• سيبويه: حياته وكتابه

    لَم يَكنْ للُّغةِ العربيَّةِ أنْ تَكتملَ عُلومُها ومَعارِفُها دونَ تطوُّرِ «علمِ النَّحو»؛ خاصةً معَ استعمالِ شعوبٍ من خارِجِ جَزيرةِ العربِ للُّغةِ العربيَّة. وإنْ كانَ «أبو الأسود الدُّؤَلي» هو مَنْ وضَعَ أُسسَ هذا العِلم، فإنَّ «سيبويه» هو «إمامِ النَّحوِ والنُّحاة» و«حُجَّةِ العَرب»، حيثُ قادَتْه الأَقْدارُ إلى دِراسةِ النَّحوِ بدلًا من «عِلمِ الحدِيث»، فتتلمَذَ على يدِ مجموعةٍ مِن أبرزِ علماء النحو، مِثل «الخليلِ بنِ أحمد». والحقيقةُ أنَّ هذه المَكانةَ التي حَظِيَ بها «سيبويه» مَرْجِعُها سِفْرُه الخالدُ «الكِتابُ» الذي يُعَدُّ مَوْسوعةً حقيقيَّةً في النَّحْوِ والصَّرْف، وحُجَّةَ اللغةِ ودُستورَها، حتى إنَّ الجاحِظَ حينما أرادَ أن يُهدِيَ وزيرَ الخليفةِ «المُعتصِمِ» هَديَّة، لم يَجِدْ أفضَلَ من هذا الكِتابِ لِيُهدِيَه إيَّاه.

  • لامرتين

    «لمْ تكُنْ أمُّهُ الحَنونُ تَطلُبُ منهُ أكثرَ مِن أنْ يَكونَ إنسانًا حَقيقيًّا وطيبًا.» ذلك هو «ألفونس ده لامرتين» الشاعرُ الفرنسيُّ الذي ذاعَ صِيتُه في بداياتِ القرنِ التاسعَ عشر، بصِفتِه أحدَ رُوَّادِ الرُّومانسيةِ في الأدبِ الحَديث، الشاعرُ الذي حلَّقتْ به قصيدتُهُ «البحيرة» نحو العالَمية، وأوقعَتْ مُتذوِّقي الشِّعرِ في حُبِّه؛ فتغنَّوْا بقَصائدِه، وترجَمُوها إلى لُغاتِ العالَم، بلْ اعتَنَوْا أيضًا بسَبْرِ شخصيتِه وقراءةِ سيرتِه قراءةً تُناسِبُ تفرُّدَها وشاعريةَ فُصولِها، وهو ما فعَلَه زميلُ مِهْنتِه «إلياس أبو شبكة» في هذا الكِتاب؛ فبصِدقِ شاعرٍ أحدَثَ يُميِّزُ الصدقَ في شاعرٍ أقدَم، وإنْ باعدَتْ بينَهُما الأَلسِنةُ والأَمكِنةُ والأَزمِنة، يُقدِّمُ لنا المؤلِّفُ «لامرتين» الإنسان؛ حَدَثًا، فشابًّا ناضجًا، فعَلَمًا ماجدًا وشُعلةً لا تَنطفِئ، وهو في كلِّ طوْرٍ مِن أطوارِه يُزِيحُ سِترًا جَديدًا عنْ وجهِ الحَياة، ويُلقِي مَوْضعَه ألوانًا مِنْ شِعرِه وفنِّه.

  • ابن المقفع: أئمة الأدب (الجزء الثاني)

    «عبد الله بن المُقفَّع» هو واحدٌ من أَعْمدةِ الحضارةِ الإسلاميَّة، وكانَ له أثرٌ جلِيٌّ في تاريخِ الأدبِ العربيِّ الإسلاميِّ. عاشَ في القرنِ الثاني الهِجْري، وعاصَرَ كلًّا مِنَ الخِلافةِ الأُمويةِ والعبَّاسية، وحظيَ بمكانةٍ مرموقةٍ بينَ مُعاصِرِيه؛ فقد كانَ واسعَ الثقافةِ والمعرفة، مُطَّلِعًا على العديدِ مِنَ الثَّقافات، ولا سِيَّما الثقافةُ الفارسيَّةُ والهنديَّةُ والعربيَّة، واستطاعَ بحسِّه الأدبيِّ الأخَّاذِ أنْ يَجْمعَ بينَها. كما نالَ نصيبًا وافرًا مِنَ البَلاغةِ والأدب، ويَظهرُ هذا بصورةٍ جليَّةٍ في رسائلِه ومُؤلَّفاتِه الأدبيَّة، التي كتبَها بأسلوبٍ يتميَّزُ بالسلاسةِ والوضوحِ والرصانةِ في المَعاني والأَلْفاظ. نالَتْ كتاباتُه شُهْرةً مُنقطِعةَ النَّظِير، ولا سِيَّما كتابُه المُترجَمُ عَنِ الهنديَّةِ «كَلِيلة ودِمْنة»، وهو أحدُ الكتبِ الخالِدة. وفي هذا الكِتاب، تتبَّعَ «خليل مردم» سِيرةَ «ابن المُقفَّع»، كما عرَضَ سِماتِ العصرِ الذي عاشَ فيه، وأثَرَه في ثَقافتِه ونُبوغِه، وأبرزَ مُؤلَّفاتِه الأدبيَّة.

