• الأغنية الدائرية

    «ولَكِن لَا بُدَّ لِي أَنْ أُنهِيَ القِصَّة؛ فَكُلُّ شَيءٍ لَهُ نِهَاية، لَكِنَّ نُقطَةَ النِّهَايةِ فِي هَذهِ القِصَّةِ لَا أَستَطِيعُ تَحدِيدَها.»

    فِي مُجتَمَعِنا الشَّرقِيِّ قَد يُعاقَبُ المَجنِيُّ عَلَيه لأَنَّهُ سَمَحَ لِلجَاني أَنْ يُوقِعَ جِنَايتَهُ عَلَيه، فَإنْ كَانَ الجانِي ذَكَرًا وَالمَجنِيُّ عَلَيه أُنثَى، فَلَا حَرَجَ أَنْ تُسلَبَ حَياتَها عِقابًا لَهَا عَلَى اغتِصَابِ شَرَفِها. فعَلى الرَّغمِ مِن أَنَّهُما تَوأَمَانِ تَشَارَكَا مَعًا فِي أَحشَاءِ أُمٍّ وَاحِدَة، وَجَمَعَهُما الشَّبَهُ الكَبِيرُ بَينَهُما، فَإِنَّ المُجتمَعَ الذِي عَاشَا فِيهِ لَا يَعتَرِفُ بِكُلِّ هَذهِ الصِّفَاتِ المُشتَرَكةِ بَينَهُما، وَيَضَعُ الحَواجِزَ بَينَهُما؛ فَهَذا ذَكَرٌ وهَذهِ أُنثَى، هَذا يَكتُبُ التَّارِيخَ وَبِاسمِهِ تُكتَبُ الأَحدَاثُ والبُطُولات، وهَذهِ امرَأَةٌ خُلِقَتْ لِتَلبِيةِ احتِيَاجاتِهِ الجِنسِيَّةِ والجَسدِيَّة. فِي «الأُغنِيةِ الدَّائِريةِ» تَعزِفُ نوال السعداوي عَلَى وَتَرِ النِّظامِ الذُّكُوريِّ الذِي سَيطَرَ عَلى كُلِّ شَيءٍ وَلَمْ يَترُكْ لِلمَرأَةِ سِوَى مَكَانةٍ ثَانَويةٍ عَلى هَامِشِ نِظَامِه.

  • قصص عن أناتول فرانس

    القِصَّةُ، قَصِيرةً كانَتْ أو طَوِيلة، هيَ فَنٌّ مِن فُنونِ كِتابَةِ الحَياة، و«أناتول فرانس» واحِدٌ مِمَّنْ كَتَبُوا عَنِ الحَياةِ والإنْسَانِ بِوَاقِعيَّةٍ مَمزُوجَةٍ بالسُّخرِية. وفِي هَذِهِ المَجمُوعَةِ مِن قِصَصِه القَصِيرة — الَّتِي جَمَعَها وتَرجَمَها إِلى اللُّغَةِ العَرَبيَّةِ «فرج جبران» — يَنْهَجُ أناتول فرانس نَهْجَيْنِ مُتَبايِنَيْن؛ فهوَ الرَّاوِي في القِصَّتَينِ الأُولَيَيْنِ «عُنْقود العِنَب» و«ذَات الثَّوْبِ الأَبْيض»، اللَّتَيْنِ يَعْلُو فِيهِما صَوتٌ قادِمٌ مِن زَمَنِ الطُّفُولَةِ والصِّبَا، ويَستَكشِفُ بَطَلَاهُما الفَتِيَّانِ الحَياةَ في أَكثَرِ صُوَرِها أَوَّليَّةً وغُمُوضًا، وفِي القِصَّتَينِ التَّالِيتَينِ «هَدِيَّة مَوْت» و«الإِيمَان» يَنسَلِخُ الرَّاوِي مِن جَسَدِ البَطَل؛ حَيثُ يَقِفُ مِنهُ عَلى مَسافَة، ويَبدَأُ في رَصْدِ الأَحْداثِ والِانفِعالاتِ الشُّعُورِيَّةِ بِعَدَسةٍ ذَكِيَّةٍ تَقتَرِبُ حِينًا فتَكشِفُ عَنِ التَّفاصِيل، بَلْ تَنْفُذُ أيضًا إِلى مَا وَرَاءَها، وتَبتَعِدُ حِينًا آخَرَ فَتُتِيحُ لِلنَّاظِرِ مِن خِلالِها قِرَاءَةَ المَشهَدِ بِكَامِلِه.

