الفصل العاشر

الارتباط

(١) هل يمكن أن نحب حيوانًا؟

نعم بالطبع، يمكننا أن نحب حيوانًا.

تُعتبر العاطفة المتبادَلة بين الإنسان والحيوانات الأليفة، لا سيما القطط والكلاب، من أكثر أشكال هذا الارتباط قوةً.

وقد نشأتِ العديد من الأعمال الأدبية حول هذا الموضوع، ولا يمكن أن نحصي عدد الأعمال التي يَقُصُّ فيها إنسان ما العاطفة الجياشة التي ربطتْه بحيوانه الأليف. وتُعَدُّ هذه الظاهرة ملحوظةً، لا سيما أن عمر الإنسان أطول من عمر حيواناته، فيتراوح عمر الكلب أو القطة بين خمسة عشر عامًا وعشرين عامًا. ومِن ثَمَّ يُعمَّر الإنسان بصفة عامة أكثر من حيوانه الأليف، وهو ما تترتب عليه تصرفات تَنِمُّ عن الوفاء لهذه العاطفة حتى بعدَ الوفاة، ومثال ذلك هناك مَن يُخصِّصون جزءًا من ميراثهم شريطة أن يعتني الوريث بحيوانهم الأليف. وسنذكر مثالين محددين لهذه العاطفة تجاه الحيوانات الأليفة. يَقُصُّ ميشيل جيروي في كتابه «مدرب الكلب»1 العاطفة الجياشة التي كانت تربطه بكلبه، وكيف تنازل عن ترقيات لكي لا يبعد عنه. وكذلك يمثل الكفيف وكلبه المرشد ثنائيًّا مندمجًا بصورة ملحوظة على الصعيد الحركي والعاطفي.

ويمكننا أيضًا أن نحب الحيوانات التي نمتطيها مثل الأحصنة، ويكافح أصدقاء الأحصنة لكي تَحصُل هذه الحيوانات على صفة «حيوان أليف». وتحرص بعض الجمعيات أيضًا على توفير راحة هادئة للأحصنة المسِنَّة حتى لا ينتهي بها الحال بعد الذبح في صحون محبي لحم الأحصنة. ومن جهة أخرى يعكس انصراف المستهلكين الأوروبيين عن هذا النوع من اللحم تطور المجتمع نحو مزيد من التعاطف والمودة إزاء الأحصنة بصفة عامة.

(١-١) هل يمكن أن نحب حيوانات مستأنسة؟

لا تقتصر العاطفة والصداقة، وحتى الحب، على الحيوانات الأليفة والأحصنة؛ فتوجد مثل هذه العلاقات في تربية الماشية (في المزارع) حتى لو كانت الغاية في هذه الحالة هي الموت الآجل للحيوان من أجل استهلاكه. ولكن يَسخَر المناضلون النباتيون الأكثر تشدُّدًا من هذه العلاقة العاطفية، بالرغم من صحتها، ويؤكدون أنه لا يمكننا أن نحب حيوانًا سنأكله فيما بعد. ولكن لعالِمة التربية الحيوانية جوسلين بورشيه2 رأيٌ آخرُ؛ فهي تُميِّز من ناحية بين التربية في المزارع؛ حيث توجد عاطفة ما بين المربِّي وماشيته، ومن ناحية أخرى التربية الصناعية الكريهة في «بطاريات»؛ حيث تُعامل الحيوانات كالجماد فتُعذَّب طيلة بقائها في أقفاص تُحرَم فيها من أيِّ عاطفة أو حتى أيِّ تفاعل اجتماعي مع أبناء جنسها أو مع صغارها.3

وكما ذكرنا فيما سبق، تُعَدُّ العاطفة المتبادلة بين الإنسان والحيوانات حقيقة بالتأكيد؛ فالحيوانات قادرة أيضًا على أن تُحِبَّنا، أو على الأقل تلك التي تمتلك، على حدِّ علمنا، آليات بيولوجية تسمح بوجود العاطفة، لا سيما كل الفقاريات التي تمتلك جهازًا مخيًّا يُسمَّى «الجهاز الحوفي» وهو المسئول عن إدارة كل العواطف. ويوجد بلا شك جهاز مماثل لدى الرخويات رأسيات الأرجل مثل الأخطبوط. فإن العاطفة التي نُكِنُّها للحيوانات، ولا سيما حيواناتنا المنزلية، لا تكون إطلاقًا ذات اتجاه واحد، بل هي حوار عاطفي يجلب السرور لشريكَيْ هذه العلاقة؛ وهما الإنسان والحيوان على حدٍّ سواء.

