الفصل الخامس

من نحن؟

حين نتحدَّث عن الوعي، فإننا عادةً ما نُشير إلى «الذات» التي هي موضوع كل شيء نختبره؛ فكلُّ ما ندركه يبدو أنه يحدث لهذه الذات أو حولها. لدينا ما نشعر أنه تجربة موحَّدة، حيث تتكشَّف لنا الأحداث في العالم بطريقة متكاملة. ولكن، كما رأينا، فإن عمليات الربط مسئولةٌ جزئيًّا عن هذا الأمر، فهي تُقدِّم لنا وهْمًا بأن الحوادث الفيزيائية متزامنة تمامًا مع تجربتنا الواعية في اللحظة الحاليَّة. يساعد الربط أيضًا على ترسيخِ مفاهيمَ أخرى في الزمان والمكان، مثل لون وشكل وملمس جسمٍ ما؛ وكلُّها تُعالَج بواسطة الدماغ على نحوٍ منفصل، ثم تُجمع معًا قبل الوصول إلى وعينا ككل متكامل. غير أنه في بعض الأحيان تتوقَّف عمليات الربط، بسبب مرضٍ عصبي أو إصابة عصبية، تاركةً المريضَ في عالَمٍ مربكٍ لم تَعُد المشاهد والأصوات فيه متزامنةً (العمهُ الانفصالي)، أو تُرى فيه الأشياء المألوفة مجرَّد أجزاء، ولكن دون التعرُّف عليها (العمهُ البصري).

وحتى إذا كان الدماغ سليمًا، يمكننا في بعض الأحيان ملاحظةُ مَواطن خللٍ صغيرة في الربط تلقي الضوء على الوهم الذي عادةً ما يخلقه لنا الربط. قبل بضعة أشهر، كنت أسير لأحضر كوبًا من الماء في منتصف الليل حين سمعتُ صوتَ اصطدام مرتفع في الخارج. ولسببٍ ما، ربما كان متعلقًا بحقيقةِ أنني كنت شبه نائمة، اختبرتُ تلك اللحظة بطريقةٍ غير عادية؛ فقد لاحظتُ استجابةَ الجفول المفاجئ لجسدي قبل سماع صوت الاصطدام. وللحظةٍ وجيزة، شعرت أنني استجبت لشيءٍ لم أسمعه «أنا» بعد.

تخيَّل كيف ستكون تجربتك إذا لم يحدث الربط على الإطلاق — عندما تعزِف على البيانو، على سبيل المثال، إذا رأيت إصبعك تضغط على المفتاح أولًا، ثم سمعت النغمة الموسيقية، وأخيرًا شعرت بمفتاح البيانو ينزل تحت إصبعك. أو تخيَّل لو تعرَّضت عملية الربط للتلف ووجدتَ نفسك تجري قبل سماع نباح كلب شرس. من دون عمليات الربط، قد لا تشعر بذاتك على أنها ذاتٌ على الإطلاق. سيكون وعيك أشبهَ بتدفُّق للتجارب في موقعٍ معيَّن من الفضاء؛ وهو ما سيكون أكثرَ قربًا إلى الحقيقة. هل يمكن أن تكون ببساطةٍ على وعي بالأحداث، والأفعال، والمشاعر، والأفكار، والأصوات؛ وجميعها يأتي في سلسلةٍ من الإدراك؟ مثلُ هذه الخبرة ليست استثنائيةً في مجال ممارسة التأمُّل، والعديد من الناس — بمَن فيهم أنا — يمكن أن يشهدوا عليها. إن الذات التي يبدو أننا نسكنها معظم الوقت (إن لم يكن كل الوقت) — كمركزٍ متموضعٍ وثابت وصُلب للوعي — هي وهمٌ يمكن العبث به، دون تغيير خبرتنا بالعالم بأي طريقة أخرى. يمكن أن يكون لدينا وعي كامل بكلِّ ما هو معتاد من المَشاهد، والأصوات، والمشاعر، والأفكار، دون الشعور بكوننا ذاتًا تتلقَّى هذه الأصواتَ وتُفكر هذه الأفكار. لا يتعارض هذا على الإطلاق مع علم الأعصاب الحديث؛ فقد عُثِر على منطقةٍ من الدماغ تُعرف باسم شبكة النمط الافتراضي يعتقد العلماء أنها تُسهم في إحساسنا بأنفسنا، ووُجِد أن هذه المنطقة تُقمَع أثناء ممارسة التأمُّل.1
