماعز والغنم خلال الشتاء في حالة عدم وجود البدو.

بقي أن نقول إن الأجزاء من أراضي السهل الفيضي التي لا تزرع تنمو فيها الحشائش والنباتات البرية، وهذه تكون مراعٍ جيدة لحيوانات النجع خلال الصيف، وتجمع النساء بعضها وتحزمه وتنقله للبيت أيضًا دريسة للحيوان في الشتاء.

طقوس المحصول الجديد

يمارس كثير من سكان النوبة بعض الطقوس احتفالًا بالمحصول الجديد، وتدور هذه الطقوس حول ذبح أضحية من الماعز، غالبًا تيس يسمى «عتوت»، وهو حيوان يعلم وهو صغير، ولا يضره أحد حتى وقت الحصاد، كذلك تتمثل الطقوس — غالبًا لمن لا يملك عتوتًا — في بعض الإسراف في الغذاء من مخزون حبوب العام الفائت، ويشرك السكان العمال الزراعيين فرحتهم في مزيد من الخبز والغذاء واللبن.

ومما يزيد الأجواء فرحة أن الكثير من الزيجات تُعقد في نفس الموسم، يُصاحبها أمسيات طرب ورقص، وتردد جنبات النوبة دقات الطبول في أمسيات الصيف، وهو ما يجعل الصيف موسمًا للنشاط الحق بعد ركود الشتاء، فهناك حركة دائبة بين المساكن والحقول ولقاءات كثيرة مع الغائبين في أعمالهم خارج النوبة، واستعدادات للأفراح وطقوسها العديدة؛ كل ذلك في ظل وفرة في المأكل والمشرب. إنها حقًّا السعادة والبهجة في صورة البراءة والبساطة.

المحاصيل الرئيسية

الذرة والكشرنجيج واللوبيا هي المحاصيل الرئيسية التي تدور حولها الزراعة الصيفية في النوبة، والتوزيع المكاني لهذه المحاصيل هي: الذرة تزرع على الجرف؛ أي الأراضي الملاصقة لضفة النهر أو الأخوار المتعمقة، بينما تزرع الأراضي الداخلية كشرنجيج ولوبيا، تاركة بينها وبين أرض الذرة مساحات خالية تنمو فيها أعشاب وحشائش برية، وتوضح الخريطة (٨) نمط استخدام الأرض الشائع في النوبة.

fig16
خريطة (٨): نمط استخدام الأرض صيفًا في النوبة. نموذج كورسكو شرق.

وعلى الأغلب فإن مساحة الذرة تحتل نحو ثلث مساحة الأراضي المزروعة، أما لماذا كانت الذرة هي المحصول الأساسي فلا شك أنه راجع إلى عوامل بيئية تحبذه كمحصول وفير الإنتاج، وراجع أيضًا إلى تفضيل الناس — كميراث حضاري — لخبز الذرة غالبًا لسهولة طحنه وخزنه فترة طويلة، ولكن ربما السبب الأهم أن زراعته لا تستلزم عملًا زراعيًّا شاقًّا مثل القمح أو الذرة الشامية، ولا تستلزم ريات متعددة، كما أنه ينمو في تربات عديدة ليست بالضرورة غنية، وإذا تذكرنا أن المحراث لم يدخل النوبة قط طوال تاريخها، وأن الذرة والدخن يمكن زراعتها بالنقر أو الحفر بالفأس، فإننا نعرف لماذا كانت هناك أفضلية له كمحصول خبز أساسي في النوبة، وليس معنى هذا أن السكان لا يستخدمون دقيقًا غيره، بل الأغلب أنه يخلط مع دقيق القمح والذرة بنسبة صغيرة، وهم يشترون الدقيق من التجار المحليين الذين يشترونه بدورهم من تجار أسوان والصعيد.

أما الكشرنجيج واللوبيا فهما غذاء للإنسان والحيوان معًا، وإن كان أكثر الكشرنجيج موجهًا إلى الحيوان، وهذا المحصول لا يحتاج الكثير من العمل الزراعي ونموه الخضري كبير، وهو ينمو في شهرين ويحش ثلاث مرات.

