• حين يميل الميزان

    «لم أكتفِ بأن آخذ من عمي الآلاف الثلاثة والمئات الخمس والعشرات الست والقروش الخمسة والأربعين، أخذتُ من عمي كلَّ ما حلا لي أن آخذه؛ فلقد مال الميزان ولم يعُد من الممكن أن يستقيم.»

    بزاوية مختلفة يخوض ثروت أباظة غمار تجربة فنية جديدة بالبُعد عن السرد الطويل، حين استعاض عن كل ذلك باختصار اللقطة، وسرعة تطور الأحداث للوصول للمعنى؛ ففي تلك المجموعة القصصية يربط شخصياتها خيط لا ينفصل، يظهر في صورة الصراعات النفسية التي تعتري كلٌّ على حدته، وتتوزع في كل قصة لتشكل روحًا مختلفة؛ ففي «حين يميل الميزان» يجد الشاب الصغير عمه وقد اغتصب ميراثه فلا يجد حلًّا سوى التحول ليكون الطرف الأقوى ويأخذ حقه ويتعدى على حقوق الآخرين؛ حتى اختل ميزانه الذي طالما حرص على ضبطه، وفي «ولكني سعيد» يعاني شابٌّ من القلق من المستقبل ويقصد المنجمين ليعرفه، فلا يصدقون حتى يقابل هذا الهندي الذي يخبره عن كل شيء سيفعله ويصدُق، ثم يجد نفسه أمام كتاب مفتوح يعرف نهايته فيستعجل النهاية وينتحر.

  • برلين: مدن العالم الكبرى

    «لم أشهد في حياتي وفي مُختلِف أسفاري مدينة كهذه، فقد ظلت الدول الكبرى شهورًا تتنازع من أجلها في جينيف، ووزراء خارجية المدن الأربع الكُبرى يتركون مهام وظائفهم في عواصم بلادهم ويتخصصون لدراسة مشكلة هذه المدينة.»

    قد يُروى عنها الكثير، وتُتناقل أخبارها، فندهش لما وصلت إليه من تناقُض وتخبُّط، لكن الشهادة غير الرواية والحكاية، لا يُتقنها إلا من عايشها؛ ففي عام ١٩٥٩م زار الكاتب «فرج جبران» برلين بشطرَيها الشرقي والغربي، ونقل لنا في كتابه هذا معاناةَ الألمان بعد أن اجتاحت جيوش الحلفاء برلين عاصمةَ الرايخ وشطَرَتها إلى شرقية وغربية؛ الأولى خاضعة للنفوذ السوفييتي الذي أسَّس فيها نظامًا سلطويًّا قمعيًّا يُطبق الشيوعية، والثانية رأسمالية ذات اقتصاد منفتح حر ازدهرت بها الحريات، وأدى ذلك إلى تدفُّق آلاف الألمان الشرقيين إلى الجانب الغربي هربًا من الجحيم. والكاتب هنا ينقل ما عاينه من تناقُضات فكرية وثقافية واقتصادية وسياسية في الجانبَين.

  • أمواج ولا شاطئ

    «أصبح لا يُصادِق إلا الخدم والقوَّادين، وتردَّى في طريق لم يتصور أنه سيسير فيه، أصبح يضحك ضحكته الشهيرة، ولكنه كان كلما ضحكها أحسَّ أنه يضحك من نفسه، وأحسَّ أن العالَم أجمعه يَضحكها منه معه.»