وثمَّة طرقٌ أخرى لإيقاف الشعور بالذات. فمن المعروف أن عقاقير الهلوسة — مثل إل إس دي، والكتامين، والسيلوسيبين — تُهدِّئ دائرةً في الدماغ تربط بين التلفيف المجاور للحُصيْن وبين القشرة المخية خلف الشبكية في شبكة النمط الافتراضي، وهو ما يُفسِّر سببَ وصف الناس لفقدانهم ذاتَهم أثناء كونِهم تحت تأثير هذه العقاقير.2 يدرُس العلماء تجاربَ الناس مع عقاقير الهلوسة ونشاط الدماغ المرتبط بها من خلال التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. بينما يكون المشاركون تحتَ تأثير هذه العقاقير، فإنهم يخبرون تجاربَ تتراوح بين «الطفو والشعور بالسلام الداخلي، إلى الاختلالات في الوقت والاقتناع بأن الذات تتفكَّك».3 يفترض الكثير من الناس أن الوعي وتجربةَ الذات متلازمان دائمًا، ولكن من الواضح أنه في تلك اللحظات التي يفيد فيها الناس بالانفصال عن الذات، يظل الوعي حاضرًا بالكامل. وكما يوضِّح مايكل بولان في كتابه «كيف تغيِّر عقلك» عن نتائج البحث العلمي على عقاقير الهلوسة:
كلما زاد الانخفاض في تدفُّق الدم واستهلاك الأكسجين في شبكة النمط الافتراضي، زاد احتمال قيام المتطوع بالإفادة بفقدان الإحساس بالذات … تشير تجربة عقاقير الهلوسة ﻟ «عدم الازدواجية» إلى أن الوعي ينجو من اختفاء الذات، وأن الذاتَ ليست لا غنى عنها بقدرِ ما نرغب — وبقدرِ ما ترغب هي نفسها — في الاعتقاد.4
تعمل عقاقيرُ الهلوسة أيضًا على كَبْح التواصل بين الخلايا العصبية في مناطقَ أخرى خارج شبكة النمط الافتراضي، مما يجعل النشاط في المخ أقلَّ انفصالًا بشكل عام. يُناقش إرين برودوين، وهو صحفي في مجال العلوم، أبحاثَ روبين كارهارت-هاريس، الذي يُجري دراسات التصوير في إمبريال كوليدج لندن حول تأثير عقار الهلوسة إل إس دي على الدماغ:
يقول كارهارت-هاريس: «إن انفصال هذه الشبكات يتداعى، وبدلًا من ذلك ترى دماغًا أكثرَ تكاملًا أو توحدًا». قد يساعد هذا التغيير في تفسيرِ سببِ إنتاج العقار [إل إس دي] لحالة مغايرة من الوعي أيضًا … يبدو أن الحواجز بين الشعور بالذات والشعور بالتواصل مع البيئة الشخصية تذوب.5
ومن المثير للاهتمام أن أحدَ الأسباب التي تجعل الأشخاص الذين يتناولون عقاقيرَ هلوسة يكونون في مثل هذه الحالات المغايرة؛ هو أن هذه الفئة من العقاقير يمكنها أيضًا تعطيلُ عمليات الربط. ويبدو من المحتمل أن هذا أيضًا يُسهِم في إيقاف شعور المرء بأنه ذات، متمايزة ومنفصلة عن العالم. يشير بولان إلى أن «إحساسنا بالفردية والانفصالية يعتمد على ذاتٍ لها حدودٌ وترسيمٌ واضحٌ للحدود بين