الفصل الرابع

ذيل للباب الأول

المحرِّك الهَوائي
المحرك كما قدَّمنا هو الجزء الفعال في تسيير كل من المناطيد والطيارات، وكذلك في تعطيلِها، فوقوفه لأيِّ سببٍ من الأسباب هو ينبوع الخطر الأساسي في الطيارات، ولا سيَّما التي تحتوي محركًا واحدًا، وهي الأغلبية العُظمى منها، فلأهمية المحرك هذه رأينا أن نُذيِّل البابَ الأول وهو باب استعراض أجناس الطائرات بوجهٍ عام، وذكر الأجزاءَ الأساسية في كلٍّ منها والقواعد العلمية العامة التي تتَّصل بها، نقول: رأينا أن نذيِّلَه بفصلٍ صغير عن المحرك الهوائي aero-engine نتناوله فيه من هذه الوجهةِ نفسها.
الصفات الأساسية في المحركات الهوائية هي:
  • (١)
    الخفة: حتى يُنتفع من المحرك بأكبر قوة حصانية – قص horse power – H. P. ممكنة بالنسبة لثقل المحرك وملحقاته accessories؛ ومن أجل ذلك كانت كل المحركات الهوائية من ذوات الاحتراق الداخلي internal combustion كالمستخدَمة في السيارات، ويُصنع هيكلها الخارجي من السبائك alloys الخفيفة المتينة.
  • (٢)
    الاستيثاق reliability: حتى نضمن اشتغال المحرِّك ساعات عديدة متوالية بقوته المتوسطة، بدون أن تقف لأي سبب من الأسباب.
  • (٣)

    ملاءمة شكلها لأن توضع في الطائرات مع ضِيق الأمكنة المتعددة لها فيها، ومع الحاجة القُصوى لتقليل مقاومة الهواء كما سنبينه في الأبواب التالية. وتطوُّر أشكال المحركات الهوائية ميَّزها كثيرًا عن المحركات العادية، والتفنُّن في تحسين الشكل مع الاستمرار في زيادة القُوى الحصانية الناتجة هو الذي أدَّى إلى خَلق كثير من الأنواع الجديدة للمحرِّكات.

(١) أجناس المحركات

المحركات الهوائية على ثلاثة أجناس رئيسية، وهي:
  • (١)
    المحركات القائمة أو الثابتة stationary: ومثلها ما رأيتَه في شكل ٢-٧ وما تراه في الأشكال ٤-١ و٤-٢ و٤-٣.
  • (٢)
    المحركات المتشعِّبة radial: كالتي في شكل ٤-٤.
  • (٣)
    المحركات الدوَّارة rotary: كالتي في شكل ٤-٥.

