الفصل السابع

تأمُّل الشاشة: تلقِّي الأفلام

عُرِض فيلم «طارد الأرواح الشريرة» لويليام فريدكين في عام ١٩٧٣م، بعد سنوات قليلة من نشر الرواية التي ألَّفها ويليام بيتر بلاتي. وإذا كانت الرواية قد أثارت بعض الحراك في الوسط الثقافي، فإن الفيلم أطلق موجات عاتية من الجدل والإشادة والخوف.

وإبَّان عرضه، أصبح فيلم «طارد الأرواح الشريرة» أكثر الأفلام تحقيقًا للإيرادات في تاريخ السينما. وبعد أَخْذ عامل التضخم في الاعتبار، لا يزال الفيلم يحتل المرتبة التاسعة في قائمة أكثر الأفلام تحقيقًا للإيرادات في تاريخ السينما (انظر الملحق «ب»؛ لا يوجد أي فيلم رعب غيره في قائمة أكثر ٥٠ فيلمًا تحقيقًا للإيرادات). وقد تم ترشيحه لعشر جوائز أوسكار، فاز بجائزتين منها.

يحتوي «طارد الأرواح الشريرة» على مجموعة من الصور لا تُنسَى، وأصبحت، بعد مضيِّ ما يقرب من ٤٠ عامًا، جزءًا من المشهد الثقافي: ريجان الممسوسة (ليندا بلير) برأسها الذي يدور ١٨٠ درجة حول نفسه، والكميات الهائلة من مقذوفات القيء الأخضر، وعبارات التجديف؛ وطارد الأرواح الشريرة، الأب ميرين (ماكس فون سيدو) وهو يتقدَّم نحو الحجارة الرملية لمدينة جورج تاون تحت جنح الظلام. لقد أثار الفيلم العديد من النقاشات حول ممارسة طرد الأرواح الحديثة والقديمة، وبدأ بعض المشاهدين يتقبَّلون فكرة وجود أناس مسكونين بالأرواح الشريرة في العالم الواقعي. أما غير المؤمنين، فقد نظروا إليه باعتباره فيلمَ رعب جادًّا يطرح رؤية حول العلم والإيمان في العالم المعاصر.

fig14
شكل ٧-١: ليندا بلير وماكس فون سيدو في دور ريجان والأب ميرين في فيلم «طارد الأرواح الشريرة» ١٩٧٣ (حقوق النشر محفوظة لموفيستور كوليكشن (شركة ذات مسئولية محدودة)/آلمي).
وقد انقسم النقاد في تقييمهم له. فروجر إيبرت أعطاه أربع نجوم، وزعم أن فريدكين يستخدم «أكثر الموارد السينمائية إثارةً للرعب» لإبداع «أحد أقوى [أفلام التسلية الهروبية] في تاريخ السينما.» لكنه تساءل بقلق: «هل وصل الناس إلى درجة من التبلُّد بحيث أصبحوا بحاجة إلى أفلام بمثل تلك الحِدَّة لكي يشعروا بأي شيء على الدوام؟»1 أما بولين كيل من صحيفة ذا نيو يوركر فقد شجبت الفيلم بصورة كاملة؛ إذ انتقدت كتاب بلاتي باعتباره «ضحالة تُطالِب بأخذها جديًّا»؛ ووبَّخت المخرج كونه «شخصًا يُعاني من هشاشة ذهنية بالغة» لدرجة جعلتْه يشعر بالحاجة إلى «إثارة اشمئزاز جميع الناس»! ورأت أن «صناعة السينما تتيح لأناس بلا ذوق أو خيال أن يمارسوا تأثيرًا غير محدود.» واختتمتْ مقالَها بالتساؤل عمَّا كان يدور بأذهان ٥٠٠ أب وأم تقدَّموا ببناتهم لاختبارات اختيار بطلة الفيلم ولم يُحالِفْهم التوفيق: «[بينما هم يشاهدون ليندا بلير وهي تتصرَّف كشيطان صغير]، هل يتساءلون «هل هذا ما كانت صغيرتي سوزي ستُشتَهَر به إلى الأبد؟»»2
بالنسبة إلى الأطفال الذين نَشَئُوا مثلي في حقبة السبعينيات، كان «طارد الأرواح الشريرة» بمثابة أسطورة. فمثله مثل فيلم «حُمَّى ليلة السبت» (ساترداي نايت فيفر)، كان مصنَّفًا ضمن فئة «محظور»، وكان موضوعًا للعديد من النقاشات. وكانت النتيجة أنه لم يُسمَح لي بمشاهدته،3 لكن بعض الأطفال زعموا أنهم شاهدوه، وراحوا يصفون بدقة ما تضمَّنه من قيء أخضر ورءوس تدور ١٨٠ درجة حول نفسها. ولكيلا يتركوا للآخرين فرصة التفوق عليهم، زعم أطفال آخرون أن أحد أقربائهم من بعيد أو صديق للعائلة مسكون بالأرواح الشريرة. وكان ثمة اهتمام خاص بالظهور اللاشعوري تقريبًا لوجهٍ شيطاني في الفيلم، وقد قيل لنا إنه صورة فوتوغرافية لشيطان حقيقي تمَّ الْتِقاطُها أثناء حملة لاصطياد الأرواح الشريرة.
وأخيرًا شاهدتُ الفيلم قرب نهاية سِنِّ المراهقة في مطلع الثمانينيات، ووجدتُه فيلمًا رائعًا. في عصر فيلم «الجمعة ١٣»، كان الفيلم عتيق الطراز بإيقاعه البطيء في بناء مشاهد الرعب، لكنه في الوقت نفسه مُجارٍ للعصر على صعيد المؤثِّرات الخاصة النابضة بالحياة. وقد انزعجتُ بوجه خاص من التدخلات الطبية المقحَمة، ولم أفهم كيف أن مشهد الصَّلْب لم يؤهِّل الفيلم للتصنيف ضمن فئة للكبار فقط. وقد أُعجبتُ كثيرًا بأجوائه الصارمة المحمَّلة بنُذُر الشرِّ، ويقينًا أخذتُه بجدية.4 أما مقال بولين كيل، فقد أثار انزعاجي عندما قرأْتُه قدْر انزعاجي من الفيلم نفسه تقريبًا. فقد بدا نقدُها وكأنه هجوم شخصي، ليس فقط على ذكائي، بل على حسِّي الأخلاقي أيضًا.
في بعض الأحيان ألجأ، في تدريسي لمقرَّرات السينما، إلى استخدام «طارد الأرواح الشريرة» كمثال للأفلام التي كان لها تأثير ثقافي عميق. وكما هي الحال دائمًا عند تناول الأفلام التي تتضمَّن عنفًا أو محتوًى جنسيًّا نابضًا بالحياة، كنتُ أضطر إلى إبداء بعض الملاحظات التي قد تُفسِد متعة مشاهدة الفيلم، وأعتذر عمَّا قد يسببه هذا من ضيق. وفي أغلب الأحيان كان الطلاب يتجاهلون تحذيراتي، لكن في حالة «طارد الأرواح الشريرة»، دائمًا ما كان البعض يأخذ بنصيحتي. فثمة شيء في هذا الفيلم لا يزال يلمس وترًا ما، حتى لدى هؤلاء الطلاب الذين لا يهزُّهم شيء. فقد صرَّح بعضهم أن مشاهدة الفيلم كانت تجربة مروِّعة، أو حتى صادمة. كذلك أثار حنق البعض الآخر؛ لأنهم شعروا بأنه يمسُّ معتقداتهم الدينية (حتى غير الكاثوليكيين منهم). ومن حين لآخر يزعم بعضهم أنه فيلم مروِّع؛ ذلك لأن «أحداثه يمكن أن تقع بالفعل.»5