    أيُمكِن للسلطة والجاه أن يُحوِّلا الإنسان إلى ذئب في ثوب حَمَل؟ أيُمكِن أن يعيش الإنسان حياتَين، يؤدي في إحداهما دورًا غير الذي يؤديه في الأخرى؟ أيُمكِن أن يمتد العهر والفساد عبر أجيال بالوراثة جبرًا أو اختيارًا؟ هكذا صوَّر «ثروت أباظة» حياةَ الباشوات وأصحاب السلطة؛ حياةً لا معنى لها كأمواجٍ عاصفة بكل شيء، وحين تبحث عن شاطئ لتهدأ عليه وتستجمع قُواها، لا تجد غير جزاء صنيعها وسوء تدبيرها وجنايات يدها، فمن «نامق بك» إلى «نازك هانم»، وحتى «نادر بك» و«منيرة هانم»؛ كلٌّ يتلذَّذ بخيانة الآخر، فلا أحد يتزوج مَن يُحب، ولا أحد يفعل ما يريد، كلٌّ مجبور على ركوب أمواج الخيانة بغير شِراع.

  • اللغة والدين والتقاليد في حياة الاستقلال

    كانت قضية الاستقلال عن بريطانيا هي الشغل الشاغل لمُثقفي مصر في بدايات القرن العشرين، فلم تَغِب عن كتاباتهم الصحفية والأدبية باختلافها، وعملوا جهدَهم على إذكاء روح التحرر في صدور المصريين، وحَفْزهم على مُجابهة الاحتلال، ولكن الخَطْو نحو الحرية لم يكن سهلًا ميسورًا؛ فالفترة التي قضاها المُحتل بالبلاد لم تكن بالقصيرة، وتَدخُّله في شئون البلاد لم يكن بالهَيِّن؛ فقد أحدث تغييرات جذرية في نظامها التعليمي والثقافي بما يخدم مصالحه، وعمل على استبدال عاداته الغربية بالأصيل من تقاليدنا الحميدة، بحيث أصبح الكفاحُ نحو الاستقلال أشملَ وأعمَّ من توقيع اتفاقية جلاء أو انسحاب بعض الجنود وغلق معسكراتهم، بل كان هناك عملٌ مهم ينتظر أصحاب الأقلام الوطنية المُخلصة ليُنبهوا المصريين إلى التحصُّن بأسس استقلالهم الثقافية؛ وهي اللغة العربية وموروثاتنا من التقاليد الحميدة، وبالطبع العقيدة الدينية، وهي الأسس التي أفرد «زكي مبارك» هذا البحثَ في بيان أهميتها.

  • عصر الانبثاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الأول)

    من النشأة الأولى إلى العودة المأمولة؛ عبر سلسلة من الكتب تحت عنوان «تاريخ الأمة العربية» يرصد «محمد أسعد طلس» أطوارًا شتَّى من الصعود والهبوط عاشتها بلاد العرب منذ الجاهلية، وحتى عصر النهضة العربية الحديثة، وبين انبثاقٍ وانطلاقٍ واتساقٍ وازدهارٍ وانحلالٍ وانحدارٍ وانبعاث، يُقرأ التاريخ الماضي ليُرسَم المستقبل الآتي.

    وإن الناظر في تاريخ العرب قبل الإسلام؛ يجد ثُلَّة من الحضارات التي سكنت ما لُقِّب ﺑ «الجزيرة العربية»، والتي كان مركزها بادية الشام و«الحجاز» و«نجد»، حيث كانت تنبثق الموجات العربية وتمتد جذورها شمالًا ووسطًا وجنوبًا، حتى شملت ما بين جبال «زاغروس» الواقعة في «إيران» و«العراق»، وما بين جبال «الأطلس» الواقعة في المغرب العربي، فعُمِّرت بقاعٌ وازدهرت حضاراتٌ وخَبَتْ أُخَر؛ إلى أن جاءت الدعوة المُحمَّديَّة في عهدٍ غلبت عليه العصبيَّة القبليَّة والانتماء الأعمى، فاستطاعت بما استجلبته أن تكون الحَدَث الأهمَّ في تاريخ هذه الأمة، والبذرة الأولى لتغيُّر شامل، وحضارة كُبرى سادت العالم لعقود. يُفْرِد الكاتب الجزء الأول من هذه السِّلسلة ليُعرِّفنا بدنيا العرب قبل الإسلام، يستقصي أحوالهم عند ابتداء البعثة النبوية، ويذكر موجزًا عن حياة النَّبيِّ «مُحمَّدٍ» قبل البعثة؛ مؤهِّلًا للتفصيل في سيرته العَطِرة بالجزء التالي.