وإضافة إلى هذه المحاصيل الرئيسية فقد كان السكان يزرعون مساحات محدودة من الخضروات في الصيف، وإنتاج لا بأس به من الخضر في الحدائق والأرصفة الصغيرة خلال الشتاء، وهي بطبيعة الحال تحتاج إلى الري بالشادوف أو السواقي، وأهم الخضروات البامية والكوسة والجرجير والقليل من الطماطم والبصل والثوم والفول والترمس والحمص وفول السوداني والملوخية … إلخ، وكل ذلك في مساحات صغيرة، ولا يزرع النجع الواحد كل هذه الخضر، بل يقتصر على عدد قليل منها حسب جودة الأرض والقدرة على السقاية وتوجه الناس نحو طعوم محببة.

وإلى جانب ذلك فهناك الزراعة في أراضي المشروعات الزراعية التي تنتج أيضًا المحاصيل التقليدية وغير التقليدية، حسب نوعية الري إن كان نيليًّا أو دائمًا.

أما المحاصيل الشجرية فقد كان معظمها أشجار فاكهة، على رأسها نخيل البلح والقليل من الدوم وفواكه أخرى وليمون بأعداد قليلة، تُزرع فرادى في أحواض صغيرة تُروى بالشادوف أو بالصفيحة، أما النخيل فهو ينمو على الأرض الغنية المجاورة للنهر، أو تلك التي تغرق تحت مياه خزان أسوان فترة طويلة من السنة، وبذلك يعطي النخيل بطوله السامق المكون الأساسي لصورة بلاد النوبة؛ فهو الإطار الأخضر الذي يحف بالنهر معطيًا دليل الحياة وسط القفار الجبلية أو الرملية التي تحد الوادي منذ قديم الأزمان، وقد سبق أن ذكرنا أن أنتون فون بروكش قال إن هناك ١٤٥ ألف نخلة، ولكن عند دفع التعويضات للسكان قبل عملية التهجير إلى منطقة كوم أمبو كان عدد النخيل أكثر قليلًا من مليون نخلة، وهو رقم يدل على أهمية النخل كفاكهة أولى في النوبة، ومصدر مهم للدخل نتيجة بيع المحصول إلى باقي مصر، وفضلًا عن ذلك فإن سعف النخيل هو مادة خام للكثير من مشغولات السلال، من أسبتة وحصر وشعاليب.

(٦) الثروة الحيوانية

لم تلعب الثروة الحيوانية شأنًا كبيرًا في حياة السكان، وذلك لضيق الأرض وقلة المرعى الطبيعي، ومع ذلك فقد كانت هناك أعداد لا بأس بها من الماعز والأغنام،٩ ومعظمها موجه للاستخدام المحلي، وهناك مناسبات عديدة تُذبح فيها الأغنام والماعز، على رأسها مناسبات الزواج والختان والوفيات، والقادرون يذبحون أيضًا عند جمع المحصول الجديد، وكذلك إذا حلت أضياف من الرجال بالمنزل — ويمكن أيضًا ذبح الطيور في مثل هذه المناسبة — ويلاحظ أيضًا ذبح خروف أو عنزة وبيعها لحمًا لمن يُريد الشراء؛ وذلك للحاجة إلى نقود سائلة، وخاصة لدى الفقراء والعجائز من النساء، وربما تكثر هذه الممارسة عند وجود عمال الزراعة أو غيرهم من العاملين الغرباء.

وكانت رعاية هذه الحيوانات من وظائف المرأة والأطفال، سواء في الصيف على ما ينمو من نباتات في أرض السهل غير المزروعة، أو بقايا المحصول بعد جمعه، أو في الشتاء حيث تكون الدريسة الغذاء الأساسي وتكون حركة الحيوان محدودة. وأهم أوجه الاستخدام هو اللبن الذي يدخل كغذاء يومي وحده أو مع الشاي أو في صورة لبن مخمر أو رايب، وكذلك يستخدم الصوف لعمل البُرَد والأغطية إذا كان في الناحية من يُتقن هذه الصنعة.