ما هو نحن وبقية العالم. ولكن كل ذلك قد يكون بِناءً عقليًّا، أو نوعًا من الوهم».6 يصف برودوين تجربةَ أحد المشاركين في دراسة في جامعة جونز هوبكنز حول الآثار العلاجية لسيلوسيبين على المرضى الذين يُعانون السرطانَ والقلق المرتبط به قائلًا: «لبضع ساعات، يتذكَّر الشعور بالراحة؛ كان مستريحًا، ويشعر بالفضول، ويقظًا في الوقت نفسِه … ولكن الأهم من كل شيء أنه لم يَعُد يشعر بالوحدة. لقد قال: «إن مفهوم «أنت» بأكمله يتحوَّل بشكلٍ ما إلى حضورٍ خارج إطار الزمان وبلا شكل محدَّد»».7
على الرغم من أنه قد يكون من المستحيل على شخصٍ لم يختبر شيئًا كهذا أن يتخيَّله، فإن الوعي يمكنه أن يستمر من دون شعور المرء بأنه ذات، وحتى في غياب التفكير. يُشير الصحفي والكاتب مايكل هاريس إلى أن هذا يرجع جزئيًّا إلى تلك القدرة على التداخل مع إحساس المرء بذاته وهو الإحساس الذي نعرف أنه بناء:
إذا كان من الممكن العبثُ بتمايز الذات الجسدية بواسطة وسائل ميكانيكية [عقاقير الهلوسة، أو سكتة دماغية، أو اضطراب عصبي]، فعلينا حينئذٍ أن نبدأ في قَبول أن الذات الجسدية — ذلك الشعور بأننا كائنات كاملة ومصونة — لا ترجع إلى وجود روح مميَّزة، أو «أنا»، موجودة داخل أدمغتنا.8
فكما ذكرنا من قبل، يمكن التغلُّب على المفهوم النمطي ﻟ «الذات» — إلى جانب مفاهيم خاطئة أخرى عن الخبرات اليومية — من خلال التدريب على التأمُّل، الذي أصبح الآن مفهومًا على نحوٍ أفضلَ على مستوى الدماغ. لآلاف السنين، استخدمَت التقاليدُ التأملية الشرقية التأمُّلَ أساسًا تجريبيًّا لدراسة طبيعة الوعي، وعلى الرغم من أن العلوم الغربية متأخرةٌ نسبيًّا عن هذه الأساليب للاستبطان، يجري البحث الآن من قِبل علماء الأعصاب عن الآثار المحدَّدة للتأمُّل على العقل والدماغ. نأمُل أن تؤديَ هذا الأبحاث إلى اكتشافاتٍ جديدة حول كيفية تدريب انتباهنا بطرقٍ منهجية يمكن أن توفِّر فهمًا أفضلَ للوعي وعلم النفس البشري. وعلى أقل تقدير، تؤكد هذه الأبحاث أنه يمكن امتلاك رؤًى قيِّمة من خلال أدوات تحقيق ذاتية. يصف العالِمُ البوذيُّ أندرو أولنسكي الطبيعةَ الوهمية للذات التي يمكن الكشفُ عنها من خلال التأمُّل قائلًا:
مثل تسطُّح الأرض أو صلابة المائدة، لها [أي فكرة الذات] فائدةٌ على مستوًى معيَّن — اجتماعيًّا، لُغويًّا، قانونيًّا — لكنها تنهار تمامًا عندما يتم فحصها بتمحيص دقيق.9

لكن بغضِّ النظر عما إذا كان يمكن للمرء كسْر وهمِ الذات أم لا، فمن الواضح أن ثمة الكثير مما يتم إدراكه في أي تجربة واعية معينة؛ بداية من شخصٍ في حالة واعية في أدنى شكلٍ ممكن إلى شخصٍ يقود طائرة. والشيء الوحيد الذي يمكننا أن نقوله بثقة — بغضِّ النظر عما يتم إدراكه — هو أنه إما أن الوعي موجودٌ أو غير موجود. إنه إما يشبه شيئًا أو لا.