عندما نشاهد الأفلام، فإننا نتابع خيط القصة ونغدو مندمجين مع شخوصها بكل جوارحنا. لكننا، في الأغلب، لا نعود مطلقًا إلى التفكير فيها مرة أخرى بعد نزول تترات النهاية. ومع ذلك، يحدث أحيانًا أن فيلمًا ما يمكث معنا، ونظل نفكِّر فيه مليًّا، لساعة، أو لأسبوع، أو لسَنَة، أو لبقية عمرنا، وتظل قصته وصوره تشغل أذهاننا، فنعيش مجدَّدًا تلك المشاعر التي اختبرناها أثناء مشاهدته، ونقيِّم جودته وتجربة المشاهدة، ونربط بينَه وبين بقية العالم من حولنا (فقد نربطه بعملنا أو بشيء قرأناه في الصحف). ويتحوَّل فهمنا لقصته وشخوصه إلى خريطة نسترشد بها بقية حياتنا.

fig15
شكل ٧-٢: النشاط الرمزي المرتبط بمشاهدة الفيلم: التفسير والتقييم.
إن تأمُّل الأفلام مستوًى آخَر من مستويات المعالجة الرمزية؛ فالتقييم (تحديد درجة الاستمتاع بالفيلم) والتفسير (تحديد معنى الفيلم) عمليتان تأمُّليتان يمكن أن تُضافا لعمليَّتَيِ الإدراك الحسي والاستيعاب، كما يمكننا أن نرى في الشكل ٧-٢.

وسواءٌ احتفظنا بتلك التأملات لأنفسنا، أو تقاسمناها مع آخرين، فإن تلك المرحلة هي التي يجتاح فيها الفيلم جوانب أخرى من حياتنا.

(١) استمتاع المُشاهِد بالأفلام

القول المأثور «كلنا نُقَّاد»6 ينطبق يقينًا على مرتادي دُور السينما. فنحن جميعًا نقيِّم خبراتنا في مشاهدة الأفلام. وأولئك الأفصح لسانًا، والأعلى صوتًا و/أو الكثيرو الكلام يصبحون أكاديميين أو يُنشئون المدوَّنات، لكن حتى أقلهم قدرةً على التعبير عن أنفسهم، يعتمدون في اختياراتهم لما يشاهدونه من أفلام على خبرات سينمائية سابقة.7 يتضمَّن هذا التقييم، لدى غالبية الناس، عنصرًا تأمليًّا، واعيًا. فنسأل أنفسنا: هل كان الفيلم ممتعًا؟ هل كان مُرضِيًا؟ أم كان مَضْيَعة للوقت والمال؟ فالمتعة والإشباع هما المسألتان الأساسيتان عند تناولنا للفيلم باعتباره شكلًا من أشكال الترفيه.8 وعندما يختار الناس أشكال الترفيه التي يفضِّلونها، فمن المسلَّم به أنهم يصنعون قرارات يعتبرونها ذات شأن.
يرتبط الاستمتاع بالفيلم ارتباطًا وثيقًا بالخبرة الشعورية.9 فمن المفترض أن الناس يرغبون في الترفيه بهدف «الترويح» عن أنفسهم. بيد أن العلاقة بين ما يحسُّونه من مشاعر أثناء الفيلم وتصنيف عملية المشاهدة كتجربة ممتعة ليست شفَّافة بأي حال من الأحوال. فحتى في حالة تلك الأفلام التي تستثير مشاعر إيجابية مثل الدهشة، بإمكاننا أن نتساءل عن السبب الذي يجعل بعض الناس يجدون فيلمًا ما مدهشًا دون غيره. ومما يثير الحَيْرة بوجه خاص تلك الأفلام التي تستثير مشاعر سلبية مثل الأسَى والخوف. فأفلام الرعب والإثارة والبكائيات التي تُدمِي القلوب، حَظِيت دائمًا بشعبية كبيرة على مدار تاريخ صناعة السينما. فلماذا يَسعَى الناس وراء تجربة تثير فيهم مشاعر سلبية؟

الأفلام الكوميدية

الضحك من دواعي السعادة، والأفلام الكوميدية تُضحِك الناس؛ ومن هنا، فقد تكون هي أكثر أنواع الأفلام رسوخًا. وبإمكاننا إعادة صياغة شعار الهيبيز ليصبح: «إذا كان يمنحك شعورًا بالسعادة، فلتشاهده.» تلك الملاحظة تتفق ونظرية المتعة حول جاذبية الفيلم؛ فنحن نستمتع بالأفلام لأنها تجلب لنا المتعة.

وشأن كل ما له علاقة بالذهن البشري، ثمة ألغاز أكثر عمقًا تقبع تحت السطح مباشرة. فقد نسأل أنفسنا عما يجعل فيلمًا ما مضحكًا، وهنا ثمة تفسير نجده لدى فرويد يمكن اتخاذه كنقطة انطلاق.10 فهو يعتقد أن النكات والدعابة تعبيرات مقبولة اجتماعيًّا للميول العدوانية اللاواعية. فثمة أشياء محبِطة في الحياة، بيد أن المحاذير الاجتماعية والأخلاقية تمنع الناس من التصرف وفقًا لتلك المشاعر بصورة مباشرة؛ ومن ثَمَّ نلجأ إلى الدعابة للتعبير عن أشواقنا وإحباطاتنا دون التسبُّب في أي أذًى مادي. والنكات الإباحية والسخرية والتمثيل الهزلي تقدِّم جميعها أمثلة واضحة على تلك النظرية. فهل الناس ساديُّون لأنهم يجدون الأذى الذي لحق باللصوص في فيلم «وحدي بالمنزل» مضحكًا؟ كان فرويد سيجيب بنعم.
خضعت أفكار فرويد تلك للتعديل على يد علماء نفس تجريبيين معاصرين، واستُخدمت في وضع نظرية التفوق أو الاستهزاء في الدعابة. فمُلقِي النكتة يكتسب مكانة متفوِّقة حيال موضوع الدعابة (عدو، سلطة، حبيب يحمل له مشاعر متناقضة) من خلال الاستهزاء به. وقد تم إجراء تجربة حول نكتة عن إصابة أحد السياسيين بمرض جنسي منتقل بالعدوى؛ لقياس مدى قدرتها على الإضحاك.11 وقد تبيَّن أن المشاركين الذين كانوا يكرهون بيل كلينتون وجدوها مضحِكة أكثر من الذين كانوا يحبونه. وتكرَّر النمط نفسُه عند استبدال نيوت جينجريتش بكلينتون. تلك النتيجة قد تفسِّر ذلك المشهد الكوميدي الشهير في فيلم «السلاح العاري» (نيكِد جَن) — في ذروة حرب الخليج الأولى — الذي يصوِّر سقوط قنبلة في حِجر صدام حسين أثناء استرخائه بجانب حمام السباحة.

بيد أن كل أنواع الدعابة ليست عدوانية؛ فجملة «أحضِرْ لي مما طلبتْه هي» إزاء النشوة الجنسية المصطنعة لسالي (ميج ريان) في مشهد المطعم في فيلم «عندما قابل هاري سالي» (وين هاري مِت سالي) هو مثال سينمائي على النكتة «الودودة». فالمرأة التي قالتْها لم تكن تحمل أيَّ مشاعر عدائية تجاه سالي، أو قائمة الطعام، أو النشوة الجنسية. ورغم أن النكتة تحتوي على عنصر جنسي، فإن الشعور لا يتعرَّض للكبت؛ ومن ثَمَّ لا تنطبق عليها نظرية فرويد.

