• فلسفة الضوء

    حتَّى القرنِ العاشِرِ الميلاديِّ كانَ المَفْهومُ السائِدُ عنِ الإبصارِ هو أنَّ العينَ تُرسِلُ أشعةً خاصةً تَسقطُ على الأَجْسامِ فتُسبِّبُ رُؤيتَها، وهو الأمرُ الذي أكَّدَ على بُطلانِه عمليًّا وبالأدلةِ الدامغةِ الفيزيائيُّ العربيُّ المَوْسوعيُّ «الحسَنُ بن الهيثم» الذي لم يَقتصِرْ شغَفُه على دراسةِ الظَّواهرِ الفيزيائيَّة، بل كانتْ له إسهاماتٌ قيِّمةٌ في علومِ الجبْرِ والهندسةِ والطبِّ البَشري، كما كانَ من أوائلِ الذين فكَّروا في بناءِ خزَّانٍ لمِياهِ نهرِ النيلِ يَحفظُ القُرى المِصْريةَ من خطَرِ الفيضانِ ويوفِّرُ للمُزارِعِينَ المياهَ الكافيةَ للزراعةِ على مَدارِ العام. وعلى تعدُّدِ ما قدَّمَه «ابنُ الهيثم» من أبحاثٍ في العلوم، فإنَّ أعمالَه في مَجالِ البَصريَّاتِ (أو ما يُسمَّى اليومَ ﺑ «فِيزياءِ الضَّوْء») تظلُّ دُرَّةَ التاجِ فيما ترَكَ هذا العالِمُ الفذُّ ابنُ مَدينةِ «البَصْرة» العِراقيَّة؛ إحدى الحواضِرِ العِلْميَّةِ الزاهرةِ في زمنِ الخِلافةِ العباسيَّة.

  • رسالة في اللاهوت والسياسة

    «هذهِ هيَ الآراءُ التي كانتْ تَشغَلُ ذِهني؛ فالنُّورُ الفِطْريُّ لم يُوضَعْ مَوضعَ الاحتِقارِ فحَسْب، بل إنَّه كثيرًا ما أُدِينَ باعتبارِه مَصدرًا للكُفْر، وأصبحَتِ البِدَعُ الإنسانيَّةُ تَعاليمَ إلهيَّة، وظنَّ النَّاسُ أنَّ التَّصديقَ عن غَفْلةٍ هو الإيمانُ … لذلك عَقدتُ العزْمَ على أنْ أُعِيدَ من جديدٍ فحْصَ الكتابِ المُقدَّسِ بلا ادِّعاءٍ وبِحُريَّةٍ ذهنيَّةٍ كامِلة، وألَّا أُثبِتَ شيئًا من تَعاليمِه أو أقبَلَه ما لم أتمكَّنْ من استِخلاصِه بوضوحٍ تامٍّ منه. وعلى أساسِ هذهِ القاعدةِ الحَذِرةِ وضعتُ لنفسي مَنْهجًا لتفسيرِ الكُتبِ المُقدَّسة.»

    يُعدُّ كتابُ «رسالة في اللَّاهوتِ والسياسة» سِفْرًا من أسفارِ الفلسفةِ الحديثةِ لم يَستنفِدْ بعدُ مَعانِيَه وتَأْويلاتِه؛ فمنذُ أنْ دشَّنَ «سبينوزا» لهذا السِّفْرِ صارَ قِبلةً مَرجعيَّةً لِمَا تَلاه من أفكارٍ فلسفيَّة. تَنبُعُ أهميَّةُ «سبينوزا» من كَونِه مُطبِّقًا جذريًّا للمنهجِ الدِّيكارتيِّ في مَجالَيْنِ حَرِجَيْنِ تَوجَّسَ «ديكارت» نفْسُه خِيفةً منَ الخَوضِ فيهما، وهما الدِّينُ والسياسة، مِحوَرَا هذهِ الرِّسالة. لكنَّ رسالتَه لا تَتناوَلُ هذَينِ المِحوَرَينِ مُنفصِلَيْن، بل تَتناولُهما مُتَّصِلَيْن كلَّ الاتصال؛ حيثُ يُمكِنُ لظَواهِرَ مِثل الوحْيِ والنبوَّةِ والمُعجزاتِ والعقلِ والدولةِ والسُّلطةِ أنْ تَلتقِيَ معًا على مُتَّصلٍ نَقْديٍّ بوصْفِها ظَواهرَ ذاتَ تأثيرٍ مُتبادَل. ولا يَكتفي الدكتور «حسن حنفي» بمُجرَّدِ تَرجمةِ هذا العملِ الخالِدِ للقارِئِ العربي، بل يُزَوِّدُه بمُقدِّمةٍ تَربو على مائةِ صفحةٍ تُرشِدُه إلى كيفيَّةِ إضافةِ‎ هذا النصِّ في ثَقافتِه، والاستفادةِ منه بدَفعِه إلى أقصى حُدودِه التأويليَّة.