وكما تفكَّرنا في اللحظة التي ظهرت فيها التجربة الواعية للمرة الأولى في جنينٍ ينمو، يمكننا أن نتساءل عن اللحظات الأخيرة للوعي في نهاية الحياة. أخبرني صديقٌ لي مؤخرًا عن قضاء بعض الوقت مع جَدِّه، الذي كان يموت ببطءٍ بسبب مرضٍ قلبيٍّ. لقد وصف تدهورَ حالة جَدِّه على مدار عدة أشهر والتجربة المدمِّرة المتمثِّلة في مشاهدةِ شخصٍ يعرفه جيدًا ويُحبه كثيرًا يتغير بشكلٍ كبير. كان أول مَا اختفى لدى جَدِّه هو التنظيم العاطفي والسيطرة على اندفاعه، بسبب الأضرار التي تحدُث في قشرة الفصِّ الجبهيِّ على الأرجح. لم يَعُد جَدُّه يُخفي عواطفه المتذبذبة؛ فقد كان يعلن فجأة للجميع كافة المشاعر التي يُحس بها؛ الفرح، والإحباط، والشهوة، والغضب. وبعد ذلك، بدأت ذاكرته في التدهور، مما جعل استمراريةَ شخصيته أقلَّ استقرارًا. وفي نهاية المطاف، فقدَ القدرةَ على الكلام والمشي. وفي مرحلةٍ ما، وجد صديقي نفسَه يتساءل، مثلما يفعل كثيرون في مثل هذه الحالات، متى لن يعود جَدُّه «موجودًا» حقًّا؟ متى سيكفُّ عن أن يكون «نفسَه»، وأكثر من ذلك، متى سيتلاشى وعيُه تمامًا؟ ومع جلوسه صامتًا في غرفةٍ ليس بها شخصيةٌ يمكن التعرُّفُ عليها، ومع ضياع معظم ذكرياته، ظل الجَد يبدو لصديقي أنه يختبر «شيئًا ما». فحتى لو كان المتبقي هو أدنى أثر للإدراك، فإن الوعي يكون موجودًا بوضوح في شكلٍ ما، حتى اللحظة الأخيرة لوجوده. وهذا الحد الأدنى من الإدراك — مهما كان شكله قبل أن تنطفئ الأنوار تمامًا — قد يكون مختلفًا تمامًا عن تجربتنا البشرية المألوفة.

عندما طلب منا توماس ناجيل أن نتخيَّل ماذا يُشبه أن نكون خفاشًا، فإنه يشير إلى أننا نعرف بالفعل أن ثمة حالاتٍ للوعي مختلفةً تمامًا عن حالاتنا. فالطيران في الهواء باستخدام نظام استشعار الصدى لا بد أنه شعورٌ مختلف تمامًا عن الشعور بالسير على الرصيف باستخدام البصر. وتقدِّم الدراسة المذهلة ذاتُ الصلة التي أُجريت على استبدال الحواس — حيث تمكَّن العلماء من إعطاء أشخاصٍ مكفوفين وصُمٍّ طرقًا جديدةً لإدراك ما يراه ويسمعه معظمُنا — أدلة على وجود مجموعة واسعة من الخبرات المحتملة في الدماغ. على سبيل المثال، من خلالِ أداةٍ تُسمَّى منفذَ الدماغ — وهي شبكةٌ صغيرة توضع على اللسان وتُحوِّل تغذيةَ فيديو إلى صدمات كهربائية صغيرة — يمكن للمخِّ أن يبدأ في تعلُّم ترجمة الإشارات الكهربائية التي تصل إلى اللسان. وباستخدام هذه التكنولوجيا، يمكن للمكفوفين في نهاية المطاف إنجازُ مهامَّ مثل رمي الكرة بدقَّةٍ في سلةٍ، والتنقل عبر مسارٍ به عقَبات.10 من الواضح أن استخدام منفذ الدماغ مرتبطٌ باستخدام الرؤية للمناورة في جميع أنحاء العالَم المادي، ولكن من المؤكَّد أن طبيعة الخبرة الفعلية مختلفةٌ تمامًا عن الرؤية بأعيننا. ثمَّة مصطلحٌ رائع، وهو «البيئة الحسية»، قدَّمه لنا عالِم الأحياء جاكوب فون أوكسكول في عام ١٩٠٩، لوصفِ خبرةِ حيوانٍ معيَّن، على أساسِ الحواسِّ المستخدَمة من قِبَل هذا الكائن الحي للتنقُّل في بيئته. الخفافيش لها بيئةٌ حسِّية معيَّنة، وللنحل بيئةٌ حِسِّية أخرى، وللبشر بيئة حسِّية ثالثة، وشخص يستخدم تكنولوجيا مثل منفذ الدماغ يختبر بيئةً حسِّية مختلفة أيضًا.
