الفصل الحادي عشر

القوى المحركة لحروب خطوط التقسيم الحضاري

(١) الهوية: صعود الوعي الحضاري

تمرُّ حروب خطوط التقسيم الحضاري بعمليات حدة واتساع واحتواء وتوقُّف ونادرًا ما تصِل إلى حل. وتبدأ هذه العمليات عادة متواليةً ولكنها غالبًا ما تتراكم، وقد تتكرَّر. وبمجرد أن تبدأ حروب خطوط التقسيم فإنها — مثل غيرها من الصراعات الطائفية — يُصبح لها شكلها الخاص وتتطوَّر بأسلوب الفعل ورد الفعل. الهويات التي كانت في الماضي متعددة وعرضية تُصبح مركزةً ومتصلبة، فالصراعات الطائفية تُسمَّى «حروب هوية»،1 وهي تسمية ملائمة.
ومع ازدياد العنف فإن القضايا المتنازع عليها تجنح إلى أن يُعاد تحديدها على وجه الحصر ﺑ «نحن» و«هم» حيث يتعزز تماسك الجماعة والتزامها. القادة السياسيون يوسعون ويعمقون توسلهم بالولاءات الإثنية والدينية، كما يَقْوى الوعي بالحضارة في علاقتها بالهويات الأخرى، ويظهر «محرك صغينة»، يُشبه «مأزق الأمن» في العلاقات الدولية، حيث تتغذَّى المخاوف المتبادلة وعدم الثقة والضغائن بعضها على البعض.2 كل جانبٍ يُعبر عن الاختلافات بين قوى الخير وقوى الشر ويُعظمها، وفي النهاية يحاول أن يُحوِّل هذه الاختلافات إلى تمييز نهائي بين السريع والميت. ومع تطور الثورات، يخلي المعتدلون والجيرونديون والمنشقون الساحة للراديكاليين واليعاقبة والبلشفيك. في حروب خطوط التقسيم تحدث غالبًا عمليات مشابهة. المعتدلون ذوو الأهداف المحدودة مثل الحكم الذاتي بدلًا من الاستقلال، لا يحققون هذه الأهداف عن طريق التفاوض الذي غالبًا ودائمًا ما يفشل من البداية، ثم ينضم إليهم أو يحلُّ محلَّهم راديكاليون ملتزمون بتحقيق أهداف أكثر تطرفًا عن طريق العنف. في الصراع المورو-الفلبيني اندمجت الجماعة المتطرفة الرئيسة «جبهة التحرير الوطنية للمورو» في البداية مع جبهة التحرير الإسلامية للمورو، التي كان لها موقف أكثر تطرفًا، ثم بجماعة «أبو سياف» التي كانت أكثر تطرفًا، ورفضت نداءات وقف إطلاق النار التي كانت الجماعات الأخرى تتفاوض بشأنها مع حكومة الفلبين.

في الثمانينيات، كانت الحكومة في السودان تتبنى، وبشكلٍ متزايد، مواقف إسلامية متطرفة، وفي أوائل التسعينيات انقسم التمرُّد المسيحي وظهرت جماعة جديدة هي حركة استقلال جنوب السودان لتناديَ بالاستقلال وليس مجرد الحكم الذاتي. في الصراع الدائم بين الإسرائيليين والعرب، وعندما تحركت منظمة التحرير الفلسطينية صاحبة الاتجاه السائد نحو التفاوض مع الحكومة الإسرائيلية، أعلنت «حماس» التابعة للإخوان المسلمين تحدِّيها للمنظمة وفاء للفلسطينيين، وفي نفس الوقت فإن دخول الحكومة الإسرائيلية في مفاوضات ولَّد احتجاجاتٍ وأعمالَ عنفٍ من قِبَل الجماعات الدينية المتطرفة في إسرائيل. وعندما اتَّسع نطاق صراع الشيشان مع الروس في ١٩٩٢-١٩٩٣م، وقعت حكومة «دوداييف» «تحت سيطرة أكثر الفصائل راديكالية من بين القوميين الشيشان المعارضين لأي تكيف مع موسكو، بينما دُفِعَت القوى الأكثر اعتدالًا دفعًا لتصبح هي المعارضة.» وفي طاجيكستان حدث تحول مماثل.

«مع تصاعد الصراع في عام ١٩٩٢م تنازلت الجماعات الطاجيكية الوطنية الديمقراطية بالتدريج، عن نفوذها للجماعات الإسلامية التي كانت أكثر نجاحًا في تعبئة فقراء المناطق الزراعية والشباب المديني الساخط. الرسالة الإسلامية أيضًا أصبحت بالتدريج أكثر راديكالية مع ظهور قيادات أصغر سنًّا تتحدى القيادات الدينية التقليدية والأكثر برجماتية.»

يقول أحد الزعماء الطاجيكيين: «لقد أغلقت قاموس الدبلوماسية.»

«وسوف أتكلَّم بلُغة القتال حيث هي اللغة الوحيدة التي يفرضها الموقف الذي خلفه الروس في وطني.»3 في البوسنة، وفي داخل حزب العمل الديمقراطي الإسلامي SDA أصبح الفصيل الوطني الأكثر تطرفًا بقيادة «علي عزت بيجوفيتش» أكثر نفوذًا من الفصيل الأكثر تسامحًا ذي التوجُّه المتعدد الثقافات بقيادة «حارس سيلاجدجيك».4 المتطرفون لا ينتصرون بالضرورة.

والعنف المتطرف ليس أكثر ترجيحًا من التسوية المعتدلة لإنهاء حرب من حروب خطوط التقسيم الحضاري. ومع تصاعد الخسائر موتًا وتدميرًا، ومع قلة الإمكانيات لاستعواضها، فمن المرجَّح أن يُعاود الظهور معتدلون في كل جانب يُشيرون مرة أخرى إلى «لا جدوى» ذلك كله، ويحثون الطرف الآخر على محاولة وضع نهاية له من خلال التفاوض.

في الحروب، تذوي الهويات المتعددة العناصر، وتُصبح الهوية الأكثر معنًى بالنسبة للصراع هي السائدة. وغالبًا ما تتحدَّد هذه الهوية دائمًا بالدين. فمن الناحية النفسية يُقدِّم الدين التبرير الأكثر توكيدًا ودعمًا للصراع ضد القوى «الكافرة» التي ينظر إليها كخطر. ومن الناحية العملية فإن جماعتها الدينية أو الحضارية هي المجتمع الأوسع الذي يمكن أن تلجأ إليه الجماعة المحلية المشتبكة في صراع، من أجل الحصول على الدعم.

مثلًا: لو عَرَّفَت إحدى القبائل في حرب محلية بين قبيلتَين نفسها بأنها قبيلةٌ مسلمة والثانية بأنها مسيحية، فإن القبيلة الأولى يمكن أن تأمُل في دعمها بالمال السعودي والمجاهدين الأفغان والأسلحة والمستشارين العسكريين من إيران، بينما يمكن أن تتطلَّع القبيلة الثانية للعون الاقتصادي والإنساني من الغرب والدعم السياسي والدبلوماسي من الحكومات الغربية. وإذا لم تتمكن جماعة من أن تفعل ذلك كما فعل مسلمو البوسنة، وتُصور نفسها بطريقةٍ مقنعة كضحية للإبادة وبالتالي تثير عطف الغرب، فإنها يمكن أن تتوقَّع مساعدة مهمة من أقاربها من نفس الحضارة فقط. وبصرف النظر عن مُسلمي البوسنة فقد كان ذلك هو الحال.

حروب خطوط التقسيم الحضاري هي، بتعريفها، حروب محلية بين جماعات محلية ذات اتصالات أوسع، ومن هنا فهي تُنمي الهويات الحضارية للمشاركين فيها. تقوية الهويات الحضارية حدث بين المشاركين في حروب خطوط التقسيم في حضارات أخرى، ولكنه كان سائدًا بين المسلمين على نحوٍ خاص. حروب خطوط التقسيم قد تكون أصولها في صراعات أُسرية أو عشائرية أو قبلية، ولكن لأن الهويات في العالم الإسلامي أقرب إلى شكل U، فإن الصراع كلما استمر، يلجأ المشاركون المسلمون لتوسيع هويتهم إلى «كل الإسلام»، كما حدث مع علمانيٍّ معادٍ للأصولية مثل «صدام حسين». ويلاحظ أحد المراقبين الغربيين أن حكومة «أذربيجان» بنفس الطريقة تلعب بالورقة الإسلامية. في طاجيكستان وفي حرب بدأت كصراعٍ ديني داخلي، راح المتمردون يعرفون قضيتهم وبشكلٍ متزايد على أنها قضية الإسلام. في حروب القرن التاسع عشر بين شعوب شمال القوقاز والروس، كان القائد الإسلامي «شامل» يُسمِّي نفسه ﺑ «الإسلامي»، كما وحَّدَ عشرات الجماعات الإثنية واللغوية «على أساس الإسلام ومقاومة الغزو الروسي». في التسعينيات، أفاد «دوداييف» من الصحوة الإسلامية التي حدثت في القوقاز في الثمانينيات لمواصلة قضية مشابهة. أيده رجال الدين المسلمون والأحزاب السياسية، وأقسم اليمين على القرآن (مثلما بارك البطريرك الأرثوذوكسي يلتسين)، وفي سنة ١٩٩٤م اقترح أن تُصبح شيشينيا دولة إسلامية تحكمها الشريعة. القوات الشيشانية كانت ترتدي أغطية رأس مزينة بكلمة «جافازات» أو «الحرب المقدسة» بالشيشانية، وكانوا يصيحون «الله أكبر» وهم في طريقهم للحرب.5 بنفس الأسلوب، تحول تعريف مُسلمي كشمير لأنفسهم إما من هوية إقليمية تضم المسلمين والهندوس والبوذيين أو التوحُّد مع العلمانية الهندية: إلى هوية ثالثة انعكست في «صعود القومية الإسلامية في كشمير وانتشار القِيَم الإسلامية الأصولية عابرة القوميات، والتي جعلت مسلمي كشمير يشعرون بأنهم جزء من باكستان الإسلامية والعالم الإسلامي.»
انتفاضة ١٩٨٩م ضد الهند كانت في الأصل بقيادة منظمة «علمانية نسبيًّا» مدفوعة من حكومة باكستان. بعد ذلك تحول الدعم الباكستاني إلى الجماعات الإسلامية الأصولية التي أصبحت لها السيطرة. هذه الجماعات كانت تضمُّ «منبوذين متمردين» يبدون «ملتزمين بالاستمرار في جهادهم» كهدف في حد ذاته مهما كان الأمل ومهما كانت النتيجة. ويقول مراقب آخر: «الخلافات الدينية أشعلت المشاعر القومية، النهوض العالمي للعسكرية الإسلامية شجع متمردي كشمير وأدى إلى تآكل تقاليد التسامح الهندوسية الإسلامية.»6 في البوسنة حدث صعود درامي للهويات الحضارية وبخاصة بين مجتمع المسلمين. تاريخيًّا، لم تكن الهويات الطائفية في البوسنة قوية، الصرب والكروات والمسلمون عاشوا كجيران في سلام، كانت الزيجات المتبادلة منتشرة، وكانت الانتماءات الدينية ضعيفة. وكان يُقال إن المسلمين بوسنيون لا يذهبون إلى الكنيسة. والكروات كانوا بوسنيين لا يذهبون إلى الكاتدرائية، والصرب بوسنيون لا يذهبون إلى الكنيسة الأرثوذوكسية. بمجرد أن انهارت الهوية اليوغوسلافية العريضة، استعادت تلك الهويات الدينية أهميتها، وبمجرد أن بدأ القتال … زادت قوتها. الولاء الاجتماعي المتَّسِم بالتعددية تبخَّر، وكل جماعة أصبحت تُعرِّف نفسها، بشكل متزايد، بمجتمعها الثقافي الأوسع وتُحدِّد نفسها على أساس ديني. صرب البوسنة أصبحوا صربًا قومِيين مُتشدِّدين يربطون أنفسهم بالصرب الكبرى والكنيسة الصربية الأرثوذوكسية وبالمجتمع الأرثوذوكسي الأوسع. كروات البوسنة كانوا أشد القوميين الكروات حماسًا واعتبروا أنفسهم مواطنين في كرواتيا وأكدوا كاثوليكيتهم، ومع كروات كرواتيا أكدوا هويتهم مع الغرب الكاثوليكي. تحوُّل الإسلام نحو الوعي الحضاري كان أكثر وضوحًا. حتى قيام الحرب، كان مُسلمو البوسنة علمانيين في نظرتهم بدرجةٍ كبيرة، وكانوا يعتبرون أنفسهم أوروبيين، وكانوا أشد المؤيدين لمجتمعٍ ولدولة بوسنية متعددة الثقافات. إلا أن ذلك بدأ في التغير مع تفكُّك يوغوسلافيا. ومثل الكروات والصرب في انتخابات ١٩٩٠م، رفض المسلمون الأحزاب ذات التعددية المجتمعية وصوَّتوا بأغلبيةٍ ساحقة لصالح حزب العمل الديمقراطي الإسلامي SDA بزعامة «علي عزت بيجوفيتش»، وهو مُسلم مخلص، كانت الحكومة الشيوعية قد سجنته لنشاطه الإسلامي. وفي كتاب بعنوان «البيان الإسلامي» صادر في سنة ١٩٧٠م يقول «بيجوفيتش» ﺑ «عدم إمكانية تمازج الإسلام مع الأنظمة غير الإسلامية، لا يمكن أن يُوجَد سلام أو تعايش بين الدين الإسلامي والمؤسسات الاجتماعية والسياسية غير الإسلامية».
عندما تُصبح الحركة الإسلامية قوية بدرجة كافية، فلا بد أن تستولي على السلطة وتقيم جمهورية إسلامية. في هذه الدولة الجديدة من المهم — على نحو خاص — أن يكون التعليم والإعلام «في أيدي أفراد لا خلاف على سلطتهم الأخلاقية والفكرية الإسلامية.»7 وباستقلال البوسنة، تبنى «بيجوفيتش» دولة متعددة الإثنية، المسلمون هم الجماعة المسيطرة فيها رغم أنهم ليسوا الأغلبية. ولم يكن شخصًا بمقدوره أن يقاوم أسلمة بلاده التي أفرزتها الحرب. تَردُّده في التبرؤ علنًا وبوضوح من كتاب «البيان الإسلامي» أثار الخوف بين غير المسلمين. ومع استمرار الحرب، انتقل البوسنيون والصرب والكروات من المناطق التي تسيطر عليها الحكومة البوسنية، أما من بقي منهم فوجد نفسه بالتدريج مُستبعدًا من الوظائف المرموقة ومن المشاركة في المؤسسات الاجتماعية. «اكتسب الإسلام أهمية أكبر في المجتمع القومي المسلم، وأصبحت الهوية القومية الإسلامية القوية جزءًا من السياسة والدين.» وكان يُعبر عن القومية الإسلامية في مواجهة القومية البوسنية المتعددة الثقافات في الإعلام على نحوٍ متزايد. التعليم الديني اتسع في المدارس، وظهرت كتب دراسية جديدة تؤكد مزايا الحكم العثماني. اللغة البوسنية رُقِّيت وميزت عن الصربية الكرواتية وشيئًا فشيئًا بدأ يضاف إليها كلمات عربية وتركية. المسئولون الحكوميون هاجموا الزواج المختلط وإذاعة موسيقى «المعتدين» أو الموسيقى الصربية. الحكومة شجَّعت الدين الإسلامي وأعطت المسلمين أفضلية في التوظيف والترقي. الأهم من ذلك كله أن الجيش البوسني «تأسلم»، وفي سنة ١٩٩٥م كان أكثر من ٩٠٪ من أفراده مُسلمين. وحدات الجيش أصبحت تُعرف نفسها بالإسلام أكثر فأكثر، وتمارس الشعائر الإسلامية وتستفيد بالرموز الإسلامية، كما أن وحدات النخبة هي الأكثر «أسلمة» وعددها يزيد. هذا التوجُّه أدى إلى احتجاج خمسة أعضاء (بينهم ٢ كروات و٢ صرب) من الرئاسة البوسنية ولكن «بيجوفيتش» رفض اعتراضهم، كما أدى إلى استقالة رئيس الوزراء «حارس سيلاجدجيك» صاحب التوجه المتعدد الثقافات في سنة ١٩٩٥م،8 حزب «بيجوفيتش» الإسلامي SDA بسط سيطرته السياسية على الدولة والمجتمع في البوسنة. في سنة ١٩٩٥م كان يسيطر على «الجيش والخدمة المدنية والمؤسسات العامة»، ويقال إن «المسلمين غير المنتمين للحزب»، ناهيك عن غير المسلمين، من الصعب أن يحصلوا على وظائف جيدة، كما يقول منتقدو الحزب إنه «أصبح وسيلة للسلطوية الإسلامية لها نفس أساليب الحكومة الشيوعية.»9 وإجمالًا، يقول مراقب آخر: «القومية الإسلامية تزداد تطرفًا، وهي الآن لا تُقيم أي اعتبار لأي مشاعر قومية أخرى. هي الملكية والميزة والأداة السياسية للدولة الإسلامية الجديدة المسيطرة، والنتيجة الأساسية لهذه القومية الإسلامية الجديدة حركة نحو عملية تجنيس قومي بشكل متزايد، الأصولية الدينية الإسلامية تحقق المزيد من السيطرة في تقرير مصالح المسلمين.»10

اتساع الهوية الدينية الذي أفرزته الحرب والتطهير العرقي، اختيارات قادتها، الدعم والضغط من الدول الإسلامية الأخرى، كل ذلك كان يُحول البوسنة ببطء، ولكن بوضوح، من سويسرا البلقان إلى إيران البلقان.