  • الجاحظ: أئمة الأدب (الجزء الأول)

    يؤرِّخُ هذا الكتابُ الهامُّ لحياةِ واحدٍ من أعظمِ أُدباءِ العالَمِ الإسلامي؛ إنه الإمامُ «الجاحظ». عاشَ «الجاحظ» في وقتٍ كانت فيه الثقافةُ العربيَّةُ في أوجِ ازدهارِها في العصرِ العباسي، قضى معظمَ حياتِه في بغدادَ التي كانتْ تُعَدُّ آنَذاك من أكبرِ مراكزِ العلمِ والأدب. اهتمَّ «الجاحظ» كثيرًا منذُ نشأتِهِ بالقراءةِ والاطِّلاع، مما ساعدَه على الإلمامِ بشتَّى العلومِ والمعارف؛ لكنَّ معرفتَه لم تقتصِرْ على القراءةِ فقط، بل كانَ لتعلُّمِهِ على يدِ كبارِ الشيوخِ والعلماء، وحضورِه الكثيرَ من حلقاتِ العلمِ دورٌ واضحٌ في إثراءِ فِكْرِه وثقافتِه. وقَدْ عُنِيَ «خليل مردم» في هذا الكتابِ بإيرادِ سِيرةِ الجاحظِ وآرائِه، فقَدْ تحدَّثَ بشيءٍ مِنَ الإيجازِ عن حياتِه، وصفاتِه، وما اتَّسمَ به أسلوبُه من خصائص، كذلك سرَدَ أهمَّ مُؤلَّفاتِه، المطبوعةِ منها والمخطوطة، والَّتِي طارَتْ شهرتُها في الآفاق، هذا بالإضافةِ إلى استعراضِ بعضِ الأمثلةِ والشواهدِ من كلامِه ورسائلِه.

  • تاريخ الأسرة التيمورية

    يَتَناوَلُ «أحمد تيمور باشا» في الكِتابِ التَّالِي ما يُمْكِنُ اعتِبارُهُ سِيرَةً مُوجَزةً لِأُسْرَتِهِ الَّتِي نَبَغَ العَدِيدُ مِن أَفرَادِها في مَجالاتٍ أَدَبيَّةٍ وعِلْميَّةٍ وإِداريَّةٍ شَتَّى، فَتَولَّى بَعْضُهُمْ مَناصِبَ عُلْيَا في الدَّوْلةِ المِصْريَّةِ وكانُوا مَوْضِعَ ثِقَةِ حُكَّامِها؛ لِمَا كانُوا عَلَيهِ مِن عِلْمٍ وخُلُقٍ وإِخْلَاصٍ لبِلَادِهِم، ومِن هَؤُلاءِ «إسماعيل تيمور الكاشف» الَّذِي تَرَقَّى في المَناصِبِ حَتَّى أَصْبَحَ رَئِيسًا لدِيوَانِ «الخديوي سعيد»، وهِيَ وَظِيفةٌ تُكافِئُ رِئاسَةَ الوُزَراءِ في عَصْرِنا هَذا. كذلِكَ قَدَّمَتْ هَذِهِ الأُسْرَةُ أُدَباءَ كِبَارًا أَمْثَالَ: «عائشة التيمورية»، و«أحمد تيمور»، وابنَيْهِ «محمد» و«محمود تيمور» اللَّذَيْنِ بَرَزا كرائِدَيْنِ للقِصَّةِ والرِّوايَة. ويُبَيِّنُ المُؤَلِّفُ أَنَّ المُنَاخَ التَّرْبَويَّ الَّذِي تَعَهَّدَتْ بهِ أُسْرَتُهُ أَبْناءَها، واعْتِناءَها بِتَوْفِيرِ التَّعْلِيمِ الجَيِّدِ لِلذُّكُورِ والإِناثِ عَلى حَدٍّ سَوَاء؛ كِلاهُما مِنَ العَوامِلِ الَّتِي أَسْهَمَتْ في نُبُوغِ العَدِيدِ مِن أَفْرادِها.

