الفصل الثامن

الأفلام دافع للسلوك: تأثيرات الفيلم

في ٢٠ أبريل عام ١٩٩٩م، قام إريك هاريس وديلان كليبولد بإطلاق النار بطريقة هستيرية في مدرسة كولمبين الثانوية في مدينة ليتلتون، بولاية كولورادو؛ مما أسفر عن مقتل ١٣ شخصًا وإصابة ٢١ آخرين بجراح قبل أن يُطلِقا النار على نفسيهما.

عند اقتحامهما للمدرسة، كان كلٌّ مِنهما يرتدي معطفَ مطرٍ أسود اللون يُشبِه المعاطف التي ارتدتْها شخصيات فيلم «المصفوفة» (ماتريكس)، وهو الفيلم الذي حوَّل عملية تبادل إطلاق النار الهستيري إلى مَشاهِد أخَّاذة أشبه برقصات الباليه. أمِن الممكن أن يكون هاريس وكليبولد قد أرادا محاكاة رباطة الجأش الشديدة التي بدا عليها نيو (كينو ريفز)، معتبرين ضحاياهما شبه أيقونات افتراضية، أو جزءًا من لعبة شغف تراجيدية من بنات أفكارهما؟

ثمة معطف مطر آخر نجده في فيلم «يوميات كرة السلة» (ذا باسكتبول دياريز)؛ حيث يتخيَّل مدمِن على المخدرات يُدعَى جيم (ليوناردو دي كابريو) أنه يقتحم مدرسته الثانوية ويفتح النار على الطلبة والمدرِّسين. هذه المذبحة تشبه بطريقة غريبة أحداث مدرسة كولمبين. فهل استخدم الشابان المشهد الذي يصوِّر خيالات جيم كنموذج لهما؟

fig16
شكل ٨-١: جولييت لويس ووودي هارلسون في دَوْرَيْ مالوري وميكي في فيلم «قَتَلَة بالفطرة» ١٩٩٤ (حقوق النشر محفوظة لأرشيف إيه إف/آلمي).
«قتلة بالفطرة» هو فيلم آخر يُقْتل فيه عدد كبير من الناس، ليس في المدرسة، لكن في كل مكان آخَر تقريبًا. فبينما يتسبَّب ميكي (وودي هارلسون) ومالوري (جولييت لويس) في كثير من الدمار، يرصد الفيلم أيضًا ما يتعرضان له من معاملة سيئة ومعاناة، مقدِّمًا لمحةً عن الأسباب التي دفعتْهما لارتكاب تلك الجرائم. يستخدم هاريس وكليبولد الاختصار «ق ب ف» في دفتر يومياتهما وشرائط الفيديو التي سجَّلا عليها سرًّا خُطَطَهما التدميرية.1 فهل كانا يعتقدان أنهما «قتلة بالفطرة» — الكلمات التي جاء منها الاختصار — يتحيَّنان الفرصة لإنزال العقاب بمَن أحسَّا أنهم يستحقونه؟

هل دفعتِ الأفلام هذين المراهقَيْن لارتكاب ذلك العمل الهستيري البشع؟ أم أن أفلام العنف مجرد انعكاس للظروف الثقافية القائمة بالفعل؟ أم إن الإجابة تقع في نقطة ما بين هذا وذاك؟

fig17
شكل ٨-٢: لقطة ثابتة مأخوذة من كاميرات المراقبة يَظهَر فيها ديلان كليبولد وإيرك هاريس في اليوم الذي قاما فيه بقتْل اثنَيْ عشرَ طالبًا ومدرِّس واحد في مدرسة كولمبين الثانوية، بكولورادو. ٢٠ أبريل ١٩٩٩. حقوق النشر محفوظة رويترز/كوربيس.

بيد أن القضية الأوسع هي نوع التأثير الذي تُمارِسه الأفلام على عالم الواقع. فمِن الواضح أن الأفلام تثير مشاعرنا وتستهلك وقتنا وأموالنا، لكنْ هل لها تأثير بالفعل على الطريقة التي يشعر ويفكِّر بها الناس بعد مغادرتهم دُور العرض؟ وإلى جانب كونها أشياء يستمتع الناس بمشاهدتها والحديث عنها، «هل الأفلام لها أهمية فعلية؟»

أعتقد جازمًا أن الإجابة نعم. أو على الأقل، بعض الأفلام مُهِمَّة لبعض الناس لبعض الوقت. فالعمليات النفسية التي تناولناها — الإدراك، والاستيعاب، والتفسير — هي الوسائل العقلية التي تؤثِّر بها الأفلام على حياة الناس. ويوضِّح شكل ٨-٣ هذه العلاقة.
fig18
شكل ٨-٣: النشاط الرمزي المرتبط بمشاهدة الفيلم: الوظيفة والتأثير.
من حين لآخر، تبلغ المعاني التي يستخلصها المشاهدون من أحد الأفلام درجة من القوة ووثاقة الصلة تجعلها تؤثِّر على حياة الناس. ينظر هذا الفصل إلى الأبحاث التي تناولت التأثيرات السلوكية والمعرفية لوسائل الإعلام، والتي تحدث في أغلبها خارج نطاق وعي المشاهدين2 (في بعض الأحيان يستطيع المشاهدون تحديد تأثير فيلم ما عليهم.3 وسنناقش في الفصل القادم الوظائف الواعية للفيلم).
في أواخر العشرينيات، تمخَّضت الأبحاث في مجال التأثير النفسي للأفلام عن سلسلة من الكتب تحمل عناوين من قَبِيل «الأفلام والسلوك»4 (فيما يتعلق بطلاب الجامعة) و«الأفلام والجنوح والجريمة» (عن المراهقين في إصلاحيات الأحداث).5 ورغم أن تلك الكتب لم توجِّه اتهامات شاملة، فإنها أثارت مخاوف حول المخاطر المحتمَلة للأفلام. ولقد استمر هذا التركيز على المخاطر كما سنرى فيما يلي، بيد أن عددًا قليلًا فقط من الدراسات هو الذي تطرَّق إلى الآثار الاجتماعية الإيجابية المحتمَلة.6
شهدت الأبحاث حول تأثيرات الأفلام مرحلة أخرى بالغة الثراء في الستينيات، دون أي علامات على التراجع. فقد أصبحت حقلًا بحثيًّا شاسعًا، يضم الآلاف من المقالات والكتب. وبمرور الوقت، تحوَّلت بؤرة الاهتمام من الأفلام إلى التليفزيون قبل أن تنتقل، في السنوات الأخيرة، إلى ألعاب الفيديو والكمبيوتر. وبسبب هذا التوسع المتزايد في نطاق البحث، أصبحت تلك الأبحاث تُعرَف باسم «تأثيرات الإعلام».7 وبينما سأقدِّم فيما يلي نظرة شاملة على الأبحاث التي تناولت تأثيرات الفيلم من جهة مداها وأهميتها، فسوف أُشير إلى أمثلة من الأفلام كلما أمكن ذلك.

(١) التأثيرات على السلوك

كان «الإغواء اللاشعوري» (رسائل الإعلام اللاواعية التي تؤثِّر على سلوكنا) مصطلحًا رائجًا في السبعينيات.8 ومن الأمثلة التي كانت تَكثر الإشارة إليها؛ رسائل «اشترِ فشارًا» التي كانت تُعرَض خطفًا على الشاشة بهدف حثِّ الجمهور على الاستهلاك، وأصوات بريئة (أمواج على الشاطئ) تحتوي على رسائل ناطقة لا تستطيع الأُذن الْتِقاطَها تحثُّ على النجاح في العمل، وأصوات شيطانية على أغنية ليد زيبلين «سُلَّم إلى السماء» يمكن فهمُها فقط عند تشغيل الأغنية بالمقلوب من الخلف للأمام. إن التأثيرات اللاشعورية هي محفِّزات حسية لا يستطيع الإدراك الواعي الْتِقاطَها، بيد أن المخ يُعالِجها كما ينبغي؛ ومن ثم تؤثِّر على السلوك. ورغم أن المزاعم حول مثل تلك المحفِّزات مثيرة بصورة مبالَغ فيها، فإن البحوث المعملية فشلت في إثبات وجود أي تأثير ذي شأن على السلوك أو التفكير (على الأقل على مستوى شراء المزيد من الفشار أو النجاح في العمل) كنتيجة لسماع أو مشاهدة الرسائل اللاشعورية في وسائل الثقافة الجماهيرية.9
ورغم أن الجزء الأكبر من التأثيرات على السلوك يقع خارج نطاق وعينا، فإنَّ ذلك لا يعني أن المشاهدين يَخضَعون لتأثير أشياء لا يستطيعون رؤيتها أو سماعها. فالأمر ببساطة هو أنهم يجهلون أن شيئًا (فيلم عنف) يتسبَّب في شيء آخر (سلوكهم العدواني). وعند سؤالهم، فإن معظم المشاهدين سيُنكِرون وجود أي تأثير للإعلام على سلوكهم، لكنَّ هناك دلائل قوية على وجود مثل هذا التأثير.10 ورغم أن الباحثين لا يستخدمون أبدًا تقريبًا مصطلح «اللاشعوري»، فإنهم يفترضون أن العديد من تلك التأثيرات والعمليات المعرفية المضمَرة «غير واعية» بالفعل.
ولأن الجزء الأكبر من السلوك البشري يمكن تجسيده في الإعلام، فإنه من الممكن نظريًّا أن يستطيع الإعلام التأثير على أي سلوك بشري. وقد أعطى فن الدعاية دفعة لتلك الإمكانية؛ حيث يتم حثُّ الناس على شراء الصابون، والسيارات، والجِعَة، وأجهزة الآي بود، ودُمَى الشيا (دُمًى صغيرة لإنبات الشيا؛ المريمية)، إلخ. وفي حين أن الأفلام التجارية تستهدف تسويق نفسها في المقام الأول، فإنها كان لها تأثير واضح على السلوك الاستهلاكي في بعض الأوقات (مثل الارتفاع الكبير في مبيعات حلوى ريسيز بعد ظهورها في فيلم «إي تي»). ورغم أن هناك الكثير من السلوكيات المتاحة للبحث، فإن ثمة ثلاثة مجالات حظيت باهتمام لا يُضاهَى: العنف، والجنس، والإدمان.11 فيمثِّل كلُّ واحد من تلك المجالات ساحة قلق اجتماعي، مرتبطة بقضايا عامة ذات حيثية: الجريمة، الحرب، تنظيم الأسرة، القِيَم الأخلاقية، المشاكل الصحية، البطالة، إلخ. وفي حين تقترح نظرية المرآة الاجتماعية أن الإعلام يعكس فقط السلوكيات الاجتماعية، فثمة دلائل قوية تشير إلى أن الإعلام بوسعه التأثير على تلك السلوكيات.