  • نوادر الخلفاء

    ما أَجْمَلَ أَنْ تَختَلِطَ النَّادِرةُ والفُكاهَةُ بِالحِكْمةِ والأَنَاة، وما أَروَعَ أَنْ يَكُونَ لِرجالِ الحُكْمِ والسِّياسةِ دُعابَةٌ وابتِسامةٌ مِن حِينٍ لآخَر، نَتَعَرَّفُ عَبْرَها عَلى طِبَاعِهم، ونَسْتَشْهِدُ بِها عَلى الحَسَنِ مِن أَخلَاقِهم، ونَقِفُ من خِلَالِها عَلى الذَّمِيمِ مِنْها. والصَّفحاتُ الَّتي بَيْنَ أَيْدِينا كَتَبَها مُؤلِّفُها لِتَكُونَ مُرتَكَزًا لِلأَجْيالِ يَتَّكِئُونَ عَلَيْهِ وهُمْ يَخُوضُونَ غِمارَ الحَياة، وقَدْ وَضَعَها الكاتِبُ لِتَتَناسَبَ وطَبِيعةَ الناشِئِ البَسِيطة، بمَا لا يُخِلُّ بِما يَتلقَّاهُ مِن تَوجِيهاتٍ وَعِظَاتٍ تَهدُفُ إِلى الِارْتِقاءِ بالذَّوْقِ العَامِّ لَدَى النَّاشِئةِ مِن واقِعِ قصَصٍ تَارِيخيَّةٍ وَقَعَتْ بالفِعْل.

  • السراب

    إنَّ اللَّحْظَ الدَّقِيقَ لِتَفاصِيلِ الحَياةِ اليَوْمِيةِ ومَجْرَياتِ أَحْداثِها، يُثِيرُ في النَّفْسِ العَجَبَ وفي العَقْلِ الحَيْرَة؛ حَيْرَة تَستَعصِي عَلى التَّعبِيرِ إلَّا مِن كاتِبٍ قَدِيرٍ تُمَكِّنُه مُفْرَداتُ لُغَتِه مِن صِياغةِ اضْطِراباتِه الذَّاتيَّةِ في جُمَلٍ مَعْقُولة، وتُمَكِّنُه قُدْرَتُهُ عَلى التَّصْوِيرِ عَلى جَعْلِها قابِلةً لِلتَّخَيُّل، تَتَماسُّ معَ قارِئِها بالمُشارَكة، وتَحْمِلُ في طَيَّاتِها التَّفَهُّمَ والمُواسَاة. هكَذَا يَخْلُقُ مِنَ الحَيْرَةِ فنًّا، ومِن اضطِرابِ الذَّاتِ إبْداعًا، وهكَذَا كانَتْ خَواطِرُ الأَمِيرةِ المِصْرِيةِ «قدرية حسين» في بِلادِ الأناضول؛ سِلْسِلةً مِنَ النُّصُوصِ الصَّادِقةِ البَسِيطةِ الَّتي تَصِلُ القَلْبَ والعَقْل، تَحْكِي مِن خِلالِها مَشاعِرَها ومُشاهَداتِها اليَوْمِيَّة، وحَياتَها الَّتي بِالرَغْمِ مِن ثَرائِها تَظَلُّ سَرَابًا تَصْعُبُ مُلاحَقَتُه، كَتَبَتْها بالتُّرْكِيةِ وتَرْجَمَها عَنْها أَدِيبٌ مُحَنَّك، صَنَعَ مِن كِتابَتِها نَثْرًا سَلِسًا وقَيِّمًا، يَسْتَحِقُّ الِاحْتِفاظَ بِه.

