الفصل الأول

المصريون: ما أصلهم؟ شهادات الكُتَّاب والفلاسفة القُدامى والتوراة وقيمة تلك الشهادات

لم يُطرح هذا السؤال أبدًا بالنسبة لمعاصري المصريين القُدامى الذين تركوا لنا شهاداتهم عن المصريين الذين عرفوهم.

ويجزم كلُّ شهود العيان هؤلاء بأن المصريين كانوا زنوجًا.

وقد أكَّد هيرودوت مِرارًا على الطابع الزنجي للمصريين؛ بل واستخدم ذلك للتوصُّل إلى استنتاجاتٍ غير مباشِرة لإثبات أن فيضانات النيل لا يمكِن أن تعود إلى ذوبان الثلوج، فَسَاقَ لذلك عدَّة أسباب كان يعتقد أنها صحيحة، ومنها السبب التالي المتعلق بمصر: «والسبب الثالث يعود إلى كون الحرارة تجعل الناس سودًا …» (هيرودوت، الكتاب الثاني، الفقرة الثانية، ترجمة لارشير إلى الفرنسية).

كما أن من بين الحجج التي ساقها هيرودوت لإثبات أن وسيطة الوحي الإلهي عند الإغريق أصلها مصري، قوله: «… وعندما يُضيفون أن هذه كانت سوداء، فإنهم يقصدون بذلك أن هذه المرأة كانت مصرية …» (٢:  ٥٨). والحمامتان المقصودتان ترمزان إلى امرأتَين مصريَّتَين يُقال إنه تم اختطافهما من طيبة من أجل إقامة الوحي الإلهي في دودون وليبيا (واحة جوبيتر-آمون).

وقال هيرودوت لكي يُثبِت أن سكان كولخيس (شرقي البحر الأسود وجنوب القوقاز) كانوا من أصل مصري، وأنه يتعين اعتبارهم جزءًا من جيش سنوسرت استقر في هذه المنطقة: «ويعتقد المصريون أن هذه الشعوب سليلة جزء من جيش سنوسرت. وأنا أظن ذلك أيضًا على أساس قرينتَين: أولهما أنهم سود وشعرهم أكرت …» (٣:  ١٠٤).

وأخيرًا فإن هيرودوت يميز فيما يتعلق بأهالي الهند، بين الهنود الباديِّين والهنود الآخرين الذين يصفهم على الوجه التالي: «إنهم جميعًا من نفس اللون الذي يُقارب إلى حدٍّ كبير لونَ الإثيوبيِّين … فبشرتُهم السوداء أشبه ببشرة الإثيوبيِّين. وهذه الأصناف من الهنود بعيدة للغاية عن الفرس؛ وهم يعيشون في الجنوب ولم يخضعوا أبدًا لداريوس» (۳:  ۱۰۱).١

وكتب ديودور الصقلي يقول: «يقول الإثيوبيون إن المصريين من بين جالياتهم التي أقامها أوزيريس في مصر. بل إنهم يزعمون أن هذا البلد لم يكن في بداية العالم سوى بحر، ولكن النيل الذي جرف في فيضاناته كميات كبيرة من غرين إثيوبيا ردمَه في نهاية الأمر وجعله جزءًا من القارة … ويضيفون قائلين إن المصريين أخذوا عنهم وعن مؤلفيهم وأسلافهم جانبًا كبيرًا من قوانينهم، وإنهم تعلَّموا منهم تبجيل الملوك كآلهة، ودفن موتاهم في احتفال بمثل هذه العظمة؛ وإن النحت والكتابة نشآ عند الإثيوبيِّين … ويسوق الإثيوبيون أدلةً أخرى مزعومة حول أقدميتهم على المصريين، ولكن لا داعي لذكرها هنا» (تاريخ العالم، الكتاب الثالث، ص٣٤١، ترجمة الأب تيراسون إلى الفرنسية عن اليونانية، باريس ١٧٥٨م).