ظاهرة المُحاكِي

أحيانًا يكون من الواضح أن أحد الأفلام له تأثير على السلوك استنادًا إلى وجود تناظرات بين الفيلم والواقع، وتكون هذه التناظرات على درجة من الدقة بحيث لا يمكن أن يكون الأمر مجرد مصادفة. وفي معظم الأحيان، لا تكون لظاهرة المُحاكِي أي آثار سلبية بشكل أو بآخر. فلنأخذ مثلًا أرقام مبيعات القمصان التحتية التي يُفترض أنها هبطت بشدة بعد ظهور كلارك جيبل بدون قميص تحتي في فيلم «حدث ذات ليلة» (إت هابيند وان نايت).12 أو تسريحة «ريتشيل» التي انتشرت بشدة بعد أن ظهرت بها جينيفر أنيستون في مسلسل «الأصدقاء» (فريندز) في مطلع التسعينيات. إن تعبيرًا شائعًا مثل «هيا، أسعِدْني» أصبح يجري على ألسنة الملايين بفضل الإلهام السينمائي لفيلم «هاري القذر» (ديرتي هاري).
ثمة سلوكيات أخرى قد تكون أكثر إثارةً وبروزًا؛ وبعض الأفلام شجَّعت على الاستهتار الجسيم. فثمة عدد كبير من الناس أصيبوا بجراح أو لقوا حتفَهم جرَّاء قيامهم بمحاكاة مشهد من فيلم كرة القدم «البرنامج» (ذا بروجرام)، الذي يقوم فيه اللاعبون بالاستلقاء في الحارة الوسطى من طريق مزدحم.13 أما فيلم «صائد الغزلان» (ذا دير هانتر) فقد تسبَّب فيما يزيد على ٣٠ واقعة محاكاة لمشهد الروليت الروسي؛ مما أسفر عن عدد كبير من الوفيات.14 وقد قام مراهق بإضرام النار في صديقه كمحاكاة لمشهد مثير في فيلم «الأحمق» (جاك آس). وثمة عدد لا يُحصَى من الجرائم ارتبطت أيضًا بالأفلام؛ فإضافة إلى محاولة اغتيال ريجان على يد جون هينكلي، وواقعة إطلاق النار في كولمبين، ثمة مجموعة من الوقائع سيئة الذكر تشمل: نساءً يُضرِمْنَ النار في شركاء حياتهن الذين كانوا يسيئون معاملتهن؛ وذلك بعد مشاهدتهن الفيلم التليفزيوني «الفراش المحترق» (ذا بيرننج بِد)؛ وسلسلة جرائم قتل في أماكن كثيرة في أنحاء البلاد ارتكبها رجل وصديقته من أوكلاهوما، دَأَبَا على مشاهدة فيلم «قتلة بالفطرة» بصفة منتظمة.15 إنَّ مثل تلك الحوادث تَحظَى باهتمام كبير في الأخبار،16 بيد أن معدَّلات جرائم المحاكاة قد تكون أكبر بكثير حتى مما تبدو. فقد أظهرتْ إحدى الدراسات أن ربع المراهقين المحبوسين الذين شملتْهم الدراسة حاولوا ارتكاب جريمة محاكاة مرة واحدة على الأقل.17
إنَّ المحاكين واعون بتأثير الأفلام عليهم إلى حدِّ أن بوسعهم أن يُشيروا إلى الفيلم الذي استلهموا منه أفعالَهم بأنه مُلهِمُهم. غير أنهم يُعانون، في الوقت نفسه، من نقص فادح في التأمُّل النقدي واختبار الواقع. ويبدو أن تأثير الفيلم عليهم يبدأ بتماهيهم بقوة مع الشخصيات. ورغم أن مثل هذا التماهي هو جزء من عملية المشاهدة العادية، فإن تلك الوقائع تتجاوز خبرة المشاهدة المباشرة. إن شخصية المحاكي ومحيطه الخارجي ينبغي أيضًا أن يُعزِّزا أفعاله، وكثيرًا ما يتم هذا بطرق لا يكون على وعي بها.18 وبما أن معظم البيئات المحيطة لا تشجِّع، لحسن الحظ، على وضع الميول التدميرية موضع التنفيذ، فإن أغلب الناس لا يسيرون في طريق تماهياتهم السينمائية حتى منتهاها.
وفي بعض الأحيان يتم التقليل من شأن وقائع المحاكاة، إما بسبب تفاهة السلوك (محاكاة تسريحة شعر رائجة)، أو لأن مرتكبي مثل تلك الأفعال/الفظائع الحمقاء يعانون بوضوح من قصور ذهني، أو أخلاقي، أو تنموي سابق على مشاهدتهم للفيلم. ففي حالة هاريس وكليبولد، كانت ثمة عوامل، مثل التنمُّر في المدرسة، والمشاكل النفسية، وإهمال الوالدين، تم تحديدُها ومناقشتُها باعتبارها أسبابًا لمذبحة كولمبين. لكن حتى إذا افترضنا أن هاريس وكليبولد كان مقدَّرًا لهما ارتكاب جريمة قتل في كل الأحوال، فإن أحداث كولمبين ما كانت لتتم بالصورة التي تمَّت بها «بالضبط» (بدون معاطف المطر) لولا وجود الإعلام. فالأرجح أن الفيلم قد أثَّر على الطريقة التي يرى بها هاريس وكليبولد العالمَ وصبغ سلوكهما، حتى وإن كانت بذور هذا السلوك مغروسة في أعماق أبعد غورًا.19 إن انتشار صور الأفلام المرتبطة بالميول السلوكية التدميرية يجب ألَّا يُنبَذ دفعة واحدة، لا سيما أنه تم تحديد تأثيرات أخرى أشد رهافةً لكنها قد تكون أكثر قدرةً على الاختراق والتغلغل.

التأثيرات على السلوكيات العدوانية

إن الأبحاث التي أُجريت على تأثير العنف في الأفلام تفوق من حيث الكم تلك التي أُجريت في أيِّ مجال آخَر.20 وهذا التفوُّق يرتبط يقينًا بمعدلات العنف في الأفلام،21 فضلًا عن وجود مخاوف بشأن العنف في عالم الواقع. فالمواطن الأمريكي العادي يشاهد العنف في الإعلام بصفة يومية، بيد أن أعمال العنف المادي الفعلية نادرة نسبيًّا بالنسبة إلى معظم الناس. ومن هنا، فإن صور العنف في الإعلام تشد الانتباه. وعندما يتعلَّق الأمر بالتأثير المحتمَل للعنف على السلوك (خاصةً التأثيرات التي تسبِّب سلوكيات عدوانية)، فإن الأبحاث تركَّزت بصورة لا تقارَن على تأثير العنف على سلوك الأطفال؛ مما يعكس الشعور العام بأن الصغار أكثر هشاشةً؛ ومن ثَمَّ أكثر عرضةً للتأثُّر بالإعلام من البالغين.22
لقد كانت تجربة الدُّمْيَة بوبو الكلاسيكية التي أجراها ألبرت باندورا مع مجموعة من زملائه واحدة من أشد الدراسات تأثيرًا فيما يتعلَّق بالتأثيرات العدوانية التي يمارسها الإعلام.23 ففي أجواء معملية، كان يتم اقتياد كل طفل بمفرده إلى إحدى الغرف، مع إعطائه بعض الأدوات وإخباره بأن ينتظر. وبعد فترة قصيرة، يأتي الباحثون ويصطحبون الطفل إلى غرفة أخرى تحتوي على تشكيلة متنوعة من الألعاب تشمل: كيس تدريب على الملاكمة يمكن نفخه (دمية «بوبو»)، ومطارق، ومسدسات لعبة، ودُمًى. وقد قام الباحثون بمراقبة طريقة لعب الأطفال وسجَّلوا كل ما كانوا يأتونه من الأفعال التي صنَّفوها باعتبارها عدوانية؛ مثل تسديد اللكمات إلى دمية «بوبو»، إطلاق المسدس، قذف أشياء، إلخ.
وفي حالة أخرى، كان الطفل ينتظر بالخارج بينما يمكث شخص بالغ في الغرفة ويتظاهر بالغضب ويبدأ يضرب الدمية بوبو بمطرقة لعبة، وهو يقول أشياءَ من قبيل: «الْكمْه في أنفه.» وفيما بعدُ يتم اصطحاب الأطفال إلى غرفة الألعاب ووضعهم تحت المراقبة. وفي حالة أخرى، قام الباحث بتشغيل فيلم يَعرض مشهدًا لشخص بالغ يضرب الدمية بوبو.24

وفي حين أن جميع الأطفال المشاركين في التجربة تورَّطوا فعليًّا في صورة أو أخرى من العنف، فإن هؤلاء الذين شاهدوا نماذج للسلوك العنيف من البالغين (سواء في العالم الواقعي أو في الأفلام) قاموا بعدد من الأفعال العنيفة أكثر كثيرًا من أقرانهم الذين لم يشاهدوا تلك النماذج. أضِف إلى ذلك أن بعض الأطفال الذين شاهدوا تلك النماذج قاموا بمحاكاتها بمنتهَى الدقة، إلى حدِّ ترديد نفس العبارات أثناء قيامهم بضرب الدمية البلاستيكية التَّعِسة.