في حروب خطوط التقسيم الحضاري، هناك حوافز لدى كل جانب. لا لكي يؤكد هويته الحضارية الخاصة فحسب، وإنما هوية الجانب الآخر أيضًا. وفي حربها المحلية، لا تنظر الجماعة إلى نفسها على أنها تحارب مجرد جماعة إثنية أخرى، بل على أنها تحارب حضارة أخرى. وهكذا يتمُّ تعظيم الخطر واستعجاله بواسطة مصادر الحضارات الرئيسية. والهزيمة لها نتائج، ليس على الجماعة فقط وإنما على كل الحضارة التي تنتمي إليها. ومن هنا تكون حاجتها إلى حضارتها الخاصة لتكون وراءها في الصراع. الحرب المحلية أصبح يُعاد تعريفها كحرب أديان وصراع حضارات، ولها نتائج تؤثر على قطاعات عريضة من البشر.

في أوائل التسعينيات، وعندما أصبحت العقيدة الأرثوذوكسية والكنيسة الأرثوذوكسية مرة أخرى عوامل مركزية في الهوية القومية الروسية، «والتي ضغطت بدورها العقائد الروسية الأخرى إلى الخارج وأهمها الإسلام.»11 وجد الروس أن من صالحهم تعريف الحرب بين القبائل والمناطق في طاجيكستان، والحرب مع الشيشان على أنها فصول من صراع أوسع وممتد منذ قرون بين الأرثوذوكسية والإسلام، بخصومه المحليين الملتزمين الآن بالأصولية الإسلامية والجهاد ووكلاء إسلام أباد وطهران والرياض وأنقرة.

في يوغوسلافيا السابقة، كان الكروات يعتبرون أنفسهم حراس حدود الغرب الأشداء ضد هجوم الأرثوذوكسية والإسلام. وكان الصرب يحددون أعداءهم، لا بمجرد تَسميتهم بكروات البوسنة والمسلمين، وإنما ﺑ «الفاتيكان» و«الأصوليين المسلمين» و«الأتراك سيئي السمعة» الذين كانوا يهددون المسيحية على مر القرون.

يقول أحد الدبلوماسيين عن «كارادجيك» زعيم صرب البوسنة إنه «يرى تلك حربًا ضد الاستعمار في أوروبا، ويتحدث عن أنه يحمل مهمة إزالة الآثار الباقية للإمبراطورية التركية العثمانية في أوروبا.»12 ومسلمو البوسنة بدورهم يعرفون أنفسهم بأنهم ضحايا الإبادة الجماعية، الغرب يتجاهلهم بسبب دينهم، ومن هنا فهم يستحقون دعم العالم الإسلامي لهم. جميع الأطراف ومعظم المراقبين الخارجين أصبحوا ينظرون إلى الحروب اليوغوسلافية على أنها حروب دينية أو عرقية دينية. ويشير «ميشا جليني» إلى أن الصراع «اكتسب مواصفات الصراع الديني بشكل متزايد، حيث إنه محدد بثلاث عقائد أوروبية كبيرة: الكاثوليكية الرومانية، الأرثوذوكسية الرومانية، الأرثوذوكسية الشرقية والإسلام، حطام عقائد الإمبراطوريات التي انهارت حدودها في البوسنة.»13 إن اعتبار حروب خطوط التقسيم صدامات حضارية، أعطى كذلك حياة جديدة لنظرية الدومينو التي كانت موجودة أثناء الحرب الباردة، إلا أن الدول الرئيسية في الحضارات هي التي ترى الآن حاجة لتجنب الهزيمة في صراع محلي، الأمر الذي قد يُطلق العنان لسلسلة من الخسائر المتصاعدة تؤدي في النهاية إلى كارثة. وقفة الحكومة الهندية العنيفة بالنسبة لقضية كشمير، مستمدة إلى حدٍّ كبير من الخوف من أن فقدانها يمكن أن يكون حافزًا لأقليات عرقية ودينية أخرى لكي تضغط في اتجاه الاستقلال، وبالتالي قد يؤدي ذلك إلى تحطيم الهند. لو لم تضع روسيا نهاية للعنف السياسي في طاجيكستان كما حذر وزير الخارجية «كوزيريف»، لكان من الممكن أن يمتد إلى قرغيزستان وأوزبكستان. وكما قيل، كان يمكن أن يؤدي ذلك إلى تنمية الحركات الانفصالية في الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد الروسي، والنتيجة النهائية كما يقول البعض: قد تكون ظهور الأصولية الإسلامية في الميدان الأحمر.
ومن هنا فإن الحدود الأفغانية الطاجيكية كما قال «يلتسين»: هي في الواقع «حدود روسيا». الأوروبيون بدورهم عبروا عن قلقهم من أن قيام دولة إسلامية في يوغوسلافيا السابقة من شأنه أن يخلق قاعدة لانتشار المهاجرين والأصوليين المسلمين لتقوية ما أشار إليه «جاك شيراك» ﺑ «تلك الرائحة في أوروبا».14 حدود كرواتيا، في الواقع، هي حدود أوروبا. وباتساع حروب خطوط التقسيم، فإن كل جانب يحول خصومه إلى شياطين وغالبًا ما يصورهم على أنهم دون البشر وبالتالي يجوز له قتلهم. يقول «يلتسين» بالإشارة إلى مقاتلي الشيشان: «الكلاب المسعورة لا بد من قتلها.» ويقول الجنرال الإندونيسي «تراي سوتريسنو» مشيرًا إلى مذبحة مواطني «تيمور الشرقية» في ١٩٩١م: «هؤلاء الناس سيئو التربية لا بد من قتلهم رميًا بالرصاص … وسوف نقتلهم.» شياطين الماضي بُعِثَت في الحاضر: الكروات يصبحون «الأوستاش» والمسلمون والصرب والأتراك يصبحون «الشتنكس». ويتم تبرير القتل الجماعي والتعذيب والاغتصاب والطرد الوحشي للمدنيين، حيث يتغذى الكره المجتمعي على الكره المجتمعي. الرموز الرئيسية وإبداعات الثقافة المعارضة تصبح أهدافًا للتصويب عليها. الصرب، بشكل منتظم يدمرون المساجد وأديرة الفرنسيسكان، بينما يفجر الكروات أديرة الأرثوذوكس. وبصفتها مستودعات للثقافة، تصبح المتاحف والمكتبات عرضة للخطر، فتحرق قوات الأمن السنهالية مكتبة «جافنا» العامة وتدمر «وثائق أدبية وتاريخية لا تعوض تتعلق كلها بالثقافة التاميلية، ويقصف مسلحو الصرب ويدمرون المتحف الوطني في سراييفو، ويطهر الصرب مدينة «زفوزنيك» البوسنية من أهلها المسلمين البالغ عددهم أربعمائة ألف، ويزرعون صليبًا في مكان البرج العثماني بعد تفجيره، والذي كان قد حل هو أيضًا محل الكنيسة الأرثوذوكسية التي دمرها الأتراك في سنة ١٤٦٣م.»15

(٢) سباق الحضارات: دول القربى والشتات

على مدى الأربعين سنة من الحرب الباردة، نفذ الصراع إلى العمق حيث كانت القوى الكبرى تحاول تجنيد حلفاء وشركاء وأن تقلب أو تُحَوِّلَ أو تُحَيِّدَ حلفاء وشركاء القوى الكبرى الأخرى. المنافسة كانت بلا شك أشد ضراوة في العالم الثالث حيث تُوجَد دول حديثة ضعيفة، مضغوطة من القوى الكبرى لكي تنضم إلى الصراع الكوني الكبير. في عالم ما بعد الحرب الباردة حلَّت صراعات طائفية كثيرة محلَّ صراع القوة الكبرى الواحدة، وعندما تضمُّ هذه الصراعات الطائفية جماعات من حضارات مختلفة فإنها تميل إلى الاتساع والتصاعد. وعندما يُصبح الصراع أكثر حدة، يحاول كل جانبٍ أن يحشد الدعم من الجماعات والدول التي تنتمي لنفس حضارته. الدعم على نحوٍ أو آخر، رسمي أو غير رسمي، معلن أو سري، مادي، إنساني، دبلوماسي، عسكري … دائمًا يأتي من دولة أو أكثر من دول أو جماعات القربى، وكلما طال أمد خط التقسيم، زاد احتمال تورط دول القربى في أدوار الدعم والكبح والوساطة. ونتيجة لظاهرة «مجموعات دول القربى»، فإن إمكانية تصعيد صراعات خطوط التقسيم بين الحضارات أكبر من إمكانية تصعيدها داخل الحضارات، وتحتاج دائمًا إلى تعاون بين الحضارات لاحتوائها ووضع نهاية لها. وعلى العكس من الحرب الباردة فإن الصراع لا ينساب من أعلى إلى أسفل وإنما يفور ويبقبق من العمق. وهناك مستويات مختلفة لتورط الدول والجماعات في حروب خطوط التقسيم الحضاري. على المستوى الرئيسي هناك تلك الأطراف المتحاربة بالفعل والتي تقتل بعضها الآخر، وهذه قد تكون دولًا كما هي الحال بين الهند وباكستان وبين إسرائيل وجيرانها. ولكنها قد تكون أيضًا جماعات محلية وليست دولًا، أو دولًا أجنبية على أحسن تقدير كما كانت الحال في البوسنة وأرمن ناجورنو كاراباخ. هذه الصراعات أيضًا قد يدخل فيها مشاركون من المستوى الثاني، وعادة ما تكون دولة مرتبطة مباشرة بالأطراف الرئيسية مثل حكومات الصرب وكرواتيا في يوغوسلافيا السابقة، وحكومات أرمينيا وأذربيجان في القوقاز.

على صلة بالصراع أيضًا، هناك دول الدرجة الثالثة البعيدة عن القتال الفعلي، ولكن لها روابط حضارية بالمشاركين فيها، مثل ألمانيا وروسيا والدول الإسلامية بالنسبة ليوغوسلافيا السابقة، وروسيا وإيران بالنسبة للصراع الأرميني الأذربيجاني. هؤلاء المشاركون من الدرجة الثالثة غالبًا ما تكون دول المركز في الحضارات. كذلك يلعب الشتات إن وُجِد في دول المستوى الرئيسي دورًا في حروب التقسيم، وبفرض اشتراك أعداد قليلة من الأفراد والأسلحة على المستوى الرئيسي، فإن كميات متواضعة من المساعدات الخارجية على شكل أموالٍ أو سلاح أو متطوعين يمكن أن تكون ذات أثر كبير على نتيجة الحرب.

حصص الأطراف الأخرى في الصراع ليست متطابقة مع مثيلتِها لدى المشاركين من المستوى الرئيسي. الدعم الأكثر إخلاصًا وحماسًا لأطراف المستوى الرئيسي يأتي عادة من مجتمعات الشتات (الدياسبورا) الذين يتوحَّدون بشدة مع قضية أهلهم ويصبحون «أكثر كاثوليكية من البابا». مصالح حكومات المستوَيَين الثاني والثالث تُصبح أكثرَ تعقيدًا، فهم عادةً ما يُقدمون دعمًا لمشاركي المستوى الأول، وحتى إن لم يفعلوا ذلك فهُم مُهتمون بذلك من الجماعات المعارضة، الأمر الذي يُبرر مساعدة الآخرين لأقاربهم. بالإضافة إلى أن حكومات المستوَيَين الثاني والثالث لها مصلحة في احتواء القتال، وألا يكونوا هم أنفسهم متورطين مباشرة. ومن هنا فإنهم في الوقت الذي يدعمون فيه مشاركي المستوى الرئيسي، يحاولون إقناعهم بالاعتدال في أهدافهم. كما يحاولون أن يتفاوضوا مع نظرائهم في المستويين الثاني والثالث على الجانب الآخر من خط التقسيم، وبالتالي يمنعون حربًا أهلية من التصاعد والتحول إلى حرب أوسع تضمُّ دول المركز. ويوضح الشكل رقم ١١-١ العلاقات بين هذه الأطراف المحتملة في حروب خطوط التقسيم. هذا العدد الكبير من المشاركين لا يوجَد بالضرورة في جميع الحروب من هذا النوع ولكن في الكثير منها فقط بما فيها تلك التي في يوغوسلافيا السابقة وما وراء القوقاز، كما أن أي حرب من حروب خطوط التقسيم تقريبًا يمكن أن تتسع لتشمل جميع المستويات من المشاركين. على نحوٍ أو آخر فإن تجمعات الشتات ودول القربى كانوا متورطين دائمًا في جميع حروب خطوط التقسيم في التسعينيات. ومع الدور الأساسي الواسع للجماعات الإسلامية في مثل تلك الحروب، فإن الحكومات والجماعات الإسلامية هي الأكثر تكرارًا كمشاركين ثانويين ومشاركين من الدرجة الثالثة.
حكومات السعودية وباكستان وإيران وتركيا وليبيا كانت الأكثر نشاطًا في تقديم الدعم بدرجات مختلفة — وأحيانًا مع دول إسلامية أخرى — للمسلمين الذين يقاتلون غير المسلمين في فلسطين ولبنان والبوسنة وشيشينيا ووراء القوقاز وطاجيكستان وكشمير والسودان والفلبين. وإلى جانب الدعم الحكومي، فإن جماعات إسلامية كثيرة من المستوى الأول تم تدعيمها بواسطة الدولية الإسلامية من المحاربين في أفغانستان والذين شاركوا في صراعات امتدت من الحرب الأهلية في الجزائر إلى شيشينيا إلى الفلبين. هذه الدولية الإسلامية كما يقول أحد المحللين، تورطت في «توزيع المتطوعين بغرض إقامة حكم إسلامي في أفغانستان وكشمير والبوسنة، وحرب الدعاية المشتركة ضد الحكومات التي تعارض الإسلاميين في بلد أو آخر، وإنشاء مراكز إسلامية في دول الشتات تقوم بالعمل كمراكز سياسية لكل تلك الأحزاب.»16 الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي كذلك قدمتا دعمًا، وحاولتا التنسيق بين جهود أعضائهما في تقوية الجماعات الإسلامية في الصراعات الدولية. الاتحاد السوفيتي كان مشاركًا رئيسيًّا في الحرب الأفغانية، وفي السنوات التالية للحرب الباردة كانت روسيا مشاركًا رئيسيًّا في حرب الشيشان، ومشاركًا ثانويًّا في القتال في طاجيكستان، ومشاركًا من الدرجة الثالثة في حروب يوغوسلافيا السابقة.
الهند كان لها تورط رئيسي في كشمير، وآخر ثانوي في سريلانكا. الدول الغربية الرئيسية كانت مشاركًا من الدرجة الثالثة في الصراعات اليوغوسلافية. كذلك فإن تجمعات الشتات لعبت دورًا رئيسيًّا على كلا الجانبين في الصراعات الممتدة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وفي دعم الأرمن والكروات والشيشان في صراعاتهم. ومن خلال التليفزيون والفاكس والبريد الإلكتروني «التزامات الشتات يتم تقويتها وأحيانًا استقطابها من خلال الاتصال المستمر بأوطانهم السابقة، ولم تعد كلمة السابقة تعني الماضي.»17 في حرب كشمير قدمت باكستان دعمًا دبلوماسيًّا وسياسيًّا صريحًا للمتمردين، إلى جانب كميات معتبرة من المال والسلاح والتدريب والمساعدات اللوجستية والمأوى … طبقًا لمصادر عسكرية باكستانية. كما كانت تتصل بالحكومات الإسلامية نيابة عنهم. وبحلول عام ١٩٩٥م كان المتمردون قد ازدادوا قوة بما لا يقلُّ عن ١٢٠٠ من «المجاهدين» من «أفغانستان» وطاجيكستان والسودان، مسلحين بصواريخ «ستنجر» وأسلحة أخرى كان الأمريكيون قد زوَّدوهم بها في حربهم ضد الاتحاد السوفيتي.18
fig15
شكل ١١-١: بنية حرب معقدة من حروب خطوط التقسيم.
تمرد «المورو» في الفلبين أفاد في وقتٍ ما من الإعانات والمعدات الماليزية كما قدمت الحكومات الإسلامية مساعدات إضافية، تم تدريب الألوف في ليبيا، كما قامت أفغانستان والأصوليون الأفغان بتنظيم جماعة المتمردين المتطرفة المعروفة ﺑ «أبو سياف».19

في أفريقيا، كان السودان يساعد متمردي أريتريا المسلمين في حربهم ضد إثيوبيا، وانتقامًا لذلك قدمت إثيوبيا «دعمًا لوجستيًّا ومأوًى» «للمتمردين المسيحيين» الذين يحاربون السودان. كما تلقى المتمردون المسيحيون مساعداتٍ مماثلة من أوغندة، مما يعكس إلى حدٍّ ما «روابطها الدينية والجنسية والإثنية القوية بالثوار السودانيين». ومن جانب آخر، حصلت الحكومة السودانية على أسلحة تُقدَّر قيمتها بثلاثمائة مليون دولار من إيران، بالإضافة إلى التدريب والمستشارين، الأمر الذي مكن السودان من شنِّ هجوم كاسح ضد المتمردين في سنة ١٩٩٢م.