  • سقراط: الرجل الذي جرؤ على السؤال

    «إنَّ المَوتَ بَطِيء، وقَدْ لَحِقَ بِي، وأَنَا شَيخٌ مُسِنٌّ بَطِيء، أمَّا الشَّرُّ فَسَرِيع، وقَدْ لَحِقَ بِكُم بِرَغمِ مَهارَتِكُم؛ لا بُدَّ لِي أَنْ أُعانِيَ حُكْمِي، ولَكِنْ لا بُدَّ لَكُم أَن تُعَانُوا حُكْمَكُم.»

    تَطغَى الآرَاءُ والمُعتقَداتُ والمَذاهِبُ عَادةً عَلى سِيرَةِ صَاحِبِها؛ فَلا يَكادُ يَذكُرُه النَّاسُ إلَّا وذكَرُوا قَضَايَاهُ الَّتِي عَاشَ لَهَا وأَفنَى عُمُرَهُ فِي الدِّفَاعِ عَنها، وبَذَلَ كُلَّ ما يَملِكُ فِي سَبِيلِ إِيصالِهَا لِلنَّاس، لَكِنْ ثَمَّةَ جَانِبٌ آخَرُ تُغفِلُهُ تِلكَ السِّيَر؛ وَهُوَ الجانِبُ الشَّخصِيُّ الذِي يُمثِّلُ النَّبعَ الذِي انحَدَرَتْ مِنهُ تِلكَ الأَفكَارُ والآرَاءُ والمُعتَقَدات. والدُّكتُورة «كورا ميسن» تَضَعُ بَينَ أَيدِينَا شَخصِيَّةَ «سقراط» الإِنسَانِ الذِي انسَلَخَ مِن قُيُودِ مُجتمَعِه واستَطاعَ أَن يَسأَلَ دُونَ خَوْف، وأَن يَختلِفَ دُونَ عُدوَان، وأَن يَستَسلِمَ لِلقَانُونِ دُونَ ذِلَّةٍ وَمَهانَة. عَلى هَذا النَّهجِ يَمضِي الكِتابُ فِي رِحلَةٍ استِكْشافِيَّةٍ لأَحَدِ أَقدَمِ مُؤسِّسِي الفَلسَفةِ اليُونَانيَّة.

  • اعترافات تولستوي

    «أَقُولُ إِنَّ ذَلكَ البَحثَ عَنِ اللهِ لَمْ يَكُنْ بالعَقلِ إِنَّما كَانَ بالشُّعُور؛ لأَنَّ هَذا البَحثَ لَم يَنْشأْ عَن تَسلسُلِ الأَفكَارِ عِنْدي، وَإِنَّما نَبَعَ مِنَ القَلب، ولَقَدْ كَانَ شُعُورًا بالخَوفِ واليُتمِ والعُزلَةِ فِي بَلدٍ غَرِيب، وَأَملًا فِي العَونِ مِن جِهَةٍ مَا.»