يشارك ديفيد إيجلمان في أبحاثٍ تستكشف إمكانياتِ توسيع البيئة الحسية للبشر لتشملَ المعلومات التي لا نستطيع الوصولَ إليها حاليًّا من خلال حواسنا الخمس. يوضح ديفيد إيجلمان أن الدماغ «لا يهتم بكيفية حصوله على المعلومات، ما دام قد حصل عليها».11 في مؤتمر تيد لعام ٢٠١٥، وصف إيجلمان النتائجَ المستقبليةَ المحتملة لاستبدال الحواس، التي بموجبها يتم إنشاء «حواس جديدة» للأشخاص:
لا توجد في الأفق نهايةٌ حقًّا لإمكانيات التوسُّع البشري. فقط تخيَّل أن يكون رائدُ فضاء قادرًا على الشعور بالصحة العامة لمحطة الفضاء الدولية أو — بالأحرى — أن تشعر بالحالات غير المرئية لصحتك الشخصية؛ مثل مستوى السكر بالدم وحالة الميكروبيوم الخاص بك، أو رؤيةِ ما حولك بنطاق ٣٦٠ درجة، أو الرؤية باستخدام الأشعة تحت الحمراء أو فوق البنفسجية.12
نحن نعلم في الحقيقة أن الدماغ البشري — في ظل ظروفٍ مناسبة — يُمكنه دمج الأشياء الغريبة بسلاسةٍ في خريطته لما يشكِّل جسده. ووهْمُ اليد المطاطية مثالٌ على كيفية إدراجِ شيء خارجي في تصوُّر الفرد للذات عند استيفاء شروطٍ معيَّنة. في التجربة الأصلية، يجلس المشارك واضعًا يدَه الحقيقيةَ أسفلَ طاولة، بينما توضع يدٌ مطاطية على الطاولة في مكانِ يده الأصلية. وعندما يقوم القائم بالتجربة بحكِّ اليد الحقيقية للمشارك واليد المطاطية في الوقتِ نفسِه باستخدام فرشاة، يبدأ المشارك في الشعور بأن اليدَ المطاطية التي يراها على الطاولة هي يده. وقد أجريت تجربة وهمِ اليد المطَّاطية فيما بعدُ بأشكالٍ مختلفة باستخدام تقنية الواقع الافتراضي. في واحدةٍ من هذه التجارِب، التي أجراها عالِم الأعصاب أنيل سيث وفريقه في جامعة ساسكس، ترتدي المشارِكةُ نظَّارات الواقع الافتراضي، وتختبر عالَمًا افتراضيًّا تمتلك فيه يدًا افتراضية. أحيانًا يتسبَّب القائمون بالتجرِبة في وميض اليد باللون الأحمر بشكلٍ متزامن مع دقات قلب المشارِكة، وأحيانًا بشكلٍ غيرِ متزامن. وكما يمكن أن نتوقَّع، يكون لدى المشارِكة شعورٌ أكبرُ بملكيةِ اليد الافتراضية عندما يكون الوميض متزامنًا مع دقَّات قلبها.13 يشير سيث إلى خبراتنا بأنفسنا في العالَم على أنها نوعٌ من «الهلوسة المحكومة». وهو يصف الدماغ بأنه «محرِّك تنبُّؤ» ويوضِّح أن «ما نُدركه هو أفضلُ تخمينٍ لما هو موجود في العالم». إنه يقول بمعنًى ما: «إننا نُخرِج أنفسنا إلى حيِّز الوجود من خلال التنبؤ.»14

تُعد ظاهرة «الانقسام الدماغي» أيضًا ظاهرةً مفيدة هنا؛ حيث تُلقي الضوء على كلٍّ من مرونة الوعي ومفهوم الذات. كثير من الناس صاروا الآن يعرفون بشأن الأبحاث الرائعة التي أجراها روجر سبيري ومايكل جازانيجا في معهدِ كاليفورنيا للتكنولوجيا، ابتداءً من ستينيَّات القرن العشرين، على مرضى الصرع الذين خضعوا لجراحةِ قطْع الجسم الثفني. وهذا إجراءٌ جراحي يتم فيه قطعُ الجسم الثفني؛ إمَّا جزئيًّا أو كليًّا، مما يفصل الروابطَ بين نصفَي الدماغ الأيمن والأيسر في محاولةٍ لمنعِ نوبات الصرع من الانتشار. وعلى الرغم من أن مرضى انقسام الدماغ لم يتغيَّروا بشكلٍ مفاجئ بسبب إجراء الجراحة، فإن الأبحاث التي أُجريت عليهم كشفَت عن حقيقةٍ غريبة ومناقضة للبديهة تُشكِّك في العديد من افتراضاتنا حول سيولة الوعي وحدوده.

