الفصل السادس

اللحظة السينمائية: المشاعر واستيعاب الأفلام

تبدأ أحداث فيلم «إشراقة أبدية لعقل نظيف» (إتيرنال صن شاين أوف ذا سبوتليس مايند) في يوم الفالنتاين، وفيه يقرِّر جويل (جيم كاري) فجأةً دون سابق إعداد عدم الذهاب إلى العمل، ويستقلُّ قطارًا من مدينة نيويورك متجهًا إلى مونتوك بيتش في لونج أيلاند. وفي طريق العودة، يقابل كليمنتين (كيت وينسليت). جويل كئيب ومنطوٍ، في حين أن كليمنتين ودودة ومنطلِقة. شخصان عجيبان، غريبا الأطوار، وجديران بالحب، يقعان في الحب.

حتى هذه النقطة، بعد نحو ١٠ دقائق من بداية الفيلم، لا يجد المُشاهِد الذي يرى الفيلم للمرة الأولى أي صعوبة في متابعة الحبكة، فأغلب المشاهدين سيكون لديهم حدس قوي بالوجهة التي تتخذها الأحداث: فالكيمياء المرحة، التي تتميَّز قليلًا بعدم الاستقرار النفسي، بين الشخصيتين تُشير إلى أننا على أرض الكوميديا الرومانسية. جويل وكليمنتين سيقعان في الحب، وسوف تَظهَر بعض التعقيدات بسبب غرابة أطوارهما؛ لكن في النهاية، سوف ينتهيان إلى العيش معًا في سعادة أبدية.

fig12
شكل ٦-١: جيم كاري وكيت وينسليت في دَوْر جويل باريش وكليمنتين كروزينسكي في فيلم «إشراقة أبدية لعقل نظيف» ٢٠٠٤ (حقوق النشر محفوظة لأرشيف إيه إف/آلمي).

لكن رغم أن المسار المتوقَّع لأحداث القصة (فتًى يَجِد فتاة، فتًى يفقد فتاة، فتًى يستعيد فتاة) دقيق إلى حدٍّ بعيد، فإن رحلة المُشاهِد عبر هذا الفيلم الغريب يمكن وصفها بأي شيء عدا النمطية. فالدقائق العشر الأولى تمثِّل في حقيقة الأمر المرة «الثانية» التي يلتقي فيها جويل وكليمنتين في القطار المنطلق من مونتوك. وفي الفترة الفاصلة بين الرحلتين، عاشا سويًّا، وانفصلا، وانْمَحَتْ ذكرياتهما. ويعود الفيلم بواسطة الفلاش باك إلى الليلة المشئومة التي أُزِيلَتْ فيها ذكريات جويل باستخدام جهاز فسيولوجي عصبي يعمل بالكمبيوتر.

في إطار هذا الفلاش باك الأوسع، نرى مَشَاهِدَ فلاش باك أخرى لعلاقة جويل بكليمنتين، لكنْ ليس وفقًا لتسلْسُلِها الزمني. والعديد من تلك الذكريات يتضمَّن صورًا لأماكن تنهار، ما يُعَدُّ تجسيدًا بصريًّا للطريقة التي يمكن بها تدمير الذكريات. أضِفْ إلى ذلك أن بعض ذكريات جويل من فترة الطفولة يطرأ عليها تغييرات كبيرة بسبب تدخُّل كليمنتين؛ مما يزيد الأمور تعقيدًا.

إنَّ فيلم «إشراقة أبدية لعقل نظيف» هو لُغْزٌ عسير يتحدَّى العقل، ويتطلَّب جهدًا لمعرفة ماذا يحدث فيه. لكنه أيضًا، بالنسبة إلى كثيرين، يستثير مشاعر قوية من التَّوْق والندم والشجاعة العاطفية. ومشاهدته تتطلَّب من المرء أن يفكِّر ويشعر، في الوقت نفسه عادةً. ورغم أن هذا ينطبق على جميع الأفلام، فإننا، مع فيلم غير تقليدي مثل «إشراقة أبدية»، نصبح أكثر وعيًا بما يدور في أذهاننا وقلوبنا. ويعمد هذا الفصل إلى عزل «اللحظة السينمائية» التي تجري فيها تلك العمليات الشعورية والمعرفية بينما المشاهدون جالسون في مقاعدهم، يحدِّقون في الشاشة، ويحاولون استخلاص معنى تجربتهم المباشرة.

(١) علم النفس المعرفي والأفلام

تعمل عقولنا بنشاط كبير ونحن نشاهد الأفلام، وعلى المستوى الأعمق، ندرك حسيًّا ما يتضمَّنه الفيلم من صور وأصوات. والواقع أن شخصيات «إشراقة أبدية» هي فعليًّا مجرد إسقاطات ثنائية البُعد لأنماط ضوئية متعاقبة، بَيْد أن جهازنا البصري يجعلها تبدو أجسادًا بشرية متحرِّكة. أضِف إلى ذلك أن جهازنا السمعي يُساهم بمعلومات إضافية عبر التعرُّف على الأصوات وعزل الضوضاء الخلفية.

كذلك فإنه ينبغي علينا، فضلًا عن الإدراك الحسي، أن نحيط بمعنى القصة المعروضة أمامنا. فباستطاعتنا التعرُّف على الشخصيتين المتمايزتين لجويل وكليمنتين، وتكوين آراء حولهما، وإدراك أنهما يستقلَّان قطارًا، وأنهما منجذبان أحدهما إلى الآخر.

ويمثِّل شكل ٦-٢ الأنشطة العقلية المتشابِكة للإدراك الحسي والفهْم.1
fig13
شكل ٦-٢: النشاط الرمزي المرتبط بمشاهدة الفيلم: الفهْم، والمشاعر، والإدراك الحسي.
إن عملية فهْم الأفلام وإدراكها حسيًّا مألوفة جدًّا، لدرجة أنها أحيانًا لا تكون واضحة عند حدوثها. ينطبق هذا بوجه خاص على المشاهدين الذين نَشَئُوا على مشاهدة الأفلام. فأفلام هوليوود الكلاسيكية (اللقطات الافتتاحية الواضحة التي تعرِّف بمكان الحدث، المونتاج الذي يربط بين أجزاء الفيلم، حركات الكاميرا السَّلِسَة، إلخ)، تسعى عن قصد إلى جعل عملية السرد غير ظاهرة للعيان.2 ومن هذا المنظور الأسلوبي، فإن الفيلم الناجح هو ذلك الذي تنساب أحداثه بسلاسة شديدة لدرجة تجعلنا ننسى أننا نشاهد فيلمًا، ويبدو لنا كل شيء عفويًّا تمامًا. فالإجابة على أسئلة من قَبِيل «مَن؟» و«ماذا؟» تكون على درجة من البداهة، إلى حدِّ أنه لا يخطر ببال معظم الناس أن يطرحوها من الأساس.

بَيْد أن تناولًا أكثر دقَّةً للطريقة التي تعمل بها الأفلام قد يكشف النقاب عن قصة أخرى. فبعد انقضاء الدقائق العشر الأولى من «إشراقة أبدية»، علينا أن نركز انتباهنا على الشاشة وليس على الشخص الذي أمامنا. علينا أيضًا أن نتذكَّر أن جويل كان قد جاء إلى الشاطئ بمفرده عندما بدأ يتحدَّث مع كليمنتين، وأن نَعِيَ أنهما موجودان في القطار نفسه، حتى وإن أظهرتِ الكاميرا وجْهَ شخصية واحدة فقط في اللقطة الواحدة. وعندما ينتقل الفيلم إلى بِنْيَة الفلاش باك المعقَّدة، يُدرِك المشاهدون أنَّ عليهم تجميع وقائع علاقة جويل وكليمنتين وضمها معًا كي يتمكنوا من استخلاص معنى القصة.