    بَعدَ أَنْ قَارَبَ الخَمسِينَ مِن عُمُرِه، وَقَدْ بَلَغَ مَا بَلَغهُ مِنَ الشُّهرةِ بَعدَ مَا أَلَّفَهُ فِي الأَدبِ الرُّوسِيِّ حتَّى اعتُبِرَ مِن مُجدِّدِيه، بَدأَ «تولستوي» يُعِيدُ التَّفكِيرَ فِي الأَسئِلةِ التِي طَرَحَها عَقلُهُ مُنذُ زَمنٍ طَوِيل: عَنِ اللهِ وَعَن ماهِيَّتِهِ والإِيمانِ والحَيَاة، وكَادَتْ هَذِه الأَسئِلةُ تُجهِزُ عَلَيهِ حتَّى فَكَّرَ فِي الانْتِحَار، لكِنَّهُ انكَبَّ لِلبَحثِ عَن إِجابَةٍ لهَا، لِيَبدأَ رِحلَتَهُ لِلبَحثِ وَرَاءَ الحَقِيقَة؛ حَقِيقةِ وُجُودِهِ فِي هَذَا العَالَم؛ فَقَرَأَ فِي الفَلسَفةِ وفِي الأَديَان، وَتَجرَّدَ مِن كُلِّ مَا يَعلَقُ فِي ذِهْنِهِ مِنَ الدِّينِ المَسِيحِيِّ الذِي تَعَلَّمه فِي صِغَرِه، وثَارَ عَلَى طَبَقةِ النُّبَلاءِ والأَغنِياءِ التِي هُو مِنهَا، واعتَرَفَ بِكُلِّ مَا أتَاهُ مِن آثَامٍ ومَا نَالَهُ مِن مَتَاعِ الدُّنيا ومَا اقتَرفَتْهُ يَدَاه؛ ليُعِيدَ النَّظَرَ فِي عَقِيدَتِهِ وفِي الإِنجِيل. وبِرُؤيةٍ أَدَبِيةٍ فَلسَفِيةٍ، سَجَّلَ «تولستوي» كُلَّ هَذا فِي اعتِرَافاتِهِ التِي نَقَلَها لنَا بحِرفِيَّةٍ ودِقَّةٍ الأُستَاذُ محمود محمود.

  • اسپينوزا

    «تُهْمَةُ الاسپينوزِيَّةِ كانَتْ بدَوْرِها تُوَجَّهُ إِلى جَميعِ الثَّائِرينَ عَلى تَقالِيدِ الكَنِيسة، ولَكِنَّ نِطَاقَها قَدِ اتَّسَعَ فِي القَرنِ الثَّامِنَ عَشَرَ حتَّى أَصبَحَتْ تُنسَبُ إلى كُلِّ مُعارِضٍ للنُّظُمِ القائِمة، وحتَّى اضطُرَّ مَشاهِيرُ المُفكِّرينَ فِي الجِيلِ التَّالِي إِلى التَّبرُّؤِ مِن اسپينوزا وتَفنِيدِهِ عَلَنًا بِسَببٍ ودُونَ سَبَب، استِرضاءً للسُّلطَاتِ القائِمة.»

    رُبما كانَ اسپينوزا أحَدَ أَكثَرِ الفَلاسِفةِ إثَارةً للجَدَل؛ فَقَدْ كانَتْ آرَاؤُهُ مِيلادًا مُبَكِّرًا لفَلسَفةٍ لَم تَنَلْ حَظَّها مِنَ الشُّهْرةِ إِلَّا بَعدَ قَرنٍ مِنْ الِانْتِقاداتِ واللَّعَناتِ لَها ولِصَاحِبِها؛ الأَمرُ الذِي أَسهَمَ فِي وُجُودِ عِدَّةِ شُروحٍ وتَفسِيراتٍ مُتَبايِنةٍ لفَلسَفَتِه؛ إِذْ أَضفَى عَلَيها شُرَّاحُها ومُفَسِّرُوها مَوَاقِفَهمُ الشَّخصِيةَ ومُعتَقَداتِهمُ الفَلسَفِيةَ وتَوَجُّهَاتِهمُ الفِكرِية. مِن هَذا المُنطَلَقِ وَجَدَ «فؤاد زكريا» نَفسَهُ إِزاءَ فَلسَفةٍ يَجِبُ أَن تُقرَأَ فِي سِيَاقِها التَّارِيخِي، بَعِيدًا عَن تَأوِيلاتٍ حَدِيثةٍ تَبتعِدُ بالنَّصِّ عَمَّا أَرادَ لَه مُؤَلِّفُه، فَعَكَفَ عَلى قِراءتِها وَعَادَ بِها إِلى مَظَانِّها الأُولَى، مُستَخدِمًا فِي ذَلكَ نُصوصَ اسپينوزا نَفسِه، مُؤَكِّدًا عَلى تَماسُكِ فَلسَفَتِهِ وخُلُوِّها مِنَ التَّنَاقُض، ومُتَمَاشِيًا مَعَ النَّسَقِ الفَلسَفِيِّ المُعتمِدِ عَلى المَنهَجِ الرِّياضِي. وَقَدِ استُقبِلَ هَذا الكِتابُ فِي الأَوساطِ الفَلسَفِيةِ بِحَفاوَةٍ كَبِيرة، ومُنِحَ مُؤلِّفُهُ عَنهُ «جائِزةَ الدَّولَةِ التَّقدِيرِيَّة».