  • الشعراء اليهود العرب

    يَرَى «طه حُسَين» أنَّ لِليهودِ أَثَرًا كَبِيرًا في آدَابِنا العَرَبِيةِ يَعْلُو عَلَى ما كانَ بَيْنَهُم وبَيْنَ العَرَبِ مِن صِرَاعٍ وعَدَاء، وهوَ الأَمْرُ الَّذِي لمْ يُخالِفْه فيهِ الكَثِيرُ مِن نُقَّادِ الأَدَبِ الَّذِينَ احْتَفَوْا بِشُعَراءِ اليَهودِ ﻛ «السَّمَوْأَلِ» و«ابنِ سَهْل» و«كَعْبِ بنِ الأَشْرَف»، الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا أَقَلَّ مِن غَيْرِهِم فِي التَّحْلِيقِ في سَماءِ الخَيالِ وتَصْوِيرِ المَعَانِي ونَقْلِ الإِحْسَاس. ويُرْجِعُ المُؤَلِّفُ قِلَّةَ عَدَدِ الشُّعَراءِ اليَهُودِ إِلَى قِلَّةِ عَدَدِ أَفْرادِ الأُمَّةِ اليَهُوديَّة، بِالإِضَافةِ إلَى مَا لَاقاهُ أَبْنَاؤُها مِن اضْطِهادٍ ومُطارَدةٍ لَمْ تَتْرُكْ لِلمَوْهُوبِينَ الفُرْصةَ أَنْ يُقَدِّموا مَا عِندَهم. وقد ألَّفَ هَذا الكِتابَ القَصيرَ الَّذِي بين أيدينا أَحَدُ اليَهودِ المِصْرِيِّينَ الَّذِينَ شارَكُوا في كِتابةِ الدُّسْتُورِ المِصْرِيِّ عامَ ١٩٢٣م.

  • رسالة الملائكة

    «رِسالةُ المَلائِكة» هيَ الأُخْتُ الشَّقِيقةُ لكتاب المَعَرِّيِّ الشهير «رِسَالة الغُفْران»، أَلَّفَها وهُوَ فِي طَوْرِ كُهُولَتِه، وَضَمَّنَها قَدْرًا جَلِيلًا مِن فَنِّه وأَدَبِه الرَّاقي.

    يَستَخدِمُ أَبُو العَلاءِ المَعَرِّيُّ حِوَارًا تَخيُّلِيًّا بَيْنَهُ وبَيْنَ المَلائِكةِ لِيُجِيبَ مِن خِلالِه عَن تَساؤُلات، ويُناقِشَ مَسائِلَ لُغَوِيَّةً صَرْفِيَّةً طَرَحَها عليهِ بَعْضُ الطَّلَبة، فَآثَرَ أنْ يَتَعامَلَ مَعَها هَذا التَّعامُلَ الأَدَبِيَّ الأَنِيقَ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ المُتْعةِ والفائِدةِ فِي آنٍ واحِد. وتَظهَرُ في الرِّسالَةِ ثَقَافةُ المَعَرِّيِّ الواسِعةُ وتَمَكُّنُه مِن عُلومِ اللُّغةِ العَرَبِيةِ وأَدَبِيَّاتِها، وهَو يَخْتارُ شَواهِدَهُ بعِنَايةٍ شَدِيدة، ويُنَوِّعُ أَسالِيبَه الإِنْشائِيَّةَ بمَا يَضْمَنُ أَفْضَلَ أَدَاءٍ لِلفِكْرَة. ويُرْجِعُ بَعْضُ الباحِثِينَ أَهَمِّيَّةَ هَذا الكِتابِ إلَى قِيمةِ المَسائِلِ الصَّرْفِيَّةِ الَّتِي عالَجَها المَعَرِّي؛ إِذْ إنَّها تُوَضِّحُ بِجَلاءٍ تَمَكُّنَهُ مِن عِلْمِ الصَّرْفِ تَمَكُّنًا نادِرًا تَفَوَّقَ فِيهِ عَلى كَثِيرِين، مِن حَيْثُ القُدْرَةُ عَلى مُعالَجةِ نَوادِرِه وَمُعْضِلَاتِه.