ولو لم يكن المصريون والإثيوبيون من نفس الجنس الأسود لنوَّه ديودور باستحالة اعتبار المصريين من جالياتهم، أي إثيوبيِّين استقروا في مصر فكانوا أسلافًا للمصريِّين.

ويشير سترابون في كتابه الجغرافيا إلى أهمية هجرة الشعوب في التاريخ، وكان يعتقد أن حركة الهجرة هذه تمت في الاتجاه العكسي، فقال:

«وقد استقر مصريون في الحبشة وفي كولخيس» (الكتاب الأول، الفصل الثالث، الفقرة العاشرة).

fig2
شكل ١-١: المواقع الأثرية المصرية والنوبية.

في الشلال الثالث حتى البحر الأبيض المتوسط.

ومرة أخرى نجد أن إغريقيًّا يُفيدنا، رغم أنه كان شديد التعصب، بأن المصريِّين والإثيوبيِّين والكولخيِّين ينتمون إلى نفس الجنس، مؤكدًا بذلك ملاحظة هيرودوت حول الكولخيِّين.٢

وقد لخص ماسبيرو على نحو ما رأى كل المؤلفين القُدامى حول الجنس المصري (التاريخ القديم لشعوب الشرق، ص١٥):

«وحسب الشهادة شبه الإجماعية للمؤرخين القُدامى فإنهم «ينتمون إلى جنس أفريقي» بمعنى أنهم زنوج استقروا أولًا في إثيوبيا على شواطئ النيل الأوسط، ثم نزحوا تدريجيًّا نحو البحر بمتابعة مجرى النهر … ومن جهة أخرى تؤكد التوراة أن مصرايم، ابن حام وشقيق كوش الإثيوبي وكنعان، جاء من بلاد ما بين النهرين واستقر مع أبنائه على شاطئ النيل.»

وحسب ما جاء في التوراة، كانت ذرية حام سلف الزنوج القدامى تسكن مصر: «وبنو حام كوش ومصرايم وفوط وكنعان، وبنو كوش: سبأ وحويله وسبته ورعمه وسبتكا … وكوش ولد نمرود الذي ابتدأ يكون جبارًا في الأرض … ومصرايم ولد لوديم وعناميم ولهايم ونفتوحيم وفتروسيم وكسلوحيم … وكنعان ولد صيدون بِكْرَه وحثا …» (سِفر التكوين، الإصحاح العاشر).

واسم مصرايم يُشير أيضًا إلى مصر بالنسبة لشعوب الشرق الأوسط، كما يُشير اسم كنعان (الشام) إلى كل ساحل فلسطين وفينيقيا، أما شنعار (سنمار) التي كانت نقطةَ انطلاق نمرود نحو آسيا الغربية فلا تزال تُشير إلى مملكة النوبة (انظر خريطة أفريقيا لفوجوندي، ١٧٩٥م).

ما هي قيمة تلك الشهادات؟ لا يمكن أن تكون هي أو غيرها زائفة لأنها شهادات شهود عيان. ولا يمكن أن يكون هيرودوت مخطئًا عندما ينقل لنا عادات هذا الشعب أو ذاك، وعندما يُقدم استدلالًا فطنًا إلى حدٍّ ما ليفسر لنا ظاهرة كانت غير مفهومة في عهده، ولكن بوسعنا أن نُقِرَّ على الأقل بأنه كان قادرًا على ملاحظة لون بشرة الناس الذين عاشوا في بلد زاره فعلًا. وفضلًا عن ذلك لم يكن هيرودوت المؤرخ الذي يصدق كل ما وصل إلى علمه ويسجله بلا تدقيق. فهو قادر على التمييز بين الأمور، ويحرص دائمًا، عندما يورد رأيًا يوافق عليه، على أن ينوِّه بذلك. وعلى سبيل المثال فقد كتب يقول بخصوص عادات السكوتيِّين (Scythe) والنور (Neures):

«يقال إن هذه الشعوب مكوَّنة من سحرةٍ. ولو صدَّق المرء ما يقوله السكوتيون والإغريق المستقرون في سكوتيا فإن كلَّ نوري يتحول مرة كل سنة إلى ذئب لبضعة أيام ثم يستعيد شكله الأول بعد ذلك. ومهما قال السكوتيون فإنهم لن يدفعوني إلى تصديق تلك الحكايات الخرافية، حتى وإن أكدوها وأقسموا على ذلك» (٤:  ١٠٥).