وقد فسَّر باندورا تلك النتائج باعتبارها دليلًا على أن الأطفال يشكِّلون سلوكياتهم وفقًا لما يَرَوْنه حولَهم، خاصةً عندما لا يتم معاقبة تلك السلوكيات. يحدث هذا التأثير على مستوى المحاكاة المباشرة (ضرب الدمية بوبو)، ومحفِّزات أكثر عموميَّةً للعدوانية (إطلاق النار من مسدس). فالتأثير الذي تمارسه الأفلام على سلوك الأطفال ليس عملًا من أعمال السِّحْر؛ حيث إن محاكاة نماذج السلوك في العالم الواقعي تُنتِج الأثَرَ نفسَه. واتساقًا مع نظرية التعلُّم الاجتماعي، يزعم باندورا أن الفيلم هو مجرد شكل واحد من بين أشكال عِدَّة للتعلُّم عن طريق الملاحظة.

بيد أن تلك الدراسة شابها بعض القصور؛ فالذين خضعوا للملاحظة كانوا جميعهم أطفالًا صغار السِّنِّ، وحتى هؤلاء — من بينهم — الذين لم يتعرَّضوا لمشاهدة نماذج عنيفة للسلوك، أبدَوْا هم أيضًا قدْرًا من العدوانية. كذلك فإن تعريف السلوك العدواني الذي اعتمده الباحثون كان فضفاضًا ولا يمكن وصفه بالعنف؛ حيث إنه لم يكن ثمة أشخاص آخرون بالغرفة. أضِف إلى ذلك أن السلوك العدواني بدأ سريعًا بمجرد مشاهدة نموذج السلوك؛ ومن ثَمَّ يمكن أن يكون قصير الأجَل. وأخيرًا، فإن الأجواء المعملية، وكذا الأفلام، لا تحمل إلا شَبَهًا ضئيلًا بالعالم الواقعي.

تلك جميعها تحفُّظات وَجِيهة، وقد تطرَّق باندورا لعدد كبير منها في خاتمة دراسته. فمشاهدة أفلام العنف لا يمكنها بمفردها جعل الناس ميَّالِين للعنف، غير أنه سيكون من الخطأ رفض تلك الدراسة ببساطة بسبب ما شابها من قصور. فليس بإمكان أي تجربة مفردة أخذ جميع المتغيرات في الاعتبار دفعة واحدة، تمامًا مثلما لا يمكن لأي فيلم الإمساك بكل الأبعاد الهامة للسينما. وانطلاقًا من هذه الدراسة، قام عدد من الباحثين الآخرين بتصميم دراسات أخرى تأخذ في اعتبارها متغيرات إضافية. ومع تراكم تلك الدراسات، تمت ملاحظة العديد من الأنماط السلوكية.

كثير من الناس لا يَجِدون في السلوك العدواني تجاه الدُّمَى بوبو ما يدعو للانزعاج، بيد أن ثمة باحثين آخرين تساءلوا إن كانت هناك علاقة بين التعرض للإعلام من جانب والسلوكيات العنيفة في العالم الواقعي من جانب آخر. فقد لاحظت إحدى الدراسات أن الأولاد الذين يشاهدون أكثر البرامج التليفزيونية عنفًا أكثر عدوانيَّةً في المدرسة من غيرهم.25 وثمة دراسة طولية واسعة النطاق قامت بمراقبة سلوك مجموعة من الأطفال على مدار ٢٠ عامًا، ووجدتْ أن الأطفال في سِنِّ الثامنة، الأكثر مشاهدةً لبرامج العنف في التليفزيون، يكونون أكثر عرضةً للتورُّط في جرائم خطيرة (مثل القتْل، والاغتصاب، والاعتداء، والسرقة) عند بلوغهم سِنَّ الثلاثين.26
بيد أن الدراسات التي تتناول فقط العلاقة/الارتباط بين متغيِّرَيْن اثنَيْن تُعاني من قصور منهجي يحدُّ مِن عملية التفسير. فمجرد معرفة أن ثمة علاقة بين متغيرين لا يخبرنا شيئًا عن أيهما حدث أولًا أو تسبَّب في حدوث الآخر.27 ومن هنا، من الممكن أن تتسبَّب مشاهدة كم كبير من برامج التليفزيون في إثارة ميول عدوانية، تتجلَّى في ارتكاب جرائم. لكن من الممكن أيضًا أن يكون الأطفال ذوو الميول العدوانية أكثر انجذابًا بالفعل للعنف في الإعلام. ومن الممكن أيضًا أن تكون هناك عوامل أخرى أثَّرتْ في سلوكهم؛ على سبيل المثال، يمكن أن يؤدِّي نقص الإرشاد الأبوي إلى اختيارات مشاهَدة غير ملائمة وقلة احترام القانون. فأي سلوك في عالم الواقع يخضع لتأثير عوامل عديدة، وهو ما يقود بعض الباحثين إلى التمييز بين «إسهام» الإعلام (وغيره من العوامل الأخرى) في بعض السلوكيات، في مقابل السلوكيات التي يتسبَّب فيها الإعلام بمفرده.28
إحدى الطرق التي يستخدمها الباحثون لتفسير طريقة مساهمة الإعلام في تشكيل السلوك لكن دون أن يتسبَّب مباشرة في سلوكيات بعينها، هي نظرية التهيئة السلوكية.29 فعلى غرار الطريقة التي يتعيَّن بها ضخُّ البئر عدة مرات قبل البدء فعليًّا في استخراج الماء، يعتقد علماء النفس أن التعرض للإعلام يوفِّر مجموعة من الصور والنماذج السلوكية التي تظل هاجعة إلى أن يَطْرَأ موقف وثيق الصلة يتوافق مع تلك التهيئة. ومن هنا، فإن التعرُّض المتكرِّر لمشاهد مشاجرات الحانات لا يدفع الناس بالضرورة إلى ارتياد الحانات بحثًا عن المشاجرات. لكن، إذا حدث أن تعرَّض هؤلاء الناس للتهديد أثناء وجودهم في إحدى الحانات، فإنهم يكونون مهيئين سلفًا لكيفية التصرف في مثل هذا الموقف. ومن ثم، فإنهم قد يتصرفون بعدوانية، حتى وإن كانوا غير واعِين بمصدر التأثير الذي يتصرفون بموجبه.

التأثير على السلوكيات الجنسية

تأثير الصور ذات المحتوى الجنسي على سلوك المشاهدين من الموضوعات التي تَحظَى باهتمام بحثي كبير؛ حيث يأتي في المرتبة الثانية مباشرةً بعد العنف.30 فكلاهها يتناول موضوعات تثير قلق ومخاوف المجتمع، غير أن التمثيلات الجنسية يبدو أنها أكثر إثارةً للقلق مقارنةً بالعنف. فلماذا يعمد نظام التصنيف بجمعية الفيلم الأمريكي، الذي يدأب على إدراج التمثيلات الوحشية للتعذيب ضمن فئة «محظور» (سلسلة أفلام «سو» على سبيل المثال)، إلى تكبيل فيلم حاز على إعجاب النقَّاد مثل «الفالنتاين الأزرق» (بلو فالنتاين) بإدراجه ضمن فئة «محظور للأطفال دون السابعة عشرة»؛ لأنه يتضمَّن مشاهد للعلاقة الجنسية داخل نطاق الزواج؟ ورغم أن الكثيرين يَرَوْن هذا الوضع مضلِّلًا، فإن منطقه يستند إلى وجود مخاوف حقيقية لدى الآباء والأمهات الأمريكيين. فمعظم آباء وأمهات المراهقين لديهم مخاوف من احتمال قيام أبنائهم بالانخراط في ممارسات جنسية أكثر من قلقهم من احتمال ارتكابهم جرائم عنف. ويكمن الخوف في أن التمثيلات الجنسية في الأفلام التي تتبنَّى موقفًا متساهلًا تجاه الممارسات الجنسية سوف «تُلهِم الأطفال».
فهل مشاهدة الجنس في الإعلام تشجِّع المراهقين بالفعل على «ممارسة الجنس»، كما يخشى الآباء والأمهات؟ في حين أن النتائج في هذا الصدد بعيدة تمامًا عن أن تكون قاطعة، ثمة دلائل تُشير إلى أن الإعلام يلعب دَوْرًا مساعدًا. فقد أظهرت دراسة شملت نحو ٢٠٠٠ مشارك أن المراهقين الذين يُشاهِدون الكثير من الجنس على شاشات التليفزيون يبدءون الانخراط في ممارسات جنسية (تشمل الجِمَاع، والمُداعبات المُسرِفة، والجنس الفموي) بمعدَّل أكبر بكثير من الآخرين.31 وباعتبارها دراسة تقوم على مجرد الربط بين عدة عوامل، فإن العلاقة السببية بين المتغيرات تظل غير واضحة (المراهقون الأكثر اهتمامًا بالجنس يبحثون عنه في التليفزيون).32 وثمة عوامل أخرى (معارضة الوالدين، أسرة يوجد بها الأب والأم، درجة عالية من الرقابة الأسرية) تساعدنا على تحديد المراهقين الذين سوف يؤجِّلون الدخول في علاقات جنسية لبعض الوقت. وتلك النتيجة تبرهن على أنه في حين أن الإعلام قد يكون له تأثير متواضِع على المدى القصير، فإنه عادةً ما يتضافر مع عوامل ثقافية وشخصية أخرى لإحداث تأثير كُلِّي على السلوك.
وقد أثارت البيانات الديموغرافية بعض التكهنات عن احتمال وجود صلة ما بين الإعلام والسلوكيات المنحرِفة مثل الاغتصاب وغيرها من الانتهاكات الجنسية. ففي الفترة الممتدَّة من الستينيات وحتى التسعينيات، ارتفع معدل الاعتداءات الجنسية التي تم الإبلاغ عنها، في الوقت الذي أصبحت فيه المواد ذات المحتوى الجنسي الصريح متاحة أكثر من ذي قبل. لكن من الممكن أن تكون التغييرات في المواقف حيال الجنس خلال الفترة نفسها قد شجَّعت النساء على الإبلاغ عمَّا يتعرَّضْنَ له من انتهاكات دُونَما خوف من التعرض للمهانة أو انتقام العامة. وقد أدَّت البيانات العابرة للثقافات إلى إثارة مزيد من الأسئلة؛ فالكثير من المواد ذات المحتوى الجنسي الصريح تأتي من اليابان، التي تميَّزتْ تاريخيًّا بمعدلات اغتصاب منخفضة نسبيًّا.33 وتعمد بعض الدراسات إلى تضييق بؤرة البحث من خلال المقارنة بين استهلاك المواد ذات المحتوى الجنسي الصريح من جانب رجال متهمين بارتكاب جرائم جنسية وبين أشخاص مسالِمين. ورغم أنه يصعب التوصل إلى نتائج موثوقة فيما يتعلق باستهلاك الأعمال الفنية الإباحية من جانب الرجل العادي، فقد وجدت تلك الدراسات أن الرجال ذوي السلوك الجنسي العنيف يشاهدون أعمالًا إباحية ذات محتوى جنسي عنيف أكثر من الرجال المسالِمين غير المُؤذِين جنسيًّا.34