وإلى جانب ذلك كانت هناك أعداد من الأبقار بلغ عددها عند حصر التعويضات نحو ثمانية آلاف وسبعمائة رأس، وربما كان هذا العدد كبيرًا نسبيًّا بالنظر إلى ضيق المرعى، لكنه كان أمرًا لا بدَّ منه لمن يستخدمون السواقي، كما لا يفوتنا أن بعض السكان كانوا يربون الأبقار لبيعها لتجار الشمال، وبرغم قلة المرعى فإن محصول الكشرنجيج، بما فيه من نمو خضري وفير وإمكانية حشه ثلاث مرات وسرعة نضجه، كان بلا شك المصدر الأساسي لغذاء الحيوان في النوبة، والأغلب أن معظم الأبقار كانت توجد في القسم الجنوبي من النوبة لاتساع الزمام الزراعي بالقياس إلى شمال النوبة، وعلى وجه العموم فإن وجود البقر هو جزء من النشاط الزراعي كأداة في إدارة السواقي، وكمنتج حيواني له فوائده المعروفة.

وفي كورسكو يُعرف تجار الماشية باسم «البَشَّاتة»، وبعضهم من وادي العرب، لكن الغالبية من الصعيد الأعلى وأسوان، وبعض البشاتة ينزلون النوبة في يناير-فبراير، لكن أكثرهم يأتون في نوفمبر حين تكون الماشية قد سمنت بعد المرعى الأخضر من حشائش وكشرنجيج خلال الصيف، فإذا نزلوا بالبوستة كورسكو على سبيل المثال، فإنهم يشترون ما يستحسنون من الأبقار ثم يتركوها في رعاية شخص ما، ثم يتحركون إلى أبي حنضل ويفعلون مثل ما فعلوا، ثم الديوان … إلخ، وحين يستوفون غرضهم يؤجرون مركبًا شراعيًّا لتوصيلهم من بلد لآخر، ينقلون فيها ما اشتروه من أبقار إلى كورسكو، ثم ينقلون ما جمعوه في البوستة إلى الشلال.

أما حيوانات الركوب فقد اقتصرت على الحمار كوسيلة شائعة في كل نواحي النوبة، ويتراوح عددها بين عشرة حمير في النواحي الصغيرة إلى نحو مائة حمار في القرى الكبيرة التي تمتد نجوعها امتدادات كبيرة، وليس معنى هذا أن حركة راكبي الحمير كانت تملأ النجوع، بل هي مقتصرة على الانتقال إلى نجوع بعيدة، وهي على الأغلب حركة محدودة، ذلك أن معظم حركة الناس كانت تدور في مساحات صغيرة داخل النجع، وإلى جانب ذلك فإن الحمير كانت تُستخدم في نقل الحصاد وقش المحاصيل من الحقول إلى البيوت، وربما أيضًا في نقل السلع التي تأتي للتجار بطريق النهر، لكنها لم تكن كثيرة أو ذات أوزان ثقيلة في أغلب الأحيان.

وعلى الرغم من وجود الإبل في بعض النواحي ولفترات محدودة، إلا أنها كانت ملكًا للعشائر البادية من العبابدة والبشارية، وقد يحدث استخدام الإبل في نقل المحصول مقابل أجر نقدي أو عيني يُدفع لصاحب الجمل.

أما الخيل فلم يكن لها وجود في بلاد النوبة؛ لعدم الحاجة إليها، ولتكلفة إعاشتها الباهظة، لكنها كانت موجودة في زمن الكشاف الذين كانوا يستخدمونها كرمز للقوة الحربية، ولسرعة الحركة وقتال الذين قد يشقون عصا الطاعة عليهم، وكل هذا زال بعد استتباب الأمن منذ أن حلت الإدارة المصرية محل إدارة الكشاف للنوبة في مصر وشمال السودان، ولم تعد هناك حاجة للإبقاء على هذا الحيوان المكلف، لا للوجاهة ولا لأي احتياج عملي له.

(٧) صيد الأسماك

على الرغم من أن بلاد النوبة تمتد طوليًّا بحذاء نهر النيل، إلا أن الأسماك لا تلعب دورًا مهمًّا في الحياة الغذائية في كثير من القرى والنجوع النوبية، ويرجع ذلك إلى وجود نوع من «التابو»؛ أي التحريم ضد أكل السمك، وأبسط تفسير يعطيه أولئك الذين لا يأكلون السمك هو أنه الحوت الذي ابتلع جدهم يونس، والحوت لدى الكثير هو السمك، والحواتة هم السماكة أو صيادو السمك، وبعض القرى تقتصر في تحريمها على سمك القرموط الذي يخصونه باسم الحوت.