وهو يُشير دائمًا بكل عناية إلى الفارق بين ما رآه بنفسه وما سمعه؛ وهكذا فقد كتب يقول بعد أن زار قصر التيه في مصر:

«والأجنحة مزدوجة، فهناك ألف وخمسمائة منها تحت الأرض وألف وخمسمائة فوقها، أي ثلاثة آلاف في مجموعها. وقد زرت الأجنحة العليا وطُفت بها؛ ولذا أتحدث عنها عن يقين كشاهد عيان. أما الأجنحة الموجودة تحت الأرض فلا أعرف عنها إلا ما قيل لي بخصوصها. ولم يسمح لي إطلاقًا المصريون القائمون على قصر التيه بأن أتفرج عليها لأنها تُستخدم حسب قولهم كمدافن للتماسيح المقدسة وللملوك الذين أمروا بإقامة هذا الصرح؛ ولذا فأنا لا أتكلم عن الأجنحة الموجودة تحت الأرض إلا نقلًا عن آخرين، أما الأجنحة العليا فقد رأيتها وأعتبر أنها من أضخم ما صنعه البشر» (٢:  ١٤٨).

وهل كان هيرودوت مؤرخًا يفتقد المنطق وغير قادر على محاولة تفهُّم الظواهر المعقدة؟ إن تفسيره لفيضانات النيل يدل على العكس على تفكير حريص على استخدام العقل، يبحث عن تفسيرات علمية للظواهر الطبيعية، وهكذا، فقد قال:

«ولكن بعد أن استبعدت الآراء السابقة، يتعين أن أُفصح عمَّا أعتقد بخصوص هذه الأشياء الخفية، ويبدو لي أن النيل يفيض في الصيف لأن الشمس التي تُطرد في الشتاء من مسارها القديم بسبب قسوة الموسم، تطوف حينذاك بمنطقة السماء المطلة على الجزء العلوي من ليبيا. وهذا باختصار سبب ذلك الفيضان؛ لأنه من المحتمل أنه كلما مال هذا الإله واقترب أكثر فأكثر من بلد، كلما زاد من جفافه ومن نضوب أنهاره.»

«ولكن يجب تفسير ذلك بمزيدٍ من التوسع؛ فالهواء صافٍ دائمًا في ليبيا العليا.٣ والجو حارٌّ فيها دائمًا ولا تهبُّ عليها رياح باردة أبدًا. وعندما تطوف الشمس فوق هذا البلد فإنها تُنتج نفس التأثير الذي تُحدثه عادةً في الصيف عندما تمر بوسط السماء فتجذب الأبخرة نحوها ثم تدفعها بعد ذلك نحو الجهات العليا حيث تُشتِّتها الرياح التي تستقبلها وتُذيبها. ويبدو أن هذا هو السبب في أن الرياح التي تهب على هذا البلد، شأنه شأن الجنوب والجنوب الغربي، أكثر إدرارًا للأمطار. ومع ذلك أعتقد أن الشمس لا تُعيد كل ماء النيل الذي تجتذبه سنويًّا وإنما تحتفظ بقسط منه.»

وتدل تلك الأمثلة الثلاثة على أن هيرودوت لم يكن مجردَ ناقل سلبي لحكايات لا تُصدَّق أو لتُرَّهات، بل كان على العكس مدققًا للغاية وموضوعيًّا وعلميًّا بالنسبة لعهده. فلماذا تجري محاولات للنَّيل من سمعة هذا المؤرخ وتصويره على أنه كان ساذجًا؟ لماذا «يعاد صُنع» التاريخ على الرغم من شهاداته القاطعة؟

يتحتم علينا أن نلاحظ أن السبب الحقيقي الذي يدفع إلى التصرف على هذا النحو، يعود إلى أن هيرودوت أفادنا كشاهد عيان، بأن المصريين كانوا زنوجًا، ثم أثبت بعد ذلك بنزاهة نادرة (إذا ما علمنا أنه كان إغريقيًّا) أن اليونان أخذت من مصر كافة عناصر حضارتها، بما في ذلك عبادات الآلهة، وأن مصر هي التي كانت مهدَ الحضارة.