التأثير على تعاطي المواد المخدرة

استكمالًا لثالوث الجنس والمخدرات والعنف، اهتمَّ الكثير من الأبحاث بدراسة تأثير الإعلام على تعاطي المواد المخدِّرة، خاصةً التبغ والخمور. يتمتع التدخين وتعاطي الخمور بتراث ممتدٍّ في أفلام هوليوود، وكثيرًا ما يُستخْدَمان بهدف التعبير عن التمرُّد والسلوكيات الخطرة. وينشأ القلق من أن مثل تلك السلوكيات لدى البالغين قد يكون لها تأثير على الأطفال والمراهقين.

وقد تناولت دراسة حديثة العلاقة بين التدخين في الأفلام وإقدام الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين التاسعة والثانية عشرة على التدخين (وهي السنُّ التي يبدأ فيها نحو ٢٠٪ من الأطفال تجربة التدخين للمرة الأولى). وقد وُجد أن الأطفال الأكثر تعرضًا للتدخين في الأفلام المصنَّفة «جميع الأعمار مقبولة» و«بعض المواد قد تكون غير مناسبة للأطفال» و«بعض المواد قد تكون غير مناسبة للأطفال دون الثالثة عشرة» يكونون أكثر مَيْلًا لتجريب التدخين من الأطفال الذين يقتصر تعرضهم لتلك الأفلام على الحدِّ الأدنى. وقد تم التوصُّل إلى تلك النتيجة بعد مُضِيِّ عامَيْن على انطلاق الدراسة.35 وهي نتيجة مفاجئة بعض الشيء، بالنظر إلى أنه في الأعوام الأخيرة كانت «الشخصيات السلبية» هي على الأرجح التي تُمارِس التدخين في الأفلام.36 ومن المحتمل أن يكون بعض الأطفال قد تأثروا فأقْدَموا على «تجريب» التدخين تحديدًا بسبب تلك الصور السلبية المرتبطة به.
وثمة دراسة حديثة تناولت العلاقة بين مشاهدة الأفلام المصنَّفة ضمن فئة «محظور»، وبين الإقدام على تعاطي الخمور، وأظهرت وجود فروق تستند إلى نمط الشخصية. ورغم أنه لم يتضح وجود أي علاقة بين تلك الأفلام من جهة وتعاطي الخمور بين أفراد مصنَّفين في فئة الأشخاص الباحثين عن الإثارة الشديدة من جهة أخرى (هؤلاء الذين يبحثون عن سلوكيات مثيرة/خطرة)، فإنه تبيَّن وجود علاقة قوية في حالة الأفراد أصحاب المعدلات المنخفضة على مقياس البحث عن الإثارة. فهؤلاء الأفراد أقلُّ تعرُّضًا في المجمل لاتخاذ قرارات تنطوي على مخاطرة؛ ومن ثَمَّ يبدو أن للأفلام تأثيرًا أقوى عليهم. أما بالنسبة إلى الأشخاص الذين يبحثون عن الإثارة الشديدة، فإن تأثير الأفلام عليهم يقتصر على الحدِّ الأدنى، مقارنةً بمتغيرات أخرى تتعلَّق بتعاطي الخمور؛ مثل اختيار الأقران.37

(٢) التأثير على الأفكار والمشاعر

رغم أن التركيز على السلوكيات الظاهرية — مثل ضرب دُمية قابلة للنفخ أو ارتكاب جريمة — أمرٌ مُغْرٍ لشدة وضوح هذه السلوكيات، فإن علم النفس المعرفي يهتمُّ بالقدر نفسه بالأفكار والمشاعر التي تشكِّل أساس السلوك الظاهري. وبمرور السنوات، اقتربتْ أبحاث التأثير تدريجيًّا من تفحُّص تأثير الإعلام المرئي على الطريقة التي يَرَى بها المشاهدون أنفسَهم والعالَم من حولهم.

الاضطرابات النفسية

كثيرًا ما تستثير الأفلام ردودَ فعْل شعورية قوية، لكن استجابات الناس للأفلام، من حين لآخر، قد تبلغ من القوة حدَّ أنْ تَظهَر عليهم أعراض الصدمة الشديدة، أو الاكتئاب، أو الذُّهان. وتتناثر في أدبيات الطب النفسي دراسات حالة تتناول مثل تلك الحالات من ردود الأفعال الإكلينيكية الحادَّة. فبَعْدَ مشاهدة فيلم «غزو خاطفو الأجساد» (إنفيجن أوف ذا بادي سناتشرز)، بدأ صبيٌّ في الثانية عشرة من عمره يعتقد أن كائنًا غريبًا غَزَا جسدَه وأنه إذا قام أيُّ شخص بلَمْسِه، فإن يديه سوف تخترقانه.38 ورغم أن ردود الفعل تحت الإكلينيكية على فيلم «الفك المفترس» تُعَدُّ شائعة (مثل العزوف عن السباحة في البحر)، فإن ثمة فتاة في السابعة عشرة من عمرها عانَتْ من نوبات كانت تصرخ خلالها «قروش! قروش!» ثم تفقد الوعي لوهلة قصيرة.39
أما فيلم «طارد الأرواح الشريرة» فلَمْ يُثِرْ ردودَ فعل قوية فحسب، بل كان أيضًا عاملًا محفِّزًا في حدوث سبع حالات مختلفة من الاضطرابات النفسية.40 فقد أُصيبت امرأة في الثانية والعشرين من عمرها بأعراض قلق حادَّة، شملت الأرق، وتقلُّصات في البطن، ونوبات هلع. كذلك عَانَى صبيٌّ مراهق من ذكريات تطفلية عن الفيلم، فكان يسمع ضوضاءَ في الليل، وانغمس في تعاطي المخدرات في محاولة لمَحْو ذكرياته عن الفيلم.41
إن ردود الأفعال التي تتطلَّب علاجًا نفسيًّا في المستشفى أمر نادر، لكنها تقع عند أحد طرفَيِ المتسلسلة الشعورية التي تمثِّل جزءًا من خبرة الفيلم. ورغم أن الأفلام لا تملك أنْ تُحوِّل الأفراد المستقرِّين نفسيًّا إلى حطام نفسي، فإن تلك الأمثلة تعطينا أمثلة للتفاعل بين الصور الرمزية المُقدَّمة في السينما والتركيبة النفسية لأفراد بعينهم. فجميع الأشخاص الذين أَتَيْتُ على ذكرهم أعلاه كانوا يعانون من ضغوط في علاقاتهم مع الآخرين قبل مشاهدتهم الفيلم موضوع البحث، وبعضهم أيضًا لديه سِجل مَرَضي في العلاج النفسي. ومن هنا، فإن توليفة الرموز في الفيلم أجَّجت مشاكلَهم الشخصية الموجودة سلفًا. فقد أثارتْ تيمة المسِّ في فيلم «طارد الأرواح الشريرة» انزعاج سيدة حامل غير متزوجة كانت تخوض صراعًا ضد الشعور بالذنب النابع من إيمانها الكاثوليكي. إن تركيبة شخصيتها الحدِّية قامت بفصل جزء من نفسها اعتبرتْه شريرًا. وكان المسُّ الشيطاني في الفيلم يرمز إلى هذا «الجزء الشرير» بالإضافة إلى قلقها على طفلها الذي لم يُولَد بعدُ.42