كما قدمت مجموعة من المنظمات المسيحية الغربية، الغذاء والدواء والمؤن للمتمردين المسيحيين، والأسلحة أيضًا كما تقول الحكومة السودانية.20
في الحرب بين متمردي التاميل والهندوس والحكومة السنهالية البوذية في سريلانكا، قدمت الحكومة الهندية دعمًا للمتمردين، حيث درَّبتهم في جنوب الهند وزودتهم بالمال والسلاح. في سنة ١٩٨٧م كانت الحكومة السريلانكية على وشك أن توقع الهزيمة بنمور التاميل، فثار الرأي العام الهندي ضد هذه «الإبادة الجماعية»، ونقلت الحكومة الهندية المعونات الغذائية جوًّا للتاميل، «في إشارة فعلية للرئيس «جاي وارن» أن الهند تنوي منعه من القضاء على النمور بالقوة».21

الحكومتان الهندية والسريلانكية توصلتا إلى اتفاق، تمنح بموجبه سريلانكا قدرًا من الحكم الذاتي لمناطق التاميل على أن يسلم التاميل أسلحتهم للجيش الهندي وقامت الهند بإنزال ٥٠٠٠٠ جنديٍّ على الجزيرة لتدعيم الاتفاق، ولكن «النمور» رفضوا تسليم أسلحتهم، وسرعان ما وجدت القوات الهندية نفسها مشتبكة مع قوات العصابات التي كانوا يدعمونها قبل ذلك. ومع بداية سنة ١٩٨٨م تم سحب القوات الهندية.

في سنة ١٩٩١م قُتِل رئيس وزراء الهند «راجيف غاندي» بيد أحد مؤيدي متمردي التاميل حسب رواية الهنود، وأصبح اتجاه الحكومة الهندية عدائيًّا نحو متمردي التاميل بشكلٍ متزايد. إلا أن الحكومة لم تستطع أن توقف التعاطف والدعم للمتمردين بين الخمسين مليون تاميلي في جنوب الهند.

وانعكاسًا لهذا الرأي، فإن المسئولين في حكومة تاميل نادو، تحديًا لنيودلهي، سمحوا لنمور التاميل بالعمل من ولايتهم ﺑ «حرية حركة حقيقية» على الساحل الممتد خمسمائة ميل، وبأن يرسلوا المؤن والأسلحة عبر مضيق «بالك» إلى المتمردين في سريلانكا.22

في بداية ١٩٧٩م، كان السوفيت، وبعد ذلك الروس، قد اشتركوا في ثلاث حروب رئيسية على خطوط التقسيم مع جيرانهم المسلمين في الجنوب: الحرب الأفغانية ١٩٧٩–١٩٨٩م، وذيلها حرب طاجيكستان التي بدأت في ١٩٩٢م، وحرب الشيشان التي بدأت في ١٩٩٤م، وبسقوط الاتحاد السوفيتي جاءت حكومة شيوعية إلى السلطة في طاجيكستان. هذه الحكومة كانت قد واجهت تحديًا في ربيع ١٩٩٢م من قبل معارضة مكونة من جماعات محلية وعرقية تضم كلًّا من العلمانيين والإسلاميين. وهذه المعارضة التي تقويها أسلحة من أفغانستان قامت بطرد الحكومة الموالية لروسيا من العاصمة «دوشانبي» في سبتمبر ١٩٩٢م، وكان رد الحكومتين الروسية والأوزبكستانية عنيفًا، وحذرتا من انتشار الأصول الإسلامية.

فرقة البنادق الروسية الميكانيكية رقم «٢٠» التي بقيت في طاجيكستان سلمت أسلحتها للقوات الموالية للحكومة، كما أرسلت روسيا قوات إضافية لحماية الحدود مع أفغانستان، في نوفمبر ١٩٩٢م وافقت روسيا وأوزبكستان وكازاخستان وقرغيزستان على التدخل الروسي الأوزبكستاني العسكري بزعم حفظ السلام، والحقيقة أنه كان بغرض المشاركة في الحرب.

بهذا الدعم، إلى جانب السلاح والمال الروسيين، تمكنت قوات الحكومة السابقة من استعادة «دوشانبي» وفرض السيطرة على معظم البلاد. وتبع ذلك عملية تطهير عرقي، وانسحب لاجئو وقوات المعارضة إلى داخل أفغانستان.

الحكومات الإسلامية الشرق أوسطية احتجت على التدخل الروسي. إيران وباكستان وأفغانستان ساعدوا المعارضة الإسلامية المتزايدة بالمال والسلاح والتدريب، وفي ١٩٩٣م — كما تقول التقارير — كان المجاهدون الأفغان يقومون بتدريب ألوف كثيرة من المحاربين، وفي ربيع صيف ١٩٩٣م شن المتمردون الطاجيك هجماتٍ عديدة عبر الحدود مع أفغانستان، وقتلوا عددًا من حرس الحدود الروس. وردَّت روسيا بنشر عددٍ أكبر من القوات في طاجيكستان، وتوجيه ضرباتٍ مكثفة «بالمدفعية والهاونات» والطائرات على أهداف أفغانية. الحكومات العربية قدمت للمتمردين الموارد المالية لشراء صواريخ «ستنجر» للرد على الطائرات. في ١٩٩٥م كانت روسيا قد نشرت ٢٥٠٠٠ جندي في طاجيكستان، كما كانت تقدم نصف الموارد المالية اللازمة لدعم الحكومة. من الناحية الأخرى، كان المتمردون يتلقَّون الدعم النشط من الحكومة الأفغانية ومن الدول الإسلامية الأخرى. وكما يشير «بارنيت روبن»، فإن فشل الهيئات الدولية أو الغرب في تقديم عونٍ مُهم سواء لطاجيكستان أو أفغانستان، جعل الأولى تعتمد تمامًا على الروس، والثانية تعتمد على أقاربها في الحضارة الإسلامية. «أي قائد أفغاني يأمل في مساعدة خارجية اليوم، لا بد أن يلبي رغبات الممولين العرب أو الباكستانيين الذين يريدون نشر الجهاد في آسيا الوسطى، أو أن يشارك في تجارة المخدرات.»23
الحرب الروسية الثالثة ضد المسلمين في شمال القوقاز مع الشيشان، كان لها مقدمات في القتال في ١٩٩٢-١٩٩٣م بين الجارين «الأوسيشيان» الأرثوذوكس و«الإنجوش» المسلمين. أثناء الحرب العالمية الثانية كان قد تم ترحيل «الإنجوش» و«الشيشان» والشعوب الإسلامية الأخرى إلى آسيا الوسطى. «الأوسيشيان» بقوا واستولوا على ممتلكات «الإنجوش». وفي سنة ١٩٥٦-١٩٥٧م سُمِحَ للشعوب المهجرة بالعودة وبدأ النزاع على الممتلكات والسيطرة على الأراضي. في نوفمبر ١٩٩٢م شن «الإنجوش» هجمات من جمهوريتهم لاستعادة منطقة «بيروجورادني» التي كانت الحكومة السوفيتية قد منحتها للأوسيشيان. ورد الروس بتدخلٍ كثيف يضم وحدات من القوزاق لمساعدة «الأوسيشيان» الأرثوذوكس. وكما يصف مراقب خارجي: «في نوفمبر ١٩٩٢م حاصرت القوات الروسية قرى «الإنجوش» في «أوسيشيا» وقصفتها بالدبابات ومن نجا من القصف مات بغيره أو أُسر … والمجزرة تم تنفيذها بواسطة فرق خاصة من الشرطة الأوسيشية OMON، ولكن القوات الروسية التي أُرسِلَت إلى المنطقة «لحفظ السلام» كانت غطاء للفرق الخاصة.»24 وفي تقرير للإيكونوميست: «كان من الصعب تصديق أن يكون كل هذا الدمار قد حدث في أقل من أسبوع.» وكانت تلك «أول عملية تطهير عرقي في الاتحاد الفيدرالي الروسي.» حينئذٍ استخدم الروس هذا الصراع لتهديد «الشيشان» حلفاء «الإنجوش» والذي أدى بدوره إلى «التعبئة الفورية في «شيشينيا» وكونفيدرالية شعوب القوقاز KNK، (ذات الأغلبية المسلمة)، وهددت اﻟ KNK بإرسال خمسمائة ألف متطوع ضد القوات الروسية إذا لم ينسحبوا من الأراضي الشيشانية. بعد وقفةٍ متصلبة، تراجَع الروس ليتجنبوا تصعيد الصراع «الأوسيشياني الشمالي-الإنجوشي وتطوره إلى حريق هائل يلتهم المنطقة بأسرها.»25
حريق هائل آخر وأكثر اتساعًا شبَّ في ديسمبر ١٩٩٤م عندما قامت روسيا بهجوم عسكري على أوسع نطاق على شيشينيا. قادة الجمهوريات الأرثوذوكئية جورجيا وأرمينيا أيدوا روسيا، بينما كان الرئيس الأوكراني «معتدلًا، دبلوماسيًّا، ودعا فقط إلى تسوية سلمية للأزمة.» هذا الإجراء الروسي كان بتأييد من الحكومة الأوسيشينية الشمالية الأرثوذوكسية، ومن ٥٥–٦٠٪ من الشعب الأوسيشي الشمالي.26 على العكس من ذلك، فإن المسلمين داخل وخارج الاتحاد الفيدرالي الروسي وقفوا إلى جانب الشيشان تمامًا. وفي الحال، قدمت الدولية الإسلامية المقاتلين الذين تدفقوا من أذربيجان وأفغانستان وباكستان والسودان وغيرها. الدول الإسلامية أيدت القضية الشيشانية. تركيا وإيران قدمتا مساعداتٍ مادية، وبذلك أعطوا روسيا حوافز إضافية لمحاولة استمالة إيران. تدفق مستمر من الأسلحة للشيشان بدأ يدخل الاتحاد الروسي من أذربيجان، مما جعل روسيا تغلق حدودها مع الدولة، وبالتالي تمنع الدواء والمؤن الأخرى عن شيشينيا.27 المسلمون في الاتحاد الروسي تجمعوا خلف الشيشان. وبينما لم تؤد الدعوة لحرب مقدسة ضد روسيا في القوقاز ذات الكثافة السكانية العريضة إلى تلك النتيجة، فإن قادة جمهوريات الفولجا الأورال الست طلبوا من روسيا وقف العمليات العسكرية، كما دعا ممثلو جمهوريات القوقاز الإسلامية إلى العصيان المدني ضد الحكم الروسي. رئيس جمهورية «الشوفاش» أعفى الشوفاش المطلوبين للتجنيد من الخدمة العسكرية ضد إخوانهم المسلمين، «أعنف احتجاج ضد الحرب» حدث في الجمهوريتَين المجاورتَين لشيشينيا: جمهورية «إنجوشيتيا» وجمهورية «داغستان». «الإنجوش» هاجموا القوات الروسية وهي في طريقها إلى شيشينيا، ودفعوا وزير الدفاع الروسي إلى أن يعلن أن حكومة «إنجوشيتيا» قد أعلنت الحرب على روسيا بالفعل»، كما حدث هجوم على القوات الروسية في داغستان أيضًا. وكان رد الروس هو قصف قرى الإنجوش وداغستان.28 وأدى تدمير الروس لقرية «بيرفامايسكوي» بعد دخول الشيشان إلى مدينة «كيزليار» في يناير ١٩٩٦م، إلى تعميق عداء الداغستانيين للروس. «شيشان» الشتات ساعدوا القضية أيضًا، وكان ذلك في جزءٍ كبير منه بسبب العدوان الروسي على شعوب جبال القوقاز في القرن التاسع عشر. في الشتات، جمعوا التبرعات وحصلوا على السلاح وأرسلوا المتطوعين. حدث ذلك بشكلٍ كبير في الأردن وتركيا، مما دفع الأردن لأن تتخذ موقفًا قويًّا ضد الروس، كما قوَّى من استعداد تركيا لمساعدة الشيشان.
في يناير ١٩٩٦م، عندما امتدت الحرب إلى تركيا، تعاطف الرأي العام التركي مع الاستيلاء على عبَّارة ورهائن روس بواسطة أفراد من شيشان الشتات. وبمساعدة قادة الشيشان تفاوضت الحكومة التركية لحل الأزمة، وبشكلٍ زاد من سوء العلاقات المتوترة أصلًا بين روسيا وتركيا. إغارة الشيشان على داغستان، الرد الروسي، الاستيلاء على العبَّارة في بداية ١٩٩٦م، كل ذلك زاد من احتمال اتساع الصراع وتحوله إلى صراع شامل بين الروس وشعوب الجبال على امتداد خطوطه، وهو الذي كان قد استمر لعدة عقود في القرن التاسع عشر. وفي سنة ١٩٩٥م كان تحذير «فيونا هيل» أن «القوقاز الجنوبي مثل علبة الكبريت، أي صراع في إحدى الجمهوريات يمكن أن يشعل حريقًا إقليميًّا ينتشر عبر الحدود إلى أنحاء الاتحاد الروسي، وسوف يفتح الباب لتورط جورجيا وأذربيجان وإيران وشتات شمال القوقاز. وكما توضح الحرب في شيشنيا فإن الصراع في المنطقة قد انتقل إلى الجمهوريات والأراضي المتاخمة لشيشينيا.» ويوافق على ذلك محلل روسي ويضيف: «الائتلافات غير الرسمية» كانت دائمًا موجودة على طول الخطوط بين الحضارات. «جورجيا وأرمينيا وناجورنو كاراباخ وأوسيشيا الشمالية المسيحية كانوا يتجمعون ضد أذربيجان وأبخازيا وشيشينيا وإنجوشيتيا المسلمة.» أما روسيا التي كانت تخوض بالفعل حربًا في طاجيكستان، فكانت «تخاطر بالانزلاق نحو مواجهة طويلة مع العالم الإسلامي.»29

في حرب أخرى من حروب خطوط التقسيم الأرثوذوكسية-الإسلامية، كان المشاركون الرئيسيون هم: أرمن إقليم ناجورنو كاراباخ، وحكومة وشعب أذربيجان. المجموعة الأولى تحارب من أجل الاستقلال عن الثانية. حكومة أرمينيا كانت مشاركًا ثانويًّا، وروسيا وتركيا وإيران كانوا متورطين من الدرجة الثالثة. بالإضافة إلى ذلك فإن الشتات الأرمني كان يلعب دورًا مهمًّا في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية. بدأ القتال في سنة ١٩٨٨م قبل نهاية الاتحاد السوفيتي، اتسع خلال ١٩٩٢-١٩٩٣م، وهدأ بعد التفاوض على وقف إطلاق النار في يناير ١٩٩٤م.

الأتراك والمسلمون الآخرون أيدوا أذربيجان بينما كانت روسيا تساعد الأرمن، ولكنها استخدمت نفوذها معهم حينذاك لكي تواجه الوجود التركي في أذربيجان. كانت تلك الحرب هي الفصل الأخير في كل من الصراعَين الدائرين منذ قرون بين الإمبراطورية الروسية والإمبراطورية العثمانية للسيطرة على منطقة البحر الأسود والقوقاز والعداء الشديد بين الأرمن والأتراك الذي يعود إلى مذبحة أوائل القرن العشرين: مذبحة الأرمن بأيدي الأتراك. في هذه الحرب، كانت تركيا مؤيدًا مستمرًّا لأذربيجان وخصمًا للأرمن. أول اعتراف من أي دولة باستقلال جمهورية سوفيتية غير بلطيقية، كان اعتراف تركيا بأذربيجان.