في التجارِب التي أُجريت على الأشخاص الذين خضَعوا لجراحةِ انقسام الدماغ، يمكن تقديمُ المعلومات بشكلٍ منفصل لكلٍّ من نِصفَي الدماغ من خلال الرؤية (في شكل صور، أو لغة مكتوبة، أو ما إلى ذلك)؛ لأن مجال الرؤية الأيمن يُعرَض على نصف الدماغ الأيسر، والعكس صحيح. في الشخص الطبيعي، تتم مشاركةُ المعلومات الواردة من أي مجال رؤية مع نصف الدماغ المقابل من خلال الجسم الثفني. أما في حالةِ مرضى انقسام الدماغ، فيتم استقبال التحفيز البصري لكلِّ مجال من جانب واحد فقط من الدماغ. والشيء نفسه ينطبق على المحفِّزات المقدَّمة لكلِّ أذن، وكذلك بالنسبة إلى معظم المعلومات الواردة من أيدي المرضى؛ في أغلب الأحيان، تصل مستقبلات اللمس من كلِّ يد إلى نصف الدماغ المقابل، وحركة كل يدٍ يسيطر عليها أيضًا نصفُ الدماغ المقابل. في الواقع، بعد العملية الجراحية، يمكن لمرضى انقسام الدماغ أن يختبروا شيئًا يُسمَّى «تنافس نصفَي الدماغ»؛ حيث نراهم يُحاولون القيام بسلوكياتٍ متعارضة بأيديهم اليسرى واليمنى في معركةٍ مربِكة — مثل محاولة إقفال أزرار قميصهم بيدٍ بينما اليد الأخرى تحاول فكَّ هذه الأزرار، أو محاولة عِناق الزوج بذراع بينما الذراع الأخرى تدفع هذا الزوج بعيدًا، أو فتح الباب بيدٍ وإغلاقه باليد الأخرى في الوقت نفسه.15
fig1
شكل ٥-١: دراسة انقسام الدماغ.
طوَّر علماءُ الأعصاب مجموعةً متنوِّعة من الأساليب الإبداعية لتلقِّي الاتصالات من نصفَي الدماغ لمرضى انقسام الدماغ، وكشَفوا عن جوانبَ مذهلةٍ أخرى لهذه الحالة. في الغالبية العظمى من الناس، يكون نصف الدماغ الأيسر هو المسئولَ عن التعبير عن اللغة من خلال الكلام والكتابة، في حينِ يكون النصف الأيمن أصمَّ؛ غير أن نصف الدماغ الأيمن قادرٌ على التواصل من خلال الإيماء والإشارة باليد اليسرى (والغناء، في بعض الحالات).16 إذا أعطينا عُملةً معدنية لأحد مرضى انقسام الدماغ لكي يُمسكها في يده اليسرى دون أن يتمكَّن من رؤيتها، فإن نصفَ الدماغِ الأيمنَ فقط هو الذي سيكون مدرِكًا لذلك. وإذا سألنا المريضَ عما يُمسك به، فإنه يردُّ بأنه لا فكرةَ لديه؛ لأن نصفَ الدماغِ الأيسرَ (الذي يملك القدرة على التواصل لفظيًّا) ليس لديه وعيٌ بالعملة المعدنية. ولكن إذا طُلب من المريض الإشارةُ إلى صورةٍ للشيء الذي أُعطي له، فإنَّ يده اليسرى (التي يتحكَّم فيها نصفُ الدماغ الأيمنُ، والذي يَعرف بأمرِ العملة المعدنية) سوف تُشير بشكلٍ صحيح إلى صورة العملة المعدنية. وبالمثل، إذا عرضنا كلمة «مفتاح» في نطاق حقل الرؤية الأيسر للمريض، وسألناه عن الكلمة التي يراها، فسوف يفيد بأنه لا يرى شيئًا؛ حيث إن نصف دماغه الأيسر الذي يستطيع الكلام لا يرى الكلمة. ولكن إذا طلبنا من المريض التقاطَ الشيء المطابق للكلمة التي تظهر على الشاشة، فسوف يمدُّ يده اليسرى (التي يتحكَّم بها نصف الدماغ الأيمن، الذي يرى الكلمة) ويلتقط المفتاح (الشكل ٥-١). يمكن تَكرار هذا النوع من التجارِب بعدةِ طرقٍ متنوعة، والحصول على النتائجِ نفسِها مرارًا وتكرارًا. في الواقع، يُفيد مرضى انقسام الدماغ أحيانًا (عبر نصف الدماغ الأيسر القادر على النطق) أنَّ يدَهم اليسرى تتصرَّف من تلقاء نفسها — بإغلاق الكتاب الذي يقرءونه على سبيل المثال — وذلك تأكيد على أنهم غير مُدركين رغباتِ ونوايا نصفِ الدماغ الأيمن.