نعم بالطبع، يمكننا أن نحب الحيوانات، أم يجب أن نضيف أنه من أجل التوازن العاطفي للإنسان يتعين علينا أن نحبها؟

(٢) هل يمكننا أن نحب آلة؟

(٢-١) تربطنا علاقات نفسية معقدة مع الأشياء

بالنسبة إلى الكثيرين منا، تلعب الآلات دورًا محددًا، وفي أغلب الأحيان ننظر إليها فقط من زاوية نفعها، إلا أنه من الواضح أننا نرتبط بها بعلاقات نفسية معقدة. ويُخصِّص بعضُ السائقين جزءًا كبيرًا من أوقات فراغهم للاعتناء بسياراتهم وتزيينها بصبر واهتمام، وعندما يقودونها يشعرون كأنها جلدهم الثاني، وقد يكون جلدًا أكثر حساسية من بشرتهم وكأنها قشرة جسدية ينبغي الحرص على عدم الإضرار بها.

تلاحقنا الأشياء في حياتنا فترتبط بذكريات سعيدة أو مؤلمة، فقد يصعب علينا الابتعاد عن تحفة فنية شاهدة على فترة ممتعة من حياتنا، أو قد نحرق في المدخنة رسائل وصورًا شاهدة على فترة نريد نسيانها. فتشبه الأشياء وعاءً قادرًا على أن يَضُمَّ ما نضعه فيه، وهي أيضًا دعامة للذاكرة كما ذكرنا من قبل (انظر الفصل الثاني).4

ومن بين كل هذه الأشياء، تمثل الآلات فئة مميزة، فبما أننا لا نفهم عملها بالكامل، وبما أنها ليست مطيعة ومرنة في التحكم بالكامل، وبما أنها تأبَى أن «تعمل» أو أن «تتوقف» فجأة، فينتهي بنا الأمر إلى معاملتها مثل الكائنات الاجتماعية أو الحية. فيقترب تعقيد مشاعرنا إزاءها من تعقيد العلاقات الإنسانية «التقليدية».

(٢-٢) كيف نُصمِّم آلةً وَدُودة؟

تحاول بعض الآلات أن تعمل بأكبر بديهة وفاعلية ممكنة بحيث يتم تناسي أصلها الآلي، ولكن تستغل آلات أخرى شكلها الإنساني فتُصمَّم بوضوح لإثارة الود والتعاطف.

يبدأ ذلك بمظهرها. فثمة طريقة بسيطة لإثارة تعاطفنا، ألا وهي استخدام بعض العوامل المثيرة الفطرية لدينا؛ فعندما نرى هيئة كائن حي أو غير حي تمتلك سمات طفولية نشعر بحنان فوري ولا واعٍ. وفيما يلي بعض السمات المثيرة التي يذكرها كونراد لورنتس: «رأس كبير نسبيًّا، وجمجمة غير متناسقة، وأعين واسعة تنظر إلى أسفل، وتقوس كبير للجزء الأمامي من الوجنتين، وأطراف قصيرة وسميكة، وكثافة صلبة ومرنة، وأفعال مرتبكة.» ومنذ سنوات عديدة، يستغل المصممون وصانعو منتجات القطيفة والدُّمَى وفنانو الرسوم المتحركة بداهتنا لكي نَشعُر بالتعاطف مع إبداعاتهم وذلك دون أن ندري.5

ومن أجل إثارة تعاطفنا تلقائيًّا، ينفصل تأثير «العوامل المثيرة الآلية» التي ذكرها كونراد لورنتس بصورة كبيرة عن مسألة الواقعية؛ فإننا لن نتقبل الآلة بصورة أفضل بسبب مجرد تشابهها خارجيًّا مع الإنسان، بل في المقابل إذا زاد هذا التشابه مع الإنسان عن حَدِّه فقد يَضُرُّ ذلك بتقبُّلها. وبالمقارنة بين الآلة ونموذجها نكتشف على الفور عيوبَها وحدودَها. وعلى النقيض من ذلك يتعين بلا شك أن يَظهَر الطابع الاصطناعي للآلة بوضوح بغية إثارة التعاطف (انظر الفصل الثامن عشر).

(٢-٣) هل يمكن أن تُظهِر الآلة الارتباط بنا؟

ولكن هل يُعَدُّ ذلك كافيًا حقًّا؟ أيكفي أن «تُداعِب» الآلة المثيرات الفطرية لدينا لكي نُبدِي لها على الفور تعاطفنا ونعاملها بمنزلة الصديق؟ فلْتُلاحِظوا كلبًا في نزهة فستجدونه يسير تارة أمام صاحبه وتارة خلفه وينطلق أحيانًا لاستكشاف الأدغال، ولكنه يُلقي نظرة دائمًا لمعرفة إذا ما كان صاحبه لا يزال موجودًا أم لا. وتعكس حدودُ هذه المسافة التي يرفض تخطيها النزعتين المتناقضتين المميزتين لسلوكه: حريتَه وارتباطَه. وتكمن قيمة ارتباطه في عدم كونه مجبورًا؛ فللكلب الحرية في الرحيل.