وعلى أيِّ حال فإن الكشوف الأثرية تُبين كل يوم أن هيرودوت كان محقًّا في مواجهة مناوئيه. فقد كتبت كريستيان ديروش نوبلكور تقول بخصوص أعمال التنقيب الأخيرة في تانيس (صان الحجر): «لقد رأى هيرودوت المباني الخارجية لتلك المدافن وترك وصفًا لها (تقصد بذلك قصر التيه الذي أشرنا إليه آنفًا). وأثبت لنا بيير مونتيه مرة أخرى أن أبا التاريخ لم يكذب» (العلوم والمستقبل، العدد ٥٦، أكتوبر ١٩٥١م).

وقد يعترض البعض قائلًا إن هيرودوت زار مصر في القرن الخامس قبل الميلاد، بعد انقضاء أكثر من عشرة آلاف سنة على ظهور الحضارة المصرية، وأن الجنس الذي أقام هذه الحضارة لم يكن بالضرورة الجنس الزنجي الذي وجده هيرودوت.

غير أن تاريخ مصر بأسره يدل — كما سنرى فيما بعد — على أن اختلاط السكان الأصليِّين مع عناصر بدوية بيضاء، من الغزاة أو التجار، كان يتزايد أكثر فأكثر كلما اقتربنا من نهاية التاريخ المصري القديم. ووفقًا ﻟ م. دي باو كانت مصر مشبَّعة في العصر المتأخر بجاليات أجنبية من الأجناس البيضاء: العرب في قفط، والليبيون في الموقع الذي أصبح فيما بعد الإسكندرية، واليهود على مقربة من مدينة هراكليس (أفاريس؟)، والبابليون (أو الفرس) في شمال ممفيس، و«الطراواديون الفارون» في منطقة المحاجر الكبرى الواقعة شرقي النيل، والكاريون، والأيونيون عند فرع دلتا النيل الشرقي. ودفع بسامتيك (نهاية القرن السابع ق.م.) هذا الغزو السلمي إلى أقصى مداه بتكليف مرتزقة إغريق بالدفاع عن البلاد. «وارتكب الفرعون بسامتيك خطأً جسيمًا بأن عهد بأمر الدفاع عن مصر إلى فِرَق أجنبية وأدخل مختلف الجاليات المكوَّنة من حثالات الأمم» (أبحاث فلسفية حول المصريِّين والصينيِّين، بقلم م. دي باو، المجلد الثاني، ۱۷۷۳م، برلين، ص۳۳۷).

«وفي عهد الأسرة الصاوية الأخيرة، استقر الإغريق رسميًّا في نوكراتيس (كوم الجلف)، الميناء الوحيد الذي كان يحق فيه للأجانب ممارسة التجارة» (هيرودوت ٢:  ١٧٩).

وعلى أثر فتح الإسكندر لمصر، اتسع مدى انصهار اليونانيِّين البيض مع المصريين الزنوج ليتخذ شكل سياسة استيعاب في ظل البطالسة.

«ولم يُدلل ديونيزوس أبدًا إلى هذا الحد، ولم يحظَ بطقوس كلها تزلُّف وإسراف بقدر ما تمتع بذلك في عهد البطالسة الذين وجدوا في عبادته وسيلةً فعَّالة على نحوٍ خاصٍّ لاستيعاب اليونانيِّين الغزاة ودمجهم مع المصريِّين، سكان البلاد الأصليِّين» (ج. ج. باشوفن، صفحات من اختيار أدريان تورل «من العهد الأمومي إلى العهد الأبوي»، مكتبة ف. الكان، باريس، ۱۹۳۸م، ص۸۹).