ثمة تفسير للاستمتاع بالدعابة الودودة باستخدام نظرية المفارقة؛ حيث يبدأ المستمع أو المشاهد التفكير في قول أو حدث ما بالطريقة المعتادة، غير أن النكتة تحمل الأمور إلى نهاية غير متوقَّعة.12 «أحضِرْ لي مما طلبتْه هي» تُعتبر في العادة طريقة شائعة ومقتضبة لطلب الطعام، لكن إذ تتلفَّظ بها امرأة بعد أن استَرقَت السمع لشخص غارق في اللَّذَّة، فإن ذلك يعني ضمنيًّا أن طعام سالي له صفات خاصة ومرغوب بشدة. والبشر يجدون في تلك اللكزات الذهنية في الألعاب اللفظية والبصرية مصدرًا لا ينضب للطاقة والنشاط المعرفي.

أفلام العنف

لماذا يستمتع الناس بمشاهدة أحداث مليئة بالعنف والدمار والمعاناة البشرية؟ بحسب فرويد، تكون الميول التدميرية الفطرية عُرضة للعقاب في المجتمعات المتحضِّرة عند التعبير عنها بطريقة مكشوفة؛ ولذا فإنها تُزاح إلى دائرة اللاوعي. بيد أن ذلك لا يقضي عليها، ولذا فهي تثير فينا توترات داخلية. ويتمثل أحد الحلول في إزاحة نزعاتنا العدوانية (أو التسامي بها) بعيدًا عن الأنشطة التي قد تسبِّب لنا المتاعب (بدء مشاجرة في حانة) باتجاه أنشطة مقبولة اجتماعيًّا (مشاهدة مشاجرة في حانة في أحد الأفلام).

يطرح علم النفس التطوري فكرة مماثلة باستخدام مفردات مختلفة. فعلى امتداد مسار التطور البشري، برهن العنف على كونه مفيدًا لبقائنا على قيد الحياة في مواجهة الأعداء والوحوش الضارية. ومن هنا، يُعتبر العنف حافزًا مفيدًا في حل المشكلات، وهو محفور بعمق في شفرتنا الوراثية. لكن في عالمنا المعاصر، لا يمثِّل العنف وسيلة ناجحة لحل مشاكل الحياة اليومية؛ ومن ثَمَّ تجد دوافعُنا العدوانية تعبيرًا لها في الوسائل الرمزية، وتتحوَّل أفلام العنف إلى مصادر للمتعة والإشباع.

بيد أن تلك الأفكار العامة لا تفسِّر ما تتضمَّنه الأفلام من تنويعات هائلة في الأحداث العنيفة. وأيُّ فيلم يحتوي وحسب على مجموعة مَشاهد عشوائية لانفجارات وتبادل إطلاق النار لن يجتذب أعدادًا ضخمة من المشاهدين؛13 ذلك لأن الاستمتاع بالعنف يعتمد في الأغلب على الحبكة والشخصيات. ونظرية دولف زيلمان حول دَوْر الميول في إعلام الترفيه تبيِّن كيف أن ثمة أنواعًا بعينها من العنف في الإعلام ممتعة بوجه خاص. فمعظم المشاهدين يجدون متعة في الميول الأخلاقية التي يشعرون بها تجاه الشخصيات؛ فهم يتعاطفون مع الشخصية (عادةً البطل أو الشخصية الرئيسية) التي يشعرون أنها تحمل سمات إيجابية، ويستمتعون بالفيلم عندما تحدث لها أشياء طيبة، والعكس بالعكس في حال حدوث أشياء سيئة (خاصةً في النهاية). ومن ناحية أخرى، عندما يعتقدون أن إحدى الشخصيات تحمل سمات سلبية، فإنهم يشعرون بالرضا عندما تحدث لها أشياء سيئة؛ ذلك لأن تلك الأحداث تبرِّرها الأفعال الشريرة للشخصية.14
تنطبق تلك النظرية على كل المجموعات العُمرية، لكنها أوضح ما تكون في حالة المشاهدين الأصغر سِنًّا. ففي إحدى الدراسات التجريبية، أعرب الأطفال عن استمتاعهم بالفيلم عندما تلقَّتْ شخصية محبوبة درَّاجة جديدة في نهايته.15 وفي سياق آخَر، شعروا بالامتنان عند سقوط شخص كريه من فوق درَّاجته. وبالمقابل، لم يستمتع الأطفال بالفيلم عندما سقط الشخص المحبوب من فوق درَّاجته، أو عند حصول الشخص الكريه على درَّاجة جديدة دون أن يمسَسْه أذًى. إن نظرة سريعة على قائمة الأفلام التي حقَّقت أعلى الإيرادات (الملحق «ب») كفيلة بتدعيم هذه النظرية؛ فكل تلك الأفلام تقريبًا انتهتْ بمكافأة البطل ومعاقبة الشرير.

أفلام الرعب

حظيت أفلام الرعب باهتمام كبير من جانب علماء النفس المهتمِّين بدراسة الترفيه.16 وهواة أفلام الرعب قد يستشعرون في تلك الدراسات موقفًا متعاليًا مضمَرًا (أيُّ نوع من الأشخاص يستمتع بتلك الأشياء؟) بيد أن نوعية الرعب تتميَّز بمفارقة مثيرة؛ فهي مُخيفة، والخوف ينشأ عندما يتعرَّض الناس لتهديدات بأذًى مادي أو اجتماعي. وهم في العادة يبذلون كل ما في وسعهم لتجنُّب المواقف المثيرة للخوف. ما هو إذن السبب المنطقي وراء وجود أفلام الرعب؟
نظرية الميول قد تكون ذات صلة بأفلام الرعب. فرغم أن فيلم الرعب يمكن أن يحتوي على عناصر مثيرة للخوف والرعب، فإن أفلام الرعب التقليدية بوجه عام تنتهي بتدمير المسخ/الشرير ونجاة بعض الشخصيات الطيبة. وباستعادة النظام الأخلاقي من خلال نجاة البطل والقضاء على الخصم الشرير، يتم التخلص من مشاعر القلق التي انتابتِ المشاهدين أثناء مشاهدة الفيلم؛ مما يزيد من المكافأة النهائية.17 وإذ تَمزج أفلام الرعب بين مشاعر الخوف والاشمئزاز حيال مسخ غير بشري، فإن القضاء على المسخ لا يستثير أي تعاطُف كما قد يحدث في أفلام التشويق. هذا النموذج شائع ويمكن ملاحظته بوضوح في فيلمَيِ «الغريب» (إيليَن) و«الغرباء» (إيليَنز)18 اللذَيْن يتضمَّنان مواجهات ممتدَّة بين ريبلي (سيجورني ويفر) والكائن الفضائي الذي يتصبَّب مادةً لزجةً بلا انقطاع. ورغم تمتُّع هذا المسخ بالذكاء، فإنه فظٌّ ومثير للاشمئزاز. وتتراوح المواجهات بين ريبلي وخصمها بين التشويق الذي تتصاعد وتيرته ببُطْء والعنف المروِّع، بيد أن كلًّا مِن الفيلمين ينتهي بتدمير المسخ تدميرًا كاسحًا. ويتم مكافأة المُشاهد من خلال ما تمنحه إياه تلك النهاية من شعور بالارتياح والإشباع الأخلاقي.
إنَّ المتعة المتحصِّلة من الشعور بتحقيق العدالة يمكن ملاحظتها أيضًا من خلال «مؤثِّر نجاة العذراء» في أفلام سلاشر.19 فالشخصيات «الطاهرة»، التي من المفترض أن يتعاطف معها الجمهور، تُكتب لها النجاة في نهاية الفيلم، في حين أن «دنس» الشخصيات النشطة جنسيًّا يبرِّر ميتاتهم المروِّعة. فالمصير الذي تُلاقيه الضحايا ذات السلوك المعيب يمثل للجمهور مصدرًا للإشباع للأسباب نفسها، كما في حالة موت الشرير. فقد أظهرتِ الدراسات أن المراهقين من الذكور الذين يحملون أفكارًا سلبية حول التوجُّه الجنسي الأنثوي، وكذا مواقف عقابية (على غرار: «أود أن تنال الضحايا المصير الذي تستحقه»)، أعربوا عن استمتاعهم بمقتل الشخصيات النسائية النشطات جنسيًّا أكثر من استمتاعهم بمقتل الشخصيات الذكورية (بصرف النظر عن نشاطهم الجنسي) أو الشخصيات النسائية غير النشطة جنسيًّا.20