وقد رأى الرحالة إدوارد روبل أن «الحواويط» — اسم الحواتة — عشيرةٌ غير نوبية، وهو في هذا الرأي قد مس الحقيقة أن السِمَاكة حكر على غير النوبيين حتى الآن، سواء كانوا من الصعيد أو من غيرهم، ذلك أن الكثير من الأنثروبولوجيين يرون أن تحريم أكل السمك هي عادة من عادات الشعوب الحامية متأصلة فيهم — آراء ليو فروبينيوس Leo Frobenius ١٩٥٤، وشتور لاجركرانتس Sture Lagercrantz ١٩٥٣ — وربما إذن أن تحريم السمك يعود إلى عصور قديمة في النوبة وشمال السودان وشرقه، ولكن برغم أن أصول قدماء المصريين حامية، فإنهم كانوا يأكلون السمك في كل العصور، وربما كان التحريم قاصرًا على الحاميين الشرقيين مثل البجة، بينما الحاميين الغربيين الذين يسكنون كل شمال أفريقيا من مصر إلى المغرب، ويُعرفون عند الأنثروبولوجيين باسم السلالة البربرية أو اختصارًا البربر Berberide — الذين منهم أصول قدماء المصريين — لا يحرمون أكل الأسماك. وعلى أية حال فإن الموضوع يحتاج إلى دراسات ليس هذا الكتاب مجالها.

ويكفينا هنا إثبات أماكن تحريم السمك، وتلك التي تأكله دون تحفظ في النوبة المصرية، فالقرى التي تمتنع عن أكل السمك معظمها في شمال بلاد الكنوز من دابود حتى أبوهور، وفي الجنوب من محرقة إلى سيالة والمضيق، ويمارس سكان السبوع وأبو حنضل وتوماس هذا الامتناع أيضًا، أما بقية النوبة فإنها تأكل الأسماك، وإن كان ذلك بقدر أيضًا.

وبناءً على إحجام النوبيين فإنهم لا يشاركون في صيد الأسماك الذي كان بالتالي حكرًا على أهل الصعيد، ويبدأ نزول الصعايدة إلى النوبة بمراكبهم في شهر أبريل، وما إن يأتي شهر مايو إلا ويكون النهر قد امتلأ بالصيادين، وعلى سبيل المثال يكون في بحر كورسكو في تلك الفترة نحو عشرة مراكب صيد عليها ٤٠–٥٠ صيادًا، معظمهم من بعض قرى المنطقة الممتدة من قوص إلى نجع حمادي في قنا، وأبنوب في أسيوط.

حقوق الصيد

لكل مجموعة من الصيادين منطقة يصيدون فيها العام تلو العام، ويعرفهم أهل المنطقة، وإذا حدث أنْ وفد على المنطقة جماعة أو قارب جديد، فإنه إما أن يبعد بواسطة جماعة الصيد ذات الحق، ويساندهم في ذلك أهل المنطقة إذا لم يرتدع الغريب، وإما أن يُسمح له بالصيد برضى الجماعة ذات الحق في تلك المياه.