وفيما يتعلق بشهادة التوراة يتعين تقديم بعض التوضيحات:

ما هي قيمة شهادة التوراة؟

للإجابة على هذا السؤال يتعين أن نتدارس تكوين الشعب اليهودي. فمَن هو الشعب اليهودي، كيف نشأ، وكيف أنشأ ذلك الأدب المتمثِّل في التوراة، والذي جاء فيه أن اللعنة حلَّت بذُرية حام، سلف الزنوج والمصريين؟ وما هو الأصل التاريخي لتلك اللعنة؟

لقد دخل مصر أولئك الذين كانوا سيُصبحون يهودًا، وكان عددهم سبعين راعيًا، جهلة جزعين، طردتهم المجاعة من فلسطين واجتذبَتهم تلك الجنة الدنيوية المتمثِّلة في وادي النيل.

ومع أن المصريين كانوا يبغضون بشكلٍ خاصٍّ الحياةَ البدوية والرعاة، إلا أنهم أحسنوا استقبالهم في أول الأمر وذلك بفضل يوسف، وقد استقروا وفقًا للتوراة في أرض جاسان وأصبحوا رعاةَ قطعان فرعون … وبعد موت يوسف والفرعون الذي حماهم، وإزاء تزايد أعداد اليهود نشأَت لدى المصريِّين ردودُ فعل سلبية، وذلك في ظروف غير محددة المعالم. وأصبحت أحوال اليهود قاسية أكثر فأكثر؛ وقد سخَّرهم المصريون، حسب ما جاء في التوراة، للقيام بالأعمال الشاقة واستخدموهم كأيدٍ عاملة لبناء مدينة رمسيس. ويقال إن المصريين اتخذوا إجراءاتٍ للحدِّ من عدد مواليدهم والتخلص من أبنائهم من الذكور خوفًا من أن تنموَ تلك الأقلية العِرقية وتُصبح خطرًا قوميًّا في حالة نشوب حرب، بأن تنضمَّ إلى صفوف الأعداء.

«وأما بنو إسرائيل فأثمروا وتوالدوا ونمَوا وكثروا كثيرًا جدًّا وامتلأت الأرض منهم. ثم قام ملك جديد على مصر لم يكن يعرف يوسف، فقال لشعبه هو ذا بنو إسرائيل شعب أكثر وأعظم منَّا، هلمَّ نحتال لئلا ينموا فيكون إذا حدثت حرب أنهم ينضمون إلى أعدائنا ويحاربوننا ويصعدون من الأرض. فجعلوا عليهم رؤساء تسخير لكي يُذِلُّوهم بأثقالهم فبنَوا لفرعون مدينتَي مخازن فيثوم ورعمسيس. ولكن بحسبما أذلُّوهم هكذا نمَوا وامتدُّوا فاختشوا من بني إسرائيل. فاستعبد المصريون بني إسرائيل بعنف ومرَّروا حياتهم بعبودية قاسية في الطين واللبِن وفي كل عمل في الحقل، كل عملهم الذي عملوه بواسطتهم عنفًا. وكلَّم ملك مصر قابلتَي العبرانيات … وقال حينما تُولِّدان العبرانيات وتنظرانهن على الكرسي، إن كان ابنًا فاقتلاه وإن كان بنتًا فتحيا» (سِفر الخروج، الإصحاح الأول).

وهكذا بدأت الاضطهادات الأولى التي وسمت حياة الشعب اليهودي طوال تاريخه، فظلَّت الأقلية اليهودية منطويةً على نفسها منذ ذلك الحين، وأصبحت تتوق إلى الخلاص لما عانَته من آلام وإذلال. وهيأت هذه الخلفية المعنوية المتمثلة في البؤس والأمل لنشأة أو نمو المشاعر الدينية. ومما جعل هذه الظروف مواتيةً تمامًا أن هذا الشعب المكوَّن من رعاة بلا صناعة أو تنظيم اجتماعي (كانت الخلية الاجتماعية الوحيدة متمثلةً في الأسرة الأبوية)، والمسلَّح في أحسن الحالات بعصيٍّ، ما كان يستشرف أيَّ رد فعل إيجابي إزاء تفوق الشعب المصري تقنيًّا.