التأثير على الخوف والخيال

الخوف والقلق شعوران شائعان عند مشاهدة الأفلام، ولهما دَوْر محوري في الاستمتاع بأفلام الرعب والإثارة،43 لكن يحدث أحيانًا أن يستمر هذا الشعور بالخوف بعد انتهاء الفيلم. إن الاضطرابات النفسية التي ناقشناها أعلاه هي حالات متطرِّفة، بيد أنها — في صورتها الأقل حِدَّةً — من الظواهر الشائعة. فكلما سألتُ طُلَّابي إن كانوا قد شاهدوا فيلمًا أثار فيهم فزعًا شديدًا، فإن أغلبهم يذكرون فيلمًا واحدًا على الأقل، مستشهدين بأفلام رعب مثل «سو»، و«المقصد الأخير» (فاينال ديستينيشن)، و«طارد الأرواح الشريرة»، أو أحد أفلام الحرب المأخوذة عن قصص واقعية مثل «فندق رواندا» (هوتيل رواندا)، أو «إنقاذ الجندي ريان» (سيفينج برايفت ريان). وقد أكدت بعض استطلاعات الرأي الرسمية تلك النتيجة.44 والاستجابات النمطية تشمل صعوبة في النوم أو ذكريات تطفلية عن بعض المَشاهِد المُزعِجة. بعض تلك الاستجابات الشعورية كانت قصيرة الأجَل، لكنَّ هناك كثيرين تحدَّثوا عن شعور بالخوف استمر عامًا كاملًا.45 ورغم أن معظم تلك الاستجابات لم تتم معالجتُها، فإن استطلاعات الرأي الاسترجاعية أظهرت أن الأعراض التي أتَى ربع المشاركين على ذكرها هي استجابات إكلينيكية خطيرة ناتجة عن الشعور بالضغط.46
من الحالات التي سُجِّلت بكثرة، استجابات الخوف الشديدة لدى الأطفال،47 وتُعتبر اضطرابات النوم أكثرها شيوعًا، لكن ثمة دراسات أخرى أظهرت أن الأطفال يتجنَّبون الأنشطة التي ترتبط في أذهانهم بمشهد مخيف من أحد الأفلام. فعلى سبيل المثال، الأطفال الذين شاهدوا منزلًا تلتهمه النار في فيلم «منزل صغير في البراري» (ليتيل هاوس أون ذا براري) كانوا أقل اهتمامًا بتعلُّم كيفية إشعال النار في المدفأة من الأطفال الذين لم يَرَوا المشهد.48
السبب في أن ردود فعل الخوف لدى الأطفال أكثر قوَّةً منها لدى البالغين يتعلَّق بمستوى القدرات المعرفية والشعور المتطور بالذات لديهم. ففي بعض الأحيان، يأتي الأطفال بردود فعل تَنِمُّ عن الخوف تجاه مثيرٍ ما قد يَجِده البالغون غير مخيف. والأطفال الأصغر سِنًّا يتأثرون بوجه خاص بالعوامل الإدراكية الحسية القوية التي تطغَى على دقائق السياق والسرد. ففي إحدى الدراسات، أُصيب الأطفال بفزع شديد لدى مشاهدتهم المسلسل التليفزيوني «الرجل الأخضر» (ذا إنكريديبل هولك)، رغم أن أفعال هولك، في مجملها، خيِّرة. وفي حين أن الأطفال الأكبر سِنًّا لم يَجِدوه مخيفًا، فقد تركَّزت استجابات الأطفال الأصغر سِنًّا على بشرَتِه الخضراء اللامعة، وعضلاته البالغة الضخامة، وتعبيرات وجهه الغاضبة؛ إلى درجة أن كلَّ ما عداها أصبح عديم الأهمية بالمقارنة.49 والكثافة الإدراكية الحسية يمكن أيضًا أن تفسِّر عدم خوف الأطفال من مواضيع أخرى مثل الفيلم التليفزيوني «اليوم التالي» (ذا داي أفتر)، الذي يدور حول تعرُّض أمريكا لهجوم نووي. ففي حين أثار الفيلم انزعاجًا شديدًا لدى الكبار الذين يدركون خطورة الدمار النووي، فإن الأطفال الصغار كانوا يفتقرون إلى أي صورة واضحة مرتبطة بهذا الخوف.50
أحد أسباب ضعف الأطفال الشديد تجاه التأثيرات الشعورية القوية هو ما يتسم به خيالُهم من حيوية ومرونة. ومن ثَمَّ فإن صور الإعلام المرئية تخلِّف أثرًا قويًّا عليهم ويُضحِي من الصعوبة بمكان محوُها. وقد حَظِيت تلك العملية، بما تحمله من مزايا وعيوب، باهتمام بحثي كبير.51 فمن ناحية، يعمد الأطفال إلى استدماج الشخصيات والقصص التي يتعرضون لها في أفلام مثل «قصة لعبة» (توي ستوري) ويستخدمونها في ألعابهم الخيالية، بإضافة المزيد من القصص والتعمق في شخصياتها. وفي الوقت نفسه، كثيرًا ما يكون الأطفال المعرَّضون لمستويات عالية من الصور البصرية في الأفلام والتليفزيون أفقر خيالًا، وقدراتهم على لعب الأدوار ضعيفة؛ إذ يبدو أنهم أصبحوا معتمدين على الإعلام كمصدر خارجي لإثارة الخيال، وأقل قدرةً على الوصول إلى منابع خيالهم.52

التأثير على المواقف والمعتقدات والصور النمطية

قد لا يكون الكبار سريعي التأثُّر مثل الأطفال، لكن الأبحاث أثبتتْ أن الإعلام يؤثِّر على الطريقة التي يقوم بها الجمهور بتصنيف عالمهم وفهمه وتقييمه. تلك العمليات المعرفية الهامَّة تمس جميع جوانب الحياة تقريبًا. فعملية التثقيف الاجتماعي فيما يتعلَّق بأدوار الجنسين، تلك العملية التي من خلالها يتعرَّف الناس على توقُّعات المجتمع من البنين والبنات، تقع في صلب اهتمامات علم النفس الاجتماعي، ويعتقد كثير من الباحثين أن الإعلام يلعب دورًا أساسيًّا في هذا الشأن. فتصورات المشاهدين عن أنفسهم ورؤيتهم للمستقبل تتأثَّر حتمًا بما يقوم به الإعلام من تحريف لصور النساء والرجال في اتجاهات بعينها. وقد يكون من الصعب على فتاة صغيرة أن تتخيَّل نفسَها محامية ما لم تُشاهِد محاميات في التليفزيون والأفلام.

وقد أظهرت استطلاعات الرأي والأبحاث التجريبية وجود علاقة بين استهلاك صور الإعلام وتنميط الأدوار الاجتماعية للذكور والإناث تستند إلى الطريقة التي تمتزج بها السرديات المرئية مع عالم الواقع. بيد أن أغلب الدراسات أظهرت أن تلك العلاقة ضعيفة نسبيًّا.53 وهذا الاكتشاف ليس مفاجئًا إذا وضعنا في اعتبارنا وجود عوامل أخرى (بيولوجية، وبيئية) يمكنها أن تلعب دورًا ما في هذا الشأن. ومن هنا، تبدو الأفلام جزءًا من شبكة ثقافية من التأثيرات التي تكشف عن نفسها، ليست كأنماط راسخة بقَدْر ما هي ظلال لمثل تلك الأنماط.
يقوم الفيلم الوثائقي «القتْل الناعم» (كيلينج أص سوفتلي) وأجزاؤه بتسليط الضوء على ما يقدِّمه الإعلام من تمثيلات غير صحية نفسيًّا وبدنيًّا لأجساد النساء. وفي حين أن معظم تلك الأمثلة مأخوذة من مجال الدعاية والإعلان، فإننا لدينا بالفعل صور لنجمات شديدات النحافة (كيرا نايتلي، جوينيث بالترو، وأنجلينا جولي). ويذهب الفيلم إلى أن النساء والرجال يتعرضون لسَيْل لا ينقطع من صورٍ لنساء ذوات قوام غير صحي، فضلًا عن أنه يستحيل على الغالبية العظمى من النساء الحصول عليه. مثل تلك الصور غير الواقعية يمكن أن يكون لها تأثير مدَمِّر على نفسية النساء والرجال على حدٍّ سواء، لكن يُعتقد أن الفتيات في سِنِّ المراهقة هن الفئة الأكثر عرضةً للتأثُّر بتلك الصور. وقد أكَّدت استطلاعات الرأي والأبحاث التجريبية التي أُجريت حول تأثير الإعلام على السلوكيات والمواقف السلبية (الشعور المتزايد بعدم الرضا عن شكل الجسد، والصور المشوَّهة عن الجمال المثالي، والعادات الغذائية غير الصحية) صحةَ الفكرة التي يَطرَحها فيلم «القتل الناعم». ولأن معظم تلك الدراسات تناولت التأثير الناجم عن التعرض للإعلام بوجه عام، فإن المشكلة تبدو أوسع نطاقًا من مجرد الإسراف في مشاهدة حلقات «مشروع الممشى» (بروجيكت رَنواي).54

إنَّ المخاوف بشأن التنميط العنصري استنادًا إلى شخصيات خيالية سابقةٌ زمنيًّا على ظهور الأبحاث حول تأثيرات الإعلام؛ فرواية «مغامرات هكلبيري فين» لمارك توين، على سبيل المثال، كانت مصدرًا دائمًا للجدل. وعندما يُثنِي القرَّاء على الرواية لرؤيتها التقدُّمية للعلاقة بين الأعراق، فإن اهتمامهم يكون منصبًّا على ما يتمتع به العبد الهارب جيم من شجاعة وحكمة. لكن عندما تُتَّهم الرواية بالعنصرية، فإن التركيز يكون منصبًّا في الأغلب على ما يتسم به سلوك جيم من مُجُون وصبيانية. ويتأسَّس هذا الجدل على الاعتقاد بأن قراءة الرواية سوف تساعد على ترسيخ الصور النمطية التحقيرية للأمريكان الأفارقة.