  • الهوامل والشوامل

    لَمَّا كانَتْ حَضاراتُ الأُمَمِ ومَعالِمُ تَقَدُّمِها تُقاسُ باتِّساعِ حَرَكةِ العِلْمِ واسْتِحْداثِ عُلومٍ جَديدَةٍ تُصْقِلُ الفِكْرَ وتَبْعَثُ عَلى الِاجْتِهادِ والتَّفَكُّر، وانْدِثارِ أُخْرى جامِدَةٍ لا تَرْقَى لِمُتَطَلَّباتِ الأُمَمِ المُتطَلِّعةِ للتَّقَدُّمِ والرُّقِي؛ كانَ القَرْنُ الثَّالِثُ الهِجْرِيُّ هُوَ القاطِرةَ الَّتِي مَهَّدَتْ لتَأْسِيسِ الحَضارَةِ العَرَبيَّةِ الإِسْلامِيَّةِ الَّتِي امْتَدَّتْ لِقُرونٍ بَعْدَه. وفِي الوَقْتِ نفْسِه كانَ لِعُلَماءِ القَرْنِ الثَّالثِ الهِجْرِيِّ اليَدُ الطُّولَى فِي هَذا التَّأْسِيس؛ فَقَدْ تَنَوَّعَتْ مَشارِبُهم فَأَزْهَرَتْ عُقُولُهم في مَيادِينَ عِلْمِيَّةٍ مُتَنَوِّعةٍ كانَ مِن أَهَمِّها التَّرْجَمَة. ومِنْ أَبْرَزِ عُلَماءِ هَذا القَرْنِ «أبو حَيَّان التَّوْحِيدي» الفَيْلَسوفُ المُتَصَوِّف، والأَدِيبُ البَلِيغ، وَكذَلِكَ «مِسْكَوَيْهِ» الشَّاعِرُ والفَيْلَسُوف، وفِي هَذا الكِتابِ يُقَدِّمانِ لَنَا سِفْرًا فِي الأَخْلاقِ والْأَدبِ والتَّصَوُّف، عَن طَريقِ مَجْموعَةِ أَسْئِلةٍ تَلِيها أَجْوِبَة، خَرَجَتْ لَنا كمُنافَرةٍ أَدَبيَّةٍ أخْلاقِيَّةٍ جَامِعَة.

  • مدينة الملائكة

    «أَغْمَضْتُ عَينِي، وقَذفْتُ بِنَفْسِي فِي آخِرِ مَدِينةٍ عَلى غَرْبِ الدُّنْيا وفِي نِيَّتي أَنْ أَعْتَزِلَ العالَمَ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ كامِلَة، لَعلَّ ذَرَّاتِ الرِّمالِ النَّاعِمَةَ تَذْهَبُ عَن عَيني، وتَتَّضِحُ الرُّؤْيَة.»

    تَحْتَ وَطْأةِ الضَّجِيج، واخْتِلاطِ الأَصْوات، ومَعَ انْتِشارِ عَدْوى الإِدْلاءِ بالرَّأْيِ لا لِشَيْءٍ إلَّا لمُزايَدةٍ حَمْقاء، أو مُشارَكةٍ جَوْفاء، لا تَحْمِلُ أيَّ فِكْرَة، أوْ تَبْحثُ أيَّ قَضِيةٍ بَحْثًا ذا جَدْوى؛ يَحْتاجُ العاقِلُ الَّذِي يَعْرِفُ قِيمةَ الكَلِمةِ والرَّأْيِ إلَى عُزْلةٍ تُنْجِيه مِن وَبالِ الوُقوعِ في مَعْصِيةِ الفَتْوى دُونَ عِلْم، ولَكنَّ الكارِثَةَ أنْ تَكونَ العُزْلةُ الَّتي قَصَدَ أَكْثَرَ ضَجِيجًا مِمَّا هَرَبَ مِنْه. جَمَعَ يوسف إدريس هُنا عِدَّةَ مَقالاتٍ ناقَشَ فِيها مَجْموعةً مِن قَضَايا المُجْتَمعِ المِصْريِّ والوَطَنِ العَرَبي، وعَلى الرَّغْمِ مِن كَوْنِها تَرْجِعُ إلى أَوائلِ الثَّمانِينِيَّات، فإنَّها تَكادُ تَتَشابَهُ في كَثِيرٍ مِن جَوانِبِها مَعَ المُشْكِلاتِ نَفْسِها الَّتي نُعانِي مِنْها فِي وَقْتِنا الحاضِر، إِلى جانِبِ أَنَّها تُعَدُّ مَرْجِعًا لِمَعْرِفةِ الأَحْوالِ الِاجْتِماعِيَّةِ والسِّياسِيَّةِ فِي هَذِهِ الآوِنَة.

  • ملحمة جلجاميش

    «هُوَ الذِي رَأى كُلَّ شَيءٍ فِي تُخومِ البِلاد،
    عَرَفَ البِحار، وأَحاطَ عِلمًا بكلِّ شَيء،
    كَمَا نَفذَ بِبصَرِه إِلى أَشدِّ الأسرارِ غُموضًا،
    امتَلكَ الحِكمَةَ والمَعرِفةَ بجَميعِ الأَشيَاء،
    واطَّلعَ كَذلِكَ عَلى المَكنُون، وكَشفَ عَنِ الأُمورِ الخَافِية.»