الإدراك الحسي والاستيعاب موضوعان هامَّان في ميادين علم النفس المعرفي، والعلم المعرفي، وعلم الأعصاب؛3 حيث تقوم هذه المجالات بدراسة العمليات المتنوعة التي تشكِّل قوام الفكر البشري، والتي تشمل الإحساس، والإدراك الحسي، والانتباه، والذاكرة، والتنسيق، وحل المشكلات، إلخ. والعلم المعرفي كان له تأثير بالغ الأهمية على النقد الجمالي، في السنوات الأخيرة. ففي مجال دراسات الفيلم، قاد ديفيد بوردويل حركة تهدف إلى زيادة دقة المفاهيم المعرفية وتطبيقها على عملية استيعاب السرد.4 ومؤخَّرًا، أصبح من الشائع بين دارسي الفيلم استخدام مصطلحات مثل «المخطَّط»، و«الذاكرة طويلة الأمد»، و«المشاعر»، و«الشبكات الترابطية» عند مناقشة أنواع الفيلم وتقنياته. وقد استُخدمت مثل تلك المفاهيم في بناء نظريات جديدة حول مشاهدة الأفلام، واستيعاب السرد، والخبرة الشعورية.5 هذا التقارُب بين دراسات الفيلم والعلم المعرفي هو جزء من اتجاه فكري مثير يمزج بين الطرق العلمية (الملاحظات المعملية والتجريبية) وبين العلوم الإنسانية (التحليل النصي)، ليس للمساعدة فقط في فهْم إدراك الأفلام حسيًّا واستيعابها فحسب، بل لمساعدة الذهن البشري نفسه.

(٢) الإدراك الحسي للأفلام

لكي تفهم فيلمًا ما، عليك أولًا أن تراه وتسمعه؛ فكل ما نعرفه عن الإدراك البصري (اللون، والعمق، والحركة) والإدراك السمعي (الشدة الصوتية، والدرجة، ومصدر الصوت) له علاقة واضحة بتجربة إدراكنا للصور المتحركة. ورغم أن شرحًا وافيًا لفيلم «العرَّاب» — فيما يتعلَّق بمكوناته الإدراكية — يتجاوز قدرات العلم الحديث، فقد شهد ميدان تكنولوجيا الفيلم تداخلًا تاريخيًّا بين دراسات الأفلام ودراسة الإدراك الحسي.6

إنَّ إحدى المشاكل التي تُواجِهنا في فهْم الإدراك الحسي والصور المتحركة تتمثل في أن صور الفيلم لا تتحرَّك فعليًّا. فثمة سلسلة مكوَّنة من ٢٤ صورة ثابتة متتالية في الثانية الواحدة يتم الْتِقاطها بواسطة كاميرا سينما، ثم تُعرَض، بنفس السرعة، على شاشة بواسطة جهاز عرض مزوَّد بضوء فائق السطوع. كل واحدة من تلك الصور يتم تجميدها لوهلة قصيرة، قبل أن ينتقل الفيلم للكادر التالي. والحركة الفعلية للفيلم داخل الكاميرا يجب إخفاؤها بواسطة ضوء يومِض لحظيًّا بين الكادرات (وإلا، فإن الصورة المتحرِّكة ستبدو مشوَّشة). ومن هنا، فإنَّ الحركة التي يراها المشاهِدون على الشاشة ليست هي الحركة الحقيقية، وتلك الحركة المُدرَكة يُطلَق عليها «الحركة الظاهرية». وقد تمَّ التوصُّل إلى هذه التكنولوجيا بفضْل جهود خبراء تجاريين وباحثين في مجال الإدراك الحسي التجريبي (مصوِّرون ومشغِّلو ماكينات العرض) في العقود الأولى التي أعقبت ظهور السينما. ومن خلال التجربة والخطأ (الأساس الذي يقوم عليه المنهج العلمي)، نجح هؤلاء العلماء والفنيون في اكتشاف السرعة التي يجب أن يتحرك بها الفيلم داخل الكاميرا من أجْل الحصول على إدراك أقرب ما يكون للإدراك الحسي للحركة الحقيقية.

وفيما بعدُ، استطاع الأكاديميون الذين درسوا عملية الإدراك البصري التوصُّل إلى تفسير ظاهرة الحركة الظاهرية بمفردات سيكولوجية؛ فقد وجدوا أن الحركة الظاهرية تنشِّط تلك المسارات المعرفية والفسيولوجية نفسها التي تنشِّطها الحركة الحقيقية. وعندما تكون الفروق المصوَّرة والساكنة بين كادرَيْن متتاليَيْن طفيفة للغاية، لا يستطيع الذهن إدراك أنهما مختلفان. ويتوهَّم، بدلًا من ذلك، أن هناك استمرارية فيزيقية (مثل الطريقة التي تتحرَّك بها الأشياء في العالم الوقعي) حتى وإن كانت تلك الاستمرارية مجرد خداع بصري.7

وعلى مدار السنوات، قام المخرجون والمصوِّرون السينمائيون بتطوير عدد من القواعد الأساسية لعملية المونتاج بطريقة شكَّلت عملية الإدراك لدى المشاهدين. وقد أكَّد الباحثون أن تلك القواعد تَضرِب بجذورها في الحقائق الأساسية للإدراك البشري. أحد الأمثلة على ذلك هو مونتاج الحركة المتناغِمة، عندما تَعقُب لقطةٌ لأحد الشخوص أثناء قيامِه بفعلٍ ما لقطةً أخرى للشخص نفسِه من زاوية نظر مختلفة قليلًا. وقد تتسبَّب تلك القَطعات، إن نُفِّذت بطريقة خاطئة، في إرباك المشاهدين (وهو ما نُسمِّيه قفزات مونتاجية). في حين أنهم لا يلاحظونها على الإطلاق، عندما تُنفَّذ بطريقة صحيحة.

فلْنَتخيَّل لقطة لإحدى الشخصيات تنحني لالْتقاط عِقْد من الماس ملقًى على الأرض. في البداية يرى المشاهدون هذا الفعل من مسافة ٢٠ قدمًا تقريبًا، وبعد قَطعة مونتاجية مباغِتة، نرى الفعل من الزاوية نفسِها من مسافة ٥ أقدام. سيبدو الأمر عندئذٍ وكأن هذا الشخص قد قفز باتجاهنا؛ مما قد يَصدِم أغلبَ المشاهدين باعتباره غير واقعي. ومن هنا، تشير قواعد مونتاج الاستمرارية إلى أنه لو أراد المخرج الحفاظ على تناغم الفعل، فإن اللقطة الثانية يجب أن تُؤخَذ من نقطة تصنع زاوية ٣٠ درجة على الأقل مع النقطة التي أُخذت منها اللقطة الأولى (إن قَطعة مونتاجية مباغِتة من ٢٠ قدمًا إلى ٥ أقدام مع تغيير كبير في زاوية النظر ستبدو في نظر الجمهور طبيعية تمامًا ولن تتسبَّب في إرباكهم).