على طول الصراع، كانت تركيا تقدم الدعم المالي والمادي لأذربيجان، كما قامت بتدريب قواتها. وعندما اتسع نطاق العنف في ١٩٩١-١٩٩٢م وتوغل الأرمن في الأراضي الأذربيجانية، أصبح الرأي العام التركي مستثارًا وخضعت الحكومة التركية للضغوط لكي تساعد شعب القربى الدينية/الإثنية. كما خشيت أيضًا أن يعمق ذلك الانقسام الإسلامي/المسيحي، وينتج عنه دعم غربيٌّ لأرمينيا وتُعادي حلفاءها في اﻟ «ناتو». وهكذا كانت تركيا تواجِهُ ضغطًا من الاتجاهين مثل أي مشارك ثانوي في حروب خطوط التقسيم. إلا أن الحكومة التركية وجدت أن من صالحها أن تؤيد أذربيجان وتواجه أرمينيا. قال مسئول تركي «من المستحيل ألا تتأثر عندما ترى أقاربك يُقتلون.» وأضاف آخر: «نحن واقعون تحت ضغط، صحفنا مليئة بصور الفظائع … ربما يكون علينا أن نجعل أرمينيا ترى أن هناك تركيا كبيرة في هذه المنطقة.»

الرئيس «تورجوت أوزال» وافق قائلًا إن تركيا «لا بد أن تخيف الأرمن بعض الشيء.» ثم قامت تركيا وإيران بتحذير الأرمن وأعلنتا أنهما لن تقرَّا أي تعديل في الحدود. «أوزال» منع دخول الغذاء والمؤن لأرمينيا عبر تركيا، ونتيجة لذلك كان سكان أرمينيا على شفا مجاعة حقيقية في شتاء ١٩٩٢-١٩٩٣م، وكنتيجة لذلك أيضًا فقد حذَّر الماريشال الروسي «يفجيني شابوشينكوف» من أنه «إذا تدخل طرف آخر (أي تركيا)» في الحرب، «فسنكون على حافة حرب عالمية ثالثة». بعد عام آخر كان «أوزال» ما زال مشاركًا في الحرب، وكان يسخر قائلًا: «وماذا يُمكن أن يفعل الأرمن إذا أُطلقت عليهم النيران … هل يزحفون نحو تركيا؟» «تركيا سوف تكشر عن أنيابها.»30 في صيف وخريف ١٩٩٣ أفرز الهجوم الأرمني الذي كان يقترب من الحدود الإيرانية ردود فعل من قِبل كلٍّ من تركيا وإيران اللتين كانتا تتنافسان على النفوذ في داخل أذربيجان ودول آسيا الوسطى الإسلامية. تركيا أعلنت أن الهجوم كان يهدد أمنها وطلبت أن تنسحب القوات الأرمينية «فورًا ودون شروط» من أراضي أذربيجان، كما أرسلت تعزيزات إلى حدودها مع أرمينيا. كما ذُكِرَ أن القوات الروسية والقوات التركية تبادلتا إطلاق النار عبر الحدود. رئيسة وزراء تركيا «تانسو شيللر» صرحت بأنها ستطلب إعلان الحرب لو دخلت القوات الأرمينية إقليم «ناخيشيفان» الأذربيجاني القريب من تركيا. إيران أيضًا حركت القوات إلى الأمام وداخل أذربيجان بزعم إقامة معسكرات لإيواء اللاجئين الفارِّين من الهجوم الأرمني. هذا الإجراء الإيراني كما يقول المراقبون، جعل الأتراك يعتقدون أن بإمكانهم اتخاذ تدابير إضافية دون استثارة خطواتٍ روسية مضادة، كما أعطاهم حافزًا أبعد لمنافسة إيران في تقديم الحماية لأذربيجان. وفي النهاية انفرجت الأزمة عن طريق التفاوض في موسكو بين قادة تركيا وأرمينيا وأذربيجان، وتحت ضغطٍ أمريكي على الحكومة الأرمينية، وضغط من الحكومة الأرمينية على أرمن ناجورنو كاراباخ.31 وحيث إنهم يسكنون بلدًا صغيرًا محوطًا بالأرض وبموارد هزيلة ويطل على شعوب تركية معادية، كان الأرمن تاريخيًّا يتطلعون إلى حماية أقاربهم الأرثوذوكس: جورجيا وروسيا. روسيا، تحديدًا، كانت تعتبر الشقيق الأكبر إلا أنه أثناء عملية انهيار الاتحاد السوفيتي وعندما بدأ توجُّه أرمن ناجورنو كاراباخ نحو الاستقلال، رفض نظام «جورباتشوف» مطالبهم وأرسل قواته إلى المنطقة لدعم ما كان يُعتبر حكومةً شيوعية موالية في «باكو». وبعد نهاية الاتحاد السوفيتي أفسحت هذه الاعتبارات الطريق لاعتباراتٍ أخرى تاريخية وقديمة، فراحت أذربيجان تتهم الحكومة السوفيتية «بالتحوُّل ١٨٠ درجة»، وأخذت تساعد أرمينيا المسيحية بكل همة. المساعدة الروسية للأرمن كانت قد بدأت قبل ذلك بالفعل في الجيش السوفيتي، حيث كان الأرمن يرقون إلى أعلى الرتب ويُعينون في الوحدات المقاتلة بنسبة أكبر من المسلمين. وبعد أن بدأت الحرب لعب فوج البنادق الميكانيكي رقم ٣٦٦ في الجيش الروسي المتمركز في «ناجورنو كاراباخ»، دورًا مهمًّا في الهجوم الأرمني على مدينة «خودجالي» التي قتل فيها قرابة الألف من «الأذريين». بعد ذلك شاركت قوات «الاسبتزناز» الروسية أيضًا في القتال. وفي شتاء ١٩٩٢-١٩٩٣م، عندما كانت أرمينيا تعاني من الحصار التركي، «تم إنقاذها من الانهيار الاقتصادي الشامل بضخ بلايين الروبلات على هيئة قروض من روسيا.» وفي ذلك الربيع انضمت قوات روسية إلى القوات الأرمينية النظامية، لفتح طريق يصل بين أرمينيا و«ناجورنو كاراباخ»، ويقال إن قوة روسية مسلحة قوامها ٤٠ دبابة شاركت آنذاك في هجوم «كاراباخ» في صيف ١٩٩٣م،32 وبالتالي فإن أرمينيا كما يقول «هيل» و«جيوت»: «لم يكن أمامها من خيار سوى أن تتحالف مع روسيا … وبشكل أوثق. وهي معتمدة على روسيا في المواد الخام والطاقة وإمدادات الغذاء والدفاع ضد الأعداء التاريخيين على حدودها مثل أذربيجان وتركيا. أرمينيا وقعت على كل الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية الخاصة بدول الكومنولث المستقلة CIS وسمحت للقوات الروسية بالتواجُد على أراضيها وتنازلت عن كل مطالباتها بنصيبها في الأصول السوفيتية السابقة لصالح روسيا.»33

مساعدة الروس للأرمن عززت النفوذ الروسي بالنسبة لأذربيجان. في يونيو ١٩٩٣م، أطيح بالزعيم القومي الأذربيجاني «أبو الفيض الشيبي» في انقلاب، وحل محله الشيوعي «جايدر آلييف» المفترض أنه موالٍ للروس. «آلييف» استشعر الحاجة لاسترضاء روسيا بهدف كبح أرمينيا، نقَضَ رفْضَ أذربيجان الانضمام لاتحاد دول الكومنولث CIS وسمح للقوات الروسية بالتواجُد على أراضيها. كما فتح الباب أمام المشاركة الروسية في كونسورتيوم دولي لتطوير نفط أذربيجان. في المقابل، بدأت روسيا في تدريب القوات الأذربيجانية وضغطت على أرمينيا لتوقف مساعداتها لقوات «كاراباخ» وتقنعها بالانسحاب من أراضي أذربيجان. وبتحويل ثقلها من جانب إلى آخر، استطاعت روسيا أن تحصل على نتائج من أذربيجان وتواجه النفوذ الإيراني والتركي في ذلك البلد.

وهكذا فإن دعم روسيا لأرمينيا لم يُقوِّ من أقرب حلفائها في القوقاز فقط، بل أضعف أيضًا من منافسيها الرئيسيين المسلمين في تلك المنطقة. وبصرف النظر عن روسيا، فإن المصدر الرئيسي لدعم أرمينيا كان هو الشتات الأرمني الغني والمؤثر في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية والذي يضم حوالي مليون أرمني في الولايات المتحدة و٤٥٠٠٠٠ في فرنسا. أرمن الشتات قدموا الأموال والمؤن لمساعدة أرمينيا لكي تصمد أمام الحصار التركي ولإعانة موظفي الحكومة الأرمينية والمتطوعين في القوات المسلحة. مساهمات الإغاثة من المجتمع الأمريكي لأرمينيا وصلت ٥٠–٧٥ مليون دولار في السنة في منتصف التسعينيات. كذلك مارس أرمن الشتات نفوذًا سياسيًّا كبيرًا لدى حكومات البلاد التي يعيشون بها. أكبر التجمعات الأرمنية في الولايات المتحدة تُوجَد في ولايات رئيسية مثل كاليفورنيا وماساشوستس ونيوجيرسي. ونتيجة لذلك حظر الكونجرس أي مساعدة لأذربيجان وجعل أرمينيا ثالث أكبر دولة مُتلقية للمساعدات الأمريكية بالنسبة لعدد سكانها. هذا الدعم الخارجي كان مهمًّا لبقاء أرمينيا، وجعل منها بالفعل «إسرائيل القوقاز».34 ومثلما خلقت هجمات الروس في القرن التاسع عشر على شمال القوقاز الشتات الذي ساعد الشيشان على مقاومة الروس، فإن المجازر التركية للأرمن في أوائل القرن العشرين خلقت «شتاتًا» مَكَّنَ الأرمن من مقاومة تركيا وإلحاق الهزيمة بأذربيجان.

يوغوسلافيا كانت مسرحًا لمجموعة من حروب خطوط التقسيم الحضاري، هي الأكثر تعقيدًا وإرباكًا. على المستوى الرئيسي في كرواتيا: كانت الحكومة الكرواتية والكروات يحاربون صرب الكروات. وفي البوسنة-هيرزيجوفينا: كانت الحكومة البوسنية تحارب صرب البوسنة وكروات البوسنة الذين كانوا يحارب بعضهم البعض أيضًا. على المستوى الثانوي: تبنت الحكومة الصربية فكرة «الصرب الكبرى» بمساعدة صرب البوسنة وصرب الكروات، بينما كانت الحكومة الكرواتية تتطلع إلى «كرواتيا الكبرى»، وتساعد كروات البوسنة. على المستوى الثالث: كان هناك تجمع حضاري واسع يضم: ألمانيا والنمسا والفاتيكان، ودولًا أوروبية وجماعات كاثوليكية أخرى، وفيما بعد: الولايات المتحدة نيابة عن كرواتيا وروسيا واليونان ودولًا وجماعات أرثوذوكسية أخرى تقف وراء الصرب، وإيران والسعودية وتركيا وليبيا والدولية الإسلامية والدول الإسلامية عمومًا نيابة عن مُسلمي البوسنة. مسلمو البوسنة أيضًا كانوا يتلقون مساعدات من الولايات المتحدة — حالة شاذة عن نمط مساعدات الأقارب — الشتات الكرواتي في ألمانيا والشتات البوسني في تركيا كل منهما كان يساعد وطنه الأصلي. على الجبهات الثلاث، كانت الكنائس والجماعات الدينية نشطة أيضًا.

مواقف الحكومات الألمانية والتركية والروسية والأمريكية كانت على الأقل متأثرة بجماعات الضغط والرأي العام في مجتمعاتها. الدعم الذي قدمه المستويان الثاني والثالث كان ضروريًّا لإدارة الحرب كما كانت القيود التي فرضوها ضرورية لإيقافها. الحكومتان الصربية والكرواتية قدمتا السلاح والمؤن والدعم المالي والملتجأ، وأحيانًا قوات عسكرية، لشعوبها التي كانت تحارب في جمهورياتٍ أخرى. الصرب والكروات والمسلمون … كلهم تلقَّوا مساعداتٍ مهمة من قربى حضارية خارج يوغوسلافيا السابقة، على شكل أموالٍ وأسلحة ومؤن ومتطوعِين وتدريب ودعم سياسي ودبلوماسي.

صرب وكروات المستوى الأول غير الحكوميين كانوا أكثر تطرفًا في قوميتهم، مُتشدِّدين في مطالبِهم ومقاتلِين من أجل تحقيق أهدافهم. حكومات الكروات والصرب من المستوى الثاني بداية أيدوا أقاربهم من المستوى الأول بشدة، ولكن اختلاف مصالحهم جعلهم يقومون بدور الوساطة والاحتواء فيما بعد. وعلى التوازي، كانت حكومات المستوى الثالث: روسيا وألمانيا وأمريكا، تدفع حكومات المستوى الثاني التي كانوا يدعمونها، نحو ضبط النفس والتسوية. بدأ تفكُّك يوغوسلافيا في ١٩٩١م عندما تحركت كل من «سلوفينيا» و«كرواتيا» نحو الاستقلال واللجوء إلى القوة الغربية بحثًا عن التأييد. استجابة الغرب حددتها ألمانيا، واستجابة ألمانيا في جزءٍ كبير منها حددتها الصلة الكاثوليكية. حكومة «بون» كانت واقعة تحت ضغط من القيادة الألمانية الكاثوليكية وشريكها في الائتلاف حزب الاتحاد الاشتراكي المسيحي في «بافاريا» و«فرانكفورتر الليجمن زيتونج» ووسائل الإعلام الأخرى. الإعلام البافاري، على نحو خاص، لعب دورًا حاسمًا في دفع مشاعر الجماهير الألمانية للاعتراف. وتلاحظ «فلورا لويس» أن «التليفزيون البافاري الذي تعتمد عليه حكومة «بافاريا» المحافظة جدًّا والكنيسة البافارية الكاثوليكية المتشدِّدة ذات الصلة الوثيقة ﺑ «كرواتيا»، كان يقدم التقارير التليفزيونية لكل ألمانيا عندما بدأت الحرب (مع الصرب) بشكلٍ جدي. كانت التغطية من جانب واحد تمامًا». الحكومة الألمانية كانت مترددةً بخصوص الاعتراف، ولكن أمام الضغوط من المجتمع الألماني لم يكن أمامها خيار كبير. «التأييد للاعتراف بكرواتيا كان مدفوعًا بالرأي العام في ألمانيا وليس منتزعًا بواسطة الحكومة.» ألمانيا ضغطت على الاتحاد الأوروبي ليعترف باستقلال «سلوفينيا» و«كرواتيا»، وبعد ضمان ذلك اندفعت هي معتمدة على نفسها للاعتراف بها قبل أن يعلن الاتحاد ذلك في ديسمبر ١٩٩١م، ويلاحظ باحث ألماني في ١٩٩٥ أن «بون» أثناء الصراع، كانت تعتبر «كرواتيا» وزعيمها «فرانجو تدجمان» وكأنهما تحت حماية السياسة الخارجية الألمانية، صحيح أن سلوكهما الشاذ قد يبعث على الضيق، إلا أنهما مع ذلك يمكن أن يعتمدا على التأييد الألماني الثابت.35
النمسا وإيطاليا تحركتا دون إبطاء للاعتراف بالدولتين الجديدتين، وسرعان ما تبعتهما الدول الغربية الأخرى بما فيها الولايات المتحدة. كما لعب الفاتيكان دورًا رئيسيًّا، فأعلن البابا أن «كرواتيا» هي «متراس المسيحية الغربية» وسارع من أجل توسيع الاعتراف الدبلوماسي بالدولتين، وقبل أن يفعل الاتحاد الأوروبي ذلك.36 وهكذا أصبح الفاتيكان شريكًا في الصراع، الأمر الذي كان له نتائجه في ١٩٩٤م عندما خطط البابا لزيارة الجمهوريات الثلاث. معارضة الكنيسة الأرثوذوكسية الصربية منعت زيارته إلى «بلجراد»، كما أدى عدم استعداد الصرب لضمان أمنه إلى إلغاء زيارته إلى «سراييفو»، إلا أنه ذهب إلى «زغرب»، حيث كرَّم الكاردينال «ألوجيجي سيبتيناك» الذي كان على صلة بالنظام الكرواتي الفاشستي في الحرب العالمية الثانية، التي اضطهدت وذبحت الصرب والغجر واليهود. وبعد أن ضمنت «كرواتيا» اعتراف الغرب باستقلالها، بدأت في تطوير قواتها العسكرية بالرغم من حظر السلاح الذي فرضته الأمم المتحدة على كل جمهوريات يوغوسلافيا السابقة في سبتمبر ١٩٩١م، وتدفق السلاح على كرواتيا من الدول الأوروبية الكاثوليكية مثل ألمانيا وبولندة والمجر، وكذلك من دول أمريكا اللاتينية مثل بنما وشيلي وبوليفيا. وعندما تصاعدت الحرب في سنة ١٩٩١م، زادت صادرات السلاح الإسبانية التي يتحكم فيها «أوبس دي» إلى حد كبير (كما يقال) بمقدار ست مرات في فترة زمنية قصيرة، كان المفترض أن يجد معظمها طريقه إلى «لجوبليانا» و«زغرب». كما يقال إن «كرواتيا» حصلت على عدد من طائرات «ميج ٢١» من ألمانيا وبولندة بمعرفة حكومتيهما في سنة ١٩٩٣م، مئات وربما ألوف من المتطوعين انضموا إلى القوات الكرواتية، قادمين من «أوروبا الغربية والشتات الكرواتي والدول الكاثوليكية في أوروبا الشرقية»، وكانوا متلهفين على الحرب «في حملة صليبية ضد كل من الشيوعية الصربية والأصولية الإسلامية». كما قدم العسكريون المحترفون من الدول الغربية المساعدات الفنية. وبفضل هذا الدعم من ذوي القربى إلى حدٍّ ما، استطاع الكروات تقوية قواتهم المسلحة وأن يوجدوا المقابل للجيش اليوغوسلافي الذي كان يسيطر عليه الصرب.37 كان الدعم الغربي لكرواتيا يتضمَّن أيضًا التغاضي عن عمليات التطهير العرقي وانتهاك حقوق الإنسان وقوانين الحرب، التي كان الصرب يدانون من أجلها باستمرار. في سنة ١٩٩٥م لاذ الغرب بالصمت عندما قام الجيش الكرواتي، بعد إعادة بنائه، بهجوم على الصرب في «كراجينا»، والذين كانوا يعيشون هناك منذ قرون ودفع مئات الألوف منهم إلى المنافي في البوسنة وصربيا. كذلك أفادت كرواتيا من شتاتها ذي الحجم الكبير. الكروات الأغنياء في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية قدموا المعونات لشراء الأسلحة والمعدات. اتحادات الكروات في الولايات المتحدة كانت تمارس تأثيرًا على الكونجرس وعلى الرئيس نيابة عن وطنهم الأصلي. الستمائة ألف كرواتي في ألمانيا كانوا من أهم العوامل وأكثرها تأثيرً. «تجمعات الكروات في كندا والولايات المتحدة وأستراليا وألمانيا قامت بالتعبئة للدفاع عن وطنهم المستقل حديثًا.»38 وذلك بتقديم مئات المتطوعين للجيش الكرواتي. في سنة ١٩٩٤م انضمت الولايات المتحدة لدعم البناء العسكري الكرواتي، وتجاهلت الانتهاكات الكرواتية الهائلة لقرارات الأمم المتحدة وحظر السلاح، فقدمت التدريب العسكري للكروات وسمحت لكبار القادة العسكريين الأمريكيين المتقاعدين بالعمل كمستشارين لديهم. الحكومتان الأمريكية والألمانية أعطتا الضوء الأخضر بالهجوم الكرواتي على «كراجينا» في ١٩٩٥م، المستشارون العسكريون الأمريكيون شاركوا في التخطيط لهذا الهجوم بالأسلوب الأمريكي، والذي — كما يقول الكروات — أفاد كذلك من المعلومات الاستخبارية التي زودتهم بها أقمار التجسس الأمريكية. وكما يقول أحد كبار المسئولين، «أصبحت كرواتيا حليفنا الاستراتيجي الحقيقي.» كما يقال إن هذا التطور عكس «حسابًا طويل المدى» وهو أن قوتَين محليتين سوف تسيطران في النهاية على ذلك الجزء من العالم؛ إحداهما في «زغرب» والثانية في «بلغراد» إحداهما مرتبطة بواشنطن والثانية مثبتة في كتلة سلافية تمتد إلى موسكو.39