وقد ظهر في تلك الظروف موسى، أول الأنبياء اليهود، الذي كتب تاريخ الشعب العبري منذ أصوله الأولى وقدَّمه لنا من زاوية دينية.

كان موسى يعيش في عهد تل العمارنة؛ حيث كان أمنحوتب الرابع (إخناتون، حوالي عام ١٤٠٠ق.م.) يحاول تجديد الديانة المصرية الأولى الوحدوية، التي كانت تندثر تحت وطأة المؤسسة الكهنونية وفساد ذمة الكهنة.

ويبدو أن إخناتون حاول تعزيز المركزية السياسية في تلك الإمبراطورية الشاسعة الأطراف التي كانت قد تأسست منذ عهد قريب، من خلال مركزية دينية؛ ولذا كانت الإمبراطورية في حاجة إلى ديانة عالمية.

وقد تأثر موسى على ما يبدو بهذا الإصلاح الديني، وأصبح من ذلك الوقت بطلَ الدعوة للتوحيد بين اليهود.

كان التوحيد، بشكله المجرد تمامًا، موجودًا من قبل في مصر التي أخذَته عن الحضارة المروية السودانية، أي إثيوبيا القدماء.

«مع أن آمون، الذي يعني اسمه السر والعبادة، كان الإله الأكبر وفقًا لأنقى التصورات الوحدوية باعتباره … خالق تولد من نفسه منذ البداية وصنع كل شيء ولم يُصنع …» «إلا أنه أصبح ذات يوم مصحوبًا بالشمس رع أو متحولًا إلى أوزيريس أو حورس» (د. ب. دي بدرال، آثار أفريقيا السوداء، مطبوعات بايو، ١٩٥٠م، ص۳۷).

وفي ظلِّ مناخ افتقاد الأمن الذي كان يواجهه الشعب اليهودي في مصر، كان الإله الواعد بمستقبل آمن سندًا معنويًّا لا غِنى عنه. ومع أن هذا الشعب لم يكن يعرف، على ما يبدو، التوحيد حتى ذلك الوقت، على عكس أولئك الذين يريدون أن يجعلوه مبتكره، فقد طوره إلى حدٍّ كبير، بعد التحفظات التي أبداها في بداية الأمر.

وقد قاد موسى الشعب العبري خارج مصر مستعينًا في ذلك بالإيمان، غير أن هذا الشعب سرعان ما ملَّ هذه العقيدة، ولم يَعُد بعد ذلك إلى التوحيد إلا تدريجيًّا (العِجل الذهبي لأخيه هارون عند جبل سيناء).

لقد دخل الشعب اليهودي مصر وهو مكوَّن من سبعين راعيًا منظمين في اثنتَي عشرة أسرة أبوية، بدويِّين بلا صناعة ولا ثقافة، وخرج منها بعد أربعمائة سنة وقد بلغ تعداده ستمائة ألف نسمة، بعد أن نهل منها كافة عناصر تقاليده في المستقبل، ومنها بالأخص التوحيد.

وإذا كان الشعب المصري قد سام الشعب اليهودي سوء العذاب كما ورد في التوراة، وإذا كان الشعب المصري مكوَّنًا من زنوج من ذرية حام كما جاء في التوراة أيضًا، فإننا لا يمكن أن نتجاهل الأسباب التاريخية للعنة التي حلَّت بحام كما جاء في الأدبيات اليهودية في مرحلة متأخرة تمامًا بعد مرحلة الاضطهاد هذه.

ولذا فقد أسند موسى إلى الحي القيوم، في سِفر التكوين، الكلمات التالية التي وجَّهها لأبرام في حُلمه (إبراهيم فيما بعد كما جاء في الإصحاح السابع عشر من سفر التكوين):

«اعلمْ يقينًا أنَّ نَسْلَك سيكون غريبًا في أرض ليست لهم، ويُستَعبدون لهم؛ فيُذِلُّونهم أربعمائة سنة. ثم الأمة التي يُستَعبدون لها أنا أدينُها، وبعدَ ذلك يَخرجون بأملاك جزيلة» (سفر التكوين، الإصحاح الخامس عشر).٤

ونحن هنا بصدد الأصل التاريخي للعنة التي حلَّت بحام.