عندما نكون على وعيٍ بحركتنا عبر المكان (وهي ظاهرة تُسمَّى «استقبال الحس العميق»، وتتضمَّن إدراكًا حسيًّا لحافز يصدر عن الجسد نفسه)، يعمد جهازنا البصري إلى دمج منظورات متعدِّدة. فعندما نجتاز إحدى الغرف، فإننا نرى أشياء مختلفة من العديد من الزوايا المختلفة؛ بَيْد أن هذا لا يسبِّب لنا أي ارتباك؛ لأننا واعون بأننا في حالة حركة. وبعد قَطعة مونتاجية بزاوية ٣٠ درجة، تبدو الأشياء التي تقع في بؤرة بصرنا مختلفة بما يكفي لجعلنا نفترض أننا لا بد أن نكون قد تحركنا. أما في حالة القفزة المونتاجية التي لا تتضمَّن أي تغيير ملحوظ في زاوية النظر، فإن الخاصية الوحيدة التي تتغيَّر هي حجم الأشياء. في تلك الحالات، لا يلتقط جهازنا الإدراكي الإشارة المتوقَّعة التي تدل على أننا قد تحرَّكنا عبر المكان؛ ومن ثَمَّ نفترض أن الأشياء لا بد أن تكون قد قفزتْ من مكانِها. ولأننا نعرف أن هذا مستحيل منطقيًّا، فإن عملية الإدراك تُصاب بالتشوُّش.8

تلعب آليَّات الإدراك الحسي دورًا بالغ الأهمية في الاستمتاع بمشاهدة الأفلام بالنسبة إلى المتفرِّج العادي. فمعظم المشاهدين لا يعرفون سوى القليل عن آليَّة إدراك الحركة، لكن جميعهم يعرفون الإحساس المزعج الذي يتسبَّب فيه المونتاج المتقطِّع (أو أساليب السينما الطليعية مثل «نفس لاهث» (بريثليس) لجودار). كما لعب علم الإدراك الحسي دورًا هامًّا في التطورات التكنولوجية التي جعلت أفلام الفانتازيا والخيال العلمي الحديثة أمرًا ممكنًا. ورغم أن جوائز الأوسكار التي تُمنَح للإنجازات التقنية كثيرًا ما يتم تجاهُلها من جانب المتفرِّج العادي، فإن تلك الابتكارات — نوع جديد من العدسات على سبيل المثال — يمكنها أن تغيِّر خبرة المشاهدة لدى مليارات من البشر.

يزعم جوليان هوكبرج — وهو باحث في مجال الإبصار قام بدراسة عملية الإدراك الحسي للفيلم — أن العمليات الإدراكية ينبغي أن تَحظَى باهتمام أكبر من جانب الباحثين السينمائيين.9 فهو يعتقد أن أُسس المعالَجة الإدراكية متأصِّلة في التركيب البيولوجي للجسم البشري؛ فهي أسس كونية ولا تحدِّدها المتغيرات الثقافية (مثل كون الفيلم أحد منتجات المجتمع الرأسمالي). فرغم أن هوكبرج لا يعتبر الثقافة مقطوعة الصلة بإنتاج الأفلام وتفسيرها وتلقِّيها، فإنه يرى أن ثمة جوانب بعينها من خبرة مشاهدة الفيلم لا تختلف بصورة كبيرة من ثقافة لأخرى أو من شخص لآخر.10 والعمليات الإدراكية يمكنها أن تفرض معايير بعينِها على الطريقة التي يَفهَم بها المشاهدون الفيلم. فالمعنى الفلسفي ﻟ «المواطن كين» مفتوح للنقاش، لكن ما لا يَختَلِف عليه اثنان هو التباين البصري الذي ينطوي عليه التصوير بالأسود والأبيض، والذي يسمح بوجود مجموعة من درجات التظليل أكبر من تلك التي يُتِيحها الفيلم الملوَّن.

(٣) استيعاب السرد في الأفلام

تروي الأفلام قصصًا؛ وتمتزج التفاصيل الإدراكية للفيلم لتشكِّل معًا بنيةً كلِّيَّةً تكون، في معظم الأفلام، ذات طبيعة سردية. ومن هنا، لكي يَفهَم المشاهدون الفيلم، عليهم أن يتبيَّنوا الطريقة التي تلتَئِم بها أجزاء القصة فيما بينها. ويذهب بوردويل إلى أن عملية استيعاب السرد تمثِّل بؤرة اهتمام مثاليَّة للباحثين السينمائيين؛ نظرًا لسهولة تناولها باستخدام مفاهيم العلم المعرفي؛ ومن ثَمَّ تساعد على إجراء دراسات فيلم منضبطة.11
كثيرًا ما يتم التمييز بين «القصة» و«الحبكة» في عملية تحليل السرد؛12 حيث تمثِّل «القصة» العلاقات المكانية، والزمانية، والسببية بين الأحداث السردية (ماذا يحدث في الزمان والمكان). وتشير «الحبكة» إلى المعلومات التي تُقدَّم للجمهور وطريقة تقديمها (أيِ الكيفية التي تُحكَى بها القصة). ففيلم «خيال رخيص» يتضمَّن العديد من الخيوط الدرامية الخَطِّية؛ التي نَجِد، في كلِّ واحد منها، حدثًا يرتبط سببيًّا بحدث آخَر. بَيْد أن حبكته، بالمقابل، غير خَطِّية؛ حيث نجد مَشاهِد من قصص مختلفة يتمُّ المزج بينها وتقديمها دون التقيُّد بتسلسُلها الزمني. فقُرب منتصف الفيلم تقريبًا، يَلقَى فينسينت (جون ترافولتا) حتفَه على يَدِ بوتش (بروس ويلز)، ومع ذلك يظهر فينسينت في مشهد تبادُل إطلاق النار الأخير في المطعم الذي يختتم أحداث الفيلم. ومن الممكن تغيير حبكة الفيلم لجعلها أكثر توافقًا مع التسلسل الزمني للأحداث مع الاحتفاظ بالقصص كما هي دون تغيير. فالقصة «متخيَّلة»13 (سواء أكانت «ذهنية» أم «معرفية») بمعنى أنها تنشأ داخل ذهن المشاهد كنتيجة للطريقة التي تُعالَج بها الحبكة. ومن هنا، يمكن القول إن الحبكة تخصُّ الفيلم، في حين أن القصة تخصُّ المشاهد. واستنادًا إلى العلم المعرفي، يعتقد برودويل أنه لكي يتمكَّن المشاهدون من رأب تلك الهُوَّة بين الحبكة والقصة، عليهم استخدام مجموعة متنوِّعة من «المخطَّطات» (وهي بِنى ذهنية لتنظيم المعرفة).14
يميل الناس إلى استخدام مخطَّطات معرفية من أجْل إرساء الهُوية الثابتة للأشياء التي سبق أنِ الْتَقَوْها. وهم يتمتعون ببراعة خاصة في التمييز بين مختلف الأفراد الذين يتعاملون معهم في الحياة اليومية (الأصدقاء، العائلة، زملاء العمل، النادلون)، فضلًا عن قدرتهم على التمييز بين الأشياء التي لها أهمية بالنسبة إليهم (السيارات، حافظات النقود، الملابس). وثمة فروق فردية بين كمية التمييزات المختلفة التي يستطيع الناس القيام بها (بعض الناس يتمتعون بقدْرة أكبر على تذكُّر الوجوه أو الأسماء)، بَيْد أن القدرة على التعرف على الأشياء المألوفة لها أهمية حاسمة في ممارسات الحياة اليومية، وفي فهم ما يحدث في الأفلام أيضًا. وثمة أنواع عديدة من المخطَّطات تُستخدم بوجه خاص في عملية استيعاب الفيلم. تتجلَّى تلك المخطَّطات بصورة نموذجية باستخدام فيلم «تيتانيك».15

في هذا الفيلم، يمكننا أن نميِّز بين البطلَيْن: جاك (ليوناردو دي كابريو) وروز (كيت وينسليت) من ناحية، وبين الشرير كال (بيلي زين) من ناحية أخرى. وبينما يبدو هذا بسيطًا بما يكفي، فإن الفيلم يقدِّم لنا عددًا من الشخصيات من زوايا كاميرا متعدِّدة، بتسريحات شعر وملابس متنوِّعة. ومع ذلك يظل باستطاعة المشاهدين متابعتهم جميعًا؛ ذلك لأن مخطَّط كل شخصية يظل ثابتًا لا يتغير، لكن مع السماح بوجود تنويعات طفيفة.