الحروب اليوغوسلافية أفرزت أيضًا تجمعًا كبيرًا للعالم الأرثوذوكسي وراء صريبا. القوميون الروس، ضباط القوات المسلحة، رجال البرلمان، رؤساء الكنيسة الأرثوذوكسية، كل أولئك كانوا واضحين في دعمهم ﻟ «صربيا» والحط من شأن «الأتراك» البوسنيين، وانتقاداتهم للاستعمار الغربي وﻟ «ناتو».

القوميون الروس والصرب معًا كانوا يثيرون المعارضة في كلا البلدين بخصوص «النظام العالمي الجديد»، وإلى حد كبير جدًّا كان يشارك في هذه العواطف: الجماهير الروسية وبأكثر من ٦٠٪ من أهالي موسكو مثلًا عارضت الضربات الجوية ﻟ «ناتو» في صيف ١٩٩٥م، كما نجحت جماعات القوميين الروس في تجنيد الشباب الروسي في كثير من المدن الرئيسية للانضمام إلى «قضية الأُخُوَّة السلافية»، ويقال إن ألفًا من الروس أو يزيد، مع متطوعين من رومانيا واليونان، سجلوا أسماءهم في القوات الصربية لمحاربة من كانوا يصفونهم ﺑ «الفاشيست الكاثوليك»، و«المقاتلين الإسلاميين»، في سنة ١٩٩٢م كان هناك، طبقًا للتقارير، وحدة روسية «في الزي الرسمي للقوزاق» تعمل في البوسنة. وفي ١٩٩٥م كان الروس يخدمون في وحدات النخبة العسكرية الصربية، وطبقًا لتقرير من الأمم المتحدة فإن المقاتلين الروس واليونانيين شاركوا في الهجوم الصربي على منطقة «زيبا» الأمنية التابعة للأمم المتحدة.40 ورغم حظر الأسلحة إلا أن أصدقاء صربيا الأرثوذوكس كانوا يزودونها بالسلاح والعتاد الذي كانت في حاجة إليه. وفي أوائل ١٩٩٣م يبدو أن المؤسسات العسكرية والاستخبارية الروسية باعت للصرب بما قيمته ثلاثمائة مليون دولار دبابات من طراز T-55 وصواريخ مضادة للصواريخ وصواريخ مضادة للطائرات. الفنيون العسكريون الروس، ذهبوا إلى الصرب — كما يقال — لتشغيل تلك المعدات وتدريب الصربيين عليها. كذلك حصلت الصرب على أسلحة من دول أرثوذوكسية أخرى، وكانت رومانيا وبلغاريا أنشط المصادر، كما كانت أوكرانيا إحداهما. بالإضافة إلى ذلك فإن قوات حفظ السلام الروسية في «سلوفينيا الشرقية» كانت تحول مساعدات الأمم المتحدة إلى الصرب، وتسهل تحركاتها العسكرية وتساعد قواتها في الحصول على السلاح.41 ورغم العقوبات العسكرية، إلا أن الصرب كانت قادرة على أن تظل في وضع جيد إلى حد ما نتيجة تهريب الوقود والسلع الأخرى بكميات كبيرة من «تيميسورا»، والذي كان يتمُّ عن طريق مسئولين حكوميين من رومانيا وألبانيا ونظمته شركات إيطالية في البداية، ثم شركات يونانية بالتواطؤ مع الحكومة اليونانية. وكانت شحنات السلع والكيماويات وأجهزة الكمبيوتر وغيرها تصل من اليونان إلى «صربيا» عن طريق «مقدونيا»، كما كانت تخرج منها كميات مماثلة من الصادرات الصربية.42
الجمع بين إغراء الدولار وتعاطف ذوي القربى الثقافية، جعل من العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الأمم المتحدة ضد الصرب أمرًا مضحكًا، كما حدث أيضًا بالنسبة لحظر السلاح الذي فرضته على كل الجمهوريات اليوغوسلافية السابقة. أثناء الحروب اليوغوسلافية، كانت الحكومة اليونانية تُبعد نفسها عن الإجراءات التي يقررها الأعضاء الغربيون في اﻟ «ناتو»، كما عارضت تدخلاته العسكرية في «البوسنة» وأيدت الصرب في الأمم المتحدة ووافقت مع حكومة الولايات المتحدة على رفع العقوبات الاقتصادية عن «صربيا» في سنة ١٩٩٤م أكد رئيس الوزراء اليوناني «أندرياس باباندريو» على أهمية الصلة الأرثوذوكسية مع «صربيا» وهاجم الفاتيكان والاتحاد الأوروبي علنًا لتسرعهم في مدِّ الاعتراف الدبلوماسي لسلوفينيا وكرواتيا في نهاية عام ١٩٩١م.43 وكقائد لشريك من المستوى الثالث، كان «بوريس يلتسين» مضغوطًا من ناحيتين، الأولى هي الرغبة في الحفاظ على العلاقات الجيدة مع الغرب وتوسيعها والإفادة منها، والثانية مساعدة الصرب ونزع السلاح من يد معارضيه السياسيين الذين كانوا يتهمونه دائمًا بالاستسلام للغرب. ولكن الاهتمام الثاني هو الذي انتصر بشكلٍ عام، وكان الدعم الروسي للصرب متكررًا ومتواصلًا. في عامي ١٩٩٣م، ١٩٩٥م عارضت الحكومة الروسية بشدة فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية الأكثر تشددًا مع صربيا، كما صوَّت البرلمان الروسي بالإجماع تقريبًا لصالح رفع العقوبات القائمة. كذلك دفعت روسيا في اتجاه تشديد حظر السلاح ضد المسلمين وتطبيق عقوبات اقتصادية ضد «كرواتيا». وفي ديسمبر ١٩٩٣م حثت روسيا على تخفيض العقوبات الاقتصادية لكي يُسمح لها بتزويد «صربيا» بالغاز الطبيعي في فصل الشتاء، وهو المشروع الذي أحبطته الولايات المتحدة وبريطانيا. وفي سنة ١٩٩٤م ثم في ١٩٩٥م عارضت روسيا بشدة ضربات اﻟ «ناتو» الجوية ضد صرب البوسنة. وفي السنة الأخيرة (١٩٩٥م) استنكر «الدوما» الروسي القصف بتصويتٍ جماعي وطالب باستقالة وزير الخارجية «أندريه كوزيريف» لدفاعه غير الفعال عن مصالح روسيا القومية في البلقان. كما اتهمت روسيا اﻟ «ناتو» في سنة ١٩٩٥م بتنفيذ مذبحة جماعية ضد الصرب، وحذر الرئيس «يلتسين» من أن القصف المستمر سوف يؤثر بشدة على تعاون روسيا مع الغرب من أجل السلام، بما في ذلك مشاركتها في اﻟ «ناتو». وكان يتساءل: «كيف يمكن أن نصل إلى اتفاقٍ مع اﻟ «ناتو» بينما هو يقصف الصرب؟» بوضوح شديد، الغرب يطبق ازدواجية المعايير أو الكيل بمكيالين. «كيف يمكن ألا تتخذ أي إجراءات ضد المسلمين عندما يقومون بالهجوم؟ أو عندما يقوم الكروات بالهجوم؟»44 كما عارض الروس الجهود المبذولة لتعليق حظر السلاح ضد الجمهوريات اليوغوسلافية السابقة، والذي كان له أثره السياسي على مسلمي البوسنة، وكانوا يحاولون تشديده باستمرار. كذلك استخدمت روسيا موقعها في الأمم المتحدة وغيرها للدفاع عن مصالح الصرب بوسائل أخرى كثيرة. في ديسمبر ١٩٩٤م استخدمت حق «الفيتو» ضد مشروع قرار في مجلس الأمن تقدمت به الدول الإسلامية لحظر نقل الوقود من صربيا إلى صرب البوسنة والكروات. وفي أبريل ١٩٩٤م أحبطت روسيا قرارًا للأمم المتحدة يدين الصرب بالتطهير العرقي، كما أعاقت تعيين أي شخصٍ من أي دولة من دول اﻟ «ناتو» كمدعٍ عام لمحكمة جرائم الحرب التابعة للأمم المتحدة بسبب احتمال الانحياز ضد الصرب، كما اعترضت على اتهام المحكمة ﻟ «راتكو مالديك» القائد العسكري لصرب البوسنة ومنحته لجوءًا سياسيًّا إلى روسيا.45 في سبتمبر ١٩٩٣م عطلت روسيا تجديد تصريح الأمم المتحدة لعدد ٢٢ ألفًا من قوات حفظ السلام في يوغوسلافيا السابقة. في صيف ١٩٩٥م عارضت روسيا — ولكنها لم تستخدم حق «الفيتو» — قرارًا لمجلس الأمن يسمح لعدد ١٢٠٠٠٠ أخرى من قوات الأمم المتحدة وهاجمت كلًّا من اعتداءات الكروات ضد حرب «كراجينا» وفشل الحكومات الغربية في اتخاذ أي إجراءٍ ضدها. أوسع التجمعات الحضارية وأكثرها كفاءة كان بواسطة العالم الإسلامي لصالح مُسلمي البوسنة. القضية كانت معروفة في كل أنحائه، المساعدات جاءت من مصادر مختلفة عامة وخاصة. الحكومات الإسلامية — وبخاصة في إيران والسعودية — كانت تتنافس في تقديم الدعم، ومحاولة كسب النفوذ الذي يتحقق من وراء ذلك.
تجمعات سنية وشيعية، أصولية وعلمانية، عرب وغير عرب من المغرب إلى ماليزيا كلهم احتشدوا. تجليات الدعم الإسلامي للبوسنيين تنوعت بين المساعدات الإنسانية (بما فيها ٩٠ مليون دولار جمعت في السعودية وحدها في سنة ١٩٩٥م) عن طريق الدعم الدبلوماسي والمساعدات العسكرية الواسعة، وبين أعمال العنف مثل قتل «١٢» من الكروات في الجزائر في سنة ١٩٩٤م على يد متطرفين إسلاميين «ردًّا على مجزرة المسلمين، إخواننا في الدين الذين ذبحوا في البوسنة».46 هذا التجمع كان له أثره الكبير على سير الحرب، وكان ضروريًّا من أجل بقاء الدولة البوسنية ونجاحها في استعادة الأرض بعد الانتصارات الصربية الأولى الساحقة. وقد حفز ذلك على أسلمة المجتمع البوسني وتوحُّد مسلمي البوسنة مع المجتمع الإسلامي العالمي. كما قدم ذلك أيضًا دافعًا للولايات المتحدة لكي تتعاطف مع مطالب البوسنة. الحكومات الإسلامية، سواء بشكلٍ فردي أو جماعي، كانوا يعبرون عن تضامُنهم كثيرًا مع البوسنيين شركائهم في الدين. إيران كانت في الطليعة في سنة ١٩٩٢م عندما وصفت الحرب بأنها صراع ديني مع الصرب المسيحيين الذين اشتركوا في المذابح الجماعية ضد مُسلمي البوسنة. وباتخاذها هذا السبق، يلاحظ «فؤاد عجمي» أن إيران دفعت «مقدمة حساب لكي تدين لها الدولة البوسنية بالعرفان»، وقدمت النموذج والحافز للقوى الإسلامية الأخرى مثل تركيا والسعودية لكي يحذوا حذوها.
ونتيجة حث إيران، تبنت منظمة المؤتمر الإسلامي U القضية وشكلت مجموعة ضغط من أجلها في الأمم المتحدة. في أغسطس ١٩٩٢م أدان ممثلو الدول الإسلامية الإبادة الجماعية المزعومة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتقدمت تركيا نيابة عن منظمة المؤتمر الإسلامي باقتراح يدعو إلى التدخُّل العسكري عملًا بالمادة رقم ٧ من ميثاق المنظمة الدولية. حددت الدول الإسلامية موعدًا نهائيًّا للغرب في سنة ١٩٩٣م لاتخاذ إجراء لحماية البوسنيين، بعده يكون من حقهم أن يزودوا البوسنة بالسلاح. وفي مايو ١٩٩٣م شجبت منظمة المؤتمر الإسلامي الخطة التي وضعتها دول الغرب وروسيا لتقديم ملاجئ آمنة للمسلمين، ومراقبة الحدود مع صربيا، دون الوعد بأي تدخُّل عسكري، وطلبت المنظمة رفع الحظر على السلاح واستخدام القوة ضد الأسلحة الثقيلة للصرب والرقابة المشدودة على الحدود الصربية واشتراك وحدات من دول إسلامية في قوات حفظ السلام.

وفي الشهر التالي، استطاعت منظمة المؤتمر الإسلامي برغم اعتراضات الغرب وروسيا، أن تحصل على موافقة مؤتمر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان على اتخاذ قرار بإدانة العدوان الصربي الكرواتي وتدعو إلى إنهاء الحظر على السلاح. وفي يوليو ١٩٩٣م، وعلى غير رضا الغرب، اقترحت منظمة المؤتمر الإسلامي أن تقدم ١٨٠٠٠ جندي لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وكان الجنود من إيران وتركيا وماليزيا وتونس وباكستان وبنجلاديش.