الأفلام الحزينة

يثير الاستمتاع بالأفلام الحزينة مفارقة شبيهة بمفارقة الاستمتاع بأفلام الرعب؛ ففي ضوء أن معظم الناس يَعتبِرون الحزن شعورًا سلبيًّا ويتجنَّبونه بصفة عامة، لماذا إذن تَحظى الأفلام المعروفة ﺑ «البُكائيات» بكل تلك الشعبية؟ في الظاهر، يبدو هذا مناقضًا لفكرة أن الناس لا يأتون الأشياء التي لا تُشعِرهم بالسعادة. والحال أنه في العديد من الأفلام لا تمثِّل الأحداث الحزينة أيَّ مشكلة لو أننا تناولناها من منظور شمولي. فالأحداث المحزنة في بداية أو منتصف القصة تمثِّل تحدِّيًا لشخوصه يتم التغلُّب عليه على مدار الفيلم؛ ومن ثم تزيد من قدر المتعة المتحصِّلة من نهايته السعيدة. فملحمة مثل «سيد الخواتم» يمكن أن تتضمَّن العديد من الأحداث المأساوية عبر سَرْدٍ ممتدٍّ، ما يتيح للشخصيات، مرة تلو الأخرى، الانتصار في نهاية المطاف.

أما الأفلام ذات النهايات غير السعيدة، فهي أكثر إثارةً للحيرة؛ حيث لا تتضمَّن نهاياتها مكافأة واضحة للمُشاهد. لماذا يُقبِل على مشاهدة فيلم مثل «الدفتر» (ذا نوت بوك) أو «الصائح العجوز» (أولد يلَر)، اللذين تتضمَّن قِصَّتاهما شخصيات مثيرة للتعاطف (زوجان مُسِنَّان، وكلب صيد من فصيلة لابرادور، على التوالي) تلقى حتفَها بطريقة مأساوية بدون أي ذنب اقترفته أو كنتيجة لسلوك بطولي؟ أحد الاحتمالات هو أن ثمة شيئًا آخَر يحرِّك المشاهدين غير ما يشعرون به من مشاعر محدَّدة. وقد أظهرت الدراسات أن المشاركين الذين يعيشون «حالة شعورية حميمة» (دفء، تعاطف، تفهُّم) يكونون أكثر تفضيلًا للأفلام الحزينة من المشاركين الذين يعيشون حالة من الحزن أو السعادة.21 فقد أبدى الناس، في الحالة الشعورية الحميمة، اهتمامًا أكبر بالأفلام التي تستكشف العلاقات الإنسانية الحميمة، وذلك سواء أكانت حزينة أم لا. وعندما يتبنَّى المشاركون موقفًا متعاطفًا، فإن ما يحرِّكهم هو الرغبة في مشاهدة أفلام تتضمَّن استبصارات مفعمة بالمعنى، لا الإحساس بشعور معين.
إنَّ المكانة التي حَظِيَ بها فيلم «الصائح العجوز» في قلوب الجماهير تكشف عن وجود استعداد لتحمُّل مشاعر تُدمِي القلوب شريطة أن ترتبط بأحداث ذات معنًى. فالفيلم يتضمَّن تيمات مثل الشجاعة والصداقة والولاء، فضلًا عن أن نهايته تحثُّ على التأمُّل في مسألة النضج وتحمُّل المسئولية. فرغم أن المشاعر المرتبطة بمشاهدة الأفلام لها أهميَّتُها، فإنها أهمية ثانوية مقارنةً بالاستبصارات المتحصِّلة من عملية المشاهدة. تلك الملاحظة توسِّع من فكرة ما نعنيه عند الحديث عن المتعة والإشباع اللذين نحصل عليهما من مشاهدة الأفلام.22

(٢) تفسيرات المشاهدين

استنادًا لما سبق، يمكننا القول إن عملية مشاهدة الأفلام بهدف الترويح تمثِّل نقطة انطلاق جيدة، لكنها ليست نهاية المطاف. فالمشاهدون يعيشون مشاعر إيجابية وسلبية أثناء المشاهدة. أما تقييمهم الإيجابي لعملية المشاهدة برمَّتها فيعتمد على فهمهم للقصة، وتعاطفهم مع الشخصيات، واكتشافهم لمعنى القصة ومغزاها. أضِفْ إلى ذلك أن عملية التقييم والتفسير تجري بصورة متزامنة كأشكال مكمِّلة للتأمل السينمائي.23
والتفسير يُنظر إليه عمومًا باعتباره نشاطًا يمارسه نقَّاد الأفلام بهدف الكشف عمَّا تتضمَّنه من معانٍ.24 لكنني سأتعامل في هذا الفصل مع التفسير باعتباره عملية نفسية تجري في ذهن المشاهد العادي (انظر الشكل ٧-٢).

الدراسات التاريخية

تتمثَّل المقاربة التفسيرية في دراسات الفيلم في اختيار أحد الأفلام ثم إخضاعه للتحليل؛ أما المقاربات التاريخية فتختار الفيلم ثم تتفحَّص الطريقة التي أخضعه بها الآخرون للتحليل أو استجابوا له.25 ويستخدم الباحثون عددًا كبيرًا من المصادر تشمل المراجعات النقدية للأفلام، والأخبار، ومقالات الرأي، وتعليقات صناع الأفلام، والمعلومات المتعلِّقة بصناعة السينما، وحملات الدعاية. ويُنظر إلى كل واحد من تلك المصادر باعتباره انعكاسًا للخصائص المتنوعة للفيلم موضوع البحث، ولا يُقيَّم بغرض الوصول إلى الحقيقة المطلَقة. فتلك المصادر لا يلغِي بعضها بعضًا؛ لكنها، بالأحرى، تشير إلى أن الأشخاص المختلفين يمكن أن تكون لهم وجهات نظر مختلفة. ثم يتم ضمُّ تلك الأجزاء الناتجة عن هؤلاء الأشخاص بعضها إلى بعض للحصول على صورة للمغزى الثقافي للفيلم وتحديد أنماط استجابة الجمهور. وكثيرًا ما ترتبط المعايير المستخدَمة في تقييم عملية التلقي بقضايا محل جدل؛ مثل العِرْق، أو النوع، أو التوجُّه الجنسي. ولكونه يتضمَّن إجراء تحليلات دقيقة، يعتبر التلقِّي التاريخي تخصُّصًا صديقًا للعلوم الإنسانية يقع في منتصف المسافة بين التحليل النصي وعملية جمع البيانات التي يستخدمها علماء الاجتماع.
أثار فيلم «حقل الأحلام» (فيلد أوف دريمز) ردود أفعال متبايِنة عند عرضه عام ١٩٨٠م، ولا يزال هذا الجدل مستمرًّا إلى يومنا هذا؛ فالبعض يعتبره من الكلاسيكيات، بينما يعتبره آخرون مادة للسخرية. تدور قصة الفيلم حول راي (كيفن كوستنر) والمهمَّة التي أخذها على عاتقه لبناء ملعب بيسبول في حقل الذرة الذي يملكه على أمل إعطاء لاعبي فريق «وايت سوكس» ذي السمعة السيِّئة عام ١٩١٩م فرصةً لتبرئة أنفسهم من تهمة الخسارة عمدًا في نهائي دوري البيسبول الوطني للكبار. النقَّاد الذين أعجبهم الفيلم نظروا إلى المهمة التي أخذها راي على عاتقه باعتبارها احتفاءً بفكرة الإصلاح من خلال إعادة تمثيل طقسية لأحداث سابقة. غير أن هذه الطريقة في التعاطي مع الفيلم تتجاهل حقيقة أن دوري البيسبول للكبار، وقت وقوع الفضيحة، كان يُمارِس سياسة الفصل العنصري. ولأن الفيلم تم إنتاجه في الثمانينيات وقام ببطولته نجم معروف بميوله الليبرالية، فقد كان الوضْع محرِجًا. أضِف إلى ذلك أن اختيار جيمس إيرل جونز لكي يؤدِّي شخصية تيرينس مان، وهو ناشط سياسي في حقبة الستينيات، زاد من حِدَّة الجدل المُثار ومثَّل اختلافًا صارخًا عن الكِتَاب المأخوذ عنه الفيلم؛ حيث كانت شخصية مان نسخة خيالية من جيه دي سالينجر. كان جونز مدرِكًا للاختلاف بين مان وسالينجر، لكنه لم يتطرَّق للتضمينات العنصرية في المقابلات التي أُجريتْ معه. وقد شجب النقاد ما أبدتْه الشخصية من استعداد للتضامن مع مهمة راي باعتبارها محاولة لإضفاء الطابع الأسطوري على فريق يتألَّف بكامله من البيض. إن ردود الفعل المتبايِنة على «حقل الأحلام» تبيِّن لنا كيف يمكن لأحد الأفلام أن «يثير قضية التفرقة العنصرية وينكرها في آن واحد.»26