وما أثار دهشةَ علماء الأعصاب الأوائل الذين أجرَوْا مِثل هذه التجارِب (ودهشة بقيتنا أيضًا!)، أن الشخص نفسَه يمكن أن يكون لديه إجابتان مختلفتان عن سؤالٍ واحد، إلى جانبِ رغباتٍ وآراءٍ مختلفة تمامًا بشكلٍ عام. والأكثر إثارةً للدهشة هو اكتشاف أن مشاعرَ وآراءَ كلٍّ من نصفَي الدماغ تبدو كأنها خبرةٌ خاصة به وغيرُ معروفة للنصف الآخر. إن إحدى «ذاتَي» المريض المصاب بانقسام الدماغ تندهش من آراء ورغبات الذات الأخرى، بنفس قدْرِ دهشة شخص آخَر تمامًا. إن معرفةَ ما إذا كانت كلتا وجهتَي النظر لدى مرضى انقسام الدماغ واعيةً أم لا، لَهو أمرٌ صعبٌ إن لم يكن مستحيلًا، ولكن ليس لدينا سببٌ للشك في أن ثمَّة تجربةً مرتبطة بأفكارِ ورغباتِ كلِّ نصفٍ من نصفَي الدماغ، ويعتقد أغلب علماء الأعصاب أن كلا نصفَي الدماغ واعٍ في واقع الأمر. وكما يوضِّح عالِم الأعصاب كريستوف كوتش، من معهد ألين لعلوم الدماغ، «فنظرًا إلى أنَّ كلًّا من نصفَي الدماغ الناطق والأصم يقوم بسلوكيات معقَّدة ومخطَّط لها، فإن كلا النصفين له تصوراتٌ واعية، على الرغم من أن طابَع ومضمون مشاعرهما قد لا يكونان هما نفسها.»17
تحتوي الأبحاث المنشورة عن انقسام الدماغ على العديد من الأمثلة التي تشيرُ إلى أن ثمَّة وِجهتَي نظر واعيتَين يمكن أن توجَدا في دماغٍ واحد. وأغلب الدراسات تُسقِط أيضًا المفهومَ النمطيَّ للإرادة الحرة، من خلال الكشفِ عن ظاهرةٍ أنشأها نصفُ الدماغ الأيسر، وأطلَق عليها جازانيجا وزميله جوزيف ليدوكس «المُترجِم الشفهي».18 تحدثُ هذه الظاهرة عندما يتخذ نصفُ الدماغ الأيمن إجراءاتٍ بِناءً على المعلومات التي يُمكنه الوصولُ إليها والتي لا يصل إليها نصف الدماغ الأيسر، ثم يُقدِّم النصف الأيسر شرحًا فوريًّا وكاذبًا لسلوكِ مريضِ انقسام الدماغ. فعلى سبيل المثال، عندما يُعطَى نصف الدماغ الأيمن الأمرَ «ارحل من هنا» في إحدى التجارِب، فإن المريض سوف يقف ويبدأ المشي. لكن عند سؤاله عن سبب مغادرته الغرفة، سوف يُقدِّم تفسيرًا مثل «أوه، أنا بحاجةٍ إلى تناول مشروب». إن نصف الدماغ الأيسر، المسئول عن الكلام، غيرُ مدركٍ للأمر الذي تلقَّاه الجانب الأيمن، ونحن لدينا كلُّ الأسباب التي تجعلنا نعتقد أنه في الحقيقة يعتقد أنَّ عطشه كان السببَ في أنه وقف وبدأ في المشي. وكما في المثال الذي تمكَّن فيه القائمون على التجربة من إحداثِ شعورٍ بالإرادة لدى أشخاصٍ لم يكونوا في الواقع يتحكَّمون في تصرُّفاتهم؛ فإن ظاهرة «المُترجِم الشفهي» هي تأكيد إضافي على أن شعورنا بأننا نُنفِّذ تصرُّفاتٍ إراديةً واعية هو على الأقل في بعض الحالات مجردُ وهمٍ محض.