أنواع مراكب الصيد

هناك نوعان؛ الأول: هو فلوكة الصيد العادية التي تسير بالمجداف، وعدتها أربعة رجال؛ اثنان للتجديف والآخران للصيد بالشباك أو المحايرة، وهذه الفلايك هي التي تقوم بعمليات الصيد الفعلي، وتضع الصيد في صفائح تتركها على شاطئ منطقة الصيد. أما النوع الثاني: فهو مركب الشراع من النوع الكبير الذي يُسمى مركب نقر، وعدته ثلاثة رجال، وهذه المركب هي سفينة المخزن للصفائح التي تجمعها من الشاطئ، ولذلك فهي تتحرك بين الحين والآخر في منطقة الصيد بين الفلايك التي تتبعها لتجمع الصفائح المعبأة، وأثناء تحركها تقوم ببعض الصيد الذي يُستخدم كغذاء يوزع على رجال الفلايك، بالإضافة إلى ما يشترونه من دقيق من محلات القرى لعمل خبز الدوكة، وما لديهم من تموين جلبوه معهم كالعدس والأرز والعسل الأسود، كما أن مالك أو ريس سفينة الشراع هو الذي يتكفل بمصاريف الصيادين، ويمدهم بعدة الصيد من شباك وسنانير وخيوط وصفائح التعبئة والملح المستخدم في حفظ الأسماك المصطادة، فهي بذلك السفينة الأم، وتقسم الأرباح مناصفة بين صاحب الشراع والفلايك، وإذا كان الصيد وفيرًا فإن الصفائح يمكن أن تنقل من سفينة المخزن إلى أي سفينة مبحرة إلى أسوان، ويتوقف طول موسم الصيد على كمية الملح التي في حوزة السفينة الأم، فإذا فرغت يمكن أن يتوقف الصيد، أو يستمر إذا حصل على كمية أخرى من الملح.

وسائل الصيد وأنواع السمك

يتم الصيد بأنواع من الشباك غالبها من النوع ذي العيون العادية لصيد الأسماك الكبيرة، ونوع صغير العيون يُسمى «شق» لصيد الأسماك الصغيرة التي تستخدم كطعم للسنانير، أما المحايرة فهي طريقة صيد بالسنانير الكثيرة تثبت في خيط طويل يُوضع عند فتحات الأخوار الضيقة، ثم يضرب شخص ثالث في آخر الخور الماء بعصا أو حجارة، فتهرب الأسماك في اتجاه المصب ليعلق كثير منها في السنانير، وكذلك يمكن الصيد في النهر بالسنارة والشبكة. وأنواع الأسماك هي: بياض، مشط، جرجور، ساموس، بقرة — في الغالب هي ما نعرفه باسم البلطي — وقرموط، وشلبة، وخشم النبات واسمه بناني وهو نوع سمين، وأكبر الأنواع الساموس والبقرة والبياض، وربما بلغ الواحد منها مترين طولًا، بينما معظم الأسماك تكون في حدود نصف المتر، والجرجور في حدود ٣٠سم، ويصطادون أيضًا سمك السير الذي يشبه السردين والراية، وهما بالإضافة إلى الشلبة سمك الملوحة الجيدة، أما الأسماك الكبيرة فتصلح للقلي، وترسل مع البوستة إلى أسوان، كما يباع جانب منه في الأسواق المحلية، وبعض أسماك الراية الكبيرة الحجم تنظف وتملح وتعلق في الهواء والشمس، ويُباع مجففًا في النوبة أو ينقل إلى أسوان.

موسم الصيد

يستمر موسم الصيد نحو خمسة أشهر من مايو إلى سبتمبر يعود بعدها الصيادون إلى الصعيد، وبعضهم يعودون مرة أخرى بعد بضعة أسابيع يقضونها مع ذويهم في الصعيد، وهؤلاء يتركون قواربهم عند سكان المنطقة التي يمارسون فيها السماكة ليعاودوا الصيد مع ارتفاع منسوب بحيرة الخزان، وفي هذه الحالة يكون معظم الصيد شاطئيًّا، وهم في الأغلب مرتبطون بمتعهدي توريد أسماك طازجة للمدارس ومعاهد المعلمين وبعض المؤسسات الحكومية في النوبة.

(٨) صناعة الفحم النباتي

صناعة الفحم النباتي هي من الحرف الجانبية التي لا يقوم بها سكان النوبة، بل هي أيضًا حكر على أبناء الصعيد، مثلها في ذلك مثل صيد السمك ونقر الأرض وإعدادها للزراعة. ولأنها حرفة ثانوية فإننا نرى القائمين بها من الصعايدة يقومون بأعمال أخرى في مواسم العمل، وخاصة الزراعة سواء كانت في الأراضي التقليدية أو أراضي مشروعات الري المنتشرة في أماكن مختلفة من النوبة.