كثيرًا ما تنقسم ردود الفعل على الأفلام وفقًا لتوجُّهات ذات طابع سياسي. فردود أفعال المسيحيين المحافظين نحو فيلم «آلام المسيح» (ذا باشن أوف ذا كرايست) لميل جيبسون ركَّزت على فكرة تضحية المسيح بنفسه بما لها من أهمية في تعزيز الإيمان، في حين لفت الليبراليون الانتباه إلى صورة اليهود السلبية في الفيلم وشغف جيبسون بالعنف السادي-الماسوشي. لكن في بعض الأحيان لا تنقسم ردود الأفعال وفقًا لخطوط بمثل هذا الوضوح. ففيلم «صمت الحملان» على سبيل المثال، لاقى استحسانًا كونه يتبنَّى موقفًا مناصرًا للمرأة، خاصةً في تجسيده لشخصية الشُّرطية كلاريس ستارلينج (جودي فوستر). فقد كشفت كلاريس، خلال مطاردتها لسفَّاح يستهدف النساء الشابات، عمَّا تتمتع به من قوة وعزيمة وقدرة على تحقيق النجاح في مجال يهيمن عليه الرجال.

بيد أن الفيلم لم يَسلَم من النقد؛ حيث رأى فيه البعض تكريسًا للأنماط الجاهزة الخاصة بالميول الجنسية والهُوية كذكر أو أنثى عبر تصوير القاتل على أنه متأنِّث ومعتوه (إذ يستخدم جِلد ضحاياه في صناعة حلَّة أنثوية ملتصقة بالجسم). وقد بلغ انزعاج نشطاء حقوق المثليين من قرار جودي فوستر إخفاء هُويتها الجنسية حدَّ أنهم قاموا ﺑ «فضح» مثليَّتِها، وهو الموقف الذي قوبل بغضب من جانب المناصرين لحقوق المرأة؛ إذ قالوا: «مثل إخوتهم الغَيْريين، فإن الرجال المثليين الذين شجبوا جودي فوستر وفيلم «صمت الحملان» على أهبة الاستعداد لتدمير امرأة لا تعطي الأولوية للاهتمامات الذكورية ولا تتطابق صورتها مع أفكارهم عما يجب أن تكون عليه المرأة.»27 وفي حين أنه بالإمكان تبرير كلٍّ مِن الثناء والشجب استنادًا إلى محتوى الفيلم، من الواضح أن المشاهدين قد يميلون، وفقًا لاهتماماتهم، إلى التركيز على بعض جوانب الفيلم أكثر من غيرها.
أما النقاش حول فيلم «ثيلما ولويز» فقد ركَّز في المقام الأول على النوع.28 فمن النادر أن يحتوي فيلم هوليوودي على بطولتين نسائيتين (جينا ديفيز وسوزان سارندون). يتضمَّن السيناريو، الذي كتبته كالي خوري، حوارًا يسلِّط الضوء على الأدوار المرتبطة بالنوع التي تلعبها الشخصيات النسائية والذكورية. وبالإمكان تقسيم المراجعات النقدية ومقالات الرأي التي تناولت الفيلم إلى ثلاث فئات. فمَن أحبُّوا الفيلم رأَوْا في ثيلما ولويز شخصيتين جذَّابتين ولطيفتين قامتا بمغامرات مضحكة، ومزعجة، ومبهجة على الترتيب. وبالطبع لم يَرَ فيهما الجميع بلا استثناء ممثِّلتَيْن نموذجيَّتَيْن للنزعة النِّسْوية، بيد أن مَن أعجبهم الفيلم مالوا إلى التعبير عن إعجابهم بالمأزق ذي الجذور الثقافية الذي تعرَّضتا له.
وثمة مجموعة أخرى كرهت الفيلم استنادًا إلى الشعور بأن جميع الشخصيات الذكورية في الفيلم «خنازير» أو «مختلُّون عقليًّا».29 من هذه الزاوية، لا تبدو ثيلما ولويز مجرمتين عنيفتين فحسب، بل إن الفيلم نفسه — كما اعتُقد — يسعى لتبرير سلوكهما من خلال تبنِّي وجهة نظر نِسْوية معادية للرجال. ورغم أن البعض افترضوا أن ردَّ الفعل ذاك قد صدر بما يتفق والنوع (فالرجال كَرِهوا الفيلم، والنساء أحبَبْنَه)، فإن الأمر لم يكن كذلك. فالكثير من النقَّاد الذكور الذين كتبوا عن الفيلم أحبُّوه؛ في حين ليس كل الناقدات بلا استثناء فعَلْن ذلك. بيد أن أكثر المنتقدين صخبًا كانوا من الرجال؛ على سبيل المثال ذلك الكاتب الذي زعم أن «مهاجمة الرجال استشرت كالنفايات السامة في أفلام السينما السائدة.»30

كان ردُّ الفعل الثالث سلبيًّا هو أيضًا، غير أن هؤلاء النقاد وجدوا في الفيلم نموذجًا للنسوية «الزائفة». فالفيلم في نظرهم مجرد عمل نمطي من نوعية أفلام الصديقين يقوم على تيمة الانتقام، ويسعى إلى قلب الأدوار الاجتماعية عبر الزجِّ بالنساء في أدوار تُسنَد عادةً للرجال (نيومان وريدفورد في «بوتش كاسيدي وطفل صندانس» (بوتش كاسيدي آند ذا صندانس كيد)، على سبيل المثال). فبالنسبة إلى هؤلاء النقَّاد، لم يكن الفيلم مقنعًا؛ لأن ثيلما ولويز اعتمدتا بكثرة على الحلول الذكورية (أسلحة نارية وسيارات سريعة) بدلًا من الحوار والبَوْح بمكنون الذات (اللذين يُفترض أنهما الوسيلتان النسائيتان في حلِّ المشاكل). وكلَّما تعمَّقنا في تقصِّي عملية تلقِّي «ثيلما ولويز»، اتضح لنا بصورة أكبر أن اختزال النقاش في نمط «هو قال/هي قالت» ينطوي على تبسيط مخلٍّ أكثر مما ينبغي.