كذلك يعتمد الناس أيضًا على المخطَّطات من أجْل فهْم العالَم فهمًا سببيًّا. فنحن نفترض أن الأحداث يتلو بعضها بعضًا، وأن حدثًا ما يمكنه أن يتسبَّب في وقوع حدث آخر. وعندما نقوم بالربط بين الأحداث التي تقع في حياتنا (بعضها نكون قد شهدناه بأنفسنا والبعض الآخر سمعنا به)، فإننا نحاول باستمرار تكييفها مع مخطَّطاتنا لجعلها مفهومة. ورغم أن معظم أفلام هوليوود تبني حبكاتِها وفقًا للتسلسُل الزمني المعتاد، فإن ثمة استثناءات لهذا (ويشمل ذلك أفلامًا أكثر قربًا لمعايير السينما السائدة من «خيال رخيص»). فحبكة «تيتانيك»، على سبيل المثال، تتنقَّل بين عملية استكشاف هيكل عابرة المحيطات الغارقة في الزمن المعاصر وبين إبحارها الفعلي وغرقها عام ١٩١٢م. ولتسهيل استيعاب تلك الوثبات، يستخدم الفيلم إشارات ارتباطية معينة. فعندما تظهر تيتانيك للمرة الأولى وهي تُبحِر، تستخدم الصورة درجات لونية بُنِّية باهتة تستدعي إلى الذهن شكل الصور الفوتوغرافية في مطلع القرن العشرين؛ مما يُتِيح لنا الفصل بين الماضي والحاضر فيما نظل واعِين بالعلاقة القائمة بين الحقبتين الزمنيتين.

وثمة مخطَّطات أخرى تُستخدم في استمرارية الوعي بالعلاقة الفيزيقية بين الأماكن المختلفة. فلكي نتمكَّن من تحديد أماكن الأشياء في إحدى الغرف (قلم رصاص، جهاز التحكم عن بُعْد في التليفزيون، مقعد) لا بد أن يكون نظام الغرفة مألوفًا لدينا، ولا بد أن يكون لدينا مخطَّط للمسار من حجرة المعيشة إلى المطبخ لكي نستطيع التنقل بينهما عندما نشعر بالجوع. أضِف إلى ذلك أن هناك أماكن تقع خارج نطاق وعينا نعرف أن بإمكاننا بلوغها باستخدام مخطَّطات أخرى (القدرة على قراءة خريطة، على سبيل المثال).

جميع تلك العلاقات المكانية تنطبق على عملية مشاهدة الأفلام، باستثناء وحيد: هو أننا، أثناء عملية المشاهدة، نكون مقيَّدين مكانيًّا بالكاميرا، وليس بحركة أجسادنا. ومن هنا، فإن معرفتنا المكانية أثناء عملية مشاهدة الأفلام لا تكون بوجه عام على نفس الدرجة من الدقة، التي تكون عليها في الحياة الواقعية. ومن هنا، يعمد «تيتانيك» إلى تقديم معلومات معينة حول العلاقات المكانية، بهدف التوضيح. ففي وقت مبكر من الفيلم، نرى أن الركَّاب المنتمين للطبقة العاملة يحتلُّون السطح السفلي، في حين يحتل الركَّاب الأثرياء السطح العلوي. تلك العلاقة هي أكثر من مجرد استعارة اجتماعية-اقتصادية؛ إذ تتحوَّل إلى سمة من سمات الحبكة عندما تبدأ السفينة في الغرق. فجاك وروز يَجِدان أنفسَهما عالقَيْن وسط الركَّاب في السطح السفلي، ويتعيَّن عليهما مواصلة الصعود إلى أعلى (حرفيًّا باتجاه قمة الشاشة) كي يَهرَبا من الموت. وبينما يدرك الجمهور أن جاك وروز يتحرَّكان لأعلى صوب السطح العلوي، فإن المونتاج السريع والفوضى الشاملة للموقف يبلغان من الإرباك حدًّا يَحُول دون رسم خريطة ذهنية دقيقة للسفينة.

(٤) الاستيعاب الشعوري للأفلام

ثمة ميل للتفكير في المشاعر والأفكار كشيئَيْن منفصلَيْن؛ إذِ القلب متَّقِد ومندفع، بينما الرأس بارد وعقلاني. وتاريخيًّا، تعامَل علم النفس مع المعرفة والمشاعر باعتبارهما مجالَيْن متمايزَيْن للدراسة، بَيْد أن أغلب النظريات الحديثة عن المشاعر تذهب إلى أن الفصل بينهما ليس بالأمر اليسير. فالعمليات المعرفية تحدث فعليًّا بالتزامن مع العمليات الشعورية، كما ترتبط ردود الفعل الشعورية بصلات فسيولوجية مع أنماط الفكر.16 ونتيجة لذلك، تؤكِّد الإسهامات الحديثة في عملية استيعاب السرد على البُعد الشعوري، مبرِزة التلاعب اللفظي في كلمة «المتحركة» في مصطلح «الصور المتحركة»،17 ومشيرة للفيلم بأنه «آلة مشاعر».18

إثارة المشاعر

عندما يشاهد الناس فيلمًا ما، تنتابهم مجموعة متنوعة من المشاعر. عندما تذهب لدار العرض المرة القادمة، حاوِلْ أن تراقب الناس من حولك. ضحكات، دموع، تعبيرات عن الهلع، انتفاضات من وقْع المفاجأة، يمكن ملاحظتها كلها في ردود الأفعال الجسدية للجمهور. وقد اهتمَّ الباحثون في علم النفس فعليًّا بدراسة كل تلك الأنواع من المشاعر؛ وكثيرًا ما تَلْجَأ هذه الدراسات إلى استخدام الأفلام بهدف إثارة المشاعر؛ ذلك لأن الأفلام تتمتع بفاعلية كبيرة في هذا الصدد، لدرجة أنها أصبحت عنصرًا حيويًّا في دراسة المشاعر. وغالبًا ما يتم عرض فيلم (أو مقطع من فيلم) على المشاركين الذين يخضعون بعد ذلك لعملية قياس شعور معيَّن، ثم يتمُّ مقارنة القياسات بمتغيرات سيكولوجية أخرى؛ مثل النوع، والذاكرة، والقدْرة على المخاطرة.