فليس من باب المصادفة أن لعنة حام، والد مصرايم وفوط وكوش وكنعان لم تُصِب سوى كنعان وحده المستقر في البلد الذي اشتهاه اليهود طوال تاريخهم.

من أين جاء اسم حام هذا، ومن أين استخلصه موسى؟ من مصر ذاتها حيث وُلِد وترعرع وهرِم حتى الخروج. والواقع أننا نعلم أن المصريين كانوا يسمُّون بلادهم كيميت، ومعناها أسود بلغتهم. والتفسير الذي يقول إن كلمة «كيميت» التي تُشير إلى أرض مصر الطينية، لا اللون الأسود، وبالاستطراد الجنس الأسود وبلاد السود، ناجمٌ عن تخيُّل متعسف لمفكرين يعون ما سيترتب على التفسير الصحيح لهذه العبارة؛ ولذا فمن الطبيعي أن نجد أن كلمة «حام» بالعبرية تعني: «حرارة أو أسود أو محروقًا».٥

وعليه، تتبدَّد كافة التناقضات الظاهرية ويظهر منطق الوقائع على حقيقته بكل وضوح. فأهالي مصر الذين يُرمز إليهم باللون الأسود، كيميت = حام في التوراة، صُبَّت عليهم اللعنة في أدبيات الشعب الذي اضطهدوه. وهكذا يتبيَّن لنا أن نقمة التوراة على ذرية حام لها أصلٌ مختلف تمامًا عن ذلك الذي يُعزى إليها اليوم جهارًا نهارًا، بلا أي أساس تاريخي. أما المسألة التي لا يمكن فهمها، فهي على العكس، كيف أصبحت كلمة كيميت التي تعني حاميًا، وأسود، وأبنوس … إلخ (باللغة المصرية القديمة ذاتها) تُشير إلى جنس أبيض.

وهكذا نجد أن حام يصبح ملعونًا وملطَّخًا بالسواد وسلفًا للزنوج عندما يكون ذلك في خدمة الغرض المقصود، وهذا ما يحدث كلما جرى الحديث عن العلاقات الاجتماعية المعاصرة.

ولكن حام هذا يصبح أبيض كلما جرى البحث عن أصل الحضارة، لأنه متواجد في هذا البلد الذي كان أولَ بلد متحضر في العالم. وهكذا تم ابتكار فكرة الحاميِّين الشرقيِّين والغربيِّين التي لا تعدو أن تكون سوى اختراعٍ مُواتٍ لحرمان الزنوج من الكسب المعنوي للحضارة المصرية وللحضارات الأفريقية الأخرى كما سنرى. والصورة رقم ١-٢ (ص۲۷) تُمكِّننا من إدراك الطابع المُغرِض الذي تتسم به تلك النظريات.

ومهما بُذلت الجهود لمحاولة فهم مفهوم الحامية كما ورد في الكتب المدرسية الرسمية، إلا أن هناك استحالةً لجعلها متفقة مع أبسط الحقائق التاريخية والجغرافية واللغوية والعِرقية. ولا يوجد متخصص واحد قادر على تحديد المهد الأول للحاميِّين (بالمفهوم العلمي) واللغة التي كانوا يتحدثون بها والطريق التي سلكوها والبلاد التي استقروا فيها ونوع الحضارة التي خلَّفوها وراءهم. وعلى العكس يُجمع المتخصصون على الاعتراف بأن هذه الكلمة لا تتفق مع أي مفهوم جاد، ولكن الكل لا يكفُّ عن استخدامها كمبرر لتفسير أي ظاهرة من ظواهر الحضارة الأفريقية.

fig3
شكل ١-٢: نموذج جميل للحامي الشرقي.