استخدمت الولايات المتحدة «الفيتو» ضد إيران، كما اعترض الصرب بشدة على إشراك قوات تركية، إلا أن الأخيرة وصلت إلى البوسنة في صيف ١٩٩٤م، وبحلول عام ١٩٩٥ كانت قوة الحماية المكونة من ٢٥٠٠٠ جندي، والتابعة للأمم المتحدة تضم بين صفوفها ٧٠٠٠ من تركيا وباكستان وماليزيا وإندونيسيا وبنجلاديش. وفي أغسطس ١٩٩٣م استطاعت لجنة من منظمة المؤتمر الإسلامي برئاسة وزير خارجية تركيا أن تضغط على «بطرس غالي» و«روان كريستوفر» لتأييد ضربات جوية يقوم بها اﻟ «ناتو» لحماية البوسنيين ضد هجمات الصرب. وقد أدى فشل الغرب في اتخاذ هذا الإجراء كما قيل، إلى توترات خطيرة بين تركيا وحلفائها في حلف شمال الأطلنطي.47 وفيما بعد قام رئيسا وزراء تركيا وباكستان بزيارة إلى «سراييفو» أحيطت بإعلام جيد، للتعبير عن الاهتمام الإسلامي، وكررت منظمة المؤتمر الإسلامي مطالبتَها مرةً أخرى بالمساعدة العسكرية للبوسنيين، وفي صيف ١٩٩٥م فشل الغرب في الدفاع عن المناطق الآمنة ضد هجمات الصرب، الأمر الذي أدى إلى أن توافق تركيا على المساعدة العسكرية للبوسنة وتدريب قوات بوسنية، وإلى أن تلزم ماليزيا نفسها ببيع أسلحة لهم خرقًا لحظر الأمم المتحدة، وأدى بدولة الإمارات العربية أن توافق على تقديم الأموال اللازمة للأغراض العسكرية والإنسانية. في أغسطس ١٩٩٥م، أعلن وزراء خارجية ٩ دول من دول منظمة المؤتمر الإسلامي أن حظر الأمم المتحدة على السلاح غير سار، وفي سبتمبر وافق الأعضاء الاثنان والخمسون في منظمة المؤتمر الإسلامي على مساعدات عسكرية واقتصادية للبوسنيين.
وبينما لم تحصل أي قضية أخرى على مثل هذا الدعم الجماعي في كل الدول الإسلامية، كان لمأزق مُسلمي البوسنة صداه الخاص في تركيا. البوسنة كانت جزءًا من الإمبراطورية العثمانية بالفعل حتى سنة ١٨٧٨م، ونظريًّا حتى سنة ١٩٠٨م، ويمثل اللاجئون والمهاجرون البوسنيون ٥٠٪ تقريبًا من سكان تركيا. التعاطف مع قضية البوسنة والغضب لفشل الغرب في حماية البوسنيين كانا متغلغلَين بين الشعب التركي، وقد استغل حزب الرفاة الإسلامي المعارض هذه القضية ضد الحكومة. مسئولو الحكومة بدورهم أكدوا على التزامات تركيا الخاصة بالنسبة لجميع مسلمي البلقان، وكانت الحكومات تدفع باستمرار في اتجاه تدخل الأمم المتحدة عسكريًّا لحماية البوسنة.48

والمساعدة المهمة التي قدمتها «الأمة» لمسلمي البوسنة كانت إلى حدٍّ كبير مساعدة عسكرية: أسلحة، أموالًا لشراء السلاح، تدريبًا عسكريًّا، متطوعين. وبعد أن بدأت الحرب مباشرة استنفرت الحكومة البوسنية «المجاهدين» ووصل الرقم الإجمالي للمتطوعين كما تقول التقارير إلى أربعة آلاف وهو أكثر من عدد الأجانب الذين كانوا يحاربون إلى جانب الصرب أو الكروات. كانت هناك وحدات من الحرس الجمهوري الإيراني وكثيرون ممن سبق أن حاربوا في أفغانستان. كان هناك مقاتلون من باكستان وتركيا وإيران والجزائر والسعودية ومصر والسودان، إلى جانب العمال الألبان والأتراك الذي جاءوا من ألمانيا والنمسا وسويسرا. المنظمات الدينية السعودية كفلت الكثير من المتطوعين، في الشهور الأولى من ١٩٩٢م قُتِل ٢٤ سعوديًّا، المجلس العالمي للشباب المسلم كان يعيد المقاتلين الجرحى إلى «جدة» لتلقي العناية الطبية، وفي خريف ١٩٩٢م وصلت مجموعات متخصصة في حرب العصابات من حزب الله الشيعي اللبناني لتدريب جيش البوسنة، وهو التدريب الذي تولاه رسميًّا بعد ذلك الحرس الجمهوري الإيراني. يقول تقرير للمخابرات الغربية في ربيع ١٩٩٤م، إن وحدة من الحرس الجمهوري الإيراني قوامها ٤٠٠٠ فرد كانت تقوم بتنظيم وتدريب عصابات متطرفة وجماعات إرهابية. ويقول مسئول أمريكي: «الإيرانيون كانوا يرون أن تلك هي وسيلة الوصول إلى المنطقة الطرية في بطن أوروبا.»

وحسب تقارير الأمم المتحدة، قام المجاهدون بتدريب ٣٠٠٠–٥٠٠٠ من أبناء البوسنة لتشكيل ألوية إسلامية خاصة. واستخدمت الحكومة البوسنية المجاهدين في «أنشطة إرهابية وغير قانونية وأعمال صدامية مختلفة»، رغم أن تلك الوحدات كانت تزعج السكان المحليين غالبًا وتُثير المشاكل للحكومة.

اتفاق «دايتون» طلب من جميع المقاتلين الأجانب مغادرة البوسنة، ولكن حكومة البوسنة ساعدت بعضهم على البقاء بمنحهم الجنسية البوسنية وتعيين أفراد الحرس الجمهوري الإيراني كعمال إغاثة: «الحكومة البوسنية مدينة لتلك القوات بالكثير، وبخاصة للإيرانيين» … هكذا كان يقول أحد المسئولين الأمريكيين في أوائل ١٩٩٦م، ويضيف: «لقد أثبتت الحكومة أنها عاجزة عن مواجهتهم. في خلال ١٢ شهرًا سنكون قد رحلنا، ولكن المجاهدين ينوون البقاء هنا.»49

دول «الأمة» الغنية بزعامة السعودية وإيران، ساهمت بمبالغ كبيرة من المال لتطوير قوة البوسنة العسكرية. في الشهور الأولى للحرب في سنة ١٩٩٢م قدمت السعودية ومصادر خاصة أخرى ١٥٠ مليون دولار على هيئة مساعدات للبوسنيين، زعما أنها كانت من أجل أغراض إنسانية، ولكن المعروف على نطاق واسع أن جزءًا كبيرًا منها كان لأغراض عسكرية. كما تقول التقارير إن البوسنيين تلقوا أسلحة بما يقدر ﺑ ١٦٠ مليون دولار في العامين الأولين من الحرب.

وبين عامي ١٩٩٣م و١٩٩٥م، حصل البوسنيون على أسلحة إضافية بما قيمته ٣٠٠ مليون دولار من السعوديين، بالإضافة إلى ٥٠٠ مليون أخرى على شكل مساعدات إنسانية. إيران أيضًا كانت مصدرًا رئيسيًّا للمساعدات العسكرية، وكما يقول المسئولون الأمريكيون فإنها كانت تنفق مئات الملايين من الدولارات سنويًّا على السلاح لصالح البوسنيين. وطبقًا لتقرير آخر فإن المسلمين دفعوا حوالي ٨٠–٩٠٪ من نفقات السلاح الذي تدفق على البوسنة خلال سنوات القتال الأولى، والتي بلغت في مجملها ٢ بليون دولار. والنتيجة أن البوسنيين كانوا قادرين على شراء ألوف الأطنان من السلاح. ومن الشحنات التي تم حصرها كانت واحدة تحتوي على ٤٠٠٠ بندقية ومليون طلقة ذخيرة، والثانية تحتوي ١١٠٠٠ بندقية و٣٠ مدفع هاون و٧٥٠٠٠٠ طلقة، والثالثة على صواريخ أرض أرض وذخيرة وعربات جيب ومسدسات.

كل هذه الشحنات جاءت من إيران التي كانت المصدر الرئيسي للسلاح. ولكن تركيا وماليزيا كانتا أيضًا من الممولين الرئيسيين. بعض الأسلحة كان ينقل جوًّا إلى البوسنة مباشرة ولكن معظمها كان يجيء عبر «كرواتيا»، إما جوًّا إلى «زغرب» ثم يكمل عن طريق البر، أو بالبحر حتى «سبليت» أو المواني الكرواتية الأخرى ثم يكمل برًّا. في مقابل السماح بذلك كان الكروات يأخذون جزءًا من الأسلحة يُقال إنه الثلث. ولأنهم كانوا مُتنبِّهين إلى احتمال محاربة البوسنة في المستقبل، كانوا لا يسمحون بانتقال الدبابات أو المدفعية الثقيلة عبر أراضيهم.50 الحصول على المال والرجال والتدريب من إيران والسعودية وتركيا والدول الإسلامية الأخرى، مكَّن البوسنيين من تحويل ما كان يصِفه أي شخص بأنه «جيش رث»، إلى قوة عسكرية جيدة التجهيز والكفاءة إلى حدٍّ ما. وفي شتاء ١٩٩٤م كان المراقبون الخارجيون يتكلَّمون عن ارتفاعٍ كبير في مستوى الانضباط التنظيمي والكفاءة القتالية.51 واعتمادًا على هذه القوة العسكرية الجديدة، قام البوسنيون بخرق وقف إطلاق النار وشن هجمات ناجحة في البداية على الميليشيات الكرواتية، ثم على الصرب في الربيع التالي. وفي خريف ١٩٩٤م تحرك الفيلق البوسني الخامس من المنطقة الآمنة التابع للأمم المتحدة في «بيهاتشي»، وقام بطرد الصرب مُحققًا أكبر انتصار بوسني حتى ذلك الوقت، واستعادة أراضٍ مهمة من الصرب الذين كانوا معوقين بسبب الحظر الذي فرضه الرئيس «ميلوسوفيتش» على المساعدات التي تقدم لهم. وفي مارس ١٩٩٥م خرق الجيش البوسني وقف إطلاق النار مرة أخرى وتقدم موغلًا نحو «توزلا» ثم تبع ذلك بهجوم آخر في يونيو على «سراييفو». كانت مساعدات ذوي القربى المسلمين عاملًا حاسمًا وضروريًّا، حيث مكَّنت الحكومة البوسنية من إحداث هذه التغيرات في الميزان العسكري في البوسنة.

حرب البوسنة كانت حرب حضارات. المشاركون الرئيسيون الثلاثة كانوا ينتمون إلى حضارات مختلفة ويتبعون ديانات مختلفة، ومع استثناء جزئي واحد، فإن المشاركين الثانويين ومشاركي الدرجة الثالثة كانوا يتبعون النموذج الحضاري. الدول والمنظمات الإسلامية تجمعت وراء مُسلمي البوسنة بشكلٍ عام وعارضت الكروات والصرب، والدول والمنظمات الأرثوذوكسية أيدت الصرب وعارضت الكروات والمسلمين، الحكومات والنخب الغربية أيدت الكروات وعاقبت الصرب، وكانت غير مبالية بالمسلمين أو خائفة منهم بشكلٍ عام.

ومع استمرار الحرب تعمقت الأحقاد والتشعبات بين الفرقاء واتسعت هوياتهم الدينية والحضارية وبخاصة بين المسلمين.

(٣) من الدروس المستفادة من حرب البوسنة

  • أولًا: المشاركون الرئيسيون في حروب خطوط التقسيم الحضاري يمكن أن يعتمدوا على مساعدات ذوي القربى في نفس الحضارة، ويمكن أن تكون هذه المساعدات أساسية بالنسبة لهم.
  • ثانيًا: مساعدات كتلك يمكن أن تؤثر تأثيرًا كبيرًا على مسار الحرب.
  • ثالثًا: حكومات وشعوب حضارةٍ ما، لا يبذلون الدم أو المال لمساعدة شعب من حضارة أخرى يخوض حربًا من حروب خطوط التقسيم. الاستثناء الجزئي الوحيد في هذا النمط الحضاري كان هو الولايات المتحدة التي كان قادتها يتكلَّمون لصالح المسلمين. إلا أن الدعم الأمريكي كان محدودًا من الناحية العملية. إدارة «كلينتون» وافقت على استخدام القوة الجوية الأمريكية — وليس البرية — لحماية المناطق الآمنة التابعة للأمم المتحدة، وكانت مع إنهاء حظر السلاح. ولم تضغط بجدية على حلفائها لتأييد رفع الحظر، ولكنها تغاضت عن كل شحنات الأسلحة الإيرانية للبوسنيين وعن التمويل السعودي لمشتروات السلاح لهم، وفي أبريل ١٩٩٤م توقفت عن التأكيد على الحظر.52

بهذه التصرفات عادت الولايات المتحدة حلفاءها وأعطت فرصة لقيام ما كان يُنظر إليه على أنه أزمة خطيرة في اﻟ «ناتو». وبعد توقيع اتفاق «دايتون»، وافقت الولايات المتحدة على التعاون مع السعودية ودول إسلامية أخرى في تدريب وتجهيز القوات البوسنية. ويصبح السؤال هو:

لماذا كانت الولايات المتحدة أثناء الحرب وبعدها هي الدولة الوحيدة التي كسرت القالب الحضاري، وأصبحت الدولة الوحيدة غير الإسلامية التي تتبنى مصالح مسلمي البوسنة وتتصرف بين الدول الإسلامية نيابة عنهم؟ ما الذي يفسر هذا الشذوذ الأمريكي؟

أحد الاحتمالات هو أنه كان بالفعل شذوذًا أو خروجًا عن القياس، ولكنه سياسة حضارية مبنية على عوامل عملية ومادية محسوبة جيدًا.

وبالوقوف إلى جانب البوسنيين، واقتراح إنهاء الحظر — دون نجاح — كانت الولايات المتحدة تحاول أن تُقلل من تأثير الدول الإسلامية الأصولية مثل إيران والسعودية على البوسنيين العلمانيين سابقًا وذوي التوجه الأوروبي. ولكن إذا كان هذا هو الدافع، فلماذا رضخت الولايات المتحدة للمساعدات الإيرانية والسعودية ولم تدفع بقوة في اتجاه إنهاء الحظر الذي كان من الممكن أن يُقنِّن المساعدة الغربية؟ لماذا لم يُحذر المسئولون الأمريكيون من أخطار الأصولية الإسلامية في البلقان؟ هناك تفسير آخر للسلوك الأمريكي وهو أن الولايات المتحدة كانت واقعةً تحت ضغط أصدقائها في العالم الإسلامي وبالذات تركيا والسعودية، ورضخت لرغباتهما لكي تحافظ على علاقتها الطيبة معهما. هذه العلاقات على أية حال لها جذورها في تشعُّب مصالح لا علاقة لها بالبوسنة، ولم يكن من المحتمل أن تُضارَّ بسبب الفشل الأمريكي في مساعدة البوسنة، بالإضافة إلى ذلك فإن هذا التفسير لا يوضح سبب موافقة الولايات المتحدة ضمنًا على انتقال كميات ضخمة من الأسلحة الإيرانية إلى البوسنة، في نفس الوقت الذي كانت تتحدى فيه إيران على جبهات أخرى، وكانت السعودية تتنافس فيه مع إيران لبسط نفوذها في البوسنة. وبينما قد تكون السياسة الحضارية المبنية على عوامل عملية ومادية قد لعبت دورًا ما في تشكيل التوجهات الأمريكية، تبدو هناك عوامل أخرى ربما كانت أكثر تأثيرًا. أمريكا تريد أن تحدد عوامل الخير وعوامل الشر في أي صراع خارجي وتنحاز إلى الأولى. فظائع الصرب في بداية الحرب وضعتهم في صورة «الأشرار» الذين يقتلون الأبرياء ويشاركون في مذابح جماعية، بينما كان البوسنيون قادرين على تصوير أنفسهم كضحايا لا حول لهم ولا قوة. أثناء الحرب، لم تعط الصحافة الأمريكية سوى اهتمامٍ قليل لعمليات التطهير العرقي الكرواتي والإسلامي وجرائم الحرب وانتهاكات المناطق الآمنة التابعة للأمم المتحدة أو خرق وقف إطلاق النار من جانب القوات البوسنية. بالنسبة للأمريكيين أصبح البوسنيون بعبارة «ريبيكا وست»: «الشعب البلقاني المدلل الذي سكن القلوب على أنهم أبرياء وضحايا للمذابح دائمًا وليسوا صانعيها.»53

النخب الأمريكية أيضًا كانت مواقفها ودية لصالح البوسنيين، لأنهم كانوا يحبذون فكرة الدولة المتعددة الثقافات، وفي المراحل الأولى من الحرب استطاعت الحكومة البوسنية أن تبرز هذه الصورة. وأثناء الحرب ظلت السياسة الأمريكية ملتزمةً بشدة ببوسنة متعددة الإثنية، رغم حقيقة أن صرب وكروات البوسنة كانوا يرفضونها بصورة إجماعية تقريبًا.

