• أطياف الربيع

    للشاعرِ «أحمد زكي أبو شادي» نفْسٌ صافيةٌ غمرَهَا الحُبُّ فأَنْساها الألَم، ولا عَجَب؛ فهو مُؤسِّسُ «مَدْرسة أبولو»، إحْدى أهمِّ المَدارسِ الشعريةِ الرومانسيةِ في العصرِ الحديث. وفي هذا الديوانِ الذي سمَّاه «أَطْياف الربيع» يعبِّرُ عنْ مَكْنوناتِ نفسِه، فيَغوصَ في أعماقِها ويُخرِجَ لنا ما تَنطوِي عليهِ أحاسيسُه، وتَجِيشُ بهِ مَشاعرُه، وتَفيضُ بهِ خَواطِرُه الشعريَّةُ الفذَّة. يحكِي الشاعرُ عنْ لَوْعتِه وشَوْقِه للمَحْبوبة، حتَّى أتَى الصُّبحُ بإشراقِه وأزهارِه، وحُسْنِه وأَلْحانِه، وأتَتْ معَهُ ذِكرى محبوبتِه وصورَتُها؛ فصارَ الشعرُ أطيافًا للربيعِ تُزهِرُ عليهِ بذِكرياتِها؛ ففي نفْسِ الشاعرِ حِيرةٌ بينَ لَوْعةِ الحُبِّ ولهيبِ الفِراق، وتارةً بينَ التصوُّفِ وغِمارِ الشَّهْوة، وأُخْرى بينَ الطبيعةِ وجمالِها، والحياةِ وجُمودِها.

  • كافر: وحيُ شيطانٍ مريد

    لم يَجِدِ الشاعرُ حَرَجًا في تَسميةِ دِيوانِه الأولِ والوَحيدِ باسمِ «كافِر»، قاصِدًا بكُفْرِه ذاكَ مُنْتهى الإيمان. وقد نُسِّقتْ قصائدُ الدِّيوانِ تَنْسيقًا يُلائِمُ حالةَ التساؤُلِ الوُجودِي، فأتَتْ حِواراتٍ شعريَّةً تخاطِبُ عقلَ المتلقِّي ورُوحَه؛ فتارةً يُناقِشُ الشاعِرُ الحقيقةَ الكُبْرى في حوارٍ بينَ القمرِ الطالِعِ وشَهْرزادَ التي تَمَلُّ طُلوعَه وتَرى في التَّنائِي مُضاعَفةً للغَرام، وتَارةً أُخْرى يُناقِشُ عقيدةَ الجهادِ وبذْلِ النفْسِ دِفاعًا عنِ الحريةِ والكَرامة، ويُصوِّرُ تلكَ اللحظةَ التي يُخالِجُ المُحارِبَ فيها اليَأْس. وفي مَحْكمةِ المَلأِ الأَدْنى المَنْصوبةِ بهدفِ مُعاقَبةِ الشاعرِ على كُفْرِه وشَطَحاتِ فِكْرِه، يَصمُدُ مُعارِضًا الحجَّةَ بالحجَّة، لكنَّهم يَنْفونَه إلى الأرضِ فيُسلِّم، عادًّا فَناءَه شَهادة. وفي مُحاوَراتٍ تاليةٍ يُوردُ أمثلةً للكُفْرِ المَشْهود؛ حيثُ يَكفُرُ بالغانيةِ ويُؤمِنُ بالطُّهْر، يَكفُرُ بالتقاليدِ البالِيةِ ويُؤمِنُ برُقيِّ الحِس، يَكفُرُ بالفنِّ بلا رُوحٍ ويُؤمِنُ بالحَياة.

  • المعبد الغريق

    مجموعةٌ شِعريةٌ مميَّزةٌ، عميقةُ المعنى، وبسيطةٌ في كلماتِها، تبعثُ الحنينَ في النفسِ إلى كلِّ ذِكرى جميلةٍ مضَت.