هذا الجدل لا يزال مستمرًّا حتى اليوم. فقد ثار جدل شديد حول الضِّبَاع الحقيرة (على لسان ووبي جولدبيرج) في فيلم الرسوم المتحركة «الأسد الملك» (ذا ليون كينج)؛ إذ إنها تعكس لهجة أهل المدن من السود. وهناك أفلام أخرى لاقت استحسانًا كونها تسير عكس اتجاه الصور النمطية (المتشرِّد الذي لعب دورَه ويل سميث، والذي يتحوَّل إلى سمسار بورصة ناجح في فيلم «السعي وراء السعادة» (ذا بيرسوت أوف هابينيس)). وتدعم الدراسات احتمال إسهام الإعلام في التنميط بطريقة إيجابية وسلبية في آنٍ واحد. فعندما يُكثِر طلَّاب الجامعة من البِيض من مشاهدة الكثير من الأخبار المتلفزة التي تُسرِف في تقديم صورة للأمريكان الأفارقة باعتبارهم مجرمين، فإنهم يَمِيلون إلى التقليل من أهمية مستوى التعليم والوضع الاقتصادي الاجتماعي للأمريكان الأفارقة، ويُرجِعون تلك الظروف إلى افتقارهم للتحفيز. وفي المقابل، عندما يُكثِر هؤلاء الطلاب من مشاهدة مسلسلات السيت كوم، وهي نوعية من الأعمال الفنية تقدِّم صورًا إيجابية نسبيًّا للأمريكان الأفارقة،55 فإنهم يَكونون أكثرَ تقديرًا لإنجازات الأمريكان الأفارقة على مستوى التعليم56 (وقد أظهرت الدراسات التي أُجريت على الأطفال الأصغر سِنًّا أن التعرض للإعلام المرئي له تأثير على تبنِّيهم للصور النمطية العنصرية).57
من المخاوف الأخرى بشأن الأفكار والمشاعر التي تنجم عن التعرض للإعلام، أن الإعلام لديه القدرة على تقليص الاستجابات الشعورية. فعلى سبيل المثال، عندما يتعرَّض الناس لصور من العنف المفرِط، فإن مشاعرهم قد تُصاب بالتبلُّد ويتوقفون عن الشعور بالضيق تعاطفًا مع غيرهم. هذا التأثير يَظهَر بوجه خاص لدى الرجال ممَّن شَاهَدوا سلسلة من أفلام سلاشر التي تَجمَع بين الجنس والعنف. فعندما طُلب إليهم أن يشاهدوا شريط فيديو لمحاكمة متَّهم بجريمة اغتصاب، فإنهم لم يتأثَّروا به بدرجة أقلَّ من هؤلاء الذين لا يشاهدون نوعية أفلام سلاشر فحسب، بل كانوا أقل تعاطفًا مع الضحية أيضًا.58 مثل تلك النتائج تثير المخاوف من أن الناس في طريقهم ليصبحوا أكثر تبلُّدًا حيالَ العنف؛ ومن ثَمَّ أقلَّ استعدادًا للحيلولة دون وقوعه في عالَم الواقع.

(٣) الدعاية والتأثير على الثقافة

تُصمَّم الدعاية بحيث تجعل عددًا كبيرًا من الناس يفكِّرون بطريقة معينة، وقد شهد تاريخ الفيلم تداخلًا كبيرًا بينها وبين الأفلام. ففيلم مثل «المدرَّعة بوتمكين» يُعتبر أحد أعظم الأفلام في تاريخ السينما، خاصةً في توظيفه لفن المونتاج، هو أيضًا فيلم دعائي يهدف إلى الاحتفاء بالتمرُّد الذي حدث على متْن المدرَّعة بوتمكين باعتباره حدثًا حاسمًا في تاريخ الثورة الروسية. ومن الأمثلة الشائنة للأفلام الدعائية، الفيلم الوثائقي المبهر تقنيًّا «انتصار الإرادة» (تريامف أوف ذا ويل) الذي أخرجته ليني ريفنستال تخليدًا لذكرى مؤتمر نورمبرج المناصر للسلطة النازية عام ١٩٣٤م، ويتضمَّن تمجيدًا أخَّاذًا للمُثُل العُلْيا النازية: النظام والسلطة والقوة. وقد انخرط صُنَّاع الأفلام في هوليوود أيضًا في مجهودات الدعاية خلال الحرب العالمية الثانية.59 فقام فرانك كابرا بإخراج سلسلة «لماذا نحارب؟» (واي وي فايت) (١٩٤٢–١٩٤٥م) التي كان لها تأثير واسع. كذلك أصبح جون فورد رئيسًا لوحدة التصوير الفوتوغرافي في سلاح البحرية. حتى هيتشكوك نفسه، تم تكليفه من جانب وزارة الإعلام البريطانية بصناعة عدد من الأفلام القصيرة لمساندة المقاومة الفرنسية.
ولأن الدعاية تستهدف إحداث تأثيرات واسعة النطاق، فإنه من الصعب قياس آثارها. فتلك الأفلام تُصنع عادةً في ظل ظروف عصيبة، ينصبُّ فيها التركيز على الفعل، وليس على التحليل. فالسؤال إن كان فيلم «انتصار الإرادة» قد حقَّق الأثر المرغوب لا يمكن الإجابة عليه، لكنْ من المؤكَّد أنه أثار قدْرًا كبيرًا من الإعجاب والجدل، وسيظل مرتبطًا بالنازية إلى الأبد. حتى تلك الأفلام التي لا تُعتبر دعائية، من الممكن أن تصبح مرتبطة بأفكار معينة. فهل كان فيلم «كازابلانكا» دعاية لانخراط أمريكا في الحرب العالمية الثانية؟ وهل يطرح فيلم «آفاتار» أفكارًا مناصرة لحركات حماية البيئة؟ هل جميع الأفلام دعائية من حيث ما تملكه من قدْرة على إحداث تأثيرات تراكمية وواسعة على الطريقة التي يفكِّر بها الناس في عالمهم؟ تلك العملية يُطلَق عليها التأثير التراكمي للإعلام.60

الكثير من التأثيرات المتمايزة التي تناولناها حتى الآن يمكن تصوُّره بالنسبة إلى الثقافة بأكملها، ما يطرح علينا مجموعة متنوعة من السيناريوهات الكابوسية؛ فالجُمهُور المتبلِّد المشاعر يتحوَّل بفعل التعرض للتكنولوجيا إلى حَشْد من الموتَى الأحياء؛ مشاهدون غافلون مُسمَّرون أمام شاشات تُبقِي عليهم في حالة من المتعة السلبية، والتضليل المعلوماتي، والحرمان من دفء العلاقات الإنسانية (حبكة فيلم «ماتريكس» بصفة أساسية). وثمة مجموعة أخرى من السيناريوهات نذكر منها المخاوف من أن يَجعَل الإعلام الناسَ حَمْقَى، وأنانيين، ونرجسيين، وغير ذوي نفع، و/أو ضعفاء؛ أيْ مجتمعًا من الكُسَالَى.

الافتراض الذي يكمن وراء تلك المخاوف هو أن الإعلام لا يؤثِّر فقط على أفكارنا وسلوكياتنا، بل يمنحنا أيضًا طريقة متكاملة لفهم العالم. هذا النوع من النقد الثقافي يمكن تتبُّع مساره حتى مارشال ماكلوهان ومقولته الشهيرة: «وسيلة الإعلام هي الرسالة»؛61 التي تعني بالأساس أن صور الإعلام التي تقوم عليها ثقافة المجتمع أكثر أهميَّةً من محتواها. أضِفْ إلى ذلك أن طرق التفكير تميل إلى التكيُّف مع صور التكنولوجيا الجديدة بمجرد ظهورها. فعندما نشاهد فيلمًا، فإن حقيقة كونه فيلمًا تؤثِّر علينا أكثر مما تؤثر علينا نوعيته (هل كان كوميديًّا أو دراميًّا) أو جودته العامة (هل كان فيلمًا جيدًا أو رديئًا). وكلما شاهدنا عددًا أكبر من الأفلام، بدأنا نرى العالم باعتباره فيلمًا.
يلاحظ نيل بوستمان في كتابه «الترفيه حد الموت»، أنه لا بد أن يتمتع الخطاب العام (طريقة توصيل المعلومات) في العصر الحديث بوقْع طيِّب على أبصار الجمهور وأسماعهم.62 فالسياسيون ومقدِّمو الأخبار والوعَّاظ والمُداوُون والمدرِّسون ينبغي عليهم أن يُمرِّروا كلَّ ما يتفوَّهون به خلال فلتر يحدِّد كيف سيبدو في عيون الجماهير وعلى آذانهم. وفي تلك الأثناء، يمكن تعديل الرسالة أو تجميلها، أو حتى تزييفها من أجْل إكسابها مظهرًا ملائمًا. فوسيلة الإعلام هي ما تحدِّد ما سوف تكون عليه الرسالة. ومعايير الترفيه، بما فيها تلك التي عكفتْ هوليوود على تنقيحها لعقود طويلة، تُطبَّق اليوم على نشرات الأخبار والرطانة السياسية. وقد عبَّر بوستمان عن قلقه من أن هذا «التبسيط المعلوماتي المتعمَّد» قد يُسفِر في النهاية عن موت الحضارة الغربية.63