  • تأمَّل يومًا بعد يوم: ٢٥ درسًا للعيش بوعي كامل

    لا يَعني التأمُّلُ أن نقطعَ علاقتَنا معَ العالَم، بل بالعكس، أنْ نقتربَ منه أكثرَ كي نفهمَه، ونُحبَّه ونُغيِّرَه. إنه أيضًا وسيلةٌ يستطيعُ كلُّ شخصٍ أنْ يستخدمَها كي يزرعَ الهدوءَ داخلَه ويَتذوَّقَ طَعمَ السَّعادة.

    إنَّ الهدفَ من هذا الكتابِ أنْ يكونَ دليلَ عملٍ للبدءِ بتعلُّمِ التأمُّلِ بالوعيِ الكامل، الذي يُعَدُّ أكثرَ طُرقِ التأمُّلِ سِحرًا، والذي دَرسَتْه وأثبتَتْ فاعليتَه العديدُ مِنَ الدِّراساتِ العِلْميةِ الحديثة. إنَّ هذا النوعَ منَ التأمُّلِ ليسَ مُجردَ طريقةٍ علاجيةٍ أو مُمارَسةٍ يوميةٍ لنشاطٍ ما؛ إنه طريقةٌ للعَيش، تَفتحُ لنا أبوابًا مُؤصدةً وتَقودُنا إلى عَوالمَ لم نكتشفْها من قبل، لكنَّها كانتْ دوْمًا في دَواخلِنا.

    من خلالِ ٢٥ درسًا يَعرضُها لنا هذا الكِتاب، نستطيعُ التعرُّفَ على الأساسياتِ في هذا النوعِ منَ التأمُّل؛ بَدءًا منَ الركائزِ الأُولى — كيفَ يُمكِنُنا أنْ نستخدِمَ تنفُّسَنا، وجسَدَنا، ووَعْيَنا للَّحظةِ الحاضِرة — حتى الوصولِ إلى حالةِ التأمُّلِ العَميقِ واستخدامِها لمُواجَهةِ المُعاناة، وخلْقِ توازُنٍ في مَشاعرِنا، ومُراكَمةِ السلامِ في الرُّوحِ والقَلب.

  • يا إخوتي: قصائد مختارة من شعر أنجاريتي

    «سيَعرفُ القارئُ منَ النظرةِ الأُولى أنَّ أشعارَ «أنجاريتي» تتميَّزُ بالتركيزِ البرقيِّ التَّام، وأنَّها أشبهُ بشَذراتٍ وألحانٍ لم تَتم. الكلمةُ عندَه شقٌّ أو صَدْعٌ قصيرٌ للصَّمت، تقفُ وحيدةً مُرتعِشةً داخلَ عالَمِ الأسرارِ الذي لا تكادُ تَلمسُه إلا مِن بَعيد.»

    يُمثِّلُ «أنجاريتي» نقطةَ تحوُّلٍ بارزةً في الشِّعرِ الإيطاليِّ الحَديث، فقدْ خرَجَ من بينِ أفكارِه وأفكارِ زُملائِه وتلامِيذِه مِن بَعدِه الرُّوحُ التجديديَّةُ الثائرةُ على الشكلِ التقليديِّ للقَصيدةِ ذاتِ الإيقاعِ المتجانسِ، والتراكيبِ المُكتمِلةِ والمَعاني المفهومةِ واللغةِ البليغةِ الرنَّانة؛ فقد اتُّهِمَ في الأربعينياتِ بتكوينِ مدرسةِ «الهيرميتزم» أو الغُموضِ والإلغاز؛ وهكذا الْتَصقَ بشِعرِ «أنجاريتي» طابعُ الغُموض. وغُموضُ شِعرِ «أنجاريتي» لم يكُنْ عَجزًا في اللُّغةِ أو المَوهبةِ لدَيه، وهُو لا يَعني التعقيدَ إلى حَدِّ السُّخْف؛ فالغُموضُ الأَصيلُ له سِحرُه، وله عِندَ الشاعرِ الحَقيقيِّ ما يُبرِّرُه في البَوحِ أو الصَّمتِ في الصُّورةِ أو الرُّؤية، وفي الفِكرةِ الشعريةِ قبلَ تجسيدِها في كَلِمة. وقد انتَخبَ لنا الدكتورُ «عبد الغفار مكاوي» أكثرَ مِن ستينَ قصيدةً للشاعرِ الإيطاليِّ المَرموق، ويُلقِي الضوءَ على شِعرِه وقصةِ حياتِه في مِصر.