ورغم أن إقامة دولة متعددة الإثنية كانت أمرًا مستحيلًا لو أن جماعة إثنية ارتكبت مذبحة جماعية ضد الأخرى كما يعتقدون، إلا أن النخب الأمريكية جمعت بين كل هذه الصور المتناقضة في عقولها لإحداث تعاطفٍ واسعٍ مع القضية البوسنية.

المثالية الأمريكية والأخلاقية والغرائز الإنسانية والسذاجة والجهل بخصوص البلقان … كل ذلك أدى بالأمريكيين إلى أن يكونوا مع البوسنة وضد الصرب. في نفس الوقت فإن غياب المصالح الأمنية الأمريكية البارزة في البوسنة، وكذلك غياب أي روابط ثقافية، لم يعطِ للحكومة الأمريكية أي مبرر لعمل الكثير من أجل مساعدة البوسنيين سوى السماح للإيرانيين والسعوديين بتسليحهم. وبرفضهم الاعتراض بالحرب كما كانت بالفعل، فإن الحكومة الأمريكية أبعدت حلفاءها ومدت في أمد القتال وساعدت على قيام دولة إسلامية في البلقان شديدة التأثر بإيران. وفي النهاية شعر البوسنيون بمرارة شديدة تجاه الولايات المتحدة التي كانت تتكلم كثيرًا ولا تفعل سوى القليل، كما شعروا بالعرفان العميق لقُرباهم المسلمين الذين جاءوا بالمال والسلاح اللازمَين لهم ليظلوا على قيد الحياة، ويحققوا انتصاراتٍ عسكرية. وكما لاحظ «برنارد هنري ليفي»: «البوسنة هي إسبانيا الخاصة بنا.» ويوافق صحفي سعودي: «الحرب في البوسنة وهيرزيجوفينا أصبحت هي المعادل العاطفي للحرب ضد الفاشية في الحرب الأهلية الإسبانية، ومن ماتوا هناك في عداد الشهداء الذين حاولوا أن ينقذوا إخوانهم المسلمين.»54 المقارنة مناسبة. ففي عصر الحضارات تكون البوسنة هي إسبانيا الجميع. الحرب الأهلية الإسبانية كانت حربًا بين أنظمة سياسية وأيديولوجية، الحرب البوسنية كانت حربًا بين حضارات وأديان. الديمقراطيون والشيوعيون الفاشيست ذهبوا إلى إسبانيا ليقاتلوا إلى جوار إخوانهم في الأيديولوجية والديمقراطية والشيوعية، وكانت الحكومات الفاشيستية تقدم الدعم بنشاط وافر. الحروب اليوغوسلافية شهدت تعبئة واسعة من الدعم الخارجي بواسطة المسيحيين الغربيين والمسيحيين الأرثوذوكس والمسلمين نيابة عن ذوي القربى الحضارية. القوى الرئيسية للأرثوذوكسية والمسيحية والغرب كلهم كانوا متورطين وبعمق. بعد أربع سنوات وصلت الحرب الأهلية الإسبانية إلى نهاية محددة بانتصار قوات «فرانكو». الحروب بين التجمعات الدينية في البلقان قد تخمد وربما تتوقف مؤقتًا، ولكن ليس من المحتمل أن يسجل فيها أحد انتصارًا سياسيًّا. وعدم وجود انتصار معناه عدم وجود نهاية لها. الحروب الأهلية الإسبانية كانت مقدمة للحرب العالمية الثانية. الحرب البوسنية مرحلة دموية أخرى في صدام دائم بين الحضارات.

(٤) إيقاف حروب التقسيم الحضاري

تقول الحكمة القديمة: «كل حرب لا بد لها من نهاية.» ولكن هل يَصْدُق ذلك على حروب خطوط التقسيم الحضاري؟ نعم ولا. عنف خطوط التقسيم قد يتوقف تمامًا لفترة من الزمن ولكنه نادرًا ما ينتهي تمامًا. حروب خطوط التقسيم تميزها توقفات متعددة، وقف لإطلاق النار، هدنات، ولكنها لا تتميز باتفاقيات سلام شاملة تحل المشكلات السياسية الرئيسية. حروب خطوط التقسيم لها خاصية التوقف والاشتعال أكثر من مرة لأنها متجذرة في صراعات انقسام حضاري عميق، وتتضمن علاقات عدائية مستمرة بين جماعاتٍ تنتمي إلى حضارات مختلفة. الصراعات بدورها تنبع من تقارب جغرافي وأديان وثقافات مختلفة وبِنى اجتماعية منفصلة وذكريات تاريخية لكلا المجتمعين. وقد يتطور ذلك على مدى القرون ويتبخَّر الصراع الرئيسي. وربما اختفى الصراع سريعًا وبقسوة إذا قامت جماعة بإبادة جماعة أخرى. وإذا لم يحدث أي من النموذجين السابقين فسوف يستمر الصراع كما يستمر تكرار مراحل العنف. حروب خطوط التقسيم متقطعة وصراعات خطوط التقسيم ليس لها نهاية.

حتى الوصول إلى توقف في حرب من حروب خطوط التقسيم يعتمد عادة على تطورين مهمين: الأول هو إنهاك المشاركين الرئيسيين. فعندما تصل الخسائر أحيانًا إلى عشرات أو مئات الألوف ويصل عدد اللاجئين إلى مئات الألوف وتتحول مدن مثل «بيروت» و«جروزني» و«فاكوفار» إلى أنقاض، يبدأ الناس في الصراخ: «جنون … جنون … كفى … كفى!» يصبح الراديكاليون على كلا الجانبين غير قادرين على تعبئة الغضب العام، وتعود المفاوضات التي تكون قد تناثرت على مدى السنوات بلا طائل إلى الحياة مرة أخرى، ويؤكد الوسطاء أنفسهم ويصلون إلى نوع من الاتفاق على وقف المذبحة. بحلول عام ١٩٩٤م، كانت حروب السنوات الست على «ناجورنو كاراباخ» قد «أنهكت» كلًّا من الأرمن والأذريين، ومن هنا وافقا على هدنة. في خريف ١٩٩٥م تناقلت التقارير أن «جميع الأطراف قد أنهكت تمامًا.» في البوسنة، ثم حدث اتفاق «دايتون».55 توقفات من هذا النوع محدودة ذاتيًّا. فهي تمكن كِلا الجانبين من التقاط أنفاسه واستكمال مصادره. وعندما يجد جانب من الجانبين فرصة مواتية للانتصار فإنه يستأنف القتال. الوصول إلى إيقاف مؤقت يتطلَّب عاملًا آخر أيضًا: وجود مصلحة مشتركة لدى أطراف المستوى الثاني في التقريب بين المتحاربين. حروب خطوط التقسيم لا تتوقف أبدًا — تقريبًا — عن طريق المفاوضات المباشرة بين الأطراف الرئيسية وحدَها، ونادرًا ما تتوقف عن طريق وساطة أطراف لا مصلحة لها. المسافة الثقافية، الأحقاد الشديدة، العنف المتبادل بين الأطراف، كل ذلك يجعل من الصعب جدًّا على الأطراف الرئيسية أن يجلسوا معًا وأن يدخلوا في حوارات مُثمرة مُتطلعين إلى الوصول لصيغةٍ لوقف إطلاق النار.

القضايا السياسية الرئيسية، مثل من الذي يسيطر على أي منطقة أو على أي شعب وتحت أي شروط، تظل طافية على السطح وتعوق الاتفاق على المسائل الأكثر تحديدًا.

الصراعات بين الدول أو الجماعات ذات الثقافة المشتركة يمكن أن تُحل أحيانًا عن طريق وساطة طرف ثالث لا مصلحة له، يكون مشتركًا في نفس الثقافة، له شرعية مُعترَفٌ بها داخل تلك الثقافة، ومن هنا يتمتع بثقة الطرفين لإيجاد حلٍّ له جذور في تلك القيم الثقافية، فقد استطاع «البابان» مثلًا أن يتوسط بنجاح في صراع الحدود الأرجنتيني الشيلي.

في الصراعات بين جماعات تنتمي لحضارات مختلفة لا يُوجَد أطراف لا مصلحة لها، ومن الصعب جدًّا أن تجد فردًا أو مؤسسة أو دولة يعتقد الطرفان أنها جديرة بالثقة، أي وسيط مُحتمل ينتمي إلى إحدى الحضارتَين المتصارعتَين أو إلى حضارة ثالثة ذات ثقافة أخرى ومصالح أخرى لا توحي بالثقة في أيٍّ من طرفي الصراع. «البابا» لن يُستَدعى من قِبَل الشيشان أو الروس أو التاميل أو السنهاليين. المنظمات الدولية كذلك عادة ما تفشل لأنها ليس لديها المقدرة على فرض تكاليف مهمة أو أن تُقدِّم مزايا مهمة للأطراف المتصارعة. حروب خطوط التقسيم لا تنتهي عن طريق أفرادٍ أو جماعات أو منظمات لا مصالح لها، وإنما عن طريق أطراف ثانوية ومن الدرجة الثالثة ذات مصلحة، تكون قد تجمَّعت وراء أقاربها ولديها القدرة على التفاوض من أجل التوصل إلى اتفاقيات مع نظرائهم من ناحية، ولإقناع أقاربهم بقبول تلك الاتفاقيات من الناحية الأخرى.

وبينما يوسع التجمُّع من الحرب ويطيل أمدها، إلا أنه كذلك شرط ضروري وإن كان غير كافٍ لتحديد الحرب وإيقافها. المتجمعون من الدرجة الثانية والثالثة عادة لا يريدون أن يتحولوا إلى مقاتلين من المستوى الأول، ومن هنا يحاولون إبقاء الحرب تحت السيطرة. كما أن لهم أيضًا مصالح مختلفة أكثر من المشاركين الرئيسيين الذين يكون كل تركيزهم على الحرب، كما أنهم مهتمون بقضايا أخرى في علاقاتهم ببعضهم.

ومن هنا، فإنهم في مرحلةٍ ما، من المحتمل أن يجدوا أن في مصلحتهم إيقاف الحرب. ولأنهم إذا تجمعوا خلف أقاربهم يكون لهم نفوذ عليهم. وهكذا يصبح المتجمعون عوامل كبح وإيقاف.

الحروب التي ليس فيها أطراف ثانوية أو ثالثة، احتمال اتساعها أقل من غيرها، ولكن توقفها يكون أكثر صعوبةً عن تلك التي تدور بين جماعات تنتمي إلى حضارات ليس بها دول مركز. حروب خطوط التقسيم التي تتضمَّن تمردًا أو انتفاضة داخل دولة قائمة، والتي ينقصها وجود تجمع وراءها تمثل صعوبات أيضًا. إذا استمرَّت الحرب لفترة زمنيةٍ ما، فإن مطالب المتمرِّدين تتَّجِه إلى التصاعُد من شكل للحكم الذاتي إلى الاستقلال الكامل، الأمر الذي ترفضه الحكومة. أول شيءٍ تطلبه الحكومة من المتمردين هو أن يُسلموا أسلحتهم كخطوةٍ أولى نحو وقف القتال وهذا ما يرفضه المتمردون. ومن الطبيعي أيضًا أن تقاوم الحكومة تدخُّل الأجانب في شأن تعتبره مشكلةً داخلية تضم «عناصر إجرامية». ووصف ذلك بأنه شأن داخلي يعطي الدول الأخرى أيضًا العُذر لكي لا تتورط كما كان الحال بالنسبة للقوى الغربية وشيشينيا. هذه المشاكل تُصبح مركبة عندما تكون الحضارات المتورطة ينقصها دول مركز. الحرب في السودان مثلًا، والتي بدأت في ١٩٥٦م لم تتوقَّف إلا في سنة ١٩٧٢م عندما أُنهكت الأطراف، وعندما نجح مجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس كل أفريقيا في التفاوض والوصول إلى اتفاق أديس أبابا الذي منح جنوب السودان حكمًا ذاتيًّا، وكان ذلك إنجازًا فريدًا بالفعل للمنظمات الدولية غير الحكومية. بعد عقدٍ واحد، ألغت الحكومة الاتفاق واستؤنفت الحرب وتصاعدت مطالب المتمردين وتَصَلَّب موقف الحكومة وفشلت جهود الوساطة في التوصُّل إلى وقفٍ جديد. لا العالم العربي ولا أفريقيا كان يوجَد بهما دول مركز ذات مصلحة أو نفوذ للضغط على أطراف الحرب. لم تنجح جهود الوساطة التي قام بها «جيمي كارتر» وزعماء أفريقيا المختلفون، ولم تنجح كذلك مساعي لجنة دول شرق أفريقيا المكونة من كينيا وإريتريا وأوغندة وإثيوبيا، لم تستطع الولايات المتحدة التي لها علاقات عدائية شديدة مع السودان أن تعمل مباشرة، ولا هي استطاعت أن تطلُب من إيران والعراق وليبيا الذين لهم علاقات وثيقة بالسودان القيام بدورٍ مُفيد، ومن هنا خُفِّضَت الجهود إلى استخدام السعودية، ولكن النفوذ السعودي على السودان كان محدودًا كذلك.56
وبوجهٍ عام، فإن مفاوضات وقف إطلاق النار تتَّسِع، حتى يكون هناك تدخل موازٍ ومعادل نسبيًّا من قِبَل الأطراف الثانوية أو الثالثة من كِلا الجانبين. إلا أنه في بعض الظروف، قد تكون هناك دولة مركز واحدة قوية بما يكفي لإيقاف حربٍ ما. في ١٩٩٢م حاول مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي CSES التوسط في الحرب الأرمينية الأذربيجانية. تم تشكيل لجنة «مجموعة منسك» وكانت تضم الأطراف الرئيسية والثانوية والثالثة في الصراع (ناجورنو كاراباخ – الأرمن – الأذريين – الروس – الأتراك) إلى جانب ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والسويد وجمهورية التشيك وروسيا البيضاء (بيلاروسيا) والولايات المتحدة. وباستثناء الولايات المتحدة وفرنسا اللتين يُوجَد فيهما شتات أرميني كبير، كانت هذه الدول الأخيرة لها مصلحة محدودة في التوصل إلى إنهاء للحرب، وقدرة قليلة أو معدومة على القيام بذلك. وعندما اتفق الطرفان من الدرجة الثالثة: روسيا وتركيا بالإضافة إلى الولايات المتحدة على خطة، رفضها أرمن ناجورنو كاراباخ. إلا أن روسيا قامت منفردةً برعاية سلسلةٍ طويلة من المفاوضات في موسكو بين أرمينيا وأذربيجان، الأمر الذي «خلق بديلًا لمجموعة «منسك» … وبالتالي بددت مساعي المجتمع الدولي.57 وفي النهاية، نجحت المساعي الروسية في الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بعد أن كانت أطراف الصراع الرئيسية قد أُنهِكَتْ وضمن الروس تأييد الإيرانيين للمفاوضات. روسيا وإيران كأطراف ثانوية، تعاونتا أيضًا في المحاولات المتقطعة الناجحة لترتيب وقف آخر للقتال في طاجيكستان. روسيا ستظل حضورًا مستمرًّا في منطقة ما وراء القوقاز وسيكون لها القدرة على تدعيم وقف إطلاق النار الذي تم برعايتها طالما أن لها مصلحة في ذلك، وهذا يتناقض مع موقف الولايات المتحدة في البوسنة. اتفاق «دايتون» بُني على اقتراحات طورتها لجنة الاتصال لدول المركز ذات المصلحة (ألمانيا – بريطانيا – فرنسا – روسيا – الولايات المتحدة)، ولكن لا أحد من أطراف الدرجة الثالثة الآخرين كان مشاركًا بجدية في الوصول إلى الاتفاق النهائي، واثنان من الأطراف الثلاثة الرئيسية كانا على هامش المفاوضات. وضع الاتفاق موضع التنفيذ يعتمد على قوة من اﻟ «ناتو» تسيطر عليها أمريكا. لو قامت الولايات المتحدة بسحب قواتها من البوسنة، فلن تكون لدى القوى الأوروبية ولا روسيا حوافز للاستمرار في تنفيذ الاتفاق، وسيكون للحكومة البوسنية وللصرب وللكروات كل الحوافز لتجديد القتال بعد أن يكونوا قد استراحوا، وسيكون لدى الحكومتين الصربية والكرواتية كل المغريات لانتهاز الفرصة لتحقيق أحلامهما في «صرب كبرى» و«كرواتيا كبرى».
وقد ألقى «روبرت بتنام» الضوء على فكرة كيف أن المفاوضات بين الدول بمثابة «ألعاب على مستويين»، يتفاوض فيها الدبلوماسيون في نفس الوقت مع دوائر داخل دولتهم ومع نظرائهم من دولة أخرى. وفي تحليل موازٍ، يوضح «هنتنجتون» كيف أن المصلحين في حكومة سلطوية والذين يتفاوضون على التحول نحو الديمقراطية مع مُعتدلين في المعارضة، لا بد لهم أيضًا أن يتفاوضوا مع أو ضد المتشدِّدين في الحكومة، بينما ينبغي على المعتدلين أن يفعلوا نفس الشيء مع الراديكاليين في المعارضة.58 هذه الألعاب على مستويين تتضمَّن على الأقل أربعة أطراف، وعلى الأقل ثلاث أو أربع علاقات بينهم.
حروب خطوط التقسيم المعقدة، هي على أية حال لعبة من ثلاثة مستويات وستة أطراف بينها سبع علاقات على الأقل (انظر الشكل رقم ١١-١).
العلاقات الأفقية عبر خطوط التقسيم تُوجَد بين ثنائيات من أطراف رئيسية وثانوية وثالثة. العلاقات الرأسية تُوجَد بين أطراف على مستويات مختلفة داخل كل حضارة. التوصل إلى وقفٍ للقتال في حرب من «النموذج الكامل» قد يتطلب:
  • اشتراكًا نشطًا من الأطراف الثانوية وأطراف المستوى الثالث.