مثال ذلك أحد العاملين في صناعة الفحم في كورسكو، هو أصلًا من المطاعنة مركز إسنا، وجاء إلى كورسكو قبل ١٧ سنة — من تاريخ دراستنا في كورسكو يناير-فبراير ١٩٦٣م — ثم تزوج سيدة من شاتورمة — شمال كورسكو بعدة كيلومترات — ولا تزال تقيم هناك وهو يتردد بين الحين والآخر على شاتورمة، لكنه يقيم معظم السنة في كورسكو، هذا الشخص يقوم بعمل الفحم النباتي في كورسكو وأبو حنضل والسنجاري، ويذهب أحيانًا في الشتاء إلى أرض الري الدائم في المشروعات الزراعية في الدكة أو العلاقي، أو مشروعات الزراعة في الجنوب مثل أرمنا، وهو في الصيف يمارس إعداد الأرض للزراعة في كورسكو، وأثناء ذلك يقوم بعمل الفحم.

يبدأ عمل الفحم بالاتفاق على شراء أشجار السنط من ملاكها، ويتحدد ثمن الشجرة على عدة أسس، منها حجم وعمر الشجرة، وما إذا كانت نابتة في تربة جيدة أو حجرية؛ لأن هذا يؤثر على نوعية الخشب وقابليته بعد الاحتراق على إنتاج كمية كبيرة أو صغيرة من الفحم، ولهذا يتراوح تقدير سعر الشجرة بشدة بين حدين: أدناه عشرة قروش، وأعلاه مائة وخمسون قرشًا!

من الذي يشتري الأشجار؟ إنهم مجموعة من التجار المتخصصين، يأتون من أسوان والصعيد إلى بلاد النوبة للاتفاق على شراء أعداد من الأشجار في نواحٍ متعددة، ثم يتفق مع عدد من الصعايدة، سواء المقيمون أو من يأتون من قرى الصعيد بالاتفاق، وهؤلاء هم الذين يقومون بقطع الأشجار وعمل الفحم، وربما ساهم بعض النوبيين في عملية قطع الشجر إذا كانوا قد تعودوا على ذلك من قبل — لكن الأغلب أنهم لا يُساهمون في عملية الحريق.

الشجر المستحب دائمًا لعمل الفحم هو أنواع السنط المختلفة التي تعطي أجود أنواع الفحم وأكثرها كمية. النخيل والدوم لا يُستخدمان إطلاقًا، وقد يضطر الأمر إلى استخدام أشجار الجميز والطرفا؛ لأن فحمهما قليل النار، وقد يلجأ الصانع إلى خلط بعض أخشابهما مع خشب السنط، يُقطع الشجر بالبلطة والمنشار، ويراعي البائع والمشتري عدم قطع أشجار متجاورة؛ لكي تعطى الفرصة للأشجار المتبقية للنمو القوي بعد تقليمها وتنظيفها من النباتات الفطرية والنمو السرطاني للشجرة، وبهذا الحس التقليدي كان البائع والمشتري يطبقان نظام المحافظة على «الغابة»، التي تنادي به الهيئات العلمية الآن — ويضرب به أصحاب المصالح عرض الحائط.

يقطع الخشب بعد ذلك إلى قطع متساوية الطول، بين مترين ومترين ونصف المتر، وترص القطع من الجذوع إلى جانب بعضها، وتلك من الفروع إلى جانب آخر، ثم تحفر حفرة بطول أقصاه عشرة أمتار — والأغلب أنها أقل من ذلك بعض الشيء — وعمق حوالي متر، ويلاحظ أن أحد طرفي الحفرة يكون مدببًا ضيقًا، بينما الطرف الآخر فهو عريض بمقياس معين هو ثلث متر عرضًا لكل متر طولي في الحفرة؛ أي إن الحفرة التي طولها ستة أمتار، يكون طرفها العريض أقل من مترين قليلًا، ويراعى عند الحفر أن يكون الطرف المدبب في مواجهة الريح؛ لكي يساعد على انتشار النار تدريجيًّا في كل جسم الكتلة الخشبية المرصوصة، وترص الأخشاب في الحفرة بنظام معين: الخشب الصغير في الأسفل، ثم المتوسط فوقه، والكبير في الأعلى؛ بحيث يرتفع الكوم كله بمقدار متر ونصف فوق سطح الأرض، وبذلك يصبح سمك «الكابينة» ٢٫٥ متر، يغطي الجزء فوق الأرض بقش من النباتات الصحراوية وأجولة قديمة وروث الماشية، وتترك فتحات صغيرة في أجزاء مختلفة لكي يخرج منها الدخان. يترك الخشب عند الطرف المدبب عاريًا دون غطاء، ويشعل فيه النار، وحين تسري إلى الداخل يلقى فوق النار طبقة من القش كي تخمد النار وتترك الفرصة للجذوة أن تتقد وتسري في الخشب بهدوء وبطء، والجذوة البطيئة تساعد على تحول بطيء لكل العناصر التي تجعل نوع الفحم جيدًا وثقيلًا؛ بحيث يزن الجوال نحو ١٥٠كجم، أما إذا كانت الجذوة سريعة فجوال الفحم الناتج لا يزيد عن مائة كيلوجرام، وتستمر الجذوة في الكابينة الواحدة الكبيرة نحو شهرين. الصانع الذي يقوم بالعمل يتقاضى نصف الفحم المنتج، وكان سعر الكيلو نحو قرشين في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات.