(سيجلمان: العروق في أفريقيا، الناشر بايو، ١٩٣٥م) نقلًا عن نيلي بوتشيوم “Ricerche antropometriche sui Somali” أرشيفات الأنتروبولوجيا ۱۹۱۱م.

١  قد يفترض البعض أن السواد مستخدم هنا بشكل مخفف للإشارة إلى سحنة المصريين السامية، ولكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: لماذا خصَّ الإغريق المصريين وحدهم من بين كل الساميِّين بصفة الزنجية، ولماذا لم يُطبقوها على العرب، وهم ساميون على الوجه الأكمل؟!
هل كانت للمصريين سِمات «سامية» قريبة للغاية من سِمات الزنوج، إلى الحد الذي جعل الإغريق يجدون من الطبيعي أن يخلطوا بينهم بالاقتصار على استخدام نفس الصفة العِرقية «ميلانوس» وهي أقوى كلمة يونانية لوصف الزنجي؛ ويُستخدم أصل هذه الكلمة إلى يومنا هذا، كلما كان المقصود الإشارة بلا لبْسٍ إلى الجنس الزنجي، ومثال ذلك:
  • ميلانين: الخضب الذي يلون جلد الزنجي.
  • ميلانيزيا: مجموعة من الجُزر يسكنها زنوج … إلخ، … إلخ.
والواقع أن الإغريق كانوا حساسين للغاية إزاء تدرجات الألوان، وكانوا يميزون بينها حيثما وجدت. ففي نفس الفترة كانوا يشيرون إلى الكنعانيين، الخلاسيِّين إلى حدٍّ كبير في ذلك الوقت بكلمة فينيقي، وكانت تعني أحمر، ويُقصد بها شخص من هذا العِرق.
ويذهب سترابون إلى أبعد من ذلك؛ فقد حاول أن يفسر في كتابه الجغرافيا لماذا كان المصريون أكثر سوادًا من الهنود (الجنس الأحمر الداكن المشهور عند الحديثين).
وهكذا يتبين لنا أن القدامى كانوا يميزون تمامًا بين الزنوج المصريِّين والإثيوبيين من جهة، والساميِّين ولونهم الأحمر الداكن المزعوم.
ومن الواضح بناء على ذلك أن أيَّ تفسير علمي للتغييرات لا يُتيح الفرصة هنا للإفلات من الحقيقة بإضفاء الغموض عمدًا على ما هو واضح تمامًا. فاللجوء إلى مثل تلك البهلوانيات لمحاولة تحاشي القبول بالوقائع البسيطة، يُثير لأصحابها مصاعبَ لا يمكن التغلب عليها.
وأخيرًا فإن الساميِّين أنفسهم (عربًا ويهودًا) كانوا يعتبرون المصريِّين من الزنوج.
٢  كان السكوتيون يُشكِّلون مجموعةً من الزنوج وسط الشعوب البيضاء بالقرب من البحر الأسود؛ ولذا كانت مسألة أصلهم مثارَ فضول علماء العهود القديمة.
٣  كانت ليبيا تعني بالنسبة للإغريق أفريقيا مع استبعاد مصر وإثيوبيا.
٤  استنادًا إلى ما جاء في التوراة كيف يمكن أن يكون الشعب اليهودي خالصًا من أي دم زنجي. لقد تحوَّل في غضون أربعمائة سنة من ۷۰ فردًا إلى حوالي ستمائة ألف وسط أمة زنجية عاش تحت سيطرتها طوال تلك الفترة. وإذا كانت السمات الزنجية لليهود غير ما هي عليه اليوم، فهذا يرجع على الأرجح إلى اختلاطهم مع العناصر الأوروبية منذ تشتُّتهم. وقد أصبح شبه مؤكد حاليًّا بأن موسى كان مصريًّا، وبالتالي زنجيًّا، انظر موسى والوحدوية لفرويد.
٥  بدرال، نقلًا عن موريه، ص۲۷ من كتابه: آثار أفريقيا السوداء، مطبوعات باير، باريس، ١٩٥٠م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