(٢) الجزء الأساسي في المحرك

ومع اختلاف هذه الأنواع في طُرق التصميم اختلافًا عظيمًا، فالجزء الأساسي فيها جميعًا هو: الأسطوانة cylinder، ويحتوي كلٌّ منها على عدَد من هذه الأسطوانات تكون على صفٍّ واحد، كما ترى في شكل ٤-١.
fig18
شكل ٤-١: المحرك القائم أو الثابت بوما Puma، صنع أرمسترنج سدلي Armstrong-Siddley، له ست أسطوانات، وقوته نحو ٢٣٠ قص.
أو على صفين مائلين كما يميل جزءًا العدد ٧ أحدهما على الآخر، كما رأيتَ في شكل ٢-٧، أو يُزاد على هذين الصفين صف ثالث يُنصب بينهما رأسيًّا (شكل ٤-٢)، أو صفَّان آخران بعكس الأولين، يكونان شكلًا يشبه رقم ٨ تحت رقم ٧ العلوي، كما ترى في شكل ٤-٣.
fig19
شكل ٤-٢: المحرك القائم نابيرلين Napier Lion، له ١٢ أسطوانة، وقوته نحو ٤٥٠ قص.
fig20
شكل ٤-٣: نابير كب Napier Cub، له ١٦ أسطوانة، وقوته نحو ١٠٠٠ قص.
وفي كل من الأسطوانات فتحتان مُركَّبٌ عليهما صمامان valves، صمام للشَّحن بالغازات، واسمه صمام الشحن أو الصمام الحر inlet، وصمام لتفريغها، واسمه صمام العادم exhaust. وتظهر إحدى هاتين الفتحتين وصمامها (الصمام الحر) (ح وص) في شكل ٤-٦، ويتحرك في كل أسطوانة مكبس piston (م في شكل ٤-٦)، يتصل بواسطة عود من الصلب (ع) اسمه ذراع التوصيلة أو الذراع connecting rod بجزء من المحرك يسمى بعمود الكرنك، أو عمود المحور crank shaft (كر في شكل ٤-٦)، ويكون العمود في المحرك القائم، أو الثابت طويلًا ممتدًّا من أوله إلى آخره وسط صندوق الكرنك، أو بدنه crank-case (صك في الشكل نفسه)، وفي الجزي العلوي من هذا الصندوق فتحات تُركب عليها الأسطوانات وتدخل منها الأذرُع.
أما في نوعَي المحرك الآخرَين وهما المرسومان في شكلي ٤-٤ و٤-٥: فيكون عمود الكرنك، أو عمود المحور قصير، والأسطوانات في مستوى رأسي عمودي على اتجاه عمود الكرنك، مرصوصة على شكل أنصاف أقطار دائرة موزعة بانتظام هندسي. ويختلف النوع المتشعِّب من المحركات عن النوع الدوَّار في أن الأسطوانات ثابتة في الأول، وعمود الكرنك يدور تبعًا لاختلاف مواضع المكابس في الأسطوانات المختلفة. أما في الدوَّار فيكون العمود ثابتًا والأسطوانات كلها تدور حولَه كذلك تبعًا لاختلاف مواضع المكابس المختلفة في أسطواناتها.
fig21
شكل ٤-٤: المحرك المتشعب أنزاني Anzani ذي الست الأسطوانات، وقوته نحو ٥٠ قص.
fig22
شكل ٤-٥: المحرك الدوار الإنجليزي ب. ر. ٢ B. R. 2، له تسع أسطوانات، وقوَّته نحو ٢٢٠ قص.
وعلى هذا فالمروحة التي بدورانها تكتسِب من الهواء القوة الدافعة إلى الأمام thrust تثبت في الجُزء الدائر من المحرك، وهو العَمود في حالتي المحركين الثابت والمتشعب، وغطاء الكرنك هو وكتلة الأسطوانات في حالة المحرك الدوَّار.