كثيرًا ما يُظهِر الباحثون براعة كبيرة في ابتكار طرق فسيولوجية، وذاتية، وسلوكية لرصد المشاعر وقياسها.19 والتقنيات السلوكية تشمل تصوير الناس بالفيديو فيما هم يشاهدون أحد الأفلام، ثم تشفير تعبيراتهم بناءً على حركة عضلات الوجه.20 والطرق الذاتية تشمل إجراء استبيانات مباشرة، إضافةً إلى تقنية أكثر تعقيدًا يقوم فيها المشاركون بالتحكُّم في مؤشِّر يشير إلى مستوى المشاعر على امتداد زمن الفيلم.21 أما الطرق الفسيولوجية فتشمل قياس رطوبة الجلد (الاستجابة الجلدية الجلفانية)، وموجات المخ (المخطَّط الكهربائي للدماغ)،22 ومستويات الكورتيزول في اللُّعاب،23 وتدفُّق الدم في الأعضاء التناسلية،24 أثناء مشاهدة الفيلم.
واستنادًا إلى تلك القياسات، قام الباحثون بوضع قائمة تضم مقتطفات من أفلام موصًى بها لإثارة مشاعر معينة: الاستمتاع، الغضب، الاشمئزاز، الخوف، الحزن، المفاجأة.25 فالمشهد من فيلم «صمت الحملان» الذي تحاول فيه شرطية المباحث الفيدرالية كلاريس ستارلينج (جودي فوستر) العثور على السفاح المختبئ في قبو مظلم، يُستخدم لإثارة الخوف، في حين يُستخدم مقتطف آخَر من فيلم «البطل» (ذا تشامب) يصوِّر ولدًا صغيرًا (ريكي شرويدر) يجهش بالبكاء بجانب جثة أبيه الذي فارق الحياة، لإثارة مشاعر الحزن. ورغم أن مثل تلك المقتطفات «لا تضمن» أن جميع المشاهدين سوف يستجيبون بالطريقة التي يتوقَّعها الباحثون،26 فإنها أكَّدتْ قدرتَها على إثارة مشاعر معينة، بمستويات مرتفعة، في العديد من المشاركين في ظل ظروف يتم التحكم بها (انظر الملحق «ﺟ» للاطِّلاع على قائمة كاملة بالأفلام والمشاعر المستهدَفة).
ليست إثارة المشاعر مجرد ناتج ثانوي لتجربة مشاهدة الفيلم، لكنها وثيقة الصلة بالخواص الأسلوبية للأفلام. إحدى أولى التجارب التي أُجريتْ لقياس قدرة المونتاج على التأثير في المشاعر، أجراها المخرجان/المنظِّران بودُفكِن وكوليشوف، اللذان اكتشفا ما أُطلق عليه تأثير كوليشوف؛ حيث قاما بأخذ لقطة مكبَّرة لممثل ينظر إلى خارج الكادر بتعبير محايد على وجهه، ثم قاما بتوليفها مع أشياء مختلفة شملت إناءً من الحساء، وجثَّة سيدة مسجاة في الكفن، وفتاة صغيرة تلعب بدمية على شكل دبٍّ. وقد عبَّر جميع المشاهدين الذين عُرضتْ عليهم الأفلام القصيرة عن إعجابهم بقدرات الممثل، بَيْد أن الشعور الذي نسبوه إليه اختلف من فيلم لآخر؛ فعندما شاهدوه وهو «يحدِّق» في الحساء، اعتقدوا أنه مستغرق في حلم يقظة. وفي مشهد الكفن، اعتقدوا أنه محزون. أما في مشهد الفتاة الصغيرة، فقد بدا مبتهجًا. وبالطبع، كانت لقطة الممثل هي نفسها في الحالات الثلاث.27
توضِّح تلك التجربة الكثير من الأشياء المتعلِّقة بالعمليات المعرفية بوجه عام، وعملية المونتاج بوجه خاص. فقد افترض المشاهدون، في كل واحدة من الحالات الثلاث، أن الممثل كان ينظر إلى الشيء الذي يظهر في اللقطة الثانية، حتى وإن كانت قد رُكِّبت بواسطة المونتاج. فالمشاهدون يربطون تلقائيًّا بين أجزاء مختلفة من فيلم، خضع لعملية مونتاج، من أجْل تكوين بنية كلية مفهومة.28 كذلك تُظهِر التجربة أيضًا وجود ميل لتنظيم المثيرات الغامضة عن طريق السياق. ومن هنا، وبحسب الشيء الذي يُقرَن معه، يمكن للتعبير المحايد نفسه أن يُفسَّر على أنه حلم يقظة، أو حزن، أو بهجة.
زاوية الكاميرا جانب أسلوبي آخر يؤثِّر ليس على ردود الفعل الشعورية لدى المشاهدين فحسب، بل أيضًا على الطريقة التي يُقيِّمون بها مشاعر الشخصيات. في دراسة أخرى، تمَّ صُنْع أفلام قصيرة تدور حول أنشطة عادية بين شخصين؛ مثل حادثة مرورية صغيرة، وتم تصوير نُسَخ عديدة منها مع تغيير زوايا الكاميرا. في إحدى النسخ، صُوِّرت الشخصية «أ» من زاوية منخفضة، بينما صُوِّرت الشخصية «ب» من زاوية مرتفعة، والعكس بالعكس. وقد تبيَّن أنه حتى مع بقاء جميع جوانب الفيلم الأخرى ثابتة دون تغيير، فإن الشخصيات التي صوِّرت من زاوية منخفضة (ما جعلها تبدو شاهقة فوق مستوى الكاميرا) بدت للمشاركين أكثر قوَّةً وجرأةً وعدوانيةً، وأقل خوفًا. والعكس صحيح بالنسبة إلى الشخصيات التي صُورت من زاوية مرتفعة (مما جعلها تبدو وكأنها يُنظَر إليها من أعلى).29 وتتطابق تلك النتائج مع قاعدة معروفة جيدًا عن وظيفة زوايا الكاميرا؛ الزوايا المنخفضة توحي بتفوُّق الشخصية، بينما توحي الزوايا المرتفعة بدونيتها.30 وقد اشتُهر فيلم «المواطن كين» بتوظيفه للزوايا المنخفضة في المشاهد التي تصوِّر كين (أورسن ويلز) مملوءًا بالثقة وهو يُطلق إمبراطوريته الصحفية، بينما في الأجزاء التالية من الفيلم، بعد أن انهارت حياته، تنظر إليه الكاميرا لأسفل من نقطة شاهقة. تعكس هذه الأنواع من الزوايا أنماطًا من خارج عالم الفيلم؛ فعندما «ننظر من أعلى»، فيزيقيًّا، إلى شخص ما (شخص بالغ ينظر إلى طفل)، فإننا بوجه عام نكون في وضع متفوق، والعكس بالعكس.

تيمات شعورية

منذ أن قام أرسطو بتوصيف التراجيديا بأنها أحداث درامية تثير الخوف والشفقة، نشأت صلة متينة بين المشاعر والقصة.31 ولأن الفيلم الروائي هو أكثر من مجرد سلسلة عشوائية من الصور المثيرة، فإن طاقته الشعورية لا تستند فقط إلى الإدراك البصري، بل تنهض على الخصائص الأساسية للقصة، لا سيما التيمة والشخصية.

فلْتُحاول إجراء التجربة التالية: تخيَّل مشهد القبو المثير للخوف من فيلم «صمت الحملان»، ثم اختَرْ أيَّ كادر منه وحوِّلْه إلى صورة ثابتة. هل ستكون تلك الصورة مخيفة؟ تقديري هو أن كادرًا منتقًى بعناية يمكنه أن يثير بعض الاضطراب، لكنه لن يثير القَدْر نفسه من الاضطراب والخوف الذي يثيره المشهد نفسه (وأظن أيضًا أن الصورة ستثير قدْرًا أكبر من الخوف لدى مَن شاهدوا الفيلم؛ بسبب وجود ارتباطات سابقة بين الصورة والقصة).

القصص تستثير المشاعر؛ تلك ملاحظة تجمع بين النظرية الشعورية والنظرية السردية. والمخطَّطات المعرفية (البِنى الذهنية) التي يستخدمها الناس للإحاطة بأفعالهم وأفعال الآخرين، تُسمَّى «سيناريوهات».32 فنحن لدينا سيناريوهات لجميع ما نؤدِّيه أو نَشهَده من أفعال، من الرحلات إلى المتجر وحتى حفلات الزفاف. ولأن الأحداث التي تجري وفق سيناريوهات لها دور هام في مساعدتنا في شقِّ طريقنا خلال اليوم، وتحقيق النجاح، والبقاء على قيد الحياة في نهاية المطاف، فإنها تحمل أصداءً شعورية تتيح لنا اتخاذ قرارات حَدْسية حول كل ما يحمل قيمة أو يعد مصدرًا للمخاطرة.