لكن بغضِّ النظر عمَّا تُخبرنا به أبحاثُ انقسام الدماغ عن الإرادة الواعية، فإن الفكرةَ الأساسية الأكثرَ صلة بمناقشتنا هي أن: مجموعاتٍ مختلفةً من النوايا والمقاصد لدى مريض انقسام الدماغ يبدو أنها معزولةٌ بعضها عن بعض في جزُرٍ منفصلة ومتمايزة من الوعي. في مثال المعركة التي تخوضها المريضة مع نفسها على إغلاق أزرار القميص بيدٍ وفتحها باليدِ الأخرى، يشعر أحدُ الجانبين أن يدَها اليمنى يتحكَّم فيها «شخصٌ آخر»، شخصٌ يُكافح لمنعِها من ارتداء القميص الذي اختارته. الجانب الآخر يرفض اختيارًا سيئًا للملابس اتخذه «شخصٌ آخر». وفي لحظاتٍ كهذه، يتصرَّف مريضُ انقسام الدماغ (وربما يشعر) وكأنه توءمان ملتصقان وليس شخصًا واحدًا.

في كتابه «السيد ومبعوثه»، حول نصفَي الدماغ، يصف الطبيب النفسي إيان ماكيلكريست أطروحتَه المثيرة للاهتمام حولَ إمكانية أن الوعي ينشأ على عمقٍ أكبرَ بكثير في بنيات الدماغ مما يعتقد العلماء عادةً:
يبدو لي أنه من الأنفع التفكيرُ في الوعي لا باعتباره شيئًا ذا حوافَّ حادةٍ نصِل إليه فجأةً بمجرد أن يصل المرء إلى قمة الأداء العقلي، ولكن باعتباره عمليةً تدريجية، بدلًا من «كل شيء أو لا شيء»، وهو يبدأ منخفضًا في الدماغ … المشكلة إذن لا تكمُن في كيف يمكن أن تُصبح إرادتان وعيًا موحَّدًا، ولكن كيف يمكن لمجالِ وعي واحد أن يستوعبَ إرادتين … إن الوعي ليس طائرًا، كما يبدو غالبًا في الأدبيات — يحوم على نحوٍ منفصل ويأتي من مستوًى عُلوي هابطًا على الدماغ في مكانٍ ما في الفصوص الأمامية — بل هو شجرة ضاربة بجذورها في أعمقِ أعماقنا.19

إن الاكتشافاتِ التي تحقَّقت من خلال أبحاثِ انقسام الدماغ والتطوراتِ الأخرى في علم الأعصاب الحديث، قد أدَّت بالكثيرين إلى طرح السؤال التالي: هل ثمَّة نسخةٌ من انقسام الوعي تحدث في أدمغةٍ غيرِ منقسمة ماديًّا؟ هل ثمَّة مراكزُ أخرى للوعي، حتى ما قد نُفكِّر فيه على أنه عقول أخرى، أقربُ منا أكثر مما نعتقد؟ قد لا يكون من المستحيل تخيُّلُ وجود «مراكز»، أو «تكوينات»، أو «تدفُّقات» مختلفة من الوعي توجَد بالقرب بعضها من بعض، أو تتداخل حتى في جسمٍ بشري واحد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