(٣) نظريةُ عمل المحرِّكات

الذي يحدُث في المحركات عملية واحدة تتكرر في كلِّ أسطوانة من أسطواناته، وتنحصر في أن كمية زيت من زيوت الوقود تدخل في جهاز يُبخرها ويخلط معها قدرًا مناسبًا من الهواء، واسم هذا الجهاز المبخِّر carburettor، ويسيطر عليه الطيار من مقعده بواسطة ضابط صمام الخناق — كما قدَّمنا — ويدخل المخلوط المُفرقع explosive-mixture الذي يتكون من اختلاط بخار الزيت بالهواء إلى الأسطوانة من فتحة الشحن (أو المدخل الحر ح في شكل ٤-٦)، والصمام الحر «ص» مفتوحًا كما في الشكل، ويكون المكبس «م» عندئذٍ متراجعًا، حتى إذا ما وصل إلى النهاية السفلى للأسطوانة أغلق الياي «ي» spring الصمام، ويعود المكبس إلى الصعود فيكبس المخلوط المفرقع إلى حجمٍ صغير، ومتى بلغ المكبس أعلى موضع له (وهو معلَّمٌ في الشكل بخط متقطع)، وشغل الغاز المكان (مف) الذي فوق المكبس، والذي يمتد إلى ما فوق الصمام، عندئذٍ يكون حجم الغاز أقله، وتمر في المخلوط شرارة كهربائية spark يُحدثها مرور تيار كهربائي في الشمعة «س» plug يولده في تلك اللحظة جهاز اسمه المجنيتو magneto، عندئذٍ يحترق الغاز فجأة، ولازدياد حجمه يدفع المكبس إلى الوراء بقوَّة هائلة، حتى إذا ما بلغ المكبس أسفل موضع له فتح صمام العادم في أعلى الأسطوانة فيخرج منه الغاز العادم exhaust، وهو نتاج احتراق الزيت، ثم يصعد المكبس فيطرد معظم بقاياه، وعند نزوله يغلق هذا الصمام (لا يظهر هذا الصمام وفتحته في شكل ٤-٦ لأنهما في الناحية الأخرى وراء الوجهة التي يراها القارئ، ولكن هذه الفتحة — فتحة العادم — تظهر جليًّا في جميع الأسطوانات في شكلي ٢-٧ و٤-١، ويُركب عليها عادة أنبوبة غليظة يمر منها هذا العادم إلى الخلف١ تظهر خارج الواقي (وهو المعروف بالكبود) في شكلي ٢-٦ و١٠-١)، وفي الوقت الذي يغلق فيه صمام العادم والمكبس في أعلى مواضعه، يُفتح الصمام الحر الذي ظل مغلقًا طول مدة انفتاح الآخر، يفتحه الكام (ك)، وتدخل إلى الأسطوانة أثناء نزول المكبس كمية جديدة من مخلوط بخار الزيت بالهواء، فتتكرر العملية السالفة تمامًا.
fig23
شكل ٤-٦: مقطع للأسطوانة والكرنك وما يتبعهما، يوضح نظرية عمل المحركات.

والجزء الفعال في هذه الدورة هو احتراق الغاز وما يتبعه من تمدُّد يدفعُ المكبس بقوة إلى أسفل، فيندفع وراءها الذراع (ع)، ويدير العمود والمروحة المتصلة به، وهذا هو أساس سير جميع تلك المحركات.

ولا شك أن احتراق الغاز يصحَبه تولُّد مقدار عظيم من الحرارة، لو توالى تراكمه على الأسطوانة لصهرها، فلا بدَّ من اتخاذ الوسائل لتبريدها؛ ولذلك طريقتان: ففي بعض المحركات يُعتمد في التبريد على التيار الهوائي المتولِّد من الحركة تُعَرَّض له مساحة كبيرة، وهذه هي الطريقة المتبعة في النوعين الأخيرين من المحركات، أي المتشعبة والدوَّارة، أما النوع الأول فيغلب استخدام الماء لتبريد أسطوانته كما هو الشأن في محركات السيارات، فيغلف الأسطوانات — لا سيما عند رأسها — جراب (ق في شكل ٤-٦) اسمه القميص water jacket ممتلئ بالماء الجاري، تدفعه على الجري مِضخَّة pump خاصة يُسيِّرها المحرك أثناء حركته، فيمر الماء في دورته على المبرد radiator الذي ترى نظيره في الغالب مُتصدِّرًا في وجه السيارات ليستقبل التيار الهوائي الذي يُبرِّده، وتراه متصدِّرًا أيضًا في الطيارات، كالتي في شكل ١٦-٢.
١  وحديثًا حاول البعض إمرارَ الغازات العادمة عند خروجها من هذه الأنبوبة في جهازٍ خاص اسمه المُسكت sileneer لينعدم ضجيج المحرك أو يضعف، ولكن هذا الجهاز لم يمنع الغوغاء المريعة التي يُحسُّ بها راكب الطيارة، ولا سيما الطيار نفسه؛ ذلك لأن تلك الغوغاء لم تكن ناشئة عن خروج الغاز العادم فحسب كما يتصور البعض، ولكن كثيرًا منها ناشيء عن أزيز المحرك أثناء دورانه في الهواء بتلك السرعة الهائلة، ولا سبيل إلى إسكات هذا الصوت.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