  • مفاتيح العلوم

    يَجمعُ هذا الكتابُ بينَ طيَّاتِه مُقتطَفاتٍ مِن مُختلِفِ المَعارفِ المُهمَّةِ التي تَوصَّلَ إلَيْها العربُ في القرنِ الثامنِ المِيلادي. يُبحِرُ العالِمُ العربيُّ الكَبيرُ بالقارِئِ في خِضمِّ بِحارِ العُلومِ المُختلِفةِ التي برزَتْ في عصْرِه؛ إذْ يَجمعُ في كِتابِه بينَ كلِّ ما يُمكِنُ أنْ يهمَّ المرءَ مَعرفتُه مِن تَعريفاتٍ وأَوصافٍ وشُروحٍ وأَمْثال. وقد قسَّمَ الكتابَ إلى مَقالتَيْن؛ فبدأَ المَقالةَ الأُولى بالعُلومِ الدينيةِ الإسلاميةِ مثل: أُصولِ الفِقْه، والعَقائد، وعِلمِ الكَلام، والفِرَقِ الدينيةِ المختلِفة، ثم تطرَّقَ للعلومِ اللُّغَويةِ والبلاغيةِ فكتَبَ في النَّحْو، والشِّعر، والعَرُوض، وذكَرَ بعضَ أخبارِ التاريخ. بينَما جعلَ مَقالتَه الثانيةَ أكثرَ عِلْمية؛ فذكَرَ فيها علومَ الفَلْسفة، والمَنْطق، والطِّب، وعِلمَ النُّجوم، والهَّنْدسة، والمُوسيقى، والكيمياء، والحِيَل، والعديدَ مِنَ المُقتطَفاتِ العِلْميةِ الأُخْرى التي برَعَ في تَحليلِها مُستبِقًا قُرونًا مِنَ الزَّمان.

  • الشكل الخطأ: نقاء الأب براون (٧)

    كانَ «الأبُ براون» معَ صديقِه الفرنسي، «فلامبو»، في زيارةٍ للسيدِ «كوينتون»، الشاعرِ العبقريِّ الغريبِ الأطوارِ المُتيَّمِ بالثقافاتِ الشرقيَّة. كان «فلامبو» صديقًا للسيدِ «كوينتون» منذُ كانا يَدرُسانِ معًا في فرنسا، وكانت صحةُ الأخيرِ قد تدهورتْ للغايةِ من جرَّاءِ إدمانِه الأفيون، فصارَ طريحَ الفراش. منذُ دخلَ «الأبُ براون» المنزلَ — الذي تجلَّى في كلِّ أركانِه تأثُّرُ صاحبِه الشديدُ بالفنونِ الشرقيةِ الصاخِبةِ الألوان، المُعقَّدةِ التفاصيل — وهو يَستخدمُ كثيرًا عبارةَ «الشكلِ الخَطأ» لوصْفِ كثيرٍ مِنَ الأشياءِ التي رآها داخِلَ المنزل، ومن بينِها سِكينٌ معقوفٌ غريب، مُطعَّمٌ بشكلٍ بديعٍ بالأحجارِ والمعادنِ الملوَّنة، وجَدَه في حديقةِ المنزل. تقعُ بعضُ الأحداث، ثم يُفاجأُ جميعُ الحاضِرينَ بموتِ السيدِ «كوينتون» وترْكِه رسالةَ انتحارٍ عثَرَ عليها طبيبُه الخاصُّ بجوارِ جُثتِه. إلا أنَّ الشكَّ يَنتابُ «الأبَ براون» في شكلِ الورقةِ التي كُتِبتْ عليها رسالةُ الانتحار، الذي وصَفَه أيضًا ﺑ «الشكلِ الخطأ». فتُرَى، هل انتحرَ السيدُ «كوينتون» حقًّا، أم تُرَاه تعرَّضَ للقتلِ على نحوٍ بارعٍ وغريب؟ ولو كانتْ تلكَ جريمةَ قتل، فمَن فعَلَها؟ وما الدافعُ وراءَها؟ لم يكُنْ في المنزلِ سوى زوجةِ السيدِ «كوينتون»، وأخِيها، والطبيب، ومُشعوذٍ هندي، و«الأبِ براون» وصديقِه «فلامبو». فهل يستطيعُ «الأبُ براون» حلَّ هذا اللغزِ المعقَّد؟ هذا ما سنَعرفُه من خلالِ أحداثِ القصةِ المُثيرة.‎