    «بدر شاكر السياب» من رُوادِ الشِّعرِ الحُرِّ في العالمِ العربي، تركَ العديدَ من الدواوينِ الشِّعريةِ التي ضمَّتْ بينَ أبياتِها أدقَّ التفاصيلِ الشارحةِ لخلَجاتِ النفسِ البشرية. تأثَّرَ «السيابُ» بقريتِه «جيكور» التي وُلدَ فيها، وكتبَ أكثرَ من قصيدةٍ في وصفِها ووصفِ أحيائِها وشوارعِها، كما تأثَّرَ بمدينةِ «روما» وذكرَها في قصيدةِ «حنين في روما». في الواقعِ وضعَ «السياب» الحنينَ موضوعًا لقصائدِ ديوانِه «المعبد الغريق»، وكانَ للحبيبةِ نصيبٌ وافرٌ من هذا الحنين؛ حيثُ كتبَ عنها في عدَّةِ قصائدَ مُتذكرًا ما مضى، مُتغزلًا بحُسنِها، وقد امتدَّ الحنينُ ليشملَ ذكرياتِ طفولتِه ومراهقتِه وشبابِه التي قضاها في بيتِ جَدِّه، وعبَّر عن ذلك في قصيدةِ «دار جدي».

  • المريض الصامت

    الشعرُ صوتُ الشاعرِ مُتحدِّثًا وصامتًا، هو لسانُ حالِهِ إنْ أَسْكَتَتْه خُطوبُ الحياة، وأخرَسَه الأَلَم. غيرَ أنَّ شاعرَنا «إلياس أبو شبكة» — وقد تلبَّستْهُ أمراضُ الهَوى، فشَمِلَتْ رُوحَه بألوانِ العَذاب، وعبَّأتْ قلمَهُ بحبرٍ أحمرَ دامٍ، واستَولى على جسدِهِ الوجَعُ — نراهُ في قصائدِهِ هذهِ لا يَقْوى على بثِّ شَكْواهُ بضميرِ المتكلِّم، بل يَعْرِضُ حالَهُ وكأنَّهُ آخَرُ سِواه، تُغيِّبُه المُعاناةُ عن نفسِه، فيَلجَأُ إلى ضميرِ الغائِب؛ فهُو «الملِكُ الغائبِ» ﻛ «مَلِكٍ آلامُه الصولجانُ»، وهُو «المريضُ العاشقُ» الذي «يُطعِمُ اليُتْمَ قلبُه»، وهو الذي تَتراءَى له فَتاتُه في الحُلمِ «شَبحًا داميًا» فيَفزعُ إلى أمِّه تُهَدْهِدُه، وأختُهُ «تُوالي البكاءَ والزفير»، يَهْذي في الظَّلام، ويتَّصلُ ليلُه بليلٍ دونَ صَباح، لكنَّهُ يظلُّ على حالِهِ صامتًا، يُسائِلُ الفِراقَ عنها: «ما جَرى للفَتاة؟ أينَ هيَ اليوم؟ أجبْنِي يا باعثَ الأَوْصاب»!

  • وطن الفراعنة: مُثل من الشعر القومي

    يَحوي هَذا الدِّيوانُ مَجموعةً مِنَ القَصائدِ الوَطَنيةِ في حُبِّ مِصر، ويَتميَّزُ بأنَّ مَواضيعَ قَصائدِهِ تَدُورُ في فَلكٍ واحِد؛ أَلَا وَهُو التَّفاصيلُ المِصريةُ الحَمِيمةُ الَّتي تَبُثُّ الرُّوحَ الوطَنيةَ في نفسِ القارئِ بأُسلوبٍ سهلٍ وشائقٍ ومُفعَمٍ بالعاطِفة. يَستَعرِضُ الشَّاعرُ «أحمد زكي أبو شادي» مآثِرَ هذا الوطنِ وجَماليَّاتِهِ الحسيَّةَ والمَعنَويَّة، واصِفًا رَوعةَ النِّيل والصَّحراء، وسِماتِ قُرى الرِّيفِ المِصري، ومُفرَداتِ حياةِ الفلَّاح، ويَتطرَّقُ إلى الأُسلوبِ المِصريِّ في إحياءِ ليالي رَمَضان، ثُمَّ يَتناولُ مَوضوعاتٍ عَنِ الآثارِ الفِرعَونيةِ الَّتي تَضُمُّها أرضُ مِصْر، فيَتغزَّلُ في الأَهرامِ وأبي الهولِ ووادِي المُلوكِ والكَرنَك، وغَيرِها مِنَ الرَّوائعِ المِصرية. وممَّا يُميِّزُ هذا الديوانَ كذَلكَ قُوةُ التَّخيُّل، وبَلاغةُ التَّعبير، وجَمَالُ الصُّوَرِ الشِّعريةِ الَّتي مِن شَأنِها أن تَشحَذَ الذِّهنَ وتَخلُبُ لُبَّ القارِئ.