لا يقتصر استخدام السيناريوهات على فهم الأشخاص والأحداث فحسب، بل يمتد أيضًا إلى استيعاب الأحداث الروائية في الأفلام؛ وعندما تأتي تلك السيناريوهات في سياق أدبي أو سينمائي، فإنها تُسمَّى تيمات. فعندما نشاهد فيلمًا ونلحظ تنويعات في أحداث رأيناها من قبلُ، فإن ثمة سيناريوهات معينة يتم استحضارها، وتجلب معها استجابة شعورية تلقائية. بعض تلك السيناريوهات (الذهاب إلى محل بقالة) تستثير ردود فعل خفيفة، بينما تميل أخرى (زواج أحد الأشخاص) إلى إثارة مشاعر أكثر قوَّةً. وفي بعض الأحيان، تتطابق حكايات الأفلام مع سيناريوهات راسخة (حفلات الزفاف في نهاية العديد من الأفلام الكوميدية العاطفية)، بينما يتناقض البعض الآخر تناقضًا صارخًا معها (حفل زفاف ينقلب إلى مذبحة في فيلم «اقتل بيل» (كيل بيل)). وإجمالًا، تمنحنا القصص التقليدية شعورًا بالراحة والرضا (حتى عندما تصيبنا بالملل)، بينما القصص غير التقليدية تجعلنا نشعر بالارتباك أو الاغتراب.

لقد بيَّنَت التجارب أن سيناريوهاتنا أو تيماتنا الأساسية تؤثِّر على حِدَّة ردود أفعالنا الشعورية (إضافة إلى ذكرياتنا التالية عن الأحداث). ففي إحدى الدراسات، عُرض على المشاركين مقتطفات من فيلمين (أحدهما روائي والآخَر غير روائي)، يمثِّل كلٌّ مِنها إحدى التيمات الثلاث التالية: حفلات الزفاف، ومرض الإيدز، وحياة غاندي. وقد جاءت ردود الأفعال الشعورية نحو أفلام الإيدز والزفاف أكثر حِدَّةً من تلك التي على أفلام غاندي. أضِف إلى ذلك أن المشاركين نجحوا في تذكُّر المادة المعروضة في تلك الأفلام بصورة أفضل من تذكُّرهم أفلام غاندي، وهي نتيجة تربط بين المشاعر والعمليات المعرفية للذاكرة. فعلى عكس أفلام غاندي، تتطابق أفلام الزفاف والإيدز مع سيناريوهَيْن مؤثِّرين؛ الموت والحب. وتتناول أفلام غاندي، في المقابل، وقائع تاريخية واجتماعية-سياسية معقَّدة، لا تستطيع منافسةَ آنيَّة الحب والموت، رغم أنها ليست خالية من المشاعر كليَّةً.33
بالإمكان تبيُّن ملامح عملية الاستيعاب الشعوري للتيمات من خلال التحليل النصي للأفلام. إن دراسة أنواع الأفلام تقليد راسخ في مجال دراسات الفيلم، تعمد إلى تسليط الضوء على الدور الذي تلعبه التيمات؛ لأن الأنواع تتضمَّن تكرارًا للتيمات الأساسية والمحفِّزات الأسلوبية.34 تلك المحفِّزات تستدعي سيناريوهات معينة مع ما يصاحبها من مشاعر. فالنوع السينمائي الناجح يمزج بين العديد من المشاهد التي تستثير في وجدان الجمهور ذكريات تحرِّك مشاعرَه وتولِّد لديه استجابةً شعورية تتعلَّق بشعور واحد مهيمن.

بعض تلك الأنواع — الميلودراما والتشويق والرعب — تبالغ في عرض المشاعر التي تنطوي عليها. فالأفلام الميلودرامية هي أكثر من مجرد أفلام تعبِّر عن مشاعر مبالَغ فيها، بل تقدِّم حبكات تحدث فيها أشياء سيئة لأناس طيبين؛ ومن ثَمَّ تستثير مشاعر الشفقة. وتميل الأعمال الميلودرامية إلى أن تكون أقل تعقيدًا من الناحية العاطفية من الأعمال التراجيدية؛ حيث تعاني الشخصيات التراجيدية من عيوب تجعلها مسئولة عن عواقب أفعالها؛ مما يستدعي الحكم عليها ويخفِّف من شعور الجمهور بالشفقة تجاهها. وفي المقابل، لا يتم التأكيد في الأعمال الميلودرامية على عيوب الأبطال؛ فهم نوعًا ما أبرياء. وكثيرًا ما يوصف فيلم «ذهب مع الريح» بأنه ميلودرامي، لكنه ليس ميلودراما «نموذجية»؛ ذلك لأن غرور سكارليت (فيفيان لي) يساهم في سقوطها. ويقدِّم فيلم «علاقة لا تُنسى» (آن أفير تو ريممبر) مثالًا أوضح؛ حيث يُحال بين تيري (ديبورا كير) وبين مقابلة نيكي (كاري جرانت) دون أيِّ خطأ اقترفتْه (فقد أُصيبتْ بالشلل نتيجة حادث سيارة). ومن ثَمَّ تستثير شخصيتُها درجةً عالية من الشفقة؛ إذ يطَّلع المشاهدون على سيناريوهاتهم الميلودرامية.

أما الشعوران الطاغيان اللذان تستثيرهما نوعية أفلام الرعب فهما الخوف والاشمئزاز. فنحن نشعر بالخوف على الأبطال لأنهم مهدَّدون بصورة واضحة، وذلك عبْر استدعاء سيناريوهات شخصية تتضمَّن تهديدًا وأذًى محتملًا. ورغم أن هناك أنواعًا أخرى (أفلام الإثارة) تتضمَّن عنصرَيِ التهديد والأذَى، فإن أفلام الرعب تتميز بمزجها بين الخوف والاشمئزاز. فنحن لا نشعر بالخوف من المسخ فحسب، بل بالاشمئزاز أيضًا من تشوُّهه، وافتقاره للإنسانية، وفساده الأخلاقي. فالمسوخ في أفلام الرعب — مصاصو الدماء، والموتى الأحياء، والمذءوبون — يمتلكون على وجْه الإجمال خصائص غير بشرية. فحتى المريض النفسي المعاصر، رغم كونه مخلوقًا بشريًّا اسمًا، عادةً ما يكون مقنَّعًا أو يتم تغيير مظهره بحيث يبدو بشعًا، ولا يحمل سوى القليل من السمات الإنسانية المعروفة. فاستجابات الخوف والاشمئزاز تشتدُّ حدَّتُها عبر امتزاجها بعضها ببعض.

ينشأ الشعور بالتشويق أثناء مشاهدة العديد من الأفلام، وهو ينطوي، شأنه شأن الرعب، على الخوف. ولكي يُصنَّف فيلم ما ضمن فئة أفلام التشويق، لا بد له أن يحافظ على شعور جارف بالقلق تجاه ما سوف يحدث؛ فأفلام التشويق تتضمَّن عادةً توجُّهًا «للمستقبل». فهي تضع المستقبل محلَّ شك كبير، وتدفع الجمهور إلى اختبار مشاعر الهلع والترقُّب لفترة زمنية ممتدَّة. وكثيرًا ما يتم الاستشهاد بأفلام هيتشكوك ضمن هذه الفئة، لكن ثمة أفلامًا أخرى أهْلٌ لذلك أيضًا. ففيلم حركة مثل «سرعة» (سبيد)؛ حيث ينبغي على حافلة ركَّاب أن تظلَّ سائرةً بسرعة عالية كي لا تنفجر، يطرح أيضًا مستقبلًا غامضًا يتعيَّن على المشاهدين أن يُمعِنوا فيه التفكير طوال زمن الفيلم.35

المشاعر، ودوافع الشخصية، والتعاطف

استخدام التيمات المُثيرة للمشاعر ليس «الطريقة» الوحيدة التي تستخدمها الأفلام للربط بين الاستيعاب والمشاعر. فثمة طريقة أخرى تتمثَّل في محاولة فهم «لماذا» تقوم الشخصيات بما تقوم به. فدُون الشعور بدوافع الشخصية، يغدو من المستحيل تتبع سلسلة من الأحداث المرتبطة سببيًّا بعضها ببعض؛ ذلك لأنه في هذه الحالة يُصبِح سلوك أيِّ شخصية محتمَلًا، تمامًا كسلوك بقية الشخصيات، ويغدو كلُّ تسلسل زمني اعتباطيًّا. ومن أجْل الحفاظ على اندماج شعوري ومعرفي، فإن علينا «الاندماج» مع الشخصيات.