  • ما بعد الأيام

    يَعرِفُ القارِئُ ما كانَ فِي حَياةِ «عَميدِ الأَدبِ العَربيِّ» مِن كِفاحٍ وجِهادٍ مُنذُ طُفولتِه؛ فظُروفُه لمْ تَكُنْ بِالمِثالِيةِ أبدًا، وبِخاصَّةٍ مَعَ حِرمانِهِ مِن نِعْمةِ البَصَر. وقَدْ حَكى فِي كِتابِه الشَّهيرِ «الأيَّام» كَيفَ كانَ إِصرارُه ودَأبُه فِي طَلبِ العِلمِ يَفُوقانِ أَقرانَه مِنَ المُبصِرِين؛ فلمْ يَكتَفِ بتَعلِيمِه الأَزهَريِّ عَلى مَا كانَ فِيهِ مِن مَشاقَّ، بَلِ التَحقَ ﺑ «الجَامِعةِ المِصرِيةِ» النَّاشِئة، وأهَّلَهُ تَفوُّقُه لمُواصَلةِ التَّعلُّم ﺑ «السُّوربُون» فِي فَرنْسا. ولمْ يَكدْ يَحصُلُ عَلى دَرجةِ «الدُّكتُورَاه» حتَّى عادَ إِلَى وَطنِه لِيَبدَأَ مَرحَلةً جَدِيدةً مِنَ النِّضالِ والكِفَاح؛ حَيثُ أَصبحَ مَهمُومًا أَكثرَ بِقَضايَا وَطنِه واسْتِقلالِه، فاخْتارَ أَنْ يَكونَ إِسهَامُه بِالكَلِمةِ والفِكرَةِ وتَعلِيمِ أَبناءِ وَطنِه؛ فَقضِيةُ التَّعلِيمِ ظَلَّتْ لآخِرِ يَومٍ فِي حَياتِهِ قَضِيةً كُبرَى لَا يَسبِقُها شَيء، فَهُو يَراهُ السَّبِيلَ الوَحِيدةَ لتَحقِيقِ نَهضةٍ وَطنِيةٍ حَقيقِيةٍ عَلى أُسسٍ ثَابِتة. «مَا بَعدَ الأَيَّام» يَستَكمِلُ قِصةَ كِفاحِ رجُلٍ أَلِفَ الصِّعابَ واسْتَعذَبَ تَحدِّيَها؛ إِنَّه «طه حسين».

  • قصة نفس

    «قُلْ مَا شِئْتَ عمَّا بَيْنَنا نَحنُ الثَّلاثةَ مِن تَبايُن، فإنَّه مُحالٌ عَلى المُتعَقِّبِ ألَّا يَربِطَ بَيْنَنا رَبْطًا وَثِيقًا، يُبرِّرُ لَه أنْ يَجْعَلَ نُفوسَنا جَوانِبَ ثَلاثةً مِن نَفسٍ وَاحِدة.»

    صَنَعَ زكي نجيب محمود مِن «نفسِهِ» ثَالُوثًا، فارْتحَلَ لكُلِّ واحِدٍ عَلى حِدَة؛ لِيَرَاهُ مُجرَّدًا، مُنفرِدًا، واضِحًا، فخلُصَ إلَى أنَّ لكُلِّ شَخْصٍ مِنْهم طَبِيعةً تَتنافَرُ مَعَ طَبِيعةِ الشَّخصين الآخَرَيْن؛ فمِنْهم «الأَحْدبُ» الَّذِي كَبَّلتْهُ الهُمُوم، وتَثاقَلَتْ عَلَيْه حَياتُه، حتَّى باتَ مُندفِعًا أَهْوَج، فاقِدًا احْتِرامَ النَّاس؛ ومِنْهم «العاقِلُ» الَّذِي صَبغَهُ العَقْلُ ببُرودتِهِ ومَوْضُوعيَّتِه، ففضَّلَ العَيْشَ مَعَ الأَفْكارِ عَلى العَيْشِ مَعَ النَّاس؛ والأَخِيرُ الَّذِي ارْتَضَى مَا ارْتَضَاهُ النَّاس، فانْتَمَى إلَى أُسْرَة، والْتَمَسَ أَصْدِقاء، وأَحَبَّ وكَرِه. مَزْجٌ غَرِيبٌ مُتنافِرٌ نَجَحَ زكي نجيب محمود في تَوْصِيفِهِ وعَرْضِه، حتَّى تَكادَ تَرَى فِيهِ نَفْسَك ونُفوسَ النَّاسِ مِن حَوْلِك.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.