(٩) أنشطة أخرى

هناك مجموعة من الأنشطة والحرف اليدوية لكنها نادرة، والكثير منها صناعات منزلية؛ كالسلال وعمل الشعاليب، وطلاء البيوت ورسم الزينات بالألوان على حوائط المنازل والغرف، فضلًا عن طحن الذرة بالمهراكة في أحيان، كذلك عمل اللبن الرايب والسمن وخياطة الملابس.

أعمال النجارة والحدادة وخياطة الملابس يقوم بها أشخاص قليلون موزعون في قرى متباعدة؛ بحيث يخدم الواحد من هؤلاء الحرفيين سكان مجموعة من العمديات، يأتون إليه كلما احتاجوا إلى إنتاجه، أو يأتي إليهم حسب الطلب.

التجارة المحلية محدودة في صورة دكان في النجع أو عدة دكاكين، حسب عدد السكان، بالإضافة إلى الجمعية التعاونية التي كانت تصرف للسكان السلع التي تدعمها الدولة في ظل النظام الناصري، وليس للدكاكين مواعيد عمل معينة، إنما هي تفتح حين يأتي شخص يريد سلعة ما. البيع بالآجل حتى تأتي التحويلات الشهرية، وبعض التجار ينقلون سلعهم في مركب ينتقل من قرية إلى أخرى، والغالب أنهم يحملون سلعًا بعضها كبير الحجم كالدقيق وصفائح الكيروسين.

(١٠) «البوستة» وسيلة الانتقال الأساسية

شريان الانتقال في النوبة هو النيل، وتسير فيه عدة خطوط ملاحية، المنتظم منها هو السفينة «الإكسبريس»، التي تسير مباشرة بين الشلال ووادي حلفا، وسفينة البوستة التي تخدم كل القرى النوبية مرة كل أسبوع، وهي ذاهبة من الشلال إلى الجنوب، ومرة أخرى في عودتها إلى الشلال، وهذه هي وسية الانتقال الأساسية في النوبة المصرية بالنسبة للأشخاص وكثير من السلع المجلات، والأهم البريد والتحويلات المالية؛ ومن ثم سميت البوستة نسبة إلى أكثر ما يهم السكان المقيمين في بلاد النوبة، وتتوقف البوستة نحو شهرين هما يونيو ويوليو؛ ربما لضحالة الماء في النهر وتيار الفيضان المحدود في هذين الشهرين، وحينما تتوقف البوستة تنقطع صلة النوبة المنتظمة بالخارج، ويسعى الناس إلى تدبير أمورهم العاجلة قبل توقف البوستة، لكن المضطر يركب أحد الصنادل التي تمخر عباب النيل باستمرار والتي تُسمى «دلتا»، وإلى جانب السفن المنتظمة، وهي تابعة لسكك حديد السودان، هناك أنواع أخرى من السفن الخاصة، منها صنادل الدلتا التي تعمل أساسًا في النقل التجاري بين مصر والسودان وقرى النوبة المصرية، وهناك سفن وزارة الصحة التي هي عبارة عن عيادات متنقلة ترسو في مواقع معينة لمدة معينة؛ لتخدم سكان مجموعة من القرى، وهناك عائمات حكومية تجرها وابورات قوية تابعة للتعليم أو الآثار أو الإدارة، فضلًا عن لنشات كثيرة مختلفة الأحجام والقوة.