بَيْد أننا لا نقارب كل شخصية باعتبارها شخصًا جديدًا كليَّةً. فثمة شكل آخر لنظرية المخطَّط يشير إلى أننا نمتلك مخطَّطات للأشخاص أيضًا. وتُسمَّى هذه أحيانًا بالأنماط الجاهزة، أو الأنماط الأصلية، على نحو أقل تحقيرًا.36 فعندما يبدأ المشاهدون التعرُّف إلى شخصيات أحد الأفلام، فإنهم يحاولون أن يُطابِقوا بينها وبين فئات موجودة سلفًا.37 ولا يلزم وجود سوى قليل من المعلومات كي تبدأ عملية الارتباط تلك: قبعة سوداء، ابتسامة، تردُّد مرتبك، تلك الإشارات قد تكون كل ما يحتاجه المشاهد لاستحضار نمط أصلي مألوف.

ومع تطور الشخصية على الشاشة، يتم تقديم المزيد من السمات التي تقود المشاهدين إلى فهْم أفضل لدوافعهم. وفي حين أن الشخصيات الأيقونية أحيانًا ما تكون معقَّدة بما يكفي لتحدِّي مجموعة الأنماط المتوافرة لدى لمشاهدين، فإن أغلب الشخصيات تتوافق مع أنماط أصلية معروفة؛ ومن ثَمَّ يسهل فهمُها. فأحد الأسباب في أن المشاهدين لا يضيقون بالسرد المعقَّد في فيلم «إشراقة أبدية لعقل نظيف» هو أن الشخصيات مألوفة للغاية؛ «الفتاة الحمقاء ذات الخيال الجامح» و«الضعيف المحزون الجذاب».

وبمجرد أن يتعرَّف المشاهدون على بنية الدوافع لإحدى الشخصيات، فإنهم يتماهَوْن معها. ورغم أنه ليس من اللازم أن يكون هذا التماهي قويًّا أو مستدامًا، فإنه ينبغي أن يستمر فترة كافية لكي تصبح أفعال الشخصية مفهومة وتخدم تطور القصة.38 وكثيرًا ما يكون تماهي المُشاهِد مع شخصية معينة غير محايِد؛ فنحن «نشعر» بأشياء معينة عندما نتماهَى مع شخصيات مختلفة. فنتعاطف معهم ونُحِسُّ بمجموعة من المشاعر.
تؤثِّر خبرتُنا التعاطفية على طريقة ارتباطنا بالقصة. فقد أظهرتِ الأبحاث التجريبية مدى تأثير تعاطف المُشاهِد على استجاباته للأفلام المرعبة. فالمشاركون الذين تعاطفوا مع الشخصيات وجدوا أنه من الضروري أن يُطعِّموا خبرة مشاهدتهم بشيء من «الخيال» عن عَمْد، عن طريق تركيز انتباههم على المؤثرات البصرية مثلًا. وبعض المشاهدين ارتبطوا بالشخصيات ارتباطًا شديدًا، لدرجة أنهم شعروا بضيق شخصي أثناء المَشاهِد المخيفة، وانسحبوا من العالم السردي عن طريق تخيُّل أنهم موجودون في مكان آخر.39 فمن الواضح أن ثمة علاقة تربط بين الشخصيات، والخبرة الشعورية لدى المشاهدين، والقصة.

ورغم أن كثيرًا مما ذكرناه عن التماهي ودوافع الشخصية والتعاطف يمكن تطبيقه على أي شكل سردي، فإن ثمة فروقًا أيضًا. فالقراء يؤكِّدون أنهم يرتبطون بالشخصيات الأدبية عن طريق استخدام خيالهم لإمدادهم بالتفاصيل غير المكتوبة. وبالمقابل، ينغمس المشاهدون بمنتهى السهولة في السرد المرئي كما هي الحال في تلك الخبرة الشائعة المتمثِّلة في تشغيل التليفزيون «لمدة ثانية واحدة فقط»، ورؤية لمحة خاطفة من فيلم ما، ثم «الاستغراق الكامل في القصة»، لدرجة فقدان القدرة على تركه.

أحد التفسيرات لقدرة الفيلم على إثارة مثل تلك الاستجابات الشعورية السريعة تتعلَّق بقدرته على عرض تعبيرات الوجه. فقد أظهرتِ الأبحاث الشاملة العابرة للثقافات أن هناك مجموعة من التعبيرات الأساسية (الحزن، الغضب، الاشمئزاز، السعادة) التي بمقدور الناس من جميع الثقافات ترجمتها بدقة. كذلك تثير تلك التعبيرات أيضًا ردود فعل شعورية قوية لدى البشر جميعًا. فمن خلال اللقطات المكبَّرة، تستطيع الأفلام تصوير تعبيرات الوجه بمنتهى الوضوح؛ ومن ثَمَّ إيصال معلومات عن تلك المشاعر آنيًّا؛ مما يتيح للجمهور الإحاطة بدوافع الشخصية ويزيد من تعاطفنا معها. فالمشهد الذي يصوِّر موت الإنسان الآلي في فيلم «بليد رانر» حظي بشهرة مستحقَّة بسبب ما يتضمَّنه من تعبيرات وَجْه مؤثِّرة؛ حيث تركِّز الكاميرا على النصف الأعلى من جسد هاور ووجهه لفترة زمنية ممتدة. وإذ يقوم بسرد مباهج حياته وأحزانها، يعكس وجهُهُ بطريقة متواصلة وواضحة لا لبس فيها تجربتَه الداخلية، وتجربتَنا نحن أيضًا.40

(٥) الأفلام وآلية عمل المخ البشري

رغم أن الأبحاث التي تتناول المخ البشري شهدت تقدمًا سريعًا خلال العقود الماضية، فإن مستوى الفهم الحالي لا يزال محدودًا، وتطبيقاتها على الخبرات المعقَّدة في العالم الواقعي تميل إلى الفجاجة. فتطبيقات علوم دراسة المخ على عملية مشاهدة الفيلم لا تزال في بدايتها، بيد أن اكتشافاتها المبكرة مثيرة للاهتمام. وثمة دراسة حديثة لعملية استيعاب السرد تناولت تكنولوجيا تصوير المخ بالرنين المغناطيسي الوظيفي، وهي أكثر الوسائل تطورًا — المعروفة حاليًّا — لتصوير النشاط العصبي («تصوير» المخ) بلا تدخل جراحي؛ فهي تتيح للباحثين الحصول على صورة دقيقة نسبيًّا لنشاط المخ خلال فترة زمنية.

وقد ركَّزت تلك الدراسة على النشاط اللحائي. هذا اللحاء هو الجزء الخارجي الغائر الكبير من المخ، المسئول عن الوظائف العليا (الوظائف الحركية، معالَجة الإبصار، المعالجة اللغوية، التفكير المجرَّد، إلخ). وقد قام الباحثون بعرض مَشاهِد قصيرة (صامتة) على المشاركين؛ مثل ذلك المشهد من فيلم «الفتاة» (ذا جيرل)؛ حيث يقوم طفلان بمهاجمة عُش دبابير، أو مقتطفات ممنتجة، تتألَّف من لقطات تم تجميعها معًا من أفلام مختلفة باستخدام المونتاج. في حالة المَشاهد السردية، ثمة شبكة متوقَّعة من أجزاء المخ يتم تفعيلها، أما في حالة المَشاهد المؤلَّفة من لقطات مجمَّعة، فلم يتم رصد أي شبكة (أيْ إن نشاط المخ كان أكثر عشوائيَّةً). وقد استخلص الباحثون أن «عملية استيعاب مشاهد بصرية ممنتجة … تعتمد فيما يبدو على الأنشطة المنظمة لمناطق متعددة من المخ ترتبط وظيفيًّا بعضها ببعض عبر شبكة معرفية عالية المستوى.»41 ورغم أن تلك العبارات لا تزال بعيدة جدًّا عن تفسير خبرة مشاهدة فيلم «إشراقة أبدية لعقل نظيف» بكليتها، فإنها تقترح بقوة وجود صلة تربط بين الذهن والمخ والفيلم.