    حَفَلَ التَّارِيخُ الإِنْسانِيُّ بِعَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ الأَساطِيرِ التِي ذَاعَتْ شُهرَتُها وارتَبطَتْ بِتَطوُّرِ تَارِيخِ البَشَريَّة، ومِن أَشهَرِ هَذِهِ الأسَاطِيرِ مَلحَمةُ «جلجاميش»، التِي تُعَدُّ إِحدَى أَقدَمِ المَلاحِمِ عَلَى الإِطلَاق، وأَكبَرَها حَجمًا، وأَجمَلَها صِياغَة، وتُوصَفُ أَيضًا بِأنَّها لا نَظِيرَ لَها فِي أيِّ لُغةٍ قَدِيمة. تَتَكوَّنُ المَلحَمةُ مِنَ اثنَتَيْ عَشْرَةَ لَوحَة، بِكُلِّ لَوحَةٍ حَوالَيْ ثَلاثِمِائةِ سَطر. وقَدِ تَجاوَزَ تَأثِيرُ المَلحَمةِ حُدُودَها الزَّمنِيةَ والمَكانِية؛ فَصَدَاها واضِحٌ فِي سِفرِ التَّكوِين، وإذَا تَتَبَّعنا أَبطالَ هوميروس فِي الإِلياذَةِ والأُودِيسةِ فسَنَجِدُ الكَثِيرَ مِنَ التَّشابُهِ مَعَ أَبطَالِ جلجاميش، وكَذَلِكَ نَرَى صُوَرًا مِنهَا فِي أَدَبِ شُعُوبِ البَحرِ المُتوسِّط. وإِجمَالًا، فإنَّ هَذهِ المَلحَمةَ تُعَدُّ رَصْدًا واقِعيًّا لِلمُجتَمَعِ البَابِليِّ خِلالَ الفَتْرةِ التِي دُوِّنَتْ فِيهَا (حَوالَيْ عامِ ١٢٠٠ق.م)؛ إِذْ يَتَجَلَّى فِيهَا طُغيانُ الحَاكِم، وصُورةُ القَلَقِ الإِنسَانِي، وَالبَحثُ عَنِ المَعرِفَة، وَسِرُّ الحَياةِ والمَوْت.

  • جمهورية فرحات

    «مَا كِدتُ أَدلِفُ إِلى القِسمِ ومَعِي الحَرسُ حتَّى أَحسَستُ بِانقِباضٍ مُفاجِئ، لَمْ تَكنْ تِلكَ أَوَّلَ مَرةٍ أَدخُلُه، ولَكِنَّها كَانَتِ المَرةَ الأُولَى التِي أَرَى القِسمَ فِيها فِي اللَّيل.»

    لكلٍّ مِنَّا عالَمُه الذِي يَعِيشُ فِيه، عالَمٌ تَستَحِيلُ فِيهِ مُعاناتُنا إلَى قَضَايا كُبْرى وتُصبِحُ مِحوَرًا للكَوْن، عالَمٌ نَرى مِن خِلالِه، ولا نُرَى إلَّا بِه، وكَذلِكَ اسْتَطاعَ الصول فَرَحات أنْ يَصنَعَ جُمهُورِيتَه/إمْبِراطُورِيتَه الخاصَّةَ التِي يُسَيطِرُ فِيها — ولَوْ لِوَقتٍ قَصِير — عَلى مَجْرَياتِ الأُمُور؛ يَسألُ فيُجَاب، يَأمُرُ فيُطاع، صوْتُه مَصدَرُ الخَوْف، نَظْرَتُه تَحمِلُ في كَنَفِها الرَّهبَةَ والرَّغبَةَ فِي آنٍ واحِد. عَبْرَ عِبارةٍ جَزْلَةٍ وسَلاسَةٍ فِي الحَكْي، جَمَعَ يوسف إدريس فِي مَجمُوعَتِه هَذهِ قِصَصَ: «الطَّابُور»، وَ«رَمضَان»، وَ«قِصَّة حُب»، و«جُمْهُورِيَّة فَرَحات»، الَّتي عَنوَنَ بِها كِتابَه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