  • أزهار وأساطير

    هل تَغرَقُ النجومُ في ضَوئِها؟ نعم، تفعلُ في قصيدةِ الشاعِر. وقصائدُ «بدر شاكر السيَّاب» هي أزهارُهُ وأساطيرُهُ المُضيئة. «أَضِيئِي لغَيْري؛ فكلُّ الدُّرُوب» يقولُ السيَّابُ إنَّها «سواءٌ على المُقلةِ الشارِدة»، وهي البدايةُ الدراميَّةُ المُلائمةُ لقصيدةٍ سمَّاها «نِهاية»، جاءتْ بينَ قَصائدِ ديوانِهِ هذا المُتضمِّنِ بداياتِهِ الشِّعْرية، إلا أنَّه اصطَبغَ بألوانِ النِّهايات؛ فأزهارُ العُمرِ التي ما زالَتْ تتفتَّح، وقصصُ الحبِّ الذي داعَبَ قلبَ الشاعرِ الفَتِي، والأغاني التي شَرعَتْ تَنْسابُ على ضِفافِ شُعورِه، كلُّ تلك البِداياتِ كانت فريسةً للزَّمَن، فإذا بأحداثِ الماضي القريبِ تنقلبُ أساطير، لها سَمْتٌ مِنَ الضبابيةِ والرَّوْعةِ المستحيلة، وإذا بالانتظاراتِ تطولُ؛ ﻓ «كأنَّ الزمانَ تلاشى، فلمْ يبقَ إلا انتظار»، يعصرُ الأسى فؤادَ الفتى، ينتحب: «لِمَ يسقُطُ ظلُّ يدِ القدَرِ بينَ القلبَيْن؟ لِمَ انتزعَ الزمنُ القاسي مِن بينِ يدي وأنفاسي يُمناكِ؟» ومع كلِّ فِراقٍ ووداع، يظلُّ يتساءلُ في وُجوم: «ما يكونُ الحبُّ؟ نَوْحًا وابتسامًا، أم خُفوقَ الأضلُعِ الحَرَّى إذا حانَ التلاقِي؟»

  • مواعيد

    مجموعةٌ شِعريةٌ مُميَّزة؛ تَفوَّقَ فيها «صلاح لبكي» في سبْرِ أغوارِ النَّفسِ في جَميعِ حالاتِها، وتَربِطُ كلماتُها بينَ الخيالِ والواقِعِ بخُيوطٍ شفَّافة، يَغزِلُها الشاعِرُ مُؤكِّدًا أنَّ الأحلامَ لا تَزالُ قابِلةً للتَّحقيق. تميَّزَتْ كلُّ قَصيدةٍ من قَصائدِ هذا الدِّيوانِ بحالةٍ خاصَّةٍ بها، تجعلُ قارِئَها مُفعَمًا بخيالِ الكلماتِ والتَّفاصِيل، كلُّ حالةٍ لَها سِحْرُها الكامِنُ في أَبياتِها؛ سواءٌ كانتْ غارقةً في حزنِ الرِّثاءِ تمامًا، كقَصيدةِ «مَوْت الشاعِر»، أو كانتْ حالِمةً وشارِحةً لنَفسِ الفنَّانِ — وخاصةً الشاعِر — كقَصيدةِ «مِيلاد الشاعِر».