ورغم أن الأبحاث المعملية المباشرة لا تزال قليلة، فإننا بإمكاننا أن نخمِّن إلى حدٍّ معقول وجود علاقة بين الخبرة الشعورية للمُشاهِد أثناء مشاهدة القصص السينمائية وآليَّة عمل المخ. والجهاز العصبي التلقائي (الجهاز الذي ينظِّم الوظائف الجسدية التلقائية مثل التنفس ودقَّات القلب) والمناطق تحت اللِّحائية من المخ على وجه الخصوص يبدو أن لها دورًا في تلك الخبرة. ويشير مصطلح «تحت لِحائي» إلى المناطق المتنوعة في المخ التي تقع تحت اللِّحاء مباشرةً، وتختص تلك المناطق بالوظائف الأوَّلية الضرورية للبقاء على قيد الحياة: الجوع، الاستيقاظ، التنفس، إلخ. أضِفْ إلى ذلك أن الاستجابات الشعورية القوية، خاصةً السلبية منها، تقع جزئيًّا في تلك المنطقة البدائية.

ثمة جزء تحت لِحائي صغير — اللوزة — مسئول بوجه خاص عن معالجة الاستجابات للمثيرات المنفِّرة. وتقترح النماذج الحديثة لآليَّة عمل المنطقة تحت اللِّحائية أنه رغم وصول الرسائل إلى اللوزة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بعد معالجتها في المنطقة اللحائية، فإن المدخلات المباشرة تتم بسرعة أكبر بكثير. ومن اللافت أن ثمة مثيرات معينة هي التي تستطيع إثارة اللوزة مباشرةً تشمل الضوضاء مثل الدمدمة، والأشياء الضخمة المهيبة، والحركات الملتوية مثل تلك الخاصة بالثعابين. ومثل تلك المدخلات البيئية التي قد تنطوي على مخاطر تتم معالجتها على وجه السرعة؛ مما يسمح لنا بالاستجابة قبل أن تتمكَّن أجزاء أخرى من المخ من معالجة الخطر بطريقة عقلانية وتقرير ما ينبغي عمله.

حتى وإن كانت الأشياء التي تظهر في الأفلام غير «حقيقية»، فإن أجهزتنا الإدراكية والمعرفية كثيرًا ما تتعامل معها كما لو أنها حقيقية؛ ومن ثَمَّ تزيد من حِدَّة ردود فعلنا الشعورية. يبدو هذا صحيحًا بوجه خاص عند مقارنة الأفلام بالكتب، التي رغم قدرتها على إثارة مشاعر قوية لدى القرَّاء، فإنها، على المستوى الإدراكي، مجرد رموز مطبوعة على ورق، تتطلَّب معالَجة من مستوًى أعلى (أيْ معالجة لحائية). فصورة وَحْش، أو صوت دمدمة عالية، أو مونتاج سريع لثعبان على وشك أن يضرب ضربته، تتجاوز جميعها لِحاءنا العقلاني وتمضي مباشرةً إلى المنطقة تحت اللحائية المُحِبَّة للتلقائية، وفي بعض الأحيان تجعلنا نقفز في مقاعدنا، حتى وإن كنا نعرف، عقلانيًّا، أنه «مجرد فيلم».42

(٦) لقطات ختامية: شَراكة غير متوقَّعة

برهنت المزاوَجة بين العلم المعرفي ودراسات الفيلم على كونها مثمرة، بيد أنها لا تخلو من توترات. فقد ذهب بوردويل إلى أن التركيز على عملية الاستيعاب ينأى بدراسات الفيلم المستنِدة إلى العلم المعرفي بعيدًا عن التقليد الذي كان سائدًا في السابق، والذي ركَّز بصورة تكاد تكون حصرية على التفسير (توضيح ما «يقوله» الفيلم عن الطبيعة البشرية والسياسة والقيَم الثقافية، إلخ).43 ولأن الاستيعاب أكثر انصياعًا للمفاهيم المتجذِّرة في العلم المعرفي، فإنه يقف على طرف النقيض من دراسات الفيلم النسبية التي تعتمد على عدد لا يُحصَى من القراءات الممكنة للفيلم.44 ومع ذلك، فإن الأفلام، حتى على مستوى استيعاب القصة، لا تخلو من الالتباس. وبإمكاننا أن نجادل بشأن ما «يحدث» بالضبط في «إشراقة أبدية لعقل نظيف»، تمامًا مثلما يمكننا أن نجادل حول ما «يعنيه». فالفروق في السمات النفسية مثل السِّنِّ، والنوع، والشخصية، والتعليم، إلخ، يمكنها جميعها أن تؤثِّر على طريقة فهْم الفرد للقصة (التي توجد، كما يلاحظ بوردويل، في «مخيِّلة» المُشاهِد).
بيد أن ثمة فروقًا في المنهج تعوق حركة دراسات الفيلم باتجاه العلم المعرفي. فالعلم المعرفي يحبِّذ استخدام التجارب والنماذج الحاسوبية، في حين تفضِّل دراسات الفيلم التحليلَ النصي. لقد رحَّب دارسو الفيلم بالمفاهيم المعرفية، وأبدَوا استعدادًا لاستخدام أي وسيلة في متناول أيديهم من أجْل الوصول إلى فهم أفضل لموضوع شغفهم (الأفلام). وعلى الجانب الآخر، فإن علماء النفس من أصحاب التوجُّه المعرفي، يُكثرون من استخدام الأفلام، لكنهم يميلون إلى النظر إليها باعتبارها أدوات منهجية (الأبحاث المتعلِّقة بإثارة المشاعر، على سبيل المثال)، وليست كأشكال فنية. وبالمثل، كثيرًا ما يتعامل العلماء مع العمليات المعرفية المختلفة باعتبارها أشياءَ متمايِزة؛45 مما يعوق النظر إلى خبرة مشاهدة الأفلام بطريقة شمولية وممنهجة. لكن من المُهِمِّ للغاية أن يتعامل العلم المعرفي مع الفنون والأشكال السردية، مثل الفيلم، وفقًا لما هي عليه. فقد لاحظ باتريك كولم هوجان أن الدراسات الأدبية والفنية تمتلك تقاليد أكاديمية ثرية يبلغ عمرها آلاف السنين، ويؤكِّد أنه «إذا كانت لديك نظرية عن الذهن البشري لا تتناول الفنون بالشرح والتفسير، إذن فنظريتك محدودة بدرجة كبيرة … وإذا فشل العلم المعرفي في تناول هذا الجزء الشديد الأهمية من حياتنا اليومية، فسيكون مصيره مزبلة التاريخ.»46

(٧) قراءات إضافية

  • Anderson, J. D. (1996) The Reality of Illusion: An Ecological Approach to Cognitive Film Theory. Southern Illinois University Press, Carbondale, IL.
  • Bordwell, D. (1985) Narration in the Fiction Film. University of Wisconsin Press, Madison, WI.
  • Grodal, T. (1997) Moving Pictures: A New Theory of Film Genres, Feelings, and Cognition. Oxford University Press, New York, NY.
  • Hogan, P. C. (2003) Cognitive Science, Literature, and the Arts: A Guide for Humanists. Taylor & Francis Books, New York, NY.
  • Rottenberg, J.; Ray, R. D., and Gross, J. J. (2007) Emotion elicitation using films, in Handbook of Emotion Elicitation and Assessment (eds J. A. Coan and J. B. Allen), Oxford University Press, New York, NY, pp. 9–28.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