(٤) لقطات ختامية: الجدل الكبير حول تأثير الإعلام

لا تُعتبر الأبحاث حول تأثيرات الإعلام مثالًا لمحاولات الفهم المحايدة قِيَميًّا؛ فكثيرًا ما يُنظَر إلى الإعلام باعتباره تهديدًا للصحة العامة، خاصة بالنسبة إلى الأطفال، فيوضع في خانة واحدة مع مخاطر اجتماعية وطبية مثل السرطان والجريمة والعنصرية.64 فثمة سحابة قاتمة من الخوف والقلق تجثم فوق ساحته. ورغم أن دراسة الدُّمية بوبو لعبتْ دورًا محوريًّا في تطوير نظرية التعلُّم الاجتماعي؛ ومن ثَمَّ كانت أكثر اهتمامًا بالنظرية النفسية مقارنةً بكل الدراسات الأخرى في هذا المجال، فإن باندورا اختار أن يقدِّم لها بتقريرٍ حول صبي مراهق أُصيب بجراح أثناء محاولته محاكاة مشهد المعركة بالأسلحة البيضاء في فيلم «متمرِّد بلا قضية» (ريبيل ويزاوت أ كوز).65 فبناءً على إدراكه لما تضمَّنتْه نظريته من تداعيات على عالم الواقع، استخدم باندورا تلك الواقعة كأداة بلاغية تحفيزية لشدِّ انتباه القارئ.
يعتقد كثير من الباحثين أن بإمكان الدراسات العلمية الاجتماعية حول تأثيرات الإعلام التخفيفَ من الأضرار المحتمَلة له، فيتقمَّصون دَوْر النشطاء المهتمِّين وهم يُدلون بتعليقاتهم ونصائحهم حول قضايا مثل نظم تصنيف الأفلام، وشرائح التحكم في قنوات التليفزيون، والسياسات الحكومية.66 ورغم أن علماء الاجتماع نادرًا ما يُدافعون عن الرقابة، فإنهم يؤكِّدون على أهمية تشجيع «مَحْو أمية الإعلام» (تعلُّم كيفية تقييم منتجات الإعلام بطريقة نقدية)، فضلًا عن تثقيف الآباء والأمهات وتشجيعهم في سعيهم لحماية أبنائهم. فعلى سبيل المثال، تسعى جوان كانتور في كتابها «ماما، أنا خائفة: كيف يثير التليفزيون والأفلام فزع الأطفال؟ وماذا بوسعنا أن نفعله لحمايتهم؟» (١٩٩٨) إلى توظيف نتائج الأبحاث حول تأثير الصور المخيفة على الأطفال في وضع كُتيِّب إرشادي للآباء والأمهات.
إنَّ هؤلاء الباحثين واثقون في صحة ما يقدِّمونه من نصائح؛ لأنهم يعتقدون أن هناك دلائل دامغة على أن الإعلام يؤثِّر بالفعل على الأفراد والمجتمع:
تستند تلك النظرة [العامة] إلى افتراض أن الإعلام الجماهيري مؤثِّر بالقَطْع … ومِن الواضح أن وسائل التواصُل الجماهيري تُحدِث، أو تشجِّع على حدوث، تحولات وتغييرات شتَّى في الناس والمؤسَّسات.67
وقد كشفتْ نتائج الأبحاث عن وجود نمط سائد وثابت يعزِّز فكرةَ أن التعرُّض لصُوَر العُنْف في الإعلام يَزِيد فعليَّا من احتمال السلوكيات العدوانية.68
وينبغي أن تَقُود تلك النتائج العلماءَ الذين يتحلَّوْن بالموضوعية إلى التوصل لنتيجة مفادها أن التعرض لصور العنف في الإعلام يزيد من احتمال السلوكيات العدوانية لدى الأطفال على المَدَيَيْنِ القريبِ والبعيدِ.69
بيد أن ثمة باحثين لم يَقبَلوا بتلك الفرضية الأساسية رغم المطالبة بالإجماع عليها:
ثمة قناعة لدى عدد كبير من الناس مفادها أن صور العنف في الإعلام لها تأثيرات ضارة … وهناك عدد معتبر من الأبحاث حول هذا الموضوع، لكن على النقيض من تلك المزاعم، لم تُثبِت نتائج الأبحاث — بصفة عامة — أن التعرض لصور العنف في الإعلام يتسبَّب في اكتساب سلوك عدواني.70
ورغم أن هناك مجموعة معينة من الباحثين (أغلبهم من المتخصِّصين في العلوم الاجتماعية) ما زالوا يؤكِّدون على أن صور العنف في الإعلام لها تأثيرات ضارة، فإنهم أخفقوا في بَلْوَرة استنتاجات قطعية عن السبب وراء ضررها.71
يتسم الجدل الدائر بين الباحثين بنتائجه المتعارِضة، وفي بعض الأحيان تنحدر اللغة المستخدَمة إلى مستويات متدنِّيَة. فقد وصَفَ باحثٌ مشهور في إحدى مقالاته مَن ينتقدون أبحاث تأثيرات الإعلام بأنهم «سطحيون»، مؤكِّدًا أنهم يستخدمون طريقة في الجدل تتسم ﺑ «الإهمال والتحريف»، واتَّهمهم بأنهم يعيشون حالة من «الإنكار».72 وجاء ردُّ النقاد محمَّلًا بضغينة مماثِلة؛ حيث رسموا صورة للحركة بأكملها باعتبارها مفرِطة الحماس، ووصفوا أحد الباحثين بأنه «مهاجم في فريق هوكي يثير العنف/العدوان».73 مِن الواضح أن الجدل حول تأثيرات الإعلام لا يُنصَح به لذوي القلوب الضعيفة.

لماذا يتسم هذا الجدل بكل هذا القدر من السخونة؟ يعود هذا جزئيًّا إلى الدور الهام الذي يلعبه الإعلام في حياة معظم الناس. ومن ثم، إذا كانت للإعلام آثار سلبية، فالواجب يحتِّم تناول ومعالجة ما قد ينجم عنه من أضرار. فبعض الباحثين في تأثيرات الإعلام يَرَوْن أن مسئوليتهم تحتِّم عليهم المساعدة في التعامل مع المخاوف الاجتماعية. أما مَن ينتَقِدون تلك الأبحاث، فلدَيْهم مخاوف من القيود التي قد تُفرض على تدفُّق المعلومات والصور والأفكار في مجتمع حُرٍّ. وبقدْر ما يكون هناك نزاع بين الرغبة في تحسين الظروف الاجتماعية من جهة، والحذر من تقديم حلول متعجِّلة غير ناجحة قد تكون لها نتائج غير متوقَّعة من جهة أخرى، يظل هذا الجدل ظاهرة صحية.

بيد أن ثمة فروقًا بين المجالات البحثية تزيد هذا الجدل تعقيدًا. فأغلب الباحثين في تأثيرات الإعلام علماء نفس أو متخصِّصون في العلوم الاجتماعية لديهم تفضيلات منهجية راسخة تجاه الاستطلاعات المصمَّمة بدقة، والطرق التجريبية، كما أن لديهم مخاوف بشأن المعضلات الفكرية في التحليلات الثقافية الفضفاضة، أو الإفراط في تأويل الوقائع المتفرِّدة. ففي حين أن مدرِّبًا لفريق كرة قدم قد يعتقد أن السماح للاعبيه بمشاهدة فيلم «السريع والغاضب» (ذا فاست آند ذا فيريوس) بعد التمرين وسيلة جيدة للتنفيس عن غضبهم، فإن عالِم الاجتماع قد يَطرَح عددًا من الأسئلة الهامة: كيف عرف المدرِّب أن اللاعبين أصبحوا أكثر هدوءًا بعد مشاهدة الفيلم؟ ألم يكن باستطاعة اللاعبين تهدئة أعصابهم لو أنهم اكتَفَوْا بالجلوس باسترخاء لبضع ساعات؟ هل من الممكن أن اللاعبين كانوا هادئين في الظاهر فقط لكنهم في الحقيقة كانوا على استعداد للقفز في سياراتهم وقيادتها بأقصى سرعة بمجرد الانتهاء من مشاهدة الفيلم؟