  • أخبار الحمقى والمغفلين

    يَزخرُ التراثُ العربيُّ بالعديدِ منَ النصوصِ التي تؤرِّخُ للفكاهةِ والأخبارِ التي كانَ يَتناقَلُها الناسُ فيما بينَهم؛ يتندَّرونَ بها، وتَظهرُ فيها جوانبُ حياتِهم الاجتماعيةِ في قالبٍ ساخِر. وقد جمَعَ الفقيهُ والمؤرِّخُ «أبو الفرج ابن الجوزي» الذي عاشَ في القرنِ السادسِ الهجري/الحادِيَ عشرَ الميلاديِّ مجموعةً من تلكَ الطرائفِ والنوادرِ التي اختُصَّ بها الحَمْقى والمُغفَّلون، مُتراجِعًا بذلك عن جمْعِ أخبارِ الأذكياء؛ إذْ رأى أن الشيءَ يُعرَفُ بضدِّه. وهذهِ المعرفةُ أبلغُ في الترغيبِ في حُسْنِ التصرُّف، فضلًا عمَّا تُدخِلُه على النفْسِ منَ البَشاشةِ والسُّرور. يَبدأُ المؤلِّفُ بشرحِ مَعنى الحَماقة، ويَذكرُ أنواعَها والمُرادِفاتِ المُختلِفةَ لها، وكذلكَ صِفات الأَحْمق، منطلقًا من تلك المُقدِّماتِ إلى تَحليقٍ مُشوِّقٍ معَ مَن ضرَبَ العربُ بهم المَثلَ في الحَماقة؛ رِجالًا ونساءً، حَمْقى أصليِّينَ وعُقَلاءَ راقَتْهم الحَماقةُ فتحوَّلوا إليها، ولم يهتمُّوا بمَوْقعِهم العِلميِّ أو السِّياسي، فكانَ مِنْهم الرُّواةُ والمُحدِّثون، وكانَ مِنْهم الوُلاةُ والأُمَراءُ المُغفَّلون، بل القُضاةُ والكتَّابُ والشُّعراء أيضًا.

  • شرف إزرائيل جاو: نقاء الأب براون (٦)

    يَتوجَّه «فلامبو» و«الأب براون» إلى قلعةِ «جلينجايل» المَهيبةِ بِاسكتلندا لمُساعَدةِ المُفتشِ «كرافن» في التحقيقِ في المُلابَساتِ الغامضةِ لوفاةِ الإيرل «جلينجايل»؛ مالكِ القلعةِ الذي كانَ يَحيا حياةً مُنعزلةً ولم يَرَه أحدٌ من قبلُ سوى خادمِه الوحيدِ الصامتِ «إزرائيل جاو».

    حياةٌ غامِضة، وأدِلَّةٌ بلا دلالةٍ — هي كلُّ ما عَثروا عليه داخلَ القلعة — زادَتِ الأمورَ غُموضًا؛ أكوامٌ منَ النشوقِ مُبعثرةٌ في كلِّ مكان، ومجموعةٌ منَ الأحجارِ الكريمةِ دونَ حُليٍّ تُرصِّعُها، وشموعٌ دونَ شَمعدانات، ورَصاصُ أَقْلامٍ دونَ أَقْلام، وكُتبٌ دِينيةٌ نُزِعَ منها اسمُ الربِّ والهالةُ التي تُحيطُ برأسِ المَسيح. ماذا تَعني كلُّ تلكَ الأدِلَّةِ التي لا تفسيرَ لها؟ هل كانَ للإيرل الراحلِ مُمارَساتٌ غامِضةٌ دعَتْ لوجودِ هذهِ الأشياء؟ ولِمَ يَرفضُ «إزرائيل جاو» أنْ يَتكلَّم؟ لِمَ اختارَ سيدُه لنفسِه تلكَ الحياةَ المُنعزِلة؟ هل يَنجحُ «الأب براون» في إيجادِ حلٍّ لذلكَ اللُّغزِ الغريب؟‎ كلُّ ذلك وأكثرُ سنَعرفُه ضِمنَ أحداثِ هذه القصةِ المُثيرة.