الدراسات الثقافية

يذهب ستيوارت هول في مقاله «التشفير/فك التشفير» (١٩٨٠) إلى أن فهم المنتجات الثقافية (التليفزيون، الأفلام، الإعلانات، إلخ) يتضمَّن مجموعة من العمليات التي يكمل بعضها بعضًا. «فالتشفير» هو العملية التي يقوم من خلالها المبدعون، إما عمدًا أو عن غير عمد، بإضفاء شفرات ذات مغزًى (المعنى) على منتج ما. و«فك التشفير» هي العملية التي من خلالها يقوم المتلقُّون (المشاهدون) بتفسير الشفرة واستخلاص معناها. غير أن فك التشفير ليس ببساطة مجرد صورة مرآوية من التشفير؛ ذلك لأن مَن يضطلعون بفك الشفرة لا يشاركون دائمًا مَن يضطلعون بالتشفير نفسَ الرؤى الاجتماعية. لا يعني هذا أن مَن يضطلعون بفك التشفير مخطئون؛ فهم ببساطة لديهم خلفيات ودوافع تختلف عن تلك الخاصة بالمشفِّرين. وسيعمدون إلى ضبط تفسيراتهم بحيث تنسجم مع رؤاهم للعالم. ولأنهم يأتون من مشارب اجتماعية شتَّى، سيظل هناك على الدوام العديد من التفسيرات المختلفة.

كان لدراسة هُول تلك تأثير قوي على الدراسات الثقافية؛ حيث شكَّلت انعطافة في مجال النقد الأيديولوجي.31 فإذا سلَّمنا بأن ثمة طرقًا عديدة لفك تشفير المنتجات الثقافية، فإن تفسير تلك المنتجات باعتبارها تجسيدات حية ناتجة عن أيديولوجيا الثقافة يصبح محل جدل. واستنادًا إلى أطروحة هول، تحوَّل بعض الدارسين بأنظارهم تجاه الجمهور، وبدءوا يطرحون أسئلة حول ردود أفعالهم على منتجات الإعلام الشهيرة عبر إجراء مقابلات شخصية ومجموعات نقاش (مجموعة تتألَّف من ٨ إلى ١٠ مشاركين يجتمعون معًا لمناقشة أسئلة بحثية معينة).32
ثمة دراسة رائدة أُجريت في أواخر السبعينيات تضمَّنت عَرْض حلقتين من برنامج إخباري بريطاني على ٢٩ مجموعة نقاش تمثِّل شرائح اقتصادية واجتماعية متنوعة من سكان المملكة المتحدة (منهم طلَّاب جامعيون، فنيون تحت التدريب، موظفو إدارة تحت التمرين، مديرو متاجر).33 وقد وجد الباحثون أن كل واحدة من تلك المجموعات استجابتْ للبرنامج بطريقة مختلفة. واستندت تلك الاختلافات إلى الموقف الذي اتخذتْه كل مجموعة حيال الرسائل التي تضمَّنها البرنامج. فالموظفون المتدرِّبون في إدارة البنوك والفنيون تحت التمرين عبَّروا عن موقف «مهيمِن»؛ فرغم عدم اتفاقهم مع كل ما جاء في البرنامج، فإنهم أقرُّوا بالافتراضات الأساسية التي تقضي بأن محتواه دقيق. وعبَّر المدرِّسون ومسئولو اتحادات العمال عن موقف «تفاوضي»: فقد سخروا من نبرة البرنامج، لكنهم لم يرفضوه. أما الطلاب الجامعيون ومديرو المتاجر من السود، فقد تبنَّوْا موقفًا «احتجاجيًّا» حيال البرنامج؛ وذلك بالتعبير عن رفضهم له كونه يتعمَّد تضليل الجمهور، أو بإظهار عدم اكتراثهم به.
لقد حظيت الدراما النهارية (أو «الصوب أوبرا») باهتمام كبير من جانب دارسي الثقافة؛ نظرًا لما تقدِّمه من صور مبالَغ فيها للأنماط الثقافية السائدة. ففي حقبة الثمانينيات، كان مسلسل «دالاس» موضوعًا خصبًا للدراسة بوجه خاص بسبب شعبيته الكبيرة في جميع أنحاء العالم.34 وبإمكاننا أن نفترض أن ثمة شيئًا ما في الصوب أوبرا المسائية يمنحها تلك الجاذبية الشاملة، بيد أن مجموعات النقاش العابرة للثقافات فشلت في تحديد ذلك الشيء السحري الذي يجعل منها وسيلة ترفيه عالمية.

بيد أن الاستبصارات المتحصِّلة من تلك المجموعات النقاشية كشفت عن وجود مجموعة من التفسيرات المستقلة ذات البعد الثقافي، التي تقترح أفكارًا متنوعة عن الهُوية الفردية. فقد مال العرب واليهود المغاربة إلى التركيز أكثر على أحداث القصة؛ حيث قاموا بتقييمها من خلال مصفاة أخلاقية فيما يتعلَّق بالأدوار العائلية للشخصيات المختلفة. وفي المقابل، انصبَّ اهتمام الأمريكيين والإسرائيليين على الشخصيات، وأبدَوا اهتمامًا كبيرًا بدوافعها النفسية وردود أفعالهم الشعورية تجاهها. وأخيرًا، استمتع المشاركون الروس بالبرنامج، بيد أنهم اتخذوا موقفًا نقديًّا متحفِّظًا تجاه سلوك الشخصيات والعمل بأكمله. فقد تساءلوا عن مقاصد القائمين على إنتاج وتوزيع البرنامج، وأعربوا عن قلقهم من احتمال وجود رسائل معينة تتلاعب بمشاعر الجمهور بهدف تعزيز نزعة الاستهلاك لديهم.

دراسات تفسيرية أخرى

يعمد نقد استجابة القارئ إلى تسليط الضوء على أهمية القارئ في فهم معنى الأدب.35 وهي مقاربة تُضارع، في بعض جوانبها، مقاربات المشاهدة في مجال دراسات الفيلم؛ حيث يعمد هؤلاء النقاد إلى التطرق إلى تجربة القارئ بطريقة غير مباشرة من خلال تحليل دقيق للنصوص المكتوبة. غير أن بعض نقَّاد استجابة القارئ عمدوا إلى دراسة تجربة القرَّاء بطريقة مباشرة. فدراسة نورمان هولاند ذات العنوان الدقيق «خمسة قراء يقرءون» (١٩٧٥) تقدِّم نظرة معمَّقة على قراءات خمسة من طلابه لقصص قصيرة لفوكنر، وفيتزجيرالد، وهيمنجواي، في حين أن كتاب «قراءة الروايات العاطفية» لجانيس رادواي — وهو دراسة لاستجابات الجمهور كان لها تأثير واسع — ركَّز، شأن الدراسات الثقافية، على أحد أشكال الثقافة الشعبية، وهو الروايات العاطفية.

اختارت رادواي مجموعة من النساء المولَعات بقراءة الروايات العاطفية، واستخدمت استبيانات ومقابلات للوصول إلى فهم أعمق لمعنى تلك الروايات بالنسبة إلى هؤلاء النساء. ورصدت الوظائف التي تضطلع بها الكتب في حياتهن (الاسترخاء، الهروب، التعلم، تعديل الحالة المزاجية، العناية بالنفس)، وأبدت تلك الملاحظة غير المتوقَّعة بأن ممارسة القراءة كثيرًا ما يُنظر إليها باعتبارها تحديًا، بالنظر إلى الضغوط الشديدة التي تتعرَّض لها النساء في حياتهن، والتي تجعل محاولة تخصيص بعض الوقت لأنفسهن مهمة عسيرة.