كيف يمكن أن تُظهِر الآلة الارتباط بنا؟ يرى البعض أنه لا وجه للسؤال بلا شك؛ فالآلة تَظَلُّ في النهاية جمادًا. ولقد عَرَفنا بشرًا يُشغَفون بالأشياء الجامدة؛ فقد يرتبط بعض المجمِّعين بقِطَع نادرة من مجموعاتهم، ولكنهم ليسوا مجانين بالدرجة التي تجعلهم يُفكِّرون في أن الأشياء تشعر بعاطفة ما في مقابل العناية التي يمنحونها إياها؛ فللحيوان وحدَه القدرة على مبادلتنا الحب الذي نُكِنُّه له.

ولكن ما هي معارفنا في هذا الشأن؟ يذكرنا النقاش بشأن قدرة الآلة المحتملة على الارتباط أو العاطفة بالنقاش حول ذكائها المحتمل. ومن أجل أن يتجاوز النقاش مجرَّد الاعتبارات الأيديولوجية أو الدينية يمكننا أن نَضَع «اختبار تورنج» جديدًا فيما يتعلق بالارتباط (انظر الفصل الرابع)، إلا أن هذا الاختبار موجود بالفعل. يُعَدُّ قسم الإيثولوجيا الذي يُديره البروفسير سيساني بجامعة أوتفوش لوراند في بودابست من المؤسسات التعليمية النادرة المعنية بدراسة العلاقات التي تربط منذ عِدَّة قرون بين الإنسان والكلب الأليف بالمنزل. وقد اهتمَّ فريقُه بالطبيعة الخاصة للارتباط الذي ينشأ بين جرْوٍ وصاحبه. وبواسطة اختبار الموقف الغريب لأينسوورث شائع الاستخدام في علم النفس، استطاع هذا الفريق وضْعَ مقياس للتحليل يسمح بمعرفة إذا ما كان الكلب يُبدي ارتباطًا ما تجاه صاحبه.6 ويُعتبر إجراء هذا الاختبار بمنزلة بدء عملية تتيح لنا معرفة إذا كانت ثمة أمارات ارتباط محددة تبدو على كيان غير بشري.7 وإذا افترضنا أن آلةً ما تُظهِر عبر سلوكها إزاء مستخدمها علاماتٍ مميزةً للارتباط فسنكون بلا شك مضطرين إلى الاعتراف بأن كل الأمور تحدث كأنها تُبدي ارتباطًا (حتى لو كانت مسألة الشعور تستحق المناقشة، انظر الفصل السادس).

(٢-٤) كيف نروِّض آلة؟

هل تستطيع آلةٌ في يوم ما أن تنجح في هذا الاختبار؟ حتى لو بدا ذلك صعبَ المنال حاليًّا فالتحدي ليس مستحيلًا بالطبع؛ فيتعين أن تتعرف الآلة على مستخدمها بصورة وثيقة. ولتحقيق هذا الغرض ينبغي أن تتفاعل معه لفترة طويلة وبصفة منتظمة. فيتعلق الأمر في الواقع ﺑ «ترويض» الآلة كما كان يتعين على الأمير الصغير بطل رواية الكاتب سانت أكزوبيري أن يروِّض الثعلب؛ فكل الثعالب وكل الآلات متشابهة حينما تكون غير مروَّضة. ولا تصبح كلٌّ منها متفردةً عن غيرها إلا بعد علاقة طويلة.

تتشابه كل الآلات المتعلمة عندما نخرجها من علبتها ولكن مع الاستخدام ترتفع قيمتها؛ لأنها تُنمِّي قدرات جديدة لاستباق التصرفات ووضع اقتراحات جديدة والتصرف في بعض الحالات بصورة غير مسبوقة. ومن أجل بناء روابط بين الآلة ومستخدمها، يتعين أن يَتَقاسَما الوقت والتجارب.

وسيزداد بلا شك ارتباط المستخدم بآلته كلما أدرك أنها تتلاءم معه. وبذلك ستمتلك الآلة دائمًا عددًا متزايدًا من العناصر التي ستُمكِّنها من التعرف على مستخدميها بصورة محددة (صوتهم ووجههم، إلخ)، وهي كلها مؤشرات سوف تسمح لها بالتزود بردود محددة. وفي نهاية المطاف، يمكن لمراقب خارجي أن يلاحظ بالفعل أمارات علاقةٍ متبادَلة بين الآلة وصاحبها، وفي هذه الحالة ستكون الآلة مُروَّضَة.8

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