  • طعام الآلهة وكيف جاء إلى الأرض

    ماذا يحدث عندما يعبث العلم بالطبيعة؟ تكشف لنا تلك القصةُ المشوِّقة عن الإجابة المرعبة لهذا السؤال. يكتشف عالِمان — بينما هما يطمحان إلى ابتكارِ عاملِ نموٍّ جديد للحصول على طعام ذي استخدامات مفيدة للجنس البشري — أن انتشارَ المادة المصنوع منها الطعام أمرٌ خارج عن نطاق السيطرة. دجاجات وفئران وحشرات عملاقة تندفع إلى الشارع في جنون، فيقع كلُّ ما تصادفه في طريقها ما بين قتيل وجريح. ويجد الأطفال الذين أُطعِموا هذه المادة أنفسَهم عاجزين عن الاندماج في مجتمع يسوده الجهل ويسوسه النفاق. يجد هؤلاء «العمالقة»، ذوو القدرات العقلية الاستثنائية، أنفسَهم سجناء محتجَزين من قِبَل المجتمع، فيزداد التعصب والكراهية؛ ومن ثَم، تتحوَّل الرواية إلى قصة حزينة عن الفساد السياسي والسُّخف العام وانعدام الكفاءة لدى البشر حالَ تعامُلِهم مع أي شيء خارج إطارهم التقليدي ونظرتهم للعالَم.

    إنها قصةٌ وثيقةُ الصلة بواقعنا الحالي، تجمَع بين التسلية والبعد الاجتماعي الذي يتطرَّق إلى الأخلاقيات المتضمَّنة في الهندسة الوراثية. فإلى جانب المزيج الفلسفي، ثَمة موضوعٌ ذو صلة وثيقة بعالَم اليوم، وهو التعديلات الجينية. وعلى ضوء ذلك، فثَمة سببٌ وجيه وراء كوْنِ الرواية ضمن روائع الخيال العلمي، وهي حقًّا روايةُ ممتعة للغاية وجديرة بالقراءة.‎

  • خيوط واهية

    «وهكذا بدأ شهاب رحلته الدراسية في غير إقبال ولا جنوح، وكان ترتيبه في الدراسة متوسطًا، لا هو متقدم ولا هو الأخير، ولكن المؤكد أنه لم يحس بفضل الباشا عليه مهما تقدمت به السن؛ فقد كان كلما مرت عليه السنون، يزداد حقدًا على الباشا وجحودًا ونكرانًا.»

    بفضل عمل والده لدى الباشا أصبح ﻟ «شهاب» مكان بمكتب وزير الزراعة عقب تخرُّجه، وبخُبثٍ نجح «شهاب» في أن يحتفظ بمكانه بالرغم من إقالة الوزير عقب ثورة يوليو وتغيير الوزارة عدة مرات، وكان قد احترف السُّحت والنفاق، فكوَّن ثروة كبيرة وتزوَّج من ابنة أحد كبار الموظفين القدامى، ولسوء سريرته فُتن براقصة وتزوَّجها وطلَّق زوجته وهجر أبناءه، واستحال رضا والده إلى غضب حتى حرمه من إرثه، ولم يُفِق إلا حين خانته زوجته ووُضِعت أمواله تحت الحراسة؛ فرجع إلى أمه نادمًا، لكن بعد موت أبيه غاضبًا عليه. صورة من صور المجتمع المصري كما رآها «ثروت أباظة» قبل ثورة يوليو، وما أعقبها من إجراءات سياسية كان لها تأثيرها الكبير على الحياة الاجتماعية للمصريين بكافة طبقاتهم.