كما قامت رادواي أيضًا بتفسير تفسيرات النساء. فهن يُفضِّلْنَ البطلات اللواتي يتمتعن بالإصرار وقوة الإرادة، والأبطال الأفظاظ ظاهريًّا. ويتمثَّل الهدف النهائي لتلك العلاقات في تغيير سلوك ومواقف الرجال، عبر إيقاظ قدراتهم الكامنة على العطف والحساسية تجاه الآخر. وترى رادواي هذا باعتباره محاولة شبه نسوية لتقويض الجوانب التدميرية في النزعة الذكورية واستبدال الفضائل المرتبطة بالأنوثة (القدرة على منح المشاعر الودودة) بها. وفي الوقت نفسه، فإن حاجة النساء إلى العثور على المشاعر الودودة في الروايات العاطفية هي دليل على افتقارهن لها في حياتهن اليومية.

وفي حين تُقدِّم لنا رادواي قراءة شاملة للمشارِكات في بحثها، فإن ثمة مقاربات أخرى تؤكِّد على الوضعية النفسية الفريدة للقرَّاء. فبما أن كل قارئ يتمتع بشخصية وخلفية تميِّزانه عن غيره، فإن قراءته ستختلف حتمًا عن قراءات الآخرين. وقد انتهج هولاند، في تركيزه على الأفلام، مقاربة فرادنية في دراسة تضمَّنت ثلاثة مشاهدين شاهدوا «قصة أوه»36 (ذا ستوري أوف أوه)؛ وهو فيلم إيروتيكي أثار جدلًا كبيرًا في السبعينيات؛ حيث تخضع البطلة، التي تعيش في إحدى القلاع المنعزلة، لأفعال مؤلِمة ومُهينة بهدَف الفوز بقلب عشيقها.

وقد قامت إحدى المشارِكات، وتُدعَى آجنيس، بالربط بين ما تعرَّضت له أوه من قهر وبين تجربتها الشخصية في مدرسة كاثوليكية للبنات ذات نُظُم صارمة، لكنها وجدَتْها باردة المشاعر لدرجة تحول دون الاتصال رُوحيًّا بها. وثمة مشارك آخر، نورم، لم يتماهَ مع أي شخصية من شخصيات الفيلم، وبدلًا من ذلك تعامل مع القلعة باعتبارها عالمًا غريبًا يعمل وفق قواعد بديلة أخذ على عاتقه مهمة اكتشافها. أمَّا تيد — مشارِك ثالث — فقد شاهد الفيلم متسلِّحًا بقواعده الأخلاقية، مُصدِرًا أحكامًا حول ما تُبْدِيه أوه من رغبة في الخضوع أو السيطرة. وقد استخلص هولاند أن تلك القراءات المختلفة ترتبط بالاختلافات في شخصيات المشاركين ودوافعهم؛ فآجنيس كانت تبحث عن الصلة الروحية، ونورم عن السيطرة الفكرية، أما تيد فكان يتوخَّى التحكم بالعلاقات بين البشر.

وجاءت الاستقصاءات التي قمتُ بها حول استجابات الجمهور لفيلم «ثيلما ولويز» لتكمل هذه المقاربة التاريخية. فبعد مضيِّ عام على عرضه في دور السينما عام ١٩٩١م، أُجريتْ مقابلات مع بعض الأشخاص حول ردود فعلهم بعد مشاهدتهم له على شريط فيديو. وقد أثار الفيلم ردود فعل قوية، لكنها لم تصدر بما يتفق والنوع بطريقة واضحة؛ فالنساء استمتَعْنَ بالفيلم بمعدل أكبر قليلًا، بيد أن هناك عددًا غير قليل من الرجال الذين استمتعوا به أيضًا. وقد رأى بعض الرجال أن الفيلم يرسم صورة سلبية للرجال، بيد أنهم أبدَوْا إعجابَهم بما تضمَّنه من مناظر خلَّابة أو مشاهد حركة مثيرة.37 وقد داومتُ على عرضه في فصولي الدراسية في السنوات التالية، وكنتُ أطرح على طلَّابي استبيانات ذات نهاية مفتوحة بعد مشاهدته. ومع حلول نهاية الألفية الثانية، لم يعد ثمة فرق ملحوظ بين الجنسين من جهة معدلات الإعجاب بالفيلم. واليوم، لم يَعُدِ الطلاب من الذكور يَرَوْنه فيلمًا معاديًا للرجال بوجه خاص، وربما كان ذلك انعكاسًا لعصر أنجلينا جولي؛ حيث صارت صورة المرأة بطلة أفلام الحركة أمرًا مقبولًا في عالم السينما.

ومع ذلك، لا تزال هناك بعض الفروق الطفيفة في تلقِّي «ثيلما ولويز» بين الذكور والإناث، فيما بين طلاب الجامعة على الأقل. فالنساء يُعرِبْنَ عن حبِّهن للفيلم أكثر من الرجال؛ والطالبات يتماهَيْنَ بقوة مع ثيلما و/أو لويز. أما الرجال فيُعربون عن تماهيهم بقوة مع إحدى الشخصيات الرجالية في الفيلم (المحقِّق سلوكوم (هارفي كيتل) أو جيمي صديق لويز (مايكل مادسن))، في حين أن مستوى تماهيهم مع الشخصيات النسائية ضئيل للغاية. ورغم أن الذكور لا يشعرون بأي تهديد من صورة ثيلما أو لويز كامرأتين بارعتين في استخدام الأسلحة النارية، فإنهم ما زالوا عازفين عن التماهي تماهيًا واعيًا مع أيٍّ من الشخصيات النسائية.

بالنسبة إلى النساء اللواتي تماهَيْنَ بقوة مع ثيلما ولويز، ثمة مشهدان تمَّ ذكرهما باعتبارهما سببين قويين لهذه النتيجة: الاعتداء الجنسي في موقف السيارات في بداية الفيلم، ومشهد النهاية حيث تسقط ثيلما ولويز بسيارتهما من فوق قمة جرف هربًا من إلقاء القبض عليهما. وفي حين أن بعض المشاهدين نظروا إلى المشهد الثاني باعتباره نتيجة للمشهد الأول، أعربت الطالبات عن شعورهنَّ بالغضب والعجز أثناء مشهد الاعتداء، وبالبهجة والتحرُّر عند رؤية تلك الوثبة إلى الوادي. وقد رأى معظم المشاركين في هذا الفعل تأكيدًا على معنى الصداقة ورفضًا للاستسلام، وليس انتحارًا. من الواضح إذن أن تفسيرات الطلاب للمشهد الأخير وثيقة الصلة باندماجهم الشعوري في السرد.

وتوفِّر دراسات الجمهور التي تركِّز على تفسيرات المشاهد وسيلة للتوسع في أشكال البحث الأخرى. فالأفلام التي تندرج ضمن فئة «الوحشية الجديدة»38 (على غرار: «كلاب المستودع» (ريزيرفوار دوجز)، و«كازينو»، و«خيال رخيص»، و«قتلة بالفطرة» (ناتشورال بورن كيلرز)) تتحدَّى نظرية الميول لزيلمان القائلة بأن الاستمتاع بالعنف يقوم على تحقيق العدالة وضرورة إنزال العقاب بالشخصيات الشريرة.39 فتقدِّم تلك الأفلام توليفة من العنف المروِّع، والحوار الذكي، والتقنيات السينمائية البارعة. وتتَّسم شخصياتها وأحداثها بالالْتِباس على المستوى الأخلاقي مقارنةً بالأفلام النمطية في السينما السائدة. فقيام بوتش (بروس ويلز) بقتْل النازيين الساديين الجدد في «خيال رخيص» يمكن النظر إليه باعتباره انتقامًا مبرَّرًا ودفاعًا عن النفس، أما تواطؤه مع مارسيلوس (فينج رامز)، تاجر المخدرات الشرس الذي حاول قتل بوتش، فملتبس أخلاقيًّا. فهل هو شخص رحيم لمدِّ يدِ العون لعدوِّه؟ أم شخص يبحث عن مصلحته لمحاولته إسداء معروف لمارسيلوس أملًا في الحصول على مقابل؟ أم هو شخص غير مسئول لإطلاق سراح شخص قد يكون أشد خطرًا من النازيين الجدد؟ مثل تلك الأسئلة تجعل من الصعب علينا تطبيق نظرية الميول تطبيقًا مباشرًا.
إنَّ التساؤل حول المعاني التي يستخلصها المشاهدون من فيلم مثل «خيال رخيص» يمكن أن يزوِّدنا بأسباب أخرى لتقييمها. فبعض المشاهدين لديهم استعداد لتبرير استخدام العنف أو حتى الإشادة به، وذلك يرجع، بحسب أحد المشاركين، إلى أن «النقطة الأساسية هي اختلاس نظرة خاطفة على الجانب الآخر من الحياة الذي قلَّما تُتاح لك رؤيته.» وبإمكان المشاهدين أيضًا أن يحكموا إن كان استخدام العنف في الفيلم مبرَّرًا انطلاقًا من تيمة معينة. فأحد المعجبين بفيلم «روميو وجولييت» لباز لورمان علَّق قائلًا: «أعتقد أن العنف كان مبرَّرًا؛ كونه يُبرز النتائج الحمقاء للمشاحنات العائلية التي لا أساس لها والمأساة المتمثِّلة في إقدام الشباب على قتل بعضهم بعضًا لا لسبب سوى الخلافات القائمة بين آبائهم.»40 فخبرات كتلك قوامها ليس الاستمتاع فحسب، بل إنتاج المعنى أيضًا.