في بعض الأحيان، يتم رفض الاستبصارات حول تأثير السينما، تلك التي تأتي من خارج نطاق حدود العلوم الاجتماعية؛ لأنها تفتقر للأساس العلمي. فحتى الدراسات النصية والنوعية الجادة لا يتم دمجها في نتائج الأبحاث أو التوصيات الخاصة بوضع السياسات العامة. ومن ناحية أخرى، فإن مَن ينتقدون الأبحاث الخاصة بتأثيرات الإعلام، وأغلبهم ينتمون لحقل الإنسانيات، لديهم شكوك كثيرة حول إخضاع البشر للدراسة العلمية، لا سيما الخبرة الفنية. فهم يُقدِّرون وسائل البحث من قبيل التحليل النصي ودراسات الحالة لما تتميز به من عناية بالتفاصيل والتعقيدات والتنويعات والسياقات. وفي المقابل، ينظرون إلى التجارب المعملية باعتبارها محاولات غير طبيعية لفرض تعميمات فضفاضة على عملية تلقِّي منتجات الإعلام، في ظل تعقيد التجارب بفعل ما تتضمَّنه من عوامل جمالية وثقافية وشخصية. وأحيانًا ينتقل هؤلاء النقَّاد على نحو أسرع ممَّا ينبغي من الإشادة بتفسيرٍ تقدِّمه إحدى الدراسات إلى رفضها جملةً وتفصيلًا.74
يمكن ملاحظة هذا التوتر في مجال الاتصال (بما في ذلك الاتصال الجماهيري) الذي يتسم بكونه نقطة الْتِقاء للعديد من التخصصات. ورغم أنه يشتمل على بُعْد متعلِّق بعلم الاجتماع يقرِّبه من علم النفس، وبُعد بلاغي يقرِّبه من الدراسات الأدبية، فإن تلك المنظورات البديلة كثيرًا ما تبدو في تعارُض فيما بينها بدلًا من أن يُكمِّل بعضها بعضًا.75 ولأن الباحثين في تأثيرات الإعلام ومَن ينتقدونهم لا يُنصتون جيدًا بعضهم لبعض، فإنهم يَظَلُّون عالِقين في دائرة مفرغة من المبالغة والتحريف. فالباحثون في تأثيرات الإعلام، على سبيل المثال، عرضوا أنفسَهم للنقد القاسي بسبب ما يستخدمونه من رطانة بلاغية غير مبرَّرة. فقد زعم أحد الباحثين أنه لو لم يتمَّ اختراع التليفزيون، لانخفض عدد جرائم القتل بمقدار ١٠٠٠٠ جريمة في السنة الواحدة.76 وقد أدى الرأي القائل بأن برامج التليفزيون تحثُّ على ارتكاب جرائم قتْل جماعية إلى تحوُّل في معيار البرهنة على أبحاث العلوم الاجتماعية. ففي ضوء تلك المزاعم النارية، فإن الدراسات التي يمكن النظر إليها ببساطة كأجزاء غير مكتملة من الصورة الأكبر، أصبح يُنظر إليها الآن باعتبارها تُعاني قصورًا فادحًا.
بيد أن الأمر لا يخلو من بعض المبالغة. فكتاب الباحث الفني ديفيد تريند «خرافة عنف الإعلام»، قد يقودنا عنوانه إلى الظن بأنه يعتقد أن المخاوف بشأن تأثير صور العنف في الإعلام محض خرافة (مغالطة). غير أن تريند يؤكِّد قائلًا: «لقد أقنعتْني الأبحاثُ التي أجريتُها على مدار العَقْد الماضي أن صور العنف في الإعلام تسبِّب الكثير من الأضرار.»77 فبدلًا من إنكار تأثير عنف الإعلام، يطالب تريند بإضفاء قدر من التوازُن والسياق على هذا الجدل. غير أن ما ينطوي عليه عنوان الكتاب من استقطاب، قد يؤدي، لسوء الحظ، إلى تقويض دقة أطروحته. فالرطانة المتزايدة الحِدَّة تحفِّز كلا الطرفين على مواجهة أحدهما الآخر بأسلحة مَشْحُوذة وعقول مُغْلَقة. والشقاق الناجم عن هذا الوضع له عواقب وخيمة على كلٍّ مِن الطلاب والجمهور العام.
بيد أن ثمة منطقة وسطًا بين الطرفين: فالباحثون في تأثيرات الإعلام يقدِّمون صورة دقيقة خاصة بعناصر متمايزة لمشكلة معقَّدة. فأنا أعتقد أن هناك دلائل قوية على أن الإعلام له تأثير فعلي على الجمهور في بعض الأحيان. فالأفلام ليست أشياءَ خاملة؛ فهي تلعب دورًا مساعدًا في تشكيل بعض السلوكيات والأفكار لدى عدد كبير من الناس. لكن بالإمكان تسليط الضوء على بعض الاستدراكات بخصوص هذا الزعم:
  • تأثيرات الإعلام ليست كاسحة: عند القيام بتجميع إحصائي لنتائج الأبحاث في الدراسات المفردة، فإن التأثير المَقِيس (إن وُجد) يكون ضئيلًا للغاية. فلا يوجد أي دليل على أن عددًا كبيرًا من البشر يطرأ عليهم تحوُّل جذري جرَّاء التعرُّض للإعلام، لا سيما على المدى القصير. هذا الغياب للتأثيرات الضخمة هو إحدى الخصائص المميِّزة للعلوم الاجتماعية. فعند مقارنة درجة تأثيرات الإعلام بتدخلات من قبيل تدريس كيفية تفسير المادة الإعلامية والعلاج النفسي والعقاقير النفسية، يتبيَّن أن هذه التأثيرات يمكن مقارنتُها بالعوامل السابقة.78 ولذا بينما لا يكون حجم التأثيرات ضخمًا، فإن هذا لا يعني أن نتجاهل نتائج مثل تلك الأبحاث.
  • الإعلام لا يؤثِّر على جميع الناس بالطريقة نفسها: هناك دائمًا فروق فردية، ومن هنا تأتي ضرورة الإحصائيات في العلوم الاجتماعية. فنتائج تجربة يستجيب فيها الجميع بالطريقة نفسها قد تكون مقنعة (كما هي الحال في الفيزياء)، لكن هذا لا يحدث أبدًا في العلوم الاجتماعية؛ ذلك لأن البشر هم أكثر موضوعات الدراسات العلمية مقاومةً. وحقيقة أن دراسات تأثيرات الإعلام تكشف دائمًا عن وجود اتجاهات عامة، هي أمر وثيق الصلة، لكنه ليس حاسمًا.
  • التعرُّض للإعلام لا يتسبَّب بمفرده في أي شيء: جميع أنواع السلوك ذات أسباب مضاعفة (أي تنشأ كنتيجة لأكثر من عامل واحد). فرُبَّ تجربة مصمَّمة جيدًا قد تنجح في عزْل مؤثِّر هام بصورة مؤقَّتة، لكن سيظل هناك دائمًا عوامل إضافية يمكن الكشف عنها بواسطة تجارب أخرى جيدة التصميم.

في اعتقادي أيضًا أن مَن ينتقدون أبحاث تأثيرات الإعلام لديهم أسباب وجيهة. فالأفلام هي إبداعات فنية تتبايَن وفقًا لعدد كبير من المعايير الجمالية المختلفة التي تلعب دَوْرًا هامًّا في طريقة تلقِّي الناس لها. وبفضل طبيعتها الرمزية المعقَّدة، يُتاح في الأفلام عدد هائل من المعاني التي يُضفيها مليارات البشر الذين يشاهدونها. ومن هنا، فإن الأبحاث العلمية لن تتمكن أبدًا من التوصل بصورة قاطعة إلى تحديد وتقدير جميع التأثيرات المحتملة على جميع الناس المحتملين.

أحد أهم أوجه القصور في أبحاث التأثير هو أنها — كقاعدة عامة — تميل إلى التقليل من شأن الفروق السردية والجمالية الأساسية؛ حيث يتم التعامل مع جميع الأفلام باعتبارها متطابقة في جوهرها، أو التمييز بينها استنادًا إلى معايير شديدة العمومية: هل تحتوي على عنف؟ هل تحتوي على جنس؟ هل تحتوي على جنس وعنف؟ أتذكَّر أنني قرأتُ دراسة، أثناء دراستي الجامعية، تضمَّنتْ شرطًا تجريبيًّا أشارت إليه ﺑ «أفلام جنس كوميدية محظورة»، ووَضَعَتْ تحتَه فيلمَيْ «أوقات سريعة في مرتفعات ريدجمونت» (فاست تايمز آت ريدجمونت هاي) و«إتش أوه تي إس»، إلى جانب بعض الأفلام الأخرى من مطلع الثمانينيات.79 وباعتباري صبيًّا مراهقًا وقتَها، شاهدتُ عددًا كبيرًا من تلك الأفلام لدى إنتاجها، بما في ذلك «إتش أوه تي إس» (تسلَّلت إلى إحدى دور سينما السيارات بالاختباء في الصندوق الخلفي لسيارة، فقد كان الفيلم لا يستحق ثمن التذكرة).80 وفكرة أن هذا الفيلم وُضع في خانة واحدة مع فيلم مثل «أوقات سريعة»، وهو محاكاة ثقافية ساخرة ومُحكَمة البناء أبدعها صُنَّاع أفلام مرموقون،81 بَدَتْ لي شديدة السخف. فأوجه الشبه بينهما شديدة السطحية، وتعتمد على احتواء كلٍّ مِنهما على مراهقين شَبِقِين. وجعلني هذا أتساءل إن كان الباحثون قد شاهدوا حقًّا الأفلام التي استخدموها في الدراسة.

في بعض الأحيان، يفقد الباحثون دقَّتَهم الجمالية في خضَمِّ التحليلات الإحصائية وتصميم التجارب. ولأن ما يحرِّكهم هو المخاوف الاجتماعية أكثر من تقدير الأفلام، فإنهم يُجيدون تصوُّر التأثيرات السلبية المحتملة أكثر من التأثيرات الإيجابية. ففي حين أنه بإمكان أحدهم أن يقف في طابور الدفع بأحد المتاجر ويسبُّ ويلعن آلات الطباعة، بإمكاننا نحن أيضًا الرجوع خطوة إلى الوراء، وملاحظة المزايا الثقافية للكلمة المطبوعة التي توازن أي أضرار قد تكون صحيفة «ناشونال إنكوايرر» قد تسبَّبت فيها. فدائمًا ما يصحب ظهور الاكتشافات التكنولوجية قدْر هائل من الأمل والإثارة، ورغم أن زوال الوهم لا مناص منه، فإن أغلب المخترعات التكنولوجية، بما فيها الأفلام، لديها دائمًا ما تقدِّمه للصالح العام.

(٥) قراءات إضافية

  • Bandura, A.; Ross, D., and Ross, S. A. (1963) Imitation of film-mediated aggressive models. Journal of Abnormal and Social Psychology, 66 (1), 3–11.
  • Bryant, J. and Oliver, M. B. (eds) (2009) Media Effects: Advances in Theory and Research, 3rd edn. Routledge, Taylor & Francis, New York, NY.
  • Grimes, T.; Anderson, J. A., and Bergen, L. (2008) Media Violence and Aggression: Science and Ideology. Sage, Thousand Oaks, CA.
  • Gunter, B. (2002) Media Sex: What are the Issues? Lawrence Erlbaum, Mahwah, NJ.
  • Postman, N. (1985) Amusing Ourselves to Death: Public Discourse in the Age of Show Business. Penguin Books, New York, NY.
  • Singer, D. G. and Singer, J. L. (2001) Handbook of Children and the Media. Sage, Thousand Oaks, CA.
  • Sparks, G. G. (2006) Media Effects Research: A Basic Overview, 3rd edn. Wadworth, Cengage Learning, Boston, MA.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