  • غرباء

    «غرباء» ديوانٌ شِعْريٌّ حالتُه الخاصةُ الرِّثاء؛ فقد رَثى فيه الشاعرُ «صلاح لبكي» العديدَ من أصدقائِه الشعراءِ والأمراء. وكعادته بدأَه بقصيدةٍ تحملُ اسمَ الديوانِ نفسه؛ «غرباء»، رَثى فيها أحوالَ الدنيا وتقلُّباتِ أيَّامِها؛ فلا يبقى فيها مالٌ ولا جاه، ولا هي تبقى لأحد، فالكلُّ ينتهي تحتَ التراب؛ وفي النهايةِ سنبقى «غرباءَ» فيها وعنها. مُستكمِلًا حالةَ الرِّثاء؛ رَثى شاعرَ القُطْرَيْنِ «خليل مطران» ذاكِرًا أمجادَه الأدبيةَ ومُلقِّبًا إياهُ باسم «رَسُول الحضارة» الذي أنبتَ الشِّعرَ في كلِّ مكانٍ ذَهبَ إليه، ثُمَّ رَثى الأديبَ اللُّغويَّ اللبنانيَّ «إبراهيم اليازجي» في الذِّكرى المئويةِ لمَوْلدِه، مُستحضِرًا ذِكرى تاريخِه وعِلمَه الغزيرَ الذي أثرى به آدابَ اللغةِ العربية. عبَّرَ «صلاح لبكي» عن حالةِ الفِقْدانِ والرِّثاءِ بمِصْداقيةٍ وواقعيةٍ مليئةٍ بالأسى؛ تُحزِنُ القلبَ على كلِّ فقيد، ولكنَّها تُسعِدُ الرُّوحَ بما فيها من حُسنِ الذِّكْر.

  • أرجوحة القمر

    مجموعةٌ مِنَ الأبياتِ الحالِمةِ نظَمَها «صلاح لبكي» بِرقَّةٍ بالِغة في ديوانِه «أُرجُوحةِ القَمَر»، في وصْفِ مَشاعرِه تجاهَ وطنِهِ وحبيبتِه، والليلِ وما يَصنعُ في نفسِهِ مِن حَنينٍ واشتياق.

    «هَفا اللَّيلُ قُومِي نهُزُّ المُنى، بأُرجُوحةٍ مِن ضِياءِ القَمَر»، هكَذا بدَأَ الشاعرُ قصيدتَهُ «سِفْر تكوين»؛ داعيًا حبيبتَهُ على أُرجوحةٍ مِنْ ضِياءِ القَمَر؛ ليَستمدَّا لحظةَ سلامٍ تُوصِّلُهما إلى أَحلامِهِما. تنوَّعتْ قصائدُ الديوانِ بينَ حبِّ الوطنِ وذِكْرى الحَبيبة، وآمالٍ تتأرجحُ بينَ المُمكنِ والمُستحيل، ولكنْ يظلُّ هناكَ رابطٌ يَجمَعُ بينَ كلِّ هذهِ القَصائد؛ رُبما الخيالُ الواسعُ الذي أضفَى عليها الطابعَ الحالمَ، وربما الدقَّةُ في استِحضارِ الذِّكرياتِ والحَنينِ إليها. وقد حقَّقَ بذلكَ الشاعرُ مَسعى الشِّعرِ في تَجسيدِ الخيالِ أمامَ أعيُنِ القُرَّاء، مِن خلالِ صورٍ خياليةٍ رُسِمت على الوَرَق، مُأمِّلةٍ الخيرَ فِيما سيَأتي، ومُشتاقَةٍ لِما قد مَضَى.

  • سأم

    مَلْحمةٌ إنسانيةٌ متفرِّدةٌ صاغَها الشاعرُ في هذا الدِّيوان، مُحتفيًا باكتشافِ «آدم» للبِدايات؛ لعَلاقتِه بالفردوسِ وازْدِهائِه قبلَ أنْ تَغْزوَه الخُصومةُ ويُغلَّفَ الجمالُ بالقَلَق، وبالأرضِ في طبيعتِها الأولى، و«حوَّاء» التي هي جزءٌ مِنه، والأكثرُ تأثيرًا ووقوعًا في النفْسِ من ذلك كلِّه عَلاقتُه بالله؛ بالإشكاليَّةِ الأزَليَّةِ بينَ الرغبةِ العارمةِ في ممارسةِ الحريةِ على كمالِها غيرَ مَنْقوصة، وبينَ طاعةِ الإلهِ وابتغاءِ مَرْضاتِه والخشيةِ من عقابِه. يَصُوغُ «صلاح لبكي» بمفرداتِه الخاصةِ تلك اللحظاتِ النُّورانيَّةَ التي نكتشِفُ فيها الكوْنَ بجمالِه وآلامِه. يَرصُدُ الحِيرةَ والقَلَق، والرَّغْبةَ في التخلُّصِ مِنَ الذَّنْب، والسعْيَ الدائمَ للبحثِ عَنِ الحَقِيقة، وعَنِ السَّبِيل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