لكن أقدم وسائل النقل النهري هي القوارب الشراعية بأنواعها وأحجامها المختلفة، وهذه موجودة بكثرة، ولا تنتقل بالضرورة مسافات طويلة إلا فيما ندر، وهناك قوارب شراعية متوسطة الأحجام، وقوارب تجديف، في معظم القرى والنجوع النوبية؛ نظرًا لأن معظم القرى تقع على الضفتين؛ مثل أمبركاب أو سيالة أو توشكى شرق وغرب، ويحتاج الأمر إلى اتصال بين جناحي القرية من حين لآخر، وخاصة في المناسبات المهمة: الميلاد والختان والزواج والوفاة.

١  وصفت إمليا إدواردز النوبيين بأنهم ما زالوا متوحشين في قرارة أنفسهم ورقصهم يتسم بالبربرية، وقالت: تشم وجودهم قبل أن تراهم، وإن أكثرهم جمالًا هو أكثرهم رائحة نفاذة، وإن النساء شبه عاريات يغرقن شعورهن وأجسامهن بزيوت وشحوم الخروع والغنم، وكذلك كتب عنهم جون جادسبي J. Gadsby (١٨٤٦) وصفًا شخصيًّا مماثلًا يوضح مشاعر الإنجليزي الفكتوري إزاء البلاد الغربية التي يقيسها بمقياسه اللندني، لكنه قد أخذته الدهشة من جمال الأمسيات والصباحيات النوبية قائلًا: إن التنفس في هذه الأجواء هو رفاهية ما بعدها شيء.
٢  بوركهارت، جون لويس، «رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان» الترجمة العربية لفؤاد أندراوس، القاهرة ١٩٥٩م.
٣  Ruppell, Eduard, “Reisen in Nubien, Kordofan und dem Petraischen Arabien” Frankfurt 1829.
٤  يذكر روسيجر (١٨٤٦) ازدهار تجارة الصمغ العربي وريش النعام وغيرهما من المنتجات المدارية، وكذلك تجارة الرقيق التي وصلت قمة ازدهارها في تلك الفترة، وأن أسواق دنقلة مليئة بسلع مصرية وأوربية بشكل أغنى من أسواق الخرطوم.
٥  Prokesch-Osten A, Von, “Das Land Zwischenden Katarakten des Nil”, Wien 1931.
٦  Puckler-Moskau, H, L, Von, “Aus Mehemed Ali’s Reich”, Stuttgart 1844.
٧  علي باشا مبارك، «الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة» الطبعة الثانية عن طبعة بولاق ١٣٠٥ هجرية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ١٩٩٤، الجزء الحادي عشر ص٢ و٣.
٨  كانت هناك اعتراضات كثيرة على قدر قيمة التعويضات التي صُرفت للنوبيين، وبخاصة امتناع أهالي توماس وعافية عن صرف التعويضات؛ مما أدى إلى تخصيص نحو ٨٠٠ فدان خارج الزمام في قرى ونجوع مركز إسنا، لكي يشتريها أهالي توماس وعافية، ولكن الكثير منهم لم يضع يده على تلك الأراضي، كذلك سمحت الحكومة لهؤلاء الإفادة من بعض أراضي منطقة عنيبة، التي أقيمت فيها محطة طلمبات لرفع المياه، وبوجه عام فإنه يبدو أن التعويضات لم تكن متناسبة مع ما فقده النوبيون من منافع الزراعة السابقة على تعلية سد أسوان، فضلًا عن سوء توزيع التعويضات نتيجة لادعاءات غير حقيقية على الأرض، وأيضًا لإنفاق البعض جزءًا من التعويضات فيما لا يُفيد.
٩  جاء في حصر سكان النوبة عند تهجيرهم أن عدد الماعز بلغ ٢٢٤٦٠ رأسًا، والأغنام ٢٦٢٣٦ رأسًا، وبلغ عدد الأبقار ٨٧٠٩ رءوس مقابل ثلاثة رءوس من الجاموس.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