  • مصطلح التاريخ

    إنَّ دِراسةَ التاريخ، شأنُها كشأنِ أيِّ دِراسةٍ أُخْرى للمَعرفةِ الإنسانيَّة، تَستلزمُ مِن صاحبِها إتقانَ منهجٍ عِلميٍّ مُحدَّدٍ له أدواتُه وأساليبُه الخاصةُ في تناوُلِ الحدَثِ التاريخيِّ بالدرْسِ والنقدِ والتَّمْحيص، وقد فصَّلَها في هذا الكتابِ شيخُ المُؤرِّخِينَ «أسد رستم»؛ فالتأريخُ فنٌّ مُتميِّزٌ لا يَقتصرُ على رِوايةِ مجموعةٍ مِنَ الحوادثِ التاريخيةِ المُتعاقِبةِ دونَ التحقُّقِ من أُصولِها، والإشارةِ لظُروفِها التاريخيةِ والمَكانية، وذِكْرِ حالِ مؤرِّخِيها؛ فذلك جهدٌ بسيطٌ يُمكِنُ لأيِّ شخصٍ القيامُ به، أمَّا التأريخُ فيَتطلَّبُ باحِثًا مُؤهَّلًا سبَقَ إعدادُه عِلْميًّا وله نصيبٌ من إتقانِ بعضِ العلومِ المُهمَّةِ التي تساعِدُه على دِراسةِ النصِّ وتَفسيرِه، وهي التي سمَّاها رستم ﺑ «العُلومِ المُوصلة» لتأتيَ بعْدَها مرحلةُ جمْعِ كافَّةِ الأصولِ والذَّخائرِ الأثريَّةِ للفترةِ التاريخيةِ محلِّ الدَّرْس، أو ما يُسمِّيه المتخصِّصونَ بعمليةِ «التقميش»، هذا بالإضافةِ إلى العديدِ منَ التفاصيلِ المُشوِّقةِ الأخرى التي تَحملُها صفحاتُ الكتابِ عن أسرارِ العملِ في التأريخ، بحيثُ تُقرِّبُ للقارِئِ العاديِّ كَواليسَ البحوثِ التاريخية، وفي الوقتِ نفْسِه تصقلُ مَهاراتِ القارئِ المُتخصِّصِ البَحْثيَّة.

  • صوت الأعماق: قراءات ودراسات في الفلسفة والنفس

    «علينا أنْ نطلبَ المعرفةَ أينما بزغَت، ونحجَّ إلى العِلمِ حيثُما كان، وألَّا نخشى منَ الأمواجِ بل منَ الخُروقِ في سفينتِنا. علينا أنْ نَخرجَ مُختارِينَ مِن كهوفِ الماضي، قبلَ أن نَبرزَ منها مُضطرِّينَ بروزَ الضبِّ منَ الجُحرِ المدخَّن، وبروزَ الدُّودِ منَ الجِيَفِ المُحترِقة.»

    ثَمةَ طُرقٌ عديدةٌ للبحثِ عن حلولٍ لمَشاكلِنا، غيرَ أنَّ أَسْلمَ الطُّرقِ هي الرجوعُ إلى أُسسِ هذهِ المشكلاتِ ومَنابعِها، وكأنَّ الحلَّ يأتي من صَرخةٍ تُدوِّي منَ الأعماقِ ليَصلَ صَداها إلى المُفكِّرينَ والسَّاسةِ والمَعنيِّين بهذهِ القضايا. يُقدِّمُ «عادل مصطفى» هنا عَرْضًا لعدَّةِ قضايا؛ أُولاها التعليم، ويُناقشُه من خلالِ تجرِبةِ صُندوقِ اللغةِ الصينيةِ للفيلسوفِ الأمريكيِّ «جون سيرل»، التي تُظهِرُ لنا أنَّ المرءَ يُمكِنُ أن يَبدوَ ذكيًّا وهو غيرُ ذلك، وأن يَبدوَ فاهمًا وهو لا يَفهم؛ ثم يُناقِشُ قضيةَ الديمقراطيةِ مُستعرِضًا آراءَ الآباءِ المؤسِّسِين لها، أمثال: «جون ستيوارت مل»، و«جون ديوي»، و«كارل بوبر‌»؛ ثم يَعرضُ للنظريةِ العامةِ للأنظمةِ ومُتضمَّناتِها في مجالِ الطبِّ النفسي. ويَختمُ المؤلِّفُ هذه النقاشاتِ بعرضٍ مُفصَّلٍ وقراءةٍ في موسوعةِ ستانفورد الفلسفيَّة، على هامشِ مفهومِ صراعِ الحَضارات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