  • تفاوضًا من أطراف المستوى الثالث على الشروط العريضة لوقف القتال.

  • استخدام المستوى الثالث لسياسة العصا والجزرة لحمل الأطراف الثانوية على قبول هذه الشروط والضغط على الأطراف الرئيسية لكي تقبلها.

  • سحب الدعم، والحقيقة خيانة الأطراف الثانوية للأطراف الرئيسية.

  • قبول الأطراف الرئيسية، نتيجة هذا الضغط، للشروط التي سوف يهدمونها بالطبع عندما يجدون أن ذلك في مصلحتهم.

عملية السلام في البوسنة كانت تتضمن كل هذه العوامل. المساعي التي بذلها لاعبون بصفتهم الفردية (الولايات المتحدة – روسيا – الاتحاد الأوروبي) من أجل التوصل إلى اتفاق لم تكن ناجحة. الدول الأوروبية كانت مترددة في إشراك روسيا كشريك كامل في العملية، والروس اعترضوا بشدة على استبعادهم، بحجة أن لهم علاقات تاريخية مع الصرب ومصالح مباشرة أيضًا في البلقان أكثر مما لأيِّ قوةٍ رئيسية أخرى. روسيا أصرت على ألا تكون لاعبًا رئيسيًّا في مساعي حلِّ الصراع واستنكرت بشدة «ميل الولايات المتحدة لإملاء شروطها». وفي فبراير ١٩٩٤م اتضحت الحاجة إلى إشراك الروس. وبدون التشاور مع روسيا، وجه اﻟ «ناتو» إنذارًا إلى صرب البوسنة لكي يحركوا أسلحتهم الثقيلة من حول «سراييفو» وإلا تعرضوا لهجماتٍ جوية من قواته. قاوم الصرب هذا المطلب وبدت مواجهة وشيكة مع اﻟ «ناتو» في الأفق. حذر «يلتسين» قائلًا إن «البعض يحاول حل المسألة البوسنية من وراء ظهر روسيا» و«نحن لن نسمح بذلك». واستغلت الحكومة الروسية المبادرة حينذاك وأقنعت الصرب بسحب أسلحتهم إذا نشرت روسيا قواتٍ لحفظ السلام في «سراييفو». هذا الانقلاب الدبلوماسي منع تصاعد العنف وأظهر للغرب نفوذ الروس مع الصرب وجاء بالقوات الروسية إلى قلب المنطقة المتنازَع عليها بين مسلمي البوسنة والصرب.59 ومن خلال هذه المناورة أسست روسيا بجدارة دعواها «المشاركة متساوية» مع الغرب في التعامل مع البوسنة. إلا أن اﻟ «ناتو» سمح مرة أخرى في أبريل بقصف مواقع صربية دون التشاور مع روسيا، وأدى ذلك إلى رد فعل سلبي واسع عبر المنظور السياسي الروسي كما قوَّى المعارضة القومية ضد «يلتسين» و«كوزيريف». بعد ذلك مباشرة شكلت الدول من المستوى الثالث في العلاقة (بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والولايات المتحدة) مجموعة اتصال لوضع تسوية. وفي يونيو ١٩٩٤م قدمت المجموعة مشروعًا يضع ٥١٪ من البوسنة في اتحاد فيدرالي من المسلمين والكروات و٤٩٪ لصرب البوسنة وهو المشروع الذي أصبح أساسًا لاتفاق «دايتون» فيما بعد. وفي العام التالي كان لا بد من وضع ترتيبات لمشاركة قوات روسية لتثبيت اتفاق «دايتون» ووضعه موضع التنفيذ. الاتفاقات بين أطراف الدرجة الثالثة لا بد أن تباع للاعبين الرئيسيين والثانويين. وكما قال الدبلوماسي الروسي «فيتالي شوركين»: الأمريكيون لا بد أن يضغطوا على البوسنيين، والألمان على الكروات، والروس على الصرب.60 في المراحل الأولى من الحروب اليوغوسلافية قدمت روسيا تنازلًا مهمًّا جدًّا بموافقتها على فرض عقوبات اقتصادية ضد الصرب، وفي بعض الأحيان كانت قادرة كذلك على فرض قيود عليهم، بل والضغط لكي يقبلوا بتسوياتٍ ما كان لهم أن يقبلوها. ففي عام ١٩٩٥م مثلًا توسطت روسيا واليونان لدى الصرب لضمان الإفراج عن أفراد قوة حفظ السلام الألمان الذين كانوا رهائن لديهم. وأحيانًا كان صرب البوسنة ينكثون بالتعهدات التي يوقِّعونها تحت ضغط من الروس، وبالتالي يحرجون روسيا لعدم قدرتها على تحرير أقاربها. في أبريل ١٩٩٤م حصلت روسيا على تعهدٍ من صرب البوسنة بإنهاء هجومهم على «جورازدي» ولكن الصرب أخلوا به فغضب الروس، وصرح أحد دبلوماسييهم قائلًا إن الصرب قد «أصبحوا مجانين حرب»، كما أصر «يلتسين» على أن «القيادة» الصربية لا بد أن تفي بالالتزام الذي قدمته لروسيا»، كما سحبت روسيا اعتراضها على ضربات اﻟ «ناتو» الجوية.61
ورغم أن ألمانيا ودولًا غربية أخرى كانت تساعد وتدعم «كرواتيا»، إلا أنهم كانوا قادرين على كبح السلوك الكرواتي. كان الرئيس «تدجمان» شغوفًا بأن يتم قبول بلده الكاثوليكي كدولةٍ أوروبية وأن يسمح له بدخول المنظمات الأوروبية. القوى الغربية استغلت كلًّا من الدعم الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري الذي منحوه لكرواتيا، ورغبة كرواتيا في عضوية «النادي» من أجل إغراء «تدجمان» بحلٍّ وسط في قضايا عدة. في مارس ١٩٩٥م كان الوضع أمام «تدجمان» هو: إذا كان يُريد أن يُصبح جزءًا من الغرب، عليه أن يسمح بقوة الحماية التابعة للأمم المتحدة بالبقاء في «كراجينا». ويقول أحد الدبلوماسيين الغربيين: «الانضمام إلى الغرب مهم جدًّا بالنسبة ﻟ «تدجمان» إنه لا يريد أن يبقى وحيدًا مع الصرب والروس.» كما حذَّروه أيضًا لكي يقيد عمليات التطهير العرقي عندما احتلت قواته أراضي في «كراجينا» وغيرها من المناطق التي يسكنها الصرب، وأن يتوقف عن توسيع هجومه في «سلوفينيا الشرقية». وفي قضية أخرى، تم إبلاغ الكروات بأنهم إذا لم ينضمُّوا إلى الاتحاد الفيدرالي مع المسلمين «فإن باب الغرب سيبقى موصدًا دونهم إلى الأبد.» كما قال أحد المسئولين الأمريكيين.62 وبصفتها المصدر الخارجي الرئيسي للدعم المالي لكرواتيا، كانت ألمانيا في موقفٍ يسمح لها بالتأثير على السلوك الكرواتي. كما أن العلاقة الوثيقة التي طوَّرتها الولايات المتحدة مع كرواتيا ساعدت كذلك على منع «تدجمان» — على الأقل في سنة ١٩٩٥م — من تحقيق رغبته التي طالما عبر عنها، وهي تقسيم البوسنة-هيرزيجوفينا بين كرواتيا وصربيا. وعلى خلاف روسيا وألمانيا، فإن الولايات المتحدة كان ينقصها وجود عوامل ثقافية مشتركة مع تابعها البوسني، ومن هنا كانت في موقف ضعيف لم يمكنها من الضغط على المسلمين من أجل التسوية. بالإضافة إلى ذلك، وبصرف النظر عن الكلام، فإن الولايات المتحدة لم تساعد البوسنة سوى بغض الطرف عن خرق حظر السلاح بواسطة إيران والدول الإسلامية الأخرى. مسلمو البوسنة بالتالي كانوا يشعرون بالامتنان بشكلٍ متزايد للمجتمع الإسلامي الأعرض وبالتوحُّد معه. وفي نفس الوقت كانوا يشجبون الولايات المتحدة لممارستها أسلوب «ازدواجية المعايير» وعدم رد العدوان الواقع عليهم كما فعلت بالنسبة للعدوان على الكويت. كما أن ظهورهم بمظهر الضحية جعل الأمر أكثر صعوبة بالنسبة للولايات المتحدة لتضغط عليهم لكي يتكيفوا. وهكذا كانوا قادرين على رفض مقترحات السلام وبناء قوتهم العسكرية بمساعدةٍ من أصدقائهم المسلمين، ثم امتلاك المبادرة وأخيرًا استعادة مساحات لا بأس بها من الأراضي التي كانوا قد فقدوها. مقاومة الأطراف الرئيسية للتسوية شديدة دائمًا. في حرب ما وراء القوقاز كان الاتحاد الأرميني الثوري (Dashnak) المغرق في القومية والذي كان قويًّا جدًّا في الشتات الأرميني، يسيطر على كيان «ناجورنو كاراباخ»، ورفض مقترحات السلام التركية الروسية الأمريكية في مايو ١٩٩٣م والتي كانت حكومتا أرمينيا وأذربيجان قد قبلتا بها، كما قام بهجمات عسكرية أدت إلى اتهامه بالتطهير العرقي وزادت من احتمالات قيام حرب واسعة، وأفسدت علاقته بالحكومة الأرمينية الأكثر اعتدالًا. نجاح هجوم «ناجورنو كاراباخ» سبب مشكلاتٍ لأرمينيا التي كانت تريد أن تحسن علاقاتها مع تركيا وإيران بهدف التخفيف من نقص الغذاء والطاقة نتيجة الحرب والحصار التركي.
ويعلق أحد الدبلوماسيين الأمريكيين: كلما تحسنت الأمور في كاراباخ، أصبحت أكثر صعوبة ﻟ «يريفان» …63 كان على الرئيس الأرميني «ليفون تير بتروسيان»، مثل الرئيس «يلتسين»، أن يوازن بين ضغوط القوميين في الهيئة التشريعية ضد مصالح السياسة الخارجية العريضة في التكيف مع الدول الأخرى، وفي أواخر ١٩٩٤م حظرت حكومته حزب الاتحاد الأرميني الثوري (Dashnak) في أرمينيا.

ومثل أرمن: «ناجورنو كاراباخ»، كان صرب البوسنة والكروات يتبنون مواقف مُتشددة. والنتيجة أن الحكومتَين الكرواتية والصربية عندما أصبحتا تحت ضغط للمشاركة في عملية السلام، تطورت المشاكل في علاقاتهما بذوي القربى البوسنيين، الأمر الذي كان أقل خطورة بالنسبة للكروات، حيث وافق كروات البوسنة شكلًا، إن لم يكن عمليًّا، على الانضمام إلى المسلمين في الاتحاد الفيدرالي. الصراع بين الرئيس «ميلوسيفتش» وقائد حرب البوسنة «رادوفان كاراديتش» أصبح على العكس معلنًا وواسعًا وساعدت الخصومة الشخصية على ذلك. في أغسطس ١٩٩٤م رفض «كاراديتش» مشروع السلام الذي كان «ميلوسيفيتش» قد وافق عليه. أما الحكومة الصربية التي كانت متلهفة لإنهاء العقوبات المفروضة عليها، فأعلنت أنها أوقفت التجارة مع صرب البوسنة باستثناء تجارة الأغذية والدواء. في العام التالي سمح «ميلوسيفيتش» للجيش الكرواتي بطرد الصرب من «كراجينا»، كما سمح للقوات الكرواتية والإسلامية أن تطردهم إلى شمال غرب البوسنة. كما اتفق أيضًا مع «تدجمان» على السماح ﻟ «سلوفينيا الشرقية» التي يحتلها الصرب، بالعودة التدريجية إلى السيطرة الكرواتية. وبموافقة القوى الكبرى، قام فعلًا «بتسليم» صرب البوسنة إلى مفاوضات «دايتون» بأن ضمهم إلى لجنته.

أعمال «ميلوسيفيتش» وضعت نهاية لعقوبات الأمم المتحدة على صربيا، كما لقِيت استحسانًا حذرًا من المجتمع الدولي الذي فوجئ بها. وهكذا أصبح ذلك القومي المتعصب، العدواني، مجرم التطهير العرقي، مشعل الحرب الصربية الكبرى في سنة ١٩٩٤م، هو صانع السلام في ١٩٩٥م، إلا أن الكثيرين من الصرب اعتبروه خائنًا. وفي «بلجراد»، أدانه القوميون الصرب وقادة الكنيسة الأرثوذوكسية. كما اتهمه صرب «كراجينا» والبوسنة بالخيانة. وفي ذلك كانوا بالطبع يُردِّدون نفس الاتهامات التي كان مستوطنو الضفة الغربية يكيلونها للحكومة الإسرائيلية بسبب اتفاقيتها مع منظمة التحرير الفسلطينية. إن خيانة ذوي القربى هي ثمن السلام في حروب خطوط التقسيم الحضاري.

الإنهاك في الحرب ودوافع وضغوط الأطراف من المستوى الثالث، تفرض تغيرات في صفوف الأطراف الرئيسية والثانوية. إما أن يحل المعتدلون محل المتطرفين في السلطة، أو أن يجد المتطرفون — مثل «ميلوسيفيتش» — أن من صالحهم أن يُصبحوا معتدلين. وهم على أية حال، يفعلون ذلك بشكلٍ فيه بعض المخاطرة. أما الذين يُنظر إليهم على أنهم خونة، فيثيرون كراهية ضدهم أكثر مما يثير الأعداء. قادة مُسلمي كشمير والشيشان والسنهاليين في سريلانكا لقوا مصير «السادات» و«رابين» بسبب خيانة القضية، ولمحاولتهم التوصُّل إلى حلول وسط مع عدو رئيسي.

في سنة ١٩١٤م قتل أحد الصربيين القوميين أرشيدوقًا١ نمساويًّا. وعلى أثر «دايتون» فإن الهدف الأكثر احتمالًا سيكون هو «سلوبودان ميلوسيفيتش».

الاتفاق على وقف الحرب على خط تقسيم حضاري سوف ينجح ولو مؤقتًا، ولكن بقدْر ما يعكسه توازن القوى المحلي بين الأطراف الرئيسية ومصالح الأطراف الثانوية وأطراف الدرجة الثالثة.

تقسيم اﻟ ٥٠٪، ٤٩٪ في البوسنة، لم يكن قابلًا للتطبيق في سنة ١٩٩٤م عندما كان الصرب يتحكمون في ٤٩٪ من البلاد، ولكنه أصبح ممكنًا عندما خَفَّضَ الهجوم الكرواتي والإسلامي سيطرة الصرب إلى النصف تقريبًا. التطهير العرقي الذي حدث ساعد أيضًا عملية السلام، فقد أصبح الصرب أقل من ٣٪ من سكان كرواتيا، وتم بعثرة أعضاء الجماعات الثلاث وتفرقتهم في البوسنة بالعنف أو بالاختيار.

بالإضافة إلى ذلك فإن الأطراف الثانوية والثالثة — والأخيرة هي غالبًا دول المركز في الحضارات — في حاجة إلى أمنٍ حقيقي أو مصالح طائفية في الحرب لكي ترعى حلًّا يمكن تطبيقه.

المشاركون الرئيسيون في حرب خطوط التقسيم لا يمكنهم وحدَهم أن يوقفوها. وقف الحروب ومع تصعيدها إلى حروب كونية يعتمد أساسًا على مصالح وأفعال دول المركز في حضارات العالم الرئيسية. حروب خطوط التقسيم الحضاري تفور من أسفل، أما سلام خطوط التقسيم فيقطر من أعلى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