  • الإيدز العربي

    «من أجل هذا أُقدم لك هذا الكتاب، على الأساس السابق، فهو ليس بحثًا في الإيدز، ولا في الإشعاع، ولا في أفريقيا، ولكنه بحث دائب عن الداء جنبًا إلى جنب مع الدواء.»

    شُنَّت حملةُ نقدٍ منظمة من بعض الصحف والجرائد على الدكتور «يوسف إدريس» عقب تركيزه على المقال الصحفي عوضًا عن الرواية والقصة، مُتهِمين إياه بالتخلي عن الفن والاتجاه للحديث الجامد في قالب الصحافة. ومن جانبه كان «يوسف إدريس» مؤمنًا بما يفعل، يصرخ فيمن يتهمه قائلًا: «يا ناس، أتريدون من رجل يرى الحريق يلتهم بيته أن يترك إطفاءه لآخرين؟!» متعجبًا من منتقديه؛ فهو يرى أن من واجبه تتبُّع الأمراض التي أصابت المجتمع المصري، ومن ثَم إيجاد دواء لها، ويرى أن المقال هو خير وسيلة لذلك، أو ما سمَّاه «المفكِّرة» التي لخَّص فيها انطباعاته عن هذه الأمراض. وهو هنا يجمع بعض هذه المفكِّرات ليحاول بها أن يسلط للقارئ نورًا من العاطفة نحو مشكلاته اليومية.

  • التصوف: الثورة الروحية في الإسلام

    تتجلَّى روحانية الإسلام في التصوف، ويرى فيه مُحِبوه إشباعًا للعاطفة، وتغذيةً للقلب، وتفسيرًا عميقًا للدِّين؛ وذلك في مقابل التفسير الذي يراه البعض عقليًّا جافًّا عند المُتكلمين والفلاسفة، وكذلك في مقابل التفسير الصُّوري عند بعض الفقهاء الذي يراه المُتصوفون قاصرًا. في هذا الكتاب، يُبرِز المؤلِّف بعض مَعالم الصورة التي يتلخَّص فيها موقفُ الصوفية من الدين، ومن الله، ومن العالَم؛ ذلك الموقف الذي رضيه الصوفية واطمأنوا إليه، وطالبوا به أنفسَهم، ولم يُطالبوا به غيرَهم، مُطلِقًا على هذا الموقف اسم: «الثورة الروحية في الإسلام»؛ لأنه يؤمن بأن التصوف كان انقلابًا شاملًا على الأوضاع والمفاهيم الإسلامية كما حدَّدها الفقهاء والمُتكلمون والفلاسفة، وبأنه هو الذي بثَّ في تعاليم الإسلام روحًا جديدة.

  • ظواهر نفسية وجنسية

    يُعرِّف المختصون «علم النفس» بأنه العلم الذي يَدرس سلوك الإنسان ويسعى لتفسير دوافعه، ولكن بالرغم من اتفاقهم في هذا التعريف، فإن نظرياتهم في ذلك قد اختلفت، بل تضاربت في بعض الأحيان (فمنهج «فرويد» في دراسة الشخصية ودوافعها يختلف اختلافًا جذريًّا عن منهج «مكدوجل»، وهكذا)؛ الأمر الذي يعكس صعوبة دراسة النفس البشرية والإحاطة بخباياها؛ فمكنوناتها لا يُستدل عليها بالمشاهدة الظاهرية مثلما نفعل في دراستنا للظواهر الطبيعية والبيولوجية، كما أن هناك كثيرًا من العوامل التي تؤثر في السلوك والشخصية، وأهمها الغريزة الجنسية؛ إذ يرى بعض الدارسين أن سبب بعض الأمراض النفسية يعود لما تُمارسه ما تُعرف ﺑ «الأنا العليا» من كبتٍ تجاه متطلَّبات الجسد. ويقتضي منا الإنصافُ الاعترافَ بأن دراسة النفس البشرية تُعَد واحدًا من أعقد الحقول المعرفية، وإن كانت دراسةً لا تخلو من الكشوف المدهشة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