(٣) لقطات ختامية: تحديات استجابة الجمهور

تقع دراسة عمليةِ تلقِّي الأفلام في منتصف المسافة بين العلوم الإنسانية التقليدية ومقاربات العلوم الاجتماعية،41 بيد أن ثمة توترًا يظل قائمًا لدى محاولتها دمج دراسات استجابة الجمهور.
إنَّ معظم أبحاث العلوم الاجتماعية في مجال العمليات التأمُّلية ظلت مقصورة على الأفلام باعتبارها وسيلة ترفيه. وإذ يسأل الباحثون الناس «هل استمتعتم بهذا الفيلم؟» فإن هذا يدفعهم منطقيًّا إلى الإجابة بنعم، أو لا، أو قليلًا، أو كثيرًا، وجميعها إجابات يسهل التعامل معها بالطرق الإحصائية. أما عملية صناعة المعنى، فهي أكثر مراوغةً واستعصاءً على القياس. فلو سألك أحدهم: «هل لهذا الفيلم معنًى في رأيك؟» فإن أي إجابة بالإيجاب ستطرح هذا السؤال: «باعتبارك فردًا، بأي طريقة وجدتَ لهذا الفيلم معنًى؟» وبالنظر إلى العدد اللانهائي من الإجابات، سيكون من الصعوبة بمكان إجراء تجربة يمكن التحكُّم فيها، بيد أن الأبحاث الحديثة التي أُجريتْ حول أهمية عملية إنتاج المعنى باعتبارها إحدى صور الإشباع توحي بإمكانية وجود تداخل بين علماء الاجتماع والباحثين السينمائيين، الذين يمثِّل التفسير بالنسبة إليهم مسألة محورية.42
ليس معنى هذا أن الباحثين السينمائيين لا يهتمون بالمشاهدين. فرغم أن التركيز على التحليل النصي الدقيق يَحرِمهم بصفة عامة من الالْتقاء المباشر مع الجمهور، فإن دراسة عملية المشاهدة احتلَّت مكانة بارزة في دراسات الفيلم.43 فثمة مفاهيم أساسية، مثل التماهي والتلصُّص والرفو، تُحِيل إلى النشاط الذهني للمشاهدين. والأفلام المُلغِزة مثل «سايكو» أو «صورة مكبَّرة» (بلو أب) كثيرًا ما يتم تحليلها من أجْل ما تنطوي عليه من رسائل متناقضة وما تولِّده من إحباط لدى الجمهور في سعيهم لفهم معناها. بيد أن تلك الاستبصارات يتم استخلاصها عبر تفحُّص الفيلم أولًا ثم استنباط آراء المشاهدين دون التعاطي مطلقًا مع خبرة مشاهِد معيَّن. فالمعنى (بما في ذلك الالتباس) يُستمد من الفيلم، وليس من المشاهد.
فلْنُقارن بين هاتين العبارتين:

لأن القرَّاء يفوقون البَطَلَةَ في الحكمة، ويتماهَوْن معها شعوريًّا في الوقت نفسه، فإن عملية القراءة نفسها تُفضِي حتمًا إلى الشعور بالرياء … فنحن نقدِّر أهمية مشاعر البَطَلة، فقط طالما أنها تقوِّض نفسها بنفسها. ففي أثناء قراءة روايات هارلكوين العاطفية، ينشأ لدى المرء إحساس دائم بسوء النية.

أنا زوجة وأم أبلغ من العمر ٢٥ عامًا. أحيانًا، مثل الكثير من الناس، أشعر بانخفاض في روحي المعنوية … فأتناول أحد مؤلَّفات إسي سامر، وسرعان ما أشعر أن كل ما حولي يفيض بالخير. فالبَطَلَة تجعلني أشعر أن العالم مكان جميل، والناس طيبون، وأنه بالإمكان مواجهة أي شيء، وأننا محظوظون لكوننا أحياءً.

المقتبَس الأول يخصُّ باحثًا في الأدب والسينما، والمقتبَس الثاني من رسالة إلى المحرِّر أرسلَتْها سيدة من عشَّاق روايات هارلكوين. وقد يتساءل المرء في دهشة إن كانا يقرآن الكُتُب نفسَها! إن دراسة رادواي حول قرَّاء الروايات العاطفية تحفر لنفسها مكانًا في منتصف المسافة بين هذين القطبين.44 وفي حين أن رادواي لا تأخذ آراء المشاركين في بحثها كأمرٍ مسلَّم به دون تمحيص، فهي أيضًا لا ترى أن آراء الأكاديميين التي تقف على مسافة شعورية من الأعمال الأدبية، هي الكلمة الفصل.
يُعرِب بعض الباحثين عن قلقهم من أن نقَّاد السينما يُسرِفون في التفسير أكثر مما ينبغي.45 والدراسات التي تسعى وراء تفسيرات الجماهير تُضاعِف هذا الاحتمال. ويمكن للمرء أن يَجِد في هذا سببًا لإعطاء الأولوية لدراسة عملية الاستيعاب وعدم النكوص لفوضى عمليات التفسير. لكن الحقيقة هي أننا جميعًا، وليس نقاد الأفلام فقط، نقوم بتفسير ما نشاهده من أفلام. إن عملية تفسير الأفلام قد تكون مربكة ويصعب دراستها، لكنها عملية رمزية أساسية تشير إلى ما يَسِم حياتنا اليومية من تقلُّب وعدم استقرار.

(٤) قراءات إضافية

  • Bryant, J. and Vorderer, P. (eds) (2006) Psychology of Entertainment. Lawrence Erlbaum, New York, NY.
  • Fournier, G. (2007) Thelma & Louise and Women in Hollywood. McFarland, Jefferson, NC.
  • Liebes, T. and Katz, E. (1990) The Export of Meaning: Cross-Cultural Readings of Dallas. Oxford University Press, New York, NY.
  • Nabi, R. L. and Oliver, M. B. (eds) (2009) Media Processes and Effects. Sage, Thousand Oaks, CA.
  • Radway, J. (1991) Reading the Romance: Women, Patriarchy and Popular Literature, 2nd edn. University of North Carolina Press, Chapel Hill, NC.
  • Staiger, J. (1992) Interpreting Films: Studies in the Historical Reception of American Cinema. Princeton University Press, Princeton, NJ.
  • Stokes, M. and Maltby, R. (eds) (1999) Identifying Hollywood’s Audiences: Cultural Identity and the Movies. British Film Institute, London.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